من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلاثمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّلَاثُونَ بعد الثلاثمائة
وليلٍ يَقُول النّاس من ظلماتهسواءٌ صحيحات الْعُيُون وعورها
كأنّ لنا مِنْهُ بُيُوتًا حَصِينَةمسوحاً أعاليها وساجاً كسورها
على أَن مسوحاً وساجاً نعتان لقَوْله: بُيُوتًا. وَصَحَّ النَّعْت بهما مَعَ أَن كلا مِنْهُمَا اسْم جَوْهَر أَي: جسم لتأويلهما بالمشتق. فَالْأول يؤول بسوداً وَالثَّانِي بكثيفاً.
قَالَ ابْن مَالك: رفع الأعالي والكسور بمسوح وساج لإقامتهما مقَام سود.
وَقَالَ السيرافي: ذهب بمسوح إِلَى سود وبساج إِلَى كثيف. انْتهى.
وَأورد ابْن جني هَذَا الْبَيْت فِي إِعْرَاب الحماسة مَعَ نَظَائِر لَهُ ثمَّ قَالَ: وَهَذَا يدلك من مذهبها على أَنَّهَا إِذا نقلت شَيْئا من مَوْضِعه إِلَى مَوضِع آخر مكنته فِي الثَّانِي. أَلا ترى أَن هَذِه الْأَشْيَاء كلهَا أَسمَاء فِي أُصُولهَا وَلما نقلتها إِلَى أَن وصفت بهَا مكنتها وَثبتت أقسامها فِيهِ حَتَّى رفعت بهَا الظَّاهِر وَحَتَّى أنثتها تَأْنِيث الصّفة
وأجرتها على مَا قبلهَا جَرَيَان الصِّفَات على موصوفاتها.
وَعكس ذَلِك مَا أخرج من الصّفة إِلَى الِاسْم فمكن فِيهِ نَحْو صَاحب ووالد. أَلا تراهم حموا كَلَامهم أَن يَقُولُوا فِيهِ: مَرَرْت بِإِنْسَان صَاحب حَتَّى صَار صَاحب بِمَنْزِلَة جَار وَغُلَام. انْتهى بِاخْتِصَار.
والمسوح: جمع مسح بِالْكَسْرِ وَهُوَ البلاس بِكَسْر الْمُوَحدَة وَفتحهَا وَهُوَ فَارسي مُعرب أوردهُ الجواليقي فِي المعربات وَهُوَ ينسج من الشّعْر الْأسود.
قَالَ صَاحب الصِّحَاح: وَأهل الْمَدِينَة يسمون الْمسْح بلاساً. وَمن دُعَائِهِمْ: أرانيك الله على البلس وَهِي غَرَائِر كبار من مسوح يَجْعَل فِيهَا التِّبْن فيشهر عَلَيْهَا من ينكل بِهِ وينادى عَلَيْهِ.
والساج بِالْجِيم: ضرب من الشّجر لَا ينْبت إِلَّا بِالْهِنْدِ والزنج يجلب خشبه وَهُوَ أسود. وَإِلَيْهِ يُشِير تَفْسِير الشَّارِح لَهُ بالكثيف. والساج أَيْضا: الطيلسان الْأَخْضَر وَهُوَ ألوان مُتَقَارِبَة يُطلق كل مِنْهَا على الآخر. وَبِهَذَا الْمَعْنى فسر الساج هَا هُنَا.
قَالَ غُلَام ثَعْلَب فِي كتاب الْيَوْم وَاللَّيْلَة: يُقَال: إِن أشعر مَا قيل فِي الظلمَة قَول مُضرس. وَأنْشد هذَيْن الْبَيْتَيْنِ. ثمَّ قَالَ: يُرِيد الطيلسان.)
وَكَذَلِكَ قَالَ الشريف ضِيَاء الدَّين هبة الله عَليّ بن مُحَمَّد بن حَمْزَة الْحُسَيْنِي فِي الحماسة الَّتِي صنفها كحماسة أبي تَمام وَزَاد عَلَيْهِ أبواباً كَثِيرَة وَأورد فِيهَا أشعاراً جَيِّدَة وَقد أَجَاد فِي الِاخْتِيَار والنقد عِنْدَمَا أورد هَذَا الشّعْر فِيهَا. وعَلى هَذَا يؤول الأول بسوداً كثيفة وَالثَّانِي بأسود لطيف.
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الحصري فِي زهر الْآدَاب بَعْدَمَا أورد الْبَيْتَيْنِ بقوله: أَرَادَ أَن أَعْلَاهُ أَشد ظلاما من جوانبه. وَهَذَا معلومٌ حسا فَإِن الْإِنْسَان إِذا كَانَ قَائِما فِي
الظلام لَا يكَاد يرى شَيْئا وَإِذا لطئ بِالْأَرْضِ فَرُبمَا رأى شَيْئا.
والكسور: جمع كسر بِكَسْر الْكَاف وَهُوَ أَسْفَل شقة الْبَيْت الَّتِي تلِي الأَرْض من حَيْثُ يكسر جانباه من يَمِينك ويسارك. وَفِي جَمِيع نسخ الشَّرْح ستورها بدل كسورها وَالظَّاهِر أَنه تَحْرِيف من الْكتاب.
والبيوت: جمع بَيت قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي شرح المفضليات: الْبَيْت عِنْد الْعَرَب هُوَ مَا يكون من صوف أَو شعر والخيمة لَا تكون إِلَّا من شجر.
وَضمير أعاليها وكسورها رَاجع للبيوت. شبه اللَّيْل بِالْبُيُوتِ الحصينة للتحصين بهول الظلام فَإِنَّهُ لَا يقدر أحد أَن يهجم على أحد.
وَقَوله: وليل يَقُول النَّاس الخ من التَّعْلِيل سَوَاء خبر مقدم وصحيحات مُبْتَدأ مُؤخر وَالْجُمْلَة مقول القَوْل أَي: الْعُيُون الصَّحِيحَة والعيون العور سَوَاء فِي عدم رُؤْيَة شَيْء لتكاثف الظلام.
وَرُوِيَ: بصيرات الْعُيُون وَالْوَاو فِي وليل هِيَ وَاو رب وجوابها: تجاوزته فِي بيتٍ بعدهمَا وَهُوَ:
تجاوزته فِي ليلةٍ مدلهمّةٍيُنَادي صداها نَاقَتي يستجيرها
كَأَنَّهُ أَرَادَ بليلة قِطْعَة مِنْهَا. والمدلهمة: الشَّدِيدَة السوَاد.
وَرُوِيَ:
تجاوزته فِي همّة مشمعلّة أَي: سريعة. والصدى من طيور اللَّيْل وَهُوَ ذكر البوم وَإِنَّمَا استجار بناقته لتفاقم هول اللَّيْل فَأَرَادَ أَن يصحبها ليأمن. وَالْأَصْل يستجير بهَا فَحذف وَوصل.
قَالَ الشريف صَاحب الحماسة: من أحسن مَا وصف بِهِ سَواد اللَّيْل هَذِه الأبيات.
وَقبلهَا بيتان فِي وصف الْيَوْم وهما:)
ويومٍ من الشعري كأنّ ظباءهكواعب مقصورٌ عَلَيْهَا ستورها
نصبت لَهُ وَجْهي وكلّفت حميهأفانين حرجوجٍ بطيءٍ فتورها
أَي: رب يَوْم من أَيَّام طُلُوع الشعري وَهُوَ الْكَوْكَب الَّذِي يطلع بعد الجوزاء وطلوعه فِي شدَّة الْحر. والكواعب: جمع كاعب وَهِي الْجَارِيَة الَّتِي يَبْدُو ثديها للنهود. وَقصرت السّتْر: أرخيته.
شبه الظباء الكانسة من شدَّة الْحر بعذارى أرخي عَلَيْهِنَّ السّتْر لِئَلَّا يراهن أحد.
ونصبت لَهُ أَي: لذَلِك الْيَوْم. وَنصب الشَّيْء: أَقَامَهُ وَهُوَ جَوَاب رب. وكلف يتَعَدَّى لمفعولين أَولهمَا حميه أَي: حمي ذَلِك الْيَوْم وَهُوَ مصدر حميت الشَّمْس وَالنَّار مثلا إِذا اشْتَدَّ حرهما.
وَثَانِيهمَا أفانين وَهُوَ جمع أفنون بِالضَّمِّ وَهُوَ الجري الْمُخْتَلط من جري الْفرس والناقة. كَذَا فِي الْقَامُوس.
والحرجوج بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وجيمين أَولهمَا مَضْمُومَة وَهِي النَّاقة السمينة وَقيل الشَّدِيدَة وَقيل الضامرة الوقادة الْقلب. وبطيء بِالْجَرِّ صفة سَبَبِيَّة لحرجوج وفتورها فَاعل بطيء وَالضَّمِير لحرجوج. والفتور: مصدر فتر من بَاب دخل إِذا ضعف وتعب.
وَهَذِه الأبيات لمضرس بن ربعي وَهُوَ بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون الْمُوَحدَة الْأَسدي. وَهُوَ شَاعِر جاهلي وَهُوَ بِضَم الْمِيم وَكسر الرَّاء الْمُشَدّدَة فِي اللُّغَة الْأسد الَّذِي يمضغ لحم فريسته وَلَا يبتلعه.
وَقد ضرس فريسته تضريساً إِذا فعل بهَا ذَلِك.
وَقَالَ أَبُو عَمْرو: المضرس الَّذِي قد جرب الْأُمُور وَقيل: مُشْتَقّ من الضرس أَي: قد نبت لَهُ ضرس الْحلم.
وَهَذَا نسبه من المؤتلف والمختلف للآمدي: مُضرس بن ربعي بِكَسْر
الرَّاء وَسُكُون الْمُوَحدَة وَتَشْديد الْيَاء المكسور مَا قبلهَا ابْن لَقِيط بِفَتْح اللَّام بن خَالِد بن نَضْلَة بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن الأشتر بن جحوان بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة ابْن فقعس بن طريف بن عَمْرو بن قعين بِضَم الْقَاف ابْن الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن دودان بِضَم الدَّال ابْن أَسد بن خُزَيْمَة.
وَهُوَ شَاعِر محسن مُتَمَكن وَهُوَ الْقَائِل:
فَلَا تهلكنّ النّفس لوماً وحسرةًعلى الشَّيْء سدّاه لغيرك قادره
وَلَا تيأسن من صالحٍ أَن تنالهوَإِن كَانَ بؤساً بَين أيدٍ تبادره
وَمَا فَاتَ فَاتْرُكْهُ إِذا عزّ واصطبرعلى الدّهر إِن دارت عَلَيْك دوائره
)
فإنّك لَا تُعْطِي امْرأ حظّ غَيرهوَلَا تعرف الشّقّ الَّذِي الْغَيْث ماطره
ورِبْعِي: مَنْسُوب إِلَى الرّبيع. وَأَرْبع الرجل إِذا ولد لَهُ ولد وَهُوَ شَاب.
وَولده ربعي. وأصاف فَهُوَ مصيف إِذا ولد لَهُ بَعْدَمَا كبر. وَولده صَيْفِي.
قَالَ الراجز:
إنّ بنيّ صبيةٌ صيفيّونأَفْلح من كَانَ لَهُ ربعيّون
وَذكر الْآمِدِيّ شَاعِر آخر اسْمه مُضرس وَهُوَ مُضرس بن قرطة بن الْحَارِث أحد بني صبيح بن
وَأقسم لَوْلَا أَن تَقول عشيرتيصبا بسليمى وَهُوَ أشمط راجف
لخفّت إِلَيْهَا من بعيدٍ مطيّتيوَلَو ضَاعَ من مَالِي تليدٌ وطارف
ذكرت سليمى ذكرةً فكأنّماأصَاب بهَا إِنْسَان عَيْني طارف
أَلا إنّما العينان للقلب رائدٌفَمَا تألف العينان فالقلب آلف
وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة من اسْمه مُضرس إِلَّا مُضرس بن سُفْيَان بن خفاجة. كَذَا فِي الْإِصَابَة.
وَأنْشد بعده: وَلَقَد أمرّ على اللّئيم يسبّني وَتَمَامه: فمضيت ثمّت قلت لَا يعنيني وَقد تقدم شَرحه مُسْتَوفى فِي الشَّاهِد الْخَامِس وَالْخمسين.
وَأنْشد بعده: جاؤوا بمذقٍ هَل رَأَيْت الذّئب قطّ وَهَذَا أَيْضا تقدم شَرحه مفصلا فِي الشَّاهِد السَّادِس وَالتسْعين.
وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد س:
ونظرن من خلل السّتور بأعينٍمرضى مخالطها السّقام صِحَاح
على أَن مخالطها بِالْجَرِّ صفة لأعين. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: سمعنَا الْعَرَب تنشد هَذَا الْبَيْت جراً. وَمرَاده الرَّد على يُونُس فِي زَعمه أَن الْوَصْف إِذا كَانَ للاستقبال يجب رَفعه على الِابْتِدَاء وَلَا يجوز إتباعه لما قبله فَلَو كَانَ كَمَا زعم لرفع الْوَصْف فَدلَّ رِوَايَة الْجَرّ على جَوَاز مَا زَعمه.)
وَنَصّ سِيبَوَيْهٍ: وَبَعْضهمْ يَجعله نصبا إِذا كَانَ وَاقعا ويجعله على كل حَال رفعا إِذا كَانَ غير وَاقع. هَذَا قَول يُونُس.
وَكَلَام سِيبَوَيْهٍ هُنَا فِيهِ غموض وَقد لخصه الشَّارِح الْمُحَقق وَبَين الْمذَاهب الثَّلَاثَة بألطف عبارَة وَأظْهر بَيَان فَللَّه دره مَا أحسن استنباطه وأجود تَقْرِيره.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لِابْنِ ميادة وَقَبله:
وارتشن حِين أردن أَن يرميننانبْلًا بِلَا ريشٍ وَلَا بقداح
وَقَوله: وارتشن أَي: اتخذن ريشاً لسهامهن. وَهَذَا على طَرِيق الْمثل جعل أعينهن إِذا نظرن بِمَنْزِلَة السِّهَام الَّتِي يرْمى بهَا. ونبلاً إِمَّا مَنْصُوب بارتشن بِمَعْنى رشن وَإِمَّا مَنْصُوب بإضمار رشن كَأَنَّهُ قَالَ: ارتشن فرشن نبْلًا تَقْدِيره اتخذن ريشاً فرشن بِهِ نبْلًا.
والقداح: جمع قدح بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الدَّال وَهُوَ عود السهْم قبل أَن يوضع فِيهِ النصل والريش.
وروى: نبْلًا مقذذةً بِغَيْر قداح والمقذذة: السِّهَام الَّتِي لَهَا قُذَّة بِضَم الْقَاف وَتَشْديد الذَّال الْمُعْجَمَة وَهِي ريش السهْم. يُرِيد أَن السِّهَام الَّتِي أصلحنها ورمين بهَا لَيست بسهام من خشب وَإِنَّمَا هِيَ أعينهن إِذا نظرن بهَا إِلَى إِنْسَان. وخلل الستور بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة: الْفرج الَّتِي فِيهَا.
وَأوردهُ الزّجاج فِي مَعَاني الْقُرْآن عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَاتخذ الله إِبْرَاهِيم خَلِيلًا قَالَ: والخلل: كل فُرْجَة تقع فِي شَيْء فَإِن مَعْنَاهُ نظرن من الْفرج الَّتِي تقع فِي الستور. انْتهى.
وَرُوِيَ: من خلل الْخُدُور جمع خدر بِالْكَسْرِ وَهُوَ السّتْر. وَجَارِيَة مخدرة إِذا ألزمت السّتْر.
أَشَارَ إِلَى أَنَّهُنَّ مصونات لَا ينظرن إِلَّا من وَرَاء حجاب. والعيون المرضى: الَّتِي فِي طرفها فتور وَجعل ذَلِك الفتور والضعف الَّذِي فِي نظرها بِمَنْزِلَة السقام فِيهَا وَهِي صِحَاح فِي أَنْفسهَا لَا عِلّة فِيهَا. وَإِنَّمَا يفتر النّظر من رُطُوبَة الْجِسْم وَالنعْمَة والترفه.
وصف نسَاء يصبن الْقُلُوب بفتور أعينهن وحسنهن فَجعل نظرهن كالسهام وَوصف عيونهن بِالْمرضِ لفتور جفونهن ثمَّ بَين أَن فتورها من غير عِلّة. فَقَوله: ونظرن مَعْطُوف على قَوْله وارتشن وَمن وَالْبَاء متعلقان بِهِ وَذكر لأجل وصفهَا الْمَذْكُور وَإِلَّا فالنظر لَا يكون إِلَّا بِالْعينِ.)
ومرضى: جمع مَرِيض وصف الْجمع بِالْجمعِ أَو جمع مَرِيضَة. والسقام فَاعل مخالط. والصحاح بِالْكَسْرِ: جمع صَحِيحَة وَهُوَ وصف ثَالِث.
وَابْن ميادة شَاعِر إسلامي تقدّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد التَّاسِع عشر من أَوَائِل الْكتاب.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع