من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)
الثور
قال النابغة:
كأن رحلي وقد زال النهار بنابذي الجليل عن مستأنس وحد
من وحش وجرة موشيّ أكارعهطاوى المصير كسيف الصيقل الفرد
زال النهار تنصف، بنا في معنى علينا، والمستأنس الذي ينظر بعينه ويروى مستوجس وهو الذي قد أحسن شيئاً يفزع منه فهو يتسمع والوجس السمع، وذو الجليل موضع ينبت الثمام ويقال للثمام جليل الواحدة جليلة، وإنما قال من وحش وجرة لأن وجرة في طرف السيّ وهي فلاة بين مران وذات عرق وهي ستون ميلا وهي مجمع الوحش وهي قليلة الشرب للماء هناك، وموشى أكارعه يريد أنه أبيض في قوائمه نقط سود وفي وجهه سفعة، طاوي المصير يريد ضامر البطن والمصير المعي وجمعه مصران ثم مصارين جمع الجمع، كسيف الصقيل يريد أنه أبيض يلوح كأنه سيف صقيل، ويقال فرد وفرد أي هو منقطع القرين لا مثل له في جودته كما يقال نسيج وحده. وكان الأصمعي يستحسن بيت الطرماح في صفة الثور.
يبدو وتضمره البلاد كأنّهسيف على شرف يسلّ ويعمد
وقال ذو الرمة:
ولاح أزهر مشهور بنقبتهكأنه حين يعلو عاقراً لهب
أزهر ثور أبيض ونقبته لونه، والعاقر رملة مشرفة لا تنبت، ولهب شبهه بشعلة نار على أعلى الرملة. وقوله:
تجلو البوارق عن مجرمّز لهقكأنه متقبّي يلمق عزب
اليلمق القباء، وعزب وحده يشبهه بذلك لبياضه. وقال بشر وذكره:
ومر يباري جانبيه كأنهعلى البيد والأشراف عشوة مقبس
العشوة النار. وقال أبو دواد:
لهق كنار الرأس بالعلياء تذكيها الأعابد
لهق أبيض: الرأس رئيس العجم، والأعابد جمع أعبد، شبهه بنار توقد على شرف.
وقال رؤبة ذكر ثوراً:
حتى إذا ما دجنه ترفّعاوليله عن فرديّ ألمعا
عدا كلمع البرق أو تزوّعا
فردى كقول النابغة " كسيف الصيقل الفرد " وألمع ذو لمع،
وتزوّع تحرّك كقولك: زع ناقتك أي حركها. وقال ابن أحمر:
لما أنجلى غلس الظلام صبحتهذا ميعة خرصا كلون الفرقد
صبحته أي صبحت الفرس ثوراً ذا نشاط، والخرص الجوع مع البرد، والفرقد نجم، شبهه به لبياضه. وقال ابن مقبل وذكر ثوراً استضاف بشجرة:
كأن مجوسياً أتى دون ظلّهاومات الندي عن جانبيه فاضرما
قال الأصمعي: أراد كأن الثور في بياضه مجوسي قام دون الشجرة وعليه يلمق أبيض والمجوس لم تزل تلبس الأقبية، فشبه الثور بذلك، قال وهو كقول ذي الرمة:
كأنه متقّبي يلمق عزب
وقال أبو عمرو نحو ذلك وزاد: مات الندى أي ذهب وانقطع عنه المطرى وجاء الحر فأضرم أي دخل في الضرمة وهي توقد الحر، وروي لي عن الأصمعي أنه قال في قوله: فأضرما، أي أقام مكانه في الحر، ويروى " كأن يهودياً أتى دون ظلها " فمن روي هذه الرواية أراد: كأن الثور منكساً رأسه كيهودي مصل، وروى عن خالد أنه رواه: فأصرما يريد انقطع الندى وذهب. وقول لبيد يصف الثور:
فاجتاز منقطع الكثيب كأنهمصع جلته الشمس بعد صوان
المصع الثوب الأبيض، والصوان التخت. وقال ضابيء بن الحارث يذكر الثور:
شديد بريق الحاجبين كأنماأسفّ صلى نار فأصبح أكحلاً
يقول هو أبيض الحاجبين أحم الفم كأنه أقمح رماداً. وقال ابن مقبل وذكر ثوراً:
يظلّ بها ذبّ الرياد كأنهسرادق أعراب بحبلين مطنب
أي يرود بها ويذبّ عن نفسه. وقال الهذلي وذكر ثوراً:
يظلّ على البرز اليفاع كأنهطراف رست أوتاده عند نازل
البرز ما برز من الأرض، واليفاع المرتفع، والطراف بيت من أدم، رست ثبتت.
وقال أبو حية النميري:
كأن بها البردين أبلاق سيمةتبين إذا أشرفن تلك الروابيا
أبلاق الواحد البلق وهو الفسطاط، وسيمة يسام بها لتباع، شبّه الثيران بها.
وقال ذو الرمة يذكر الإبل حيث نظرت:
فبينّ برّاق السراة كأنهفنيق هجان دس منه المساعر
أي استبن ثورا براق الظهر كأنه فحل إبل طليت مساعره وهي
أصول آباطه وأفخاذه بالهناء، وشبهه بذلك لأن مساعر الثور إلى السواد فكأنه فحل أبيض اللون قد هنئت مساعره. وقيل سميت مساعر لأنها أول ما تستعر بالجرب. وقال الطرماح وذكر ثوراً:
ومضى تحسب أقرابهثوب سحل فوق أعود قام
أقرابه خواصره، والسحل ثوب أبيض، وقام جمع قامة وهي البكرة. وهذا وصفه ببياض الأقراب. وقال يذكر ثوراً يشبه به ناقته:
كعقيل الحر في لونهلمع كالشام من غير شام
خلط وشي مثل ما هلهلتذات أصداف نؤور الوشام
العقيل الثور، والحر الرمل، والشام جمع شامة، يقول في هذه اللمع خلط وشى، وهلهلت أرقت وكل رقيق مهلهل وهلهال، وإنما سمي مهلهلا لأنه أرق الشعر، ذات أصداف امرأة تكون معها الصدف وفيه ضروب من الصبغ، والنؤور الكحل تشم به الجارية ظاهر كفها. ووشام جمع وشم. وقال العجاج وذكر ثوراً:
كأنه مسرول أرندجاكما رأيت في الملاء البردجا
الأرندج جلود سود والبردج السبي والملاء الملاحف، شبه سواد قوائمه بالجلود التي تعمل منها الخفاف، وشبه بياض ظهره بالملاء والأرندج أصله بالفارسية رنده وكذلك البردج بالفارسية برده
وقال الكميت:
وكأن الشوى تزيّن منهبثرى الحص أو امسّ عبيرا
الحص الورس، وثراه نداه، والعبير أخلاط تجمع مع الزعفران. وقال العجاج:
سرول في سراول الصفّورتحت رفلّ السند المزرور
الصفور ثياب تأتي من الصفورية أحسبها ملونة إلى السواد، رفل ثوب سابغ، والسند ثياب يؤتي بها من ناحية السند. وقال المثقب العبدي وذكر ناقة:
كأنها أسفع ذو جدةيمسده القفر وليل سدي
يمسده يطويه والمسد الطي، وليل سد أي ند، يريد أنه في القفر، قال ولا يزال البقل في تمام ما سقط الندى عليه فإذا ذهب الندى تولى البقل، يريد أنه يأكل العشب فيغنيه عن الماء فيطويه ذلك.
كأنه ينظر من برقعمن تحت روق سلب مذود
يريد أن بخديه سفعة، وسلب طويل ومذود يذود به. ومثله لرؤبة:
كأنما تنظر من براقعا
وقول الآخر:
وبرقع خديه ديباجتا
وقال ذو الرمة يصف ثورا:
كأنه كوكب في إثر عفريةمسوّم في سواد الليل منقضب
شبهه بكوكب منقض يرجم به الشيطان ومسوم معلم. وقال
ذو سفعة كشهاب القذف منصلتيطفو إذا ما تلقتّه الجراثيم
شهاب القذف النجم الذي يقذف به الشيطان، يطفو يعلو، والجراثيم تراب في أصول الشجر. وقال العجاج يصفه:
إذا تلقتّه الجراثيم طفا
وقال الكميت:
تولى كنجم الأخذ بعد عدادهيضيف وأشفى النفر نفر المعاين
ملا بائصا ثم اعترته حميةعلى تشحة من ذائد غير واهن
نجم الأخذ الذي يرمي به الشيطان ونجم الأخذ مفسر في كتاب الانواء بعد عداده أي بعد طلوعه لوقته والعداد الوقت يقال: السم يعاد. يضيف أشفى النفر للنفس نفر من عاين، والملا الواسع من الأرض، والبائص الفائت يقال باصه إذا فاتعه وسبقه، والتشحة خبث النفس والغضب، واهن، وقال أوس بن حجر:
فانقض كالدريّ يتبعهنقع يثور تخاله طنبا
يخفي وأحيا نايلوح كمارفع المشير بكفه لهبا
وقال عوف بن الخرع:
برد علينا العير من دون إلفهأو الثور كالدري يتبعه الدم
وقال بشر بن أبي خازم.
فجال على نفر كما انقّض كوكبوقد حال دون النقع والنقع يسطع
وقال أيضاً وذكر أتانا:
والعيرير هقها الغبار وجحشهاينقض خلفهما انقضاض الكوكب
جدّا من الشعراء شبه الحمار والجحش بالكواكب المنقض في سرعته وبياضه.
وقال ابن أحمر:
وأنقض منسدراً كأن إرانهقبس تقطّع دون كف الموقد
منسدراً راكبا رأسه، وإرانه نشاطه، يقول كأن إرانه شعلة نارتقطعت شرارته أسفل من كف الموقد. وقال النابغة:
فارتاع من صوت كلاب فبات له طوع الشّوامت من خوف ومن صرد
أراد بالشوامت القوائم واحدتها شامتة، يقول بات الثور طوع قوائمه أي بات قائما، هذا من روى طوع بالنصب، ومن رفع طوع فأنه يريد بات الثور من البرد والخوف ما تشتهيه شوامته وتسرّبه وهم أعداؤه. ويقال لا تطيعن شامتا أي لا تفعل ما يحب، يقال طاع يطوع طوعا وأطاع إطاعة. وقال الطرماح:
نول عن الأرض أزلامهكما زلّت القدم الآزحة
أزلامه قوائمه شبهها بالقداح، والآزحة القصيرة. وقال لبيد:
حتى إذا حسر الظلام واسفرتبكّرت تزلّ عن الثرى أزلامها
يعني بقرة وقال الأعشى:
فأصبح ينفض الغمرات عنهويربط جأشه سلب حديد
ورحّ كالمحا موتّداتبها ينضو الوغى وبه يذود
سلب قرن طويل، ورح أظلاف، كالمحار أي كالصدف، بها ينضو أي يخرج، وبه أي بالقرن يذود. وقال أبو النجم:
يحثي بسمر تعبط الأهدافامن الحرور لهبّا شفشافا
يقول يحثى بأظلافه وهي سمر ما يحفره من التراب بقرنيه، تعبط تشق وتحفر، والأهداف جمع هدف من الرمل، وأراد يتقي من
الحرور لهبا فأضمر ذلك ولم يذكر، وشفشافا شديدا.
وقال لبيد:
تشق خمائل الدهنا يداهكما لعب المقامر بالفئال
الفئال لعبة للصبيان يجعلون ترابا بالطول وفيه عود ثم يضرب باليد فيقطع نصفين ويقال أين العود؟ وقال طرفة:
يشق حباب الماء حيزومها يهاكما قسم التراب المفائل باليد
وقال رؤبة يذكر الكلاب والثور:
فانصاع يكسوها الغبار الأصيعابأربع في وظف غير أكوعا
ندف القياس القطن الموشعا
الأصيع الذي يجيء ويذهب، والأكوع الذي في كوعه اعوجاج والاسم الكوع، والتوشيع أن يدار الغزل بالابهام والخنصر ثم يجمع فيدخل في القصبة.
وقال ذو الرمة يذكر ثورا يحفر أصل شجرة:
توخاه بالأظلاف حتى كأنمايثير الكباب الجعد عن متن محمل
الكباب ما يكب من الرمل واجتمع، والجعد الذي قد لزم بعضه بعضاً، محمل يريد حمائل السيف، شبه حمرة عروق الشجرة بحمرة الحمائل. وقال بشر بن أبي خازم.
تمكث شيئا ثم انحى ظلوفهيثير التراب عن مبيت ومكنس
برح كأصداف الصناع قرائنإثارة معطاش الخليقة مخمس
الرح الأظلاف الواسعة - الواحد أرحّ، شبهها في عرضها بأصداف الصناع. وقرائن مقترنة، الخليقة يقال البئر لا ماء فيها، فشبه الثور برجل يصب ماء بئره فهو يثير غبار بئر يحفرها.
وقال ابن الأعرابي: يريد أن خليقته طبعت على العطش، والمخمس الذي يورد لخمس، وقال امرؤ القيس:
يهيل ويذرى تربها ويثيرهاإثارة نبّات الهواجر مخمس
النباث الذي ينبث التراب في الهاجرة إما لاستخراج ماء كما قال بشر وإما لأن يباشر إبله برد الثرى. وقال الراعي وذكر ثورا عند شجرة:
يجتاب أذرأها والترب يركبهترسّم الفارط الظمآن في الأثر
يجانف البرك عن عرق أضربهتجافيا كتجافي القرم ذي السرر
يجتاب يحفر، أذرأها أسترها، كما يترسّم الفارط وهو الذي يتقدم الواردة ينظر أنّى يحفر، ويجانف يحرف صدره عن عرق الشجرة، أضرّ به دنا منه، والسرر فرجة تكون في الكركرة يقال بعير أسر.
فصبّحته كلاب الغوث يؤسدّهامستوضحون يرون العين كالأثر
يؤسها يغريها، مستوضحون ينظرون هليرون شيئاً، وأراد
يرون الأثر كالعين فقلب.
فأدّت الأذن رزّاً من سوابقهاوجال أزهر مذعور من الخمر
فكّر منتصراً يحمي حقيقتهكصاحب البزمن كرمان منتصر
أدت أذن الكلب إليه صوتا خفيا من الكلاب، وجال أزهر يعني الثور، مذعورا من ناحية الخمر وهو ما واراك من شيء وصاحب البز صاحب سلاح.
وقال لبيد يصف ثورا استضاف شجرة:
ويبرى عصيا دونها ملتئبّةيرى دونه غولا من الرمل غائلا
يقول يبرى عصيا من شعب ساقها دون أصلها وذلك أنه يحفر، متلئبة مطردة مستقيمة، وغولا من التراب يريد كثيرا منه، يغول العروق فلا تستبين من كثرته. وقال وذكر بقرة تحفر:
تبني بيوتا على فقر يهدّمهاجعد الثري مصعب في دفه زور
على فقر على حاجة منها إلى البيوت، ثم قال يهدم البيوت جعد الثرى وهو ما أبتل من الرمل جعله جعدا لانضمام بعضه إلى بعض يعني الثرى أي هو صعب شديد، في جنبه ميل يريد أنها تحفر في
الرمل فهو ينهال لا يستوي لها الحفر. وقال الكميت:
يبحث الترب عن كوارعفي المشرب لا تجشم السقاة الصغيرا
موتهن انتباشهن من القبر ويحين ما سكن القبورا
يعني عروق الشجر. وقال العجاج:
إذا انتحى كالنابث المثيرمرّت له دون الرجا المحفور
نواشط الأرطاة كالسيور
أي تعترض له عروق الشجر دون الرجا يعني ناحية الكناس، نواشط عروق تأخذ من هذا الشق إلى الآخر، وشبه عروق الشجرة بالسيور. وقال ذو الرمة:
تقيّظ الرمل حتى هز خلفتهتروّح البرد ما في عيشه رتب
الخلفة ما نبت بعد النبت الأول إذا برد الليل، هز أي نبت فاهتز من النعمة، وتروح البرد يريد التروح الذي يكون في البرد والشجر إذا أصابه برد الليل فتفطّر بالورق قيل قد تروح، رتب غلظ وشدة، والرتب والعتب ما ارتفع من الأرض كأنه درج، يقول هو في عيش لي فيه غلظ.
ربلا وأرطى نفت عنه ذوائبهكواكب الخر حتى ماتت الشهب
الربل نبت يتربل في آخر الصيف فيصيبه برد الليل فينبت بلا مطر، ذوائبه أغصانه، وكواكب الحر معظمه، والشهب جمع شهاب وهو شدة الحر، ومن رفع الذوائب جعل أغصان الشجر هي التي نفت الحر عن الثور ومن نصبها جعل كواكب الحر هي التي نفت الأغصان كأنها ألقت ورقها. وقال وذكر أرطأة:
ميلاء من معدن الصيران قاصيةأبعارهن على أهدافها كثب
يقول فيها ميل وعوج، من معدن الصيران أي هي من الموضع الذي تقيم به البقر فلا تفارقه، يقال عدن بالمكان إذا أقام به، قاصية بعيدة، وأهدافها ما أشرف من الرمل حولها جمع هدف، كثب دفع الواحدة كثبة.
وحائل من سفير الحول حائلهحول الجراثيم في ألوانه شهب
كأنما نفض الأحمال ذاويةعلى جوانبه الفرصاد والعنب
الحائل ورق أبيض قد تغير، والسفير ما سفرته الريح فألقته وسفته، وشبه البعر بالتوت والعنب، أراد كأن شجر التوت والعنب نفضت أحمالها على جوانب هذا الكناس، ذاوية قد ذوت أي جفت بعض الجفوف، ونصب ذاوية على الحال. وقال الطرماح يذكر الثور:
بات لدى نعضة يطوف بهافي رأس متن أبزى به جرده
نعضة شجرة والجمع نعض، وأبزى بالمتن رفعه، جرده قلة نباته.
طوف متلّي نذر على نصبنصب دوار محمّرة جدده
المتلّي الذي يقضي ما بقي عليه من نسكه، وجدده طرائقه احمرت من الدم.
وغاط حتى استثار من شيم الأرض سفاة من دونها ثأده
لما استبان الشبا شبا جربياء المس من كل جانب ترده
غاط أدخل رأسه يحفر فهو يغوط غوطا، وشيم الأرض تراب حفرة لم تحفر قبل ذلك واحدتها شيمة، والسفاة التراب يخرج من البئر، والثأد الندى يقول: فعلى هذا الماء استبان الشبا من البرد وهو حده، والجربياء الشمال، أي وجد مثل مسها من البرد. وقال مثل هذا:
فبات يقاسي ليل أنقد دائباويحدر بالحقف اختلاف العجاهن
أنقد القنفذ وهو لا ينام فكذلك هذا الثور يدور ولا ينام، ويحدر يهبط، ثم شبهه بالطباخ إذا اختلف في العرس بالطعام. ويقال: العجاهن الذي يخدم في العرس إكراما لصاحبه.
كطوف متلّي حجة عند غبغبوقرّت مسودّ من النسك قاتن
الغبغب المنحر ويقال صنم، وقرت جمع قارت وهو الدم الجامد، والنسك الذبح، والقاتن الأحمر اليابس، أي هو يختلف حول
الحقف كطوف هذا المتلّي:
بضاحية ثريا يحيل سفاتهاعلى نعج من عجمة الرمل ضائن
ضاحية بارزة للشمس، ثريا كثيرة الندى دقيقة التراب. وسفاتها ترابها، والنعج الأبيض، عجمة الرمل معظمه، والضائن الأبيض، يحيل يصب.
يبين ويستعلي ظواهر خلفةله من سنّا ينعق بعد بطائن
يبين يستبين يعني الثور، ويستعلي يعلو، والظواهر جمع ظاهرة وهي الأرض الصلبة فيها ارتفاع، له للثور، من سنا أي من سنا ضوء برق، ينعق ينشق، ما بطن من السحاب ثم انشق عنه فأبداه. وقوله:
يثير نقا الحنّاءتين وينثنيبه نقب أولاج كنقب الصيادن
الحناءتان رملتان، والصيادن الثعالب، شبه ما عرف بنقوب الثعالب، ويروي هذا البيت:
ويلقى قفا الحناءتين بروقهتناويط أولاج كخيم الصيادن
التناويط عششة الطير المتدلية في الشجر، والخيم جمع خيمة، والصيادن الملوك، قال الأصمعي: مهد ذلك الطير لفرخه وفرش له ذلك العش مثل ما مهد للملك يقول يلقى بروقيه عششه الطير. وقال النابغة:
يقابل الريح روقيه وجبهتهكالهبرقيّ تنحّيّ ينفخ الفحما
الهبرقي الحدّاد. ويقال أنه يقابل الريح ليشم الريح من الصائد والكلاب إن جاءت. وقول لبيد:
فبات كأنه قاضي نذوريلوذ بغرقد خضل وضال
أي كان عليه نذرا آن يحفر فهو مجد في ذلك. وقال الكميت يصف الثور:
مكبّاً كما اجتنح الهالكيعلى النصل إن طبع المنّصل
اجتنح مال، والهالكي الصيقل، طبع صدىء، شبه الثور مكبا بصيقل مكب يجول نصلا، وقال العجاج:
يزفيه والمفزّع المزفيّمن الجنوب سنّن رمليّ
يزفيه يستخفه من مكانه، سنن من الرمل جاءت به الجنوب.
وذو عفاء قرد نجديّفبات حيث يدخل الثوىّ
ذو عفاء سحاب والعفاء أصله الوبر والريش فشبه السحاب بشيء له عفاء، قرد متلبد، نجدي جاء من ناحية نجد، والثوى الضيف.
مجرمّزا وليله قسيّومسهدات روعها تنزيّ
مجرمز منقبض، قسي شديد، مسهدات مطيرات نومه، تنزىّ أي تنزى فؤاده.
وهدب أهدب غيفانيّيذود عنه جنثها الجنثيّ
الهدب ورق الأرطى، وكل ورق ليس بعريض، غيفاني ميال يتغيف، دفع عن الثور جنثها وهو أصلها. وقال يذكر الثور أيضاً:
يركب كل عاقر جمهورمخافة وزعل المحبور
والهول من تهوّل الهبور
العاقر رملة مشرفة لا تنبت، والجمهور العظيمة، أي يركبها مخافة الرماة، وزعلا نشاطا، والمحبور المسرور، ونصب الهول أي ويركب الهول، والهبور مواضع من الأرض مطمئنة، يقول يخاف أن يكون في هذه المواضع المطمئنة سبع أو صائد. وقال أيضاً يذكره:
وشجر الهداب عنه فجفابسلهبين فوق أنف أذلفا
شجر أي عمد، والهداب غصون الشجر، سلهبين أي قرنين طويلين، والذلف قصر الأنف ورجوع طرفه إلى الرأس. وقال ذو الرمة وذكر ثوراً:
إلى كل بهو ذي أخ يستعدّهإذا هجّرت أيامه للتحول
بهو يعني كناسا وكل فجوة ومتسع فهو بهو، ذي أخ أخبر أن له كناسا آخر، يستعده هذا الثور للتحول إذا زالت الشت الشمس فيتحول عن
هذا اليله. ومنه قول طرفة وذكر ناقة:
كأن كناسي ضالة يكنفانهاوأطرقسيّ تحت صلب مؤيّد
وقد فسر في كتاب الإبل. وقال النجاشي وذكر ظبيا:
إذا الشمس ضحّت متنها يستعدهلحد الضحى أحوى الشرا سيف أكحل
هذا كناس له بابان باب للشمال وباب للجنوب فهو يستعد باب الجنوب للشتاء وباب الشمال للصيف. وقال العجاج:
ومكنس بات به قيظيّأجوف جاف فوقه بنيّ
من الحوامي الرطب والذوي
بات به بات فيه، قيظي يقول هو من مكانس القيظ كان أعده للقيظ وكنس فيه في الشتاء فهو أبرد له، أجوف ذو جوف، جاف متجاف عنه، بنى جمع بنية، يريد أن الغصون بعضها فوق بعض، والحوامي خشب يخرج في أصوله من الجانبين، والذوى اليابس.
وقال لبيد يصف دياراً:
تحمّل أهلها واجدّ فيهانعاج الصيف أخبية الظلال
أي اتخذت كنسا جددا ولا يكون كناس إلا تحت شجرة وجعلها نعاج الصيف لأنهم يرتحلون في الصيف لطلب المياه.
وقال العجاج يذكر الثور:
فبات في مكتنس معمورمساقط كالهودج المخدور
مكتنس شجر جعل كناسا، معمور من البقر، مساقط مسترخي الأغصان والورق فكأنه هودج صير له حذر.
كأن ريح جوفه المزبوربالخشب دون الهدب اليخضور
المزبور كأنه طوي بالخشب كما تطوي البئر بالحجارة. ثم قال بالخشب دون الهدب يقول هو أسفل من الهدب، والهدب ورق الأرطى.
وفي الشتاء خضر المحضور
أي هو في الشتاء كثير الحاضر من البقر والظباء. وقال آخر:
وبيت تخفق الأرواح فيهخلاء الليل معمور النهار
تمارسه صوانع مشفقاتعلى خرق يقوّم بالمداري
يعني كناسا، خرق يعني أولادها واحدها خرق، والمداري القرون. وقال الكميت:
فبات في دولج عّفي معارفهبالأمس جلجال يوم الهبوة النخل
الدولج الكناس، والجلجال ما ذهبت به الريح وجاءت. وقال أبو ذؤيب وذكر ثورا:
يرمي بعينيه الغيوب وطرفهمغض يصدّق طرفه ما يسمع
الغيوب واحدها غيب وهي المواضع لا يرى ما وراءها، يرميها بطرفه يخاف أن يكون فيها سبع أو صائد، يصدق طرفه ما يسمع، يقول إذا سمع شيئا ببصره فكان ذلك تصديقا منه لما يسمع لأنه لا يغفل عن النظر حين يسمع، وقوله: طرفه مغض - يقول ينظر ويطرف فله بين كل نظرتين إغضاء. وقال بشر بن أبي خازم الأسدي.
فأدى إليه مطلع الشمس نبأةوقد جعلت عنه الضبابة تحسر
تمارى بها رأد الضحى ثم ردهاإلى حرّيته حافظ السمع مبصر
تمارى بالنبأة وشك فيها، رأد الضحى ارتفاعه، وحرتاه أذناه، حافظ السمع مبصر يريد أنه لا يخطيء في سمعه ولا في يبصره.
فجال ولما يستبين وفؤادهبريبته مما توجّس أوجر
جال الثور وما يستبين شيئا، توجس سمع، وبعض يجعل توجس من الخيفة، وأوجر خائف.
وقال الكميت يذكر ثورا:
ذو أربع ركّبت في الرأس تكلؤهمما يخاف ودون الكاليء الأجل
منها أثنان لما الطأطاء يحجبهوالأخريان لما وافى به القبل
يريد عينيه وأذنيه فالأذنان لما أطمأن فتوارى عنه وهو الطأطاءمن الأرض، والعينان لما أتاه من قبل وهو سند الجبل.
وقال دواد وذكر ثورا:
ويصبح تارات كما استمع المضل دعاء ناشد
كان أبو عمرو بن العلاء يعجب من هذا البيت، والناشد طالب الضالة يقال نشدتها أنشدها نشدانا، والمنشد المعرّف، يقال أنشدت الضالة إنشادا أي عرفتها يريد أن الرجل إذا أضل رأى مضلا ينشد ضالته سأل هذا هذا وهذا هذا، وإنما ذلك لأن كل واحد منهما يظن بصاحبه أنه قد سمع في تطوافه خبر ضالته، ويقال بل يتشوف لذلك لوثا وأنسا كما قيل في المثل: الثكلى تحب الثكلى. وقال المثقب العبدي:
يصيخ للنبأة أسماعهإصاخة الناشد للمنشد
قال الأصمعي سمعت أبا عمرو يستحسن هذا البيت، يقول إذا سمع صوتاً أمال أذنه وتسمع كما يصيخ طالب الضالة لمعرفتها.
فنخب القلب ومارت بهمور عصافير حشى الموعد
يقول فزع، ومارت به قوائمه من الفزع من الكلاب مور عصافير، وهذا مثل يقال طارت عصافير رأسه من الفزع أي كأنما كانت عصافير على رأسه فطارت منه. ونحو منه:
فلما أتاني ما يقول ترقصتشياطين رأسي وأنتشين من الخمر
فاستن للصدع ولم يقسم الأمر فريقين ولم يلبد
يقال صدع بالعدو إذا قصد به، ولم يقسم الأمر فريقين، يقول لم يقل أقيم أو أمضي ولكنه مضى ولم يلبد أي لم يلزق بالأرض وقال ذو الرمة:
أمسى بوهبين مجتاز الطيتهمن ذي الفوارس يدعو أنفه الريب
أي اجتاز لطلب مرتعا، والريب واحدتها ريبة، يقول يشم رائحته فيأتيه ليأكله فكأنه دعاه بريحه إليه، وذو الفوارس موضع رمل. ومثله قول العجاج:
حتى غدا واقتاده الكرىوشر شر وقسور نضرىّ
ضروب من النبت. وقال ذو الرمة:
وكل أحم المقلتين كأنهأخو الانس من طول الخلاء المغفل
يعني ثورا أسود العينين، أخو الانس يقول لم ير الناس قط ولم يعرفها فهو لا ينحاش منهم، والمغفل من نعت الخلاء يريد المغفول عنه، ويروى: مغفل. وقال بشر
فأضحى وصئبان الصقيع كأنهاجمان بضاحي جلده يتحدر
أضحى من الضحى، صئبان الصقيع صغاره يعني ما سقط من الندى فيتحدر على جلده كاللؤلؤ. وقال ابن مقبل:
تحدّر صئبان الصبا فوق متنهكما لاح في سلك جمان مثقّب
وقال ضابيء:
فبات إلى أرطاة حقف تلفّهشآمية تذرى الجمان المفصلا
الجمان شبيه باللؤلؤ من فضة، شبه ما ينحدر عنه بالجمان المفصل، وقال بشر بن أبي خازم:
فبات يقول أصبح ليل حتىتجلى عن صريمته الظلام
أي طال عليه الليل مما هو فيه، ويروى: صريميه، والصريم الليل، يريد أول الليل وآخره. وقال ابن الأعرابي: صريميه رمليه. وقال أبو عبيدة: الصريم الليل والصبح وهو من الأضداد.
وقال بشر:
وبات على خد أحمّ ومنكبودائرة مثل الأسير المكردس
دائرة تكون في جنبه، مكردس ساقط. وقال لبيد:
أضل صواره وتضيفتهنطوف أمرها بيد الشمال
تضيفته أخذت ضيفته أي ناحيته وضيف كل شيء ناحيته، ويقال بل أراد مالت إليه من قولهم تضيف فلان فلانا أي مال إليه، نطوف سحابة تنطف أي مع الشمال. وقال القطامي:
فثنّى أكارعه وبات تحمهرهم تسيل تلاعه إمعانا
فترى الحباب كأنما عبثت بهثقفيتان تنّظمان جمانا
تحمه تغسله من الحميم وأصله الماء الحار، والرهم مطر ضعيف، إمعانا سيلا شديدا، ويقال تحمه مثل تهمه يقال أحمه الأمر إذا أخذه منه مثل الزمع، والجمان اللؤلؤ وخص بالثقفيتين لأن ثقيفا بجنب البحر. وقال ذو الرمة:
طاوي الحشى قصت عنه محرّجةمستوفض من نبات القفر مشهوم
مستوفض أفزع فأوفض والإيفاض عدو فيه شبه الإرقال، وقوله من بنات القفر لأنه يسكن القفر كما يقال بنات الأرض لهو امها وبنات الماء، مشهوم مذعور، شهمه إذا ذعره ومنه يقال فلان شهم الفؤاد أي الؤاد كأنه يذعر من الشيء من ذكاء قلبه. وقال الطرماح:
كأخنس ذبّ رياد العشىّإذا ورّكت شمسه جانحه
أخنس ثور وذلك لأن في أنفه خنسا، ذب رياد العشى يريد أنه يرتاد بالعشى ويذب في رياده، وورّكت تحرفت للغروب.
يذيل إذا نسم الأبردانوتخدره الصّرة الصامحة
يذيل يتبخر، ونسم برد يقال نسمت الريح أول ما تبدأ بضعف، والأبردان غدوة وعشية، وتخدره تدخله الكناس والصامحة التي تكاد تذيب دماغه، والصرة شدة الحر.
يسف خراطة مكر الجناب حتى ترى نفسه قافحه
خراطته ما انخرط منه، والمكر نبت، قفحت نفسه إذا انتهت عن الشيء تأكله.
فجال ولم تصره قبلهابعقوته نبأة فادحة
تصره تمنعه لأنه قد أصابه ما كان يحذر، والعقوة الساحة، والنبأة الخفي.
وبربر بربرة الهبرقيّبأخرى خواذلها الآنحة
بربر صوت، والهبرقي الحداد، والخوازل المتخلفات، والآنحة
من الأنواح وهو صوت مثل الزفير. وقال أبو دواد وذكره:
أضحى بذي العلجان يلجذبأرضنا والدمع جامد
العلجان نبت، ويلجذ يقلع ما برض من النبت، والدمع جامد أي هو في روض وغدير فهو فرح وليس فيه دمع، وإنما هو مثل. وقال الطرماح وذكره:
يمسح الأرض بمعنوسمثل مثلاة النياح القيام
معنونس ذنب فيه التواء وذلك يستحب، والمئلاة خرقة تكون بيد النائحة، ونياح جمع نوح والنوح النساء ينحن. وقال ابن أحمر وذكره:
فبدرته عينا ولّج بطرفهعني لعاعة لغوس مترئد
فبدرته عينا أي نظرت إليه وشغلت عنه طرفه لعاعة وهو أول ما يبدو النبت، ولغوس يقال هو يتلغوس إذا أكل رطبا لينا في
خفة الأكل وحرص، ويسمى الذئب لغوسا لخفته وخفة أكله، مترئد متئن من النعمة.
فانقضّ منسدرا كأنّ إرانهقبس تقطّع دون كف الموقد
وقد فسر هذا البيت. وفيها:
باتت عليه ليلة عرشيةشربت وباتت على نقّا متهدد
منسوبة إلى عرش السماك أي ممطرة بنوءه، وقال أبو ذؤيب وذكر الثور:
فانصاع من فزع وسدّ فروجهغبر ضوار وافيان وأجدع
المنصاع المنشق في غير طريقة وسد فروجه أي ملأها بالعدو فلم يبق منه شيء إلا جاء به، وجعل الكلاب هي التي سدت فروجه لأنه عدا من أجلها فكأنها هي ملأت فروجه، وافيان أي سليما الأذن، وأجدع مقطوع الأذن. وقال وذكر الصائد:
فرمى لينقذ فرّها فهوى لهسهم فأنفذ طرتيه المنزع
فرها من فر منها، يرمي الصائد الثور ليشغله عن بقية الكلاب
لا يقتلها الثور، وطرتاه ناحيتا جنبه، والمنزع السهم، فهوى له أي للثور.
فكبا كما يكبو فنيق نارزبالخبث إلا أنه هو أبرع
كبا الثور سقط، والتارز اليابس، يقال أخرج خبزته من النار تارزة، قال الشماخ، وذكر الصائد:
كأن الذي يرمي من الوحش تارز
أي كأنه يابس قبل أن يصيبه السهم، والخبت المستوي من الأرض وأبرع وأضخم. وقوله:
فحنا لها بمذلقين كأنمابهما من النضح المجدح أيدع
فحنا لها أي تقاصر وإذا تقاصر كان أشد لطعنه، مذلقان قرنان محددان وذلق كل شيء حده، والمجدح الملطخ يقال جدح بالدم أي خلط به، والأيدع دم الأخوين وهو أيضا الزعفران.
فكأن سفودين لما يقتراعجلا له بشوا شرب ينزع
يقول كأن سفودين مما يشوى عليهما لقوم يشربون عجلا لهذا الثور بالطعن الذي يقع بالكلاب، ولما يقترا لم يستعملا، يقول هما حديدان، يقترا من القتار. مثل قول النابغة وذكر القرن:
كأنه؟؟؟ خارجاً من جنب صفحتهسفّود شرب نسوه عند مفتأد
وقد فسر في الأبيات في الكلاب. وقال أبو ذؤيب:
من وحش حوضى يراعي الصيد مبتقلاكأنه كوكب في الجوّ منحرد
يراعي الصيد ينظر إليه أي يراعي الوحش، والمحرد المعتزل.
حتى إذا أدرك الرامي وقد عرستعنه الكلاب فأعطاها الذي يعد
يريد أدرك الرامي الثور، وعرست دهشت وتحيرت، إيعاده لها أنه كان يتحرف لها ويتهيأ فأعطاها مما وعدها من الطعن. وقال ذو الرمة يذكره والكلاب:
ينحى لها حد مدريّ يجوف بهحالا ويصرد حالا لهذم سلب
المدرى القرن، نحا لها تحرف، يصرد ينفذ. ومنه قول الآخر:
لكن خفتما صرد النبال
أي نفوذها، ويجوف يبلغ الأجواف، لهدم حاد، سلب طويل.
حتى إذا كنّ محجوزا بنافذةوزاهقا وكلا روقية منخضب
يعني الكلاب منهن ما أصابه الطعن في مؤتزره أي وسطه والحجزة الوسط يقال احتجز إذا شد وسطه بإزار أو حبل، والزاهق الميت، بنافذة أي بطعنة تنفذ.
ولى يهذّ اهتزاما وسطها زعلاجذلان قد أفرخت عن روعه الكرب
الهذ المر السريع وأصله القطع، زعل نشيط.
وهن من واطىء ثني حوّيتهوناشج وعواصي الجوف تنشخب
الحويّة بنات اللبن، وعواصي الجوف العروق التي تعصى فلا يسكن دمها، والناشج ينشج بنفسه للموت، ويقال حوية وحاوية. وقال:
وكائن ذعرنا من مهاة ورامحبلاد الورى ليست له ببلاد
رامح ثور له قرن كالرمح، يقول هو في موضع لا أنيس فيه، وقال الكميت وذكر موضعه: حيث لا ينبض القسى ولا يلفى بعرعار ولدة مذعورا يقول هو في موضع منتح حيرز لا يبلغه الصائد، والعرعار لعبة كان الصبيان يلعبون بها، يقول موضعه ليس به أنيس.
وكأن الشوى توين منهبثرى الحص أو أمسّ عبيرا
قد تقدم تفسيره مع أخوته. وقال يذكر طيب ريحه من ثرى الأرض: أرجا من رضاب ما يعبأ الغيث بملقى بعاعه مسرورا.
أرج طيب الريح، والرضاب ما سقط من الندى، ما يعبأ ما يحمل والبعاع الثقل. وقال يذكر الصائد:
تخّذ الطمر مئزرا وتردّىغير ما قدره به الطمرومرا
الطمر الخلق، غير ما قدرة أي لم يقدر على أكثر من ذلك، والطمرور الخلق أيضا.
وقال ذو الرمة وذكر الثور:
نمى ارتفع، بعد قيظ قاصر عليه أي ثابت لازم، يريد إنما يطلب المرعى إذا أمكنه ذاك. وقال آخر:
حر هجان اللون يحمي فوته
يقول يحمي أن يفوت فيذهب. ولو أراد ذلك لقدر عليه ولكنه يحمي ذلك أي يمنعه ويقاتل دونه. وقال آخر وذكر ثوراً وكلاباً:
أذا كرّ فيها كرة فكأنهانقال نعال يختفيهن سارد
أي يشكهن كما يشك السارد النعال، وجعلها نقالا لأتها تحتاج إلى السرد والخصف والجدد لا تحتاج إلى ذلك. وقال ضابيء:
يهزّ سلاحا لم ير الناس مثلهاسلاح أخي هيجا أذفّ وأعدلا
السلاح قرناه، وأنث ذهب إلى القناة كأنه قال: يهز قناة: يهز قناة وأذف أسرع، وأعدل أشد استواء.
فظّل سراة اليوم يطعن ظلّهبأطراف مدريين لم يتفلّلا
يقول قتل الكلاب فهو ينظر إلى ظله فيحسب أنه من الكلاب فيطعنه بقرنيه. وقال امرؤ القيس:
فأدركنه يأخذن بالساق والنساكما شبرق الولدان ثوب المقدّس
كان الراهب ينزل فيذهب ألى بيت المقدس فيتمسح به الصبيان حتى يمزقوا ثيابه.
وقال الطرماح:
يتّقي الشمس بمدريّةكالحماليج بأيدي التلام
الحماليج المنافيخ التي تكون للصاغة وأراد التلاميذ فقطع. وقال المرار نحو هذا:
إذا حرجت تتقى بالقرونأجيج سموم كلفح الصلاء
وقال أبو النجم:
يحذى أذا شاة الكناس اجتافادون عروق الشجر الأصنافا
وظلّ ما يعتكف اعتكافافي تولّج أو يعرف الأسدافا
يقول ظلّ في غصون الشجر وورقه لأن الحر اشتد عليه فلم يقدر على الحفر، يقال للشجرة قد صنّفت إذا نبت ورقها، ظل ما
يعتكف ما زائدة، وتولج ودولج كناس، يقول يعتكف فيه حتى يرى الليل قد أقبل فيخرج. وقال رؤبة:
إذا التلظّي أوقد اليرامعاوأولج الزجّجة القوادعا
الزجّجة يعني بقرا بعيدة الخطو، والقوادع التي تقدع الذبان، واليرامع مع حجارة رخوة.
وقال النمر بن تولب:
فظل يشبّ كأنّ الولوع كان بصحته مغرما
يقول لما أصابه السهم شب أي رفع يديه، والولوع الدهر والقدر لأنه مولع باهلاك الأشياء، يقول كأنه كان مغرما بإزالة صحته وسلامته. وقال لبيد وذكر الثور:
يمتلّ موفورا ويمشي جابناربذا يسلّي حاجة الخشيان
يمتل يمر مرا سريعا، موفورا لم يصبه شيء، يمشي جانبا من النشاط، ربذ خفيف، حاجة الخشيان أي يلقى ما في نفسه من الجزع. وقال الكميت:
ولّى يهز قناتي غير مختبىءمن وحدة طلل يأدو له طلل
شبه قرني الثور بقناتين، متهيب من وحدة، طلل شخص الثور، يأدو له طلل - يختله طلل يريد شخص الصائد.
وقال يذكره حين طعن الكلاب:
وعاث في غابرمنها بعَثَتةٍنحرَ المكافىء مثل المعاقر
يريد طعن في بقيتها، والعثعثة المعاودة، والمكافىء مثل المعاقر كمعاقرة غالب أبي الفرزدق سحيم بن وثيل الرياحي وهو أن يتبارى رجلان في عقر إبلهما فيعقر هذا ويعقر هذا حتى يعجز أحدهما أو يبخل، يهتبل يفترص الفرَص، والمكثور هو الثور.
وقال يذكره حين طعن الكلاب:
فلما قفى تحبَ من لا يخاف أقران ظهر ولم يفشَل
قضى الثور نحب من لا يخاف يعني نفسه، والنحب النذر، ويقال للقوم إذا اجتمعوا مع رجل يعينونه هم أقران ظهره. وقال الهذلي:
ولكن أقران الظهور مقاتل
وقد فسر وقال يذكر قرن الثور:
كأن مجّ ريقته في الغُطاطبه سافي الجلدِ مستبدل
الغطاط الصبح، يقول كأن أسود سالخاً مج ريقته على القرن.
وقال العجاج وذكر ثوراَ طردته الكلاب:
كأنّما جمر الغضا المرمّىبه رضاضاً رضّه غوّى
نور الخزامى خلفُه الربعىمما تهادى بينها الشظيّ
يريد كأنما نور الخزامى الذي قطعه برجليه حين عدا جمر الغضا، ونصب رضاضاً أي الذي رمى به فتاتاَ، والشظى الأظلاف.
يمور وهو كابنِ حيّخوف الضوى والهارب المضوِي
يمور يتكفأ، وهو كابن قاصر في عدوه، حي مستح من الفرار، والضوى هو النقصان وأصله الدقة وضعف الخلق، يريد خوفاً أن يدخل عليه عيصه لأن الذي هرب هو الذي ينقص حقه ولم يقل المضوى وهو من أضويته، أراد الذي جعل فيه الضوى كقولك: مسعود فيه سعادة وتقول سعد الرجل. وقال يذكر ثورا وبقرة:
يتبعن ذيالا موشى هبرجافهن يعكفن به إذا حجا
هبرج يتبختر، ويعكفن به يطفن به ويقمن عليه، إذا حجا إذا ثبت.
وقال يذكر الثور والكلاب:
سحو ذهن وله خوذِي
أي يسوقهن ويطردهن وله طارد يطرده من نشاطه وحدة نفسه. وقال وذكر القرن.
ينسنّ أن تسنَّه الدُمِيّإذا اكتلا واقتُحِم المكلى
ينسن أي يتحدد، والدمى جمع دم، أي كلما أصابه الدم ازداد حدة، واكتلى واقتحم وصرع، والمكلى الذي أصيبت كليته. وقال وذكر الكلاب:
حتى إذا ميّث منها الرّي
ميث لين من الكلاب، الري أي السكر من الطعن. وقال:
فانصاع وهو ذاخرُ التنكيرمن بغيهِ مقاربُ التهجيرِ
انصاع انشق في ناحية وهو يذخر التنكير لا يريها أنه يقاتل وقد أضمر ذلك، يقال هل نكر فلان التهجير شد الهجار وهو حبل يشد في رجل البعير إلى حقبه أو حقوه أي قد قورب هجاره، ومن روى مقارب بكسر الراء أراد أن الثور قد دنا من أن يكون مهجورا.
إذا استذرن حول مستديرٍلشزره صانع بالمشزور
ويسر إن دون للميسورِ
يعني أن الكلاب كلما أتينه من جهة تحرف لهن، والمشزور ها هنا
طعن الشزر كما تقول عقل ومعقول، والمعنى: إذا استدرن حول منحرف لشزره صانع بطعن الشزر، وصانع رفق وأصله في الفتل، ويسر إن ردن للميسور - ويسر مسكنة السين فحرك ضرورة.
يذّبُ عنه سورة السؤورِمن ناهزٍ وداجن مذعور
يريد أن الثور يذب عن نفسه مساورة المساور اياه، ناهز كلب ينتهز، وداجن كلب متعود، مذعور يصاح به ويغرّي. وقوله يصف الكلاب:
والنَبْح واستسلمن للتعويروقد يثوبُ الروعُ للمكثور
التعوير فساد الامر يقال تعور الأمر إذا فسد، ومنه قوله:
وعوّر الرحمانِ من قال العور
وقد يرجع الروع إلى من كثر معناه إذا كثر الثور وهو واحد كان إليه الروع.
وقال أيضاً يصف الثور والكلاب:
وانشمن في غباره وخذرفامعاً وشتى في الغبار كالسفا
ميلين ثم أزحفت وأزحفا
الخذرفة مر سريع كالخذروف، والسفا يريد سفا البهمي أي شوكة شبهها به لدقتها، وأزحفت وأزحف صار لها زحفا وصارت له
كذلك، يقال أزحف لنا بنو فلان أي صاروا لنا زحفا يقاتلونا ولم يرد الاعياء. وقال رؤبة يذكر مهمهاً:
يمشي به الادمان كالمؤمّه
الادمان الظباء البيض والمؤمة به موم من الحر، يقول كأنها من شدة الحر الذي به الجدرى، يقال قد أمِهت الشاة فهي مأموهة إذا أصابها الجدري. وقال:
اذا التلظّي أوقَدَ اليرامعاوأولَجَ الزجّاجةَ القوادِعا
اليرامع حجارة رخوة واحدها يرمع، والزجاجة كل بعيد الخطو فهو زجاج وأزج، والقوادع التي تقدع الذبان يعني بقرا.
بوهَجَان يسفع السوافعا
قال هو كقولك يغعل الأفاعيل. وقال رؤبة يذكرثورا:
أشرفَ رَوقاه صليفاً مقنعاًحتى إذا ما دجَّنه ترفّعا
وليله عن قردِيّ ألمعاعدا كلمعِ البرقِ أو عزوّعا
المقنع المرتفع. وهذا كقول ذي الرمة:
كسيف الصيقل الفرِد
ألمع ذو لمع، وتزوع تحرك كقولك: زع بالزمام أي حرك ناقتك بالزمام.
أسعر ضرباً أو طوالا هِجرَعافانصاعَ يكسوها الغبارَالأضيعا
الضرب القليل اللحم، والهِجرَع الفاحش الطول، الأصيع الذي يجيء ويذهب.
بأربع في وظِف غير أكوعاندفَ القياسِ القطنَ الموشعا
الأكوع الذي في كوعه اعوجاج والاسم الكَوع، والتوشيع ان يدار الغزل في اليد على الإبهام والخنصر ثم مجمع فيدخل في القصبة. وذكر طعنه الكلاب فقال:
طعن كنفضِ الريحِ تلقى الخَيلعاعن ضعيفِ أطنابٍ وسمكِ أفدَعا
الخيلع ثوب، وجعل الطعن كنفض الريح الثوب بخفته يعني أن الريح ألقت خيعلا عن بيت ضعيف الأطناب، أفدع معوج.
اذا مِئَلاّ شغبه تزعزعاللقصد أو فيه انحراف أوجَعا
مِئل تقول يؤلّ في الشيء أي يدخل فيه، وشعبه قرنه، والمئل الذي يمر مرا سريعا لقصد أو انحراف أي على كل حال.
وإن دنت من أرضيه تهرّعالهنّ واختارَ الخِلاطَ الفَعفعا
أرضه قوائمه، وتهرع مر مرا سريعا، والخلاط المخالطة، والفعفع السريع، وأنشد للهذلي:
اجتزار الفعفعيّ المناهب
كأنه حاص جنبٍ أخذعا من بغيهِ والرِفق حين أكنعا لم يعرف الأصمعي معنى قوله: كأنه حامل جنب أخذعا ولا الأخذع أيضاً، لم يعرفه، وقوله أكنع يقول أكنعهن فصرن قريبا منه، يريد أدناهن، يقال: أكنع السبع إذا دنا بعضه من بعض وقد اكتنع الموت وكنع إذا قرب، ويقال: أعوذ بالله من الكنوع - والقنوع فالكنوع المذلة والقنوع المسألة والتكنع في اليد من هذا. وقال ابن الأعرابي في هذا البيت: كأنه حامل جنب أخذعا - اًي كأنه ضرب بالسيف ضربة فتعلق جنبه، وحكي: ترى الجريح منهم يعارضه جنبه أو يده - وذلك إذا تعلقت، والخذَع الميل يقول تراه من بغيه مائلا كأنه ضُرب فتعلق جنبه فمال. وقال:
ذو النبلِ ما كان المها كُنوسايرمي ويرجو الممكنات الليسا
ذو النبل مرفوع بقوله يرمي، ويرجو ما كان المها في الكنس، والممكنات اللواتي أمكنت، والليس اللواتي لا يبرحن يقال للذكر أليس وللأنثى ليساء. وقال أبو ذؤيب وذكر الثور:
فغدا يشرقُ متنه فبدا لهأولى سوابقُها قريباً توزع
يشرّق متنه في الشمس، وفي توزع قولان، يقال: تغري به وتوسد، كقول النابغة:
فكان ضمران منه حيث يوزعه
أي يغريه وقد مر تفسيره في الأبيات في الكلاب، ويقال توزع تُكَف السوابق منها لئلا يخلو بها حتى يجتمع عليه كلها. وقال الجعدي وذكر الثور والكلاب:
فزّلَ ولم يدرِكنَ إلا غبارهكما زَّلَ مرّيخ عليه مناكبُ
فأعجله لَه عن سبعة في مكرهقضَينَ كما بتَّ الأنابيشَ لاعِبُ
المريخ سهم، عليه مناكب أي ريش. من مناكب النسور والأنابيش البسر في العود يعمد إلى عود فيجعل فيه شوك ثم يضرب في عرض البسر فتغترز فيه، واحدها أنبوش.
وقال امرؤ القيس:
وسنّ كُسنيقٍ سناء وسنّمذعِرَتْ بمدلاجِ الهجيرِ نهوض
لم يعرفه الأصمعي، وقال غيره سن ثور، وسنيق جبل، سناء ارتفاعا وسنم بقرة، مدلاج من دلج إذا منشى وليس هو من أدلج ولا ادلّج وكيف يدلج في الهجير أو يدّلج.
وقال النظار الفقعسي وذكر الثور:
اذا الضراءُ مشَقت عرقوبهمشض المُلاحِين ثيابَ الدهقان
المشق جذب خفيف سريع، والملاحين المخاصمين وقول بشر يصف الكلاب والثور:
ستحدسه في الغيب أقرب محدس
أي ستصرعه. وقول لبيد:
وولى تحسُرُ الغمرات عنهكما ولَّى المراهنُ ذو الجلال
المراهن الفرس روهن عليهوقال لبيد يصف ثورا
أضل صواره وتضيفتهنطوف أمرها بيد الشمال
تضيفته أخذَت ضيفتيْه أي ناحيتيْه، وضيف كل شيء ناحيته، يقال: أراد مالت إليه من قولهم تضيف فلان فلانا إذا مال إليه، نطوف سجابة تنطف أي تقطر مع الشمال. وقوله: فبات كأنه قاضي نَذور أي كأن عليه نذرا فهو يحفر.
وقال ابن أحمر يذكر بقرة:
ماريةٌ لؤلؤان اللونِ أوّدَهاطلّ وبنّس عنها فرقذ خَصر
مارية - خفيفة - لونها لون اللؤلؤ، أودها طل عطفها وثنائها على ولدها، بنس تأخر، خصر من البرد، الفرقد ولدها.
ظلت تماحل عسعَساً لحماًيغشَى الضراءَ خفيّاً دونه النظر
تماحل عن ولدها أي تخادع وتماكر، والعسعس الذئب، الضراء ما واراك من شيء وسترك، وإنما تفعل ذلك لتختل، خفيا دونه النظر يقول: الذئب لا يتبين للناظر لطلَسه ولأنه على لون الأرض في الغبرة.
تربي له فهو مسرورٌ بغفلتهاطورا وطورا تسنّاه فتعتكر
تريي لولدها تشرف له، والذئب مسرور بغفلتها عنه إذا غفلت، وطورا تسني ولدها أي تغشاه وتركبه، فتعتكر ترجع إليه. وقال أبو دواد يصف الصائد:
فأتانا يسعى تفرّش أمّ البيض شدّاً وقد تعالى النهارُ
أي أتانا يعدو كعدو النعامة رويدا وهو في ذلك خفيف يخفي
وطأه. وقوله يصف اللثور:
كأنه أوثار
قيل هو الثوب الأبيض المحشوّ، وقيل البرَذَعة. وقوله:
ففريق يفلج اللحمَ نيئاًوفريق لطابخِيِه قُتار
أي يشرّج ويقال يقسم:
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع