تجاوز إلى المحتوى

من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)

ذو الرمة

ديوان ذو الرمةفيه ٥٤ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو غيلان بن عقبة بن بهيش، ويكنى أبا الحارث. وهو من بنى صعب بن ملكان بن عدىّ بن عبد مناة.

وسئل جرير عن شعره، فقال: أبعار غزلان ونقط عروس! وكان يوما ينشد فى سوق الإبل شعره الذى يقول فيه:

عذّبتهنّ صيدح و «صيدح» ناقته، فجاء الفرزدق فوقف عليه فقال له: كيف ترى ما تسمع يا أبا فراس؟ قال: ما أحسن ما تقول! فقال فما بالى لا أذكر مع الفحول؟

قال: قصّر بك عن غاياتهم بكاؤك فى الدّمن وصفتك للأبعار والعطن، وأنشأ يقول:

ودوّيّة لو ذو الرّميم يرومهابصيدح أودى ذو الرّميم وصيدح
قطعت إلى معروفها منكراتهاإذا خبّ آل الأمعز المتوضّح
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «ألا ناديا أظعان ليلى تعرج»

وقال عيسى بن عمر: قال لى ذو الرّمّة: ارفع هذا الحرف، فقلت له: أتكتب؟ فقال بيده على فيه، أى: اكتم علىّ: فإنّه عندنا عيب! قال: وقدمت من سفر فأتانى ذو الرّمّة فعرضت له بأن أعطيه شيئا، فقال لى: أنا وأنت (واحد)، نأخذ ولا نعطى.

ولمّا حضرته الوفاة بالبادية قال: أنا ابن نصف الهرم، أى: أنا ابن أربعين، وقال:

يا قابض الرّوح من نفسى إذا احتضرتوغافر الذّنب زحزحنى عن النار

وإنّما سمّى ذا الرّمّة بقوله فى الوتد:

لم يبق منها أبد الأبيدغير ثلاث ماثلات سود
وغير مرضوخ القفا موتودأشعث باقى رمّة التّقليد
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «هل تعرف المنزل بالوحيد»

وكان ذو الرّمة أحد عشّاق العرب المشهورين بذلك، وصاحبته ميّة بنت فلان بن طلبة بن قيس بن عاصم بن سنان.

قال أبو سوّار الغنوىّ: رأيت ميّة وإذا معها بنون لها صغار، فقلت:

صفها لى، فقال: مسنونة الوجه طويلة الخدّ شمّاء الأنف عليها وسم جمال. فقالت: ما تلقّيت بأحد من بنىّ هؤلاء إلّا فى الإبل، قلت:

أفكانت تنشدك شيئا ممّا قال فيها ذو الرّمّة؟ قال: نعم، كانت تسحّ سحّا ما رأى أبوك مثله.

وكثت ميّة زمانا لا ترى ذا الرّمّة وتسمع شعره، فجعلت لله عليها أن تنحر بدنة يوم تراه، فلمّا رأته رأت رجلا دميما أسود، وكانت من أجمل النساء، فقالت: واسوأتاه! وا بؤساه! فقال ذو الرمّة:

على وجه مىّ مسحة من ملاحةوتحت الثّياب الشّين لو كان باديا
للشاعر كنزة أم شملة بن برد المنقري، اقرأ القصيدة
ألم تر أنّ الماء يخبث طعمهوإن كان لون الماء أبيض صافيا
للشاعر كنزة أم شملة بن برد المنقري، اقرأ القصيدة
فيا ضيعة الشّعر الّذى لجّ فانقضىبمىّ ولم أملك ضلال فؤاديا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حبذا أهل الملا غير أنه»

وكان يشبّب أيضا بخرقاء، وهى من بنى البكّاء بن عامر بن صعصعة. و كان سبب تشبيبه بها أنّه مرّ فى سفر ببعض البوادى، فإذا خرقاء خارجة من خباء (لها)، فنظر إليها، فوقعت فى قلبه، فخرّق إداوته ودنا منها يستطعم كلامها، فقال: إنّى رجل على ظهر سفر وقد تخرّقت إداوتى فأصلحيها لى، فقالت: والله إنى ما أحسن العمل، وإنى لخرقاء، والخرقاء:

التى لا تعمل (بيدها شيئا) لكرامتها على أهلها، فشبّب بها وسمّاها خرقاء.

وقال المفضّل الضّبّىّ: كنت أنزل على بعض الأعراب إذا حججت، فقال لى يوما: هل لك إلى أن أريك خرقاء صاحبة ذى الرّمّة؟ فقلت: إن فعلت فقد بررتنى، فتوجّهنا جميعا نريدها، فعدل بى عن الطريق بقدر ميل، ثم أتينا أبيات شعر، فاستفتح بيتا ففتح له وخرجت علينا امرأة طويلة حسّانة بها فوه، فسلّمت وجلست، فتحادثنا ساعة ثم قالت لى: هل حججت قطّ؟

قلت: غير مرّة، قالت: فما منعك من زيارتى؟ أما علمت أنى منسك من مناسك الحجّ؟! قلت: وكيف ذاك؟ قالت: أما سمعت قول عمّك ذى الرّمّة:

تمام الحجّ أن تقف المطاياعلى خرقاء واضعة الّلثام؟!
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «تمام الحج أن تقف المطايا»

وكان لذى الرمّة إخوة، هشام وأوفى ومسعود، فمات أوفى، ثم مات (بعده) ذو الرمّة، فقال مسعود:

تعزّيت عن أوفى بغيلان بعدهعزاء وجفن العين ريّان مترع
للشاعر مسعود أخو ذي الرمة، من قصيدة «تَعَزَّيْتُ عَنْ أوْفَى بِغَيْلاَنَ بَعْدَهُ»
ولم تنسنى أوفى المصيبات بعدهولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع

وهشام الذى يقول:

حتّى إذا أمعروا صفقى مباءتهموجرّد الخطب أثباج الجراثيم
وأبّ ذو المحضر البادى إبابتهوقوّضت نيّة أطناب تخييم
ألوى الجمال هراميل العفاء بهاوبالمناكب ريع غير مجلوم
تصطكّ أعناقها والبقّ تقدعهاحتّى أناخوا فزمّوا كلّ مزموم
من كلّ أكلف أو أجأى تئطّ لهأنساع تابوت جوف غير مهضوم
عركرك مهجر الضّؤبان أوّمهروض القذاف ربيعا أىّ تأويم

الضّؤبان: وسطه. والمهجر: الواسع، يقال ناقة ذات سنام مهجر إذا كان مشرفا.

ما مسّ مذ لهن البهمى تبقّلهاقينيه فى مرتع أرماث ترميم
حتّى رمى أمّهات القرد خابطهابالناصلات أنابيشا بتسهيم
واستنّ فوق الحذارى القلقلان كماشكل الشّنوف يحاكى بالهيانيم

الحذارى: جمع حذرية، وهى الأرض الصلبة. والقلقلان: النّبت.

بعد المصيف إلى خبراء معقلةحتّى يموت سمال الصّيف بالعوم
من الفراش المقضّى عاش فى رنقرخف السّحايات ولّى غير مطعوم

السّحايات: بقيّة الماء، واحدتها سحاية:

كأنّ أجسادها الأظفار جامدةفى قنّف الصّقر الآنى الشّراذيم

القنّف: طين القاع إذا تشقّق. والصّقر: الذى قد صقرته الشّمس:

والآنى: الذى قد بلغ إناه.

قال أبو محمّد: ولم أذكر هذا الشعر لأنّه عندى مختار، ولكن ذكرته لأنّى لم أسمع لهشام بشعر غيره.

قال ابن أبى فروة: قلت لذى الرّمّة فى قوله:

إذا انجابت الظّلماء أضحت رؤوسهاعليهنّ من جهد الكرى وهى ظلّع

ما علمت أحدا من الناس أظلع الرؤوس غيرك؟ قال: أجل.

وكان ذو الرمّة كثير الأخذ من غيره. وممّا أخذه من غيره قوله فى الحرباء:

يظلّ بها الحرباء للشّمس ماثلالدى الجذل إلّا أنّه لا يكبّر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي لا ربع بوهبين مخبر»
إذا حوّل الظّلّ العشىّ رأيتهحنيفا وفى قرن الضّحى يتنصّر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي لا ربع بوهبين مخبر»

وقال ظالم بن البراء الفقيمىّ:

ويوم من الجوزاء أمّا سكونهفضحّ، وأمّا ريحه فسموم
إذا جعل الحرباء والشّمس تلتظىعلى الجذل من حرّ النّهار يقوم
يكون حنيفا بالعشىّ وبالضّحىيصلّى لنصرانيّة ويصوم

حدثنى عبد الرحمن عن الأصمعىّ عن رؤبة قال: دخل علىّ ذو الرّمة فسمع قولى:

يطرحن بالدّوّيّة الأملاسلكلّ ذءب قفرة ولّاس
موتى العظام حيّة الأنفاسأجنّة فى قمص الأغراس

فخرج من عندى، فبلغنى (بعد ذلك) أنّه يقول:

يطرحن بالدّوّيّة الأغفالكلّ جنين لثيق السّربال
حىّ الشّهيق ميّت الأوصالفرّج عنه حلق حلق الأقفال
من السّرى وجرية الحبالونغصان الرّحل من معال

قال الأصمعىّ: فإذا رؤبة يرى أنّ ذا الرمة يسرق منه.

وقال أيضا فى قول ذى الرمّة

يطفو إذا ما تلقّنه الجراثيم

أخذه من قول العجّاج:

إذا تلقّته الجراثيم طفا قال: وأخذ قوله:

إذا استهلّت عليه عيبة أرجتمرابض العين حتّى يأرج الخشب

من معنى قول العجّاج:

مثواه عطّارين بالعطور

وأخذ قوله:

كأنّها فضّة قد مسّها ذهب

من معنى امرئ القيس:

كبكر مقاناة البياض بخضرةغذاها نمير الماء غير محلّل

وكذلك كان يرويه.

وأخذ من كعب بن زهير فى صفة الآثار ما قد ذكرته فى أخبار زهير.

وقال ذو الرمّة، وهو من حسن شعره:

وأرمى إلى الأرض الّتى من ورائكمّلترجعنى يوما عليك الرّواجع

وقال آخر فى معناه:

وأذهب فى الأرض الّتى من ورائكملأعذر فى إتيانكم حين أرجع

وسمع أعرابىّ ذا الرمّة وهو ينشد:

تصغى إذا شدّها بالكور جانحةحتّى إذا ما استوى فى غرزها
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

فقال الأعرابىّ صرع والله الرجل! ألّا قلت كما قال عمّك الراعى:

وواضعة خدّها للزّمام، فالخدّ منها له أصعر
ولا تعجل المرء قبل البروك، وهى بركبتها أبصر
وهى إذا قام فى غرزهاكمثل السّفينة أو أوقر
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «تغير قومي ولا أسخر»

وأخذ عليه قوله يصف الكلاب:

حتّى إذا دوّمت فى الأرض راجعهكبر، ولو شاء نجّى نفسه الهرب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

قالوا: والتّدويم إنما هو فى الجوّ، يقال: دوّم الطائر فى السماء: إذا حلّق واستدار (فى طيرانه )، ودوّى فى الأرض: أى: ذهب.

وقالوا: ذو الرمّة أحسن الناس تشبيها، وإنما وضعه عندهم أنّه (كان) لا يجيد المدح ولا الهجاء. ولمّا أنشد بلال بن أبى بردة (قوله):

رأيت الناس ينتجعون غيثافقلت لصيدح انتجعى بلالا

قال بلال: يا غلام أعطه حبل قتّ لصيدح.

قالوا: وغلّط فى قوله فى النساء:

وما الفقر أزرى عندهنّ بوصلناولكن جرت أخلاقهنّ على البخل
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «خليلي عوجا عوجة ناقتيكما»

قالوا: والجيد قول علقمة:

يردن ثراء المال حيث علمنهوشرخ الشّباب عندهنّ عجيب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «طحا بك قلب في الحسان طروب»

وقول امرئ القيس:

أراهنّ لا يحببن من قلّ مالهولا من رأين الشّيب فيه وقوّسا
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «الما على الربع القديم بِعسعسا»

وأشدّ هجائه قوله:

وأمثل أخلاق امرئ القيس أنّهاصلاب على طول الهوان جلودها
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا لا أرى كالدار بالزرق موقفا»
وما انتظرت غيّابها لعظيمةولا استعمرت فى جلّ أمر شهودها
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا لا أرى كالدار بالزرق موقفا»
إذا مرئيّات حللن ببلدةمن الأرض لم يصلح طهورا صعيدها
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا لا أرى كالدار بالزرق موقفا»

ويستحسن له قوله فى الظبية وولدها:

إذا استودعته صفصفا أو صريمةتنحّت ونصّت جيدها للمناظر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أشاقتك أخلاق الرسوم الدواثر»
حذارا على وسنان يصرعه الكرىبكلّ مقيل من ضعاف فواتر
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أشاقتك أخلاق الرسوم الدواثر»
وتهجره إلّا اختلاسا بطرفهاوكم من محبّ رهبة العين هاجر

وممّا صحّف فيه من شعره قوله:

براهنّ تفويزى إذا الآل أرقلتبه الشمس إزر الحزورات الفوالك

رواه أبو عمرو «أرقلت»، وقال الأصمعىّ: إنما هو «أرفلت ومعناه أسبغت وغطّت، يريد أسبغت إزر الحزوارت من الآل.

النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «الشعر والشعراء»