من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
الأخطل
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو غياث بن غوث، من بنى تغلب، من فدوكس، ويكنى أبا مالك.
وقال مسلمة بن عبد الملك: ثلاثة لا أسأل عنهم، أنا أعلم العرب بهم: الأخطل والفرزدق وجرير، فأمّا الأخطل فيجىء سابقا أبدا، وأمّا الفرزدق فيجىء (مرّة سابقا ومرّة) ثانيا، وأمّا جرير فيجىء سابقا مرّة وثانيا مرّة وسكّيتا مرة.
وكان (الأخطل) يشبّه (من شعراء الجاهلية) بالنابغة الذّبيانىّ.
ودخل على عبد الملك بن مروان فقال: يا أمير المؤمنين قد امتدحتك، فقال: إن كنت تشبّهنى بالحية والأسد فلا حاجة لى بشعرك! وإن كنت قلت مثل ما قالت أخت بنى الشريد، يعنى الخنساء، فهات، فقال:
وما بلغت كعب امرىء متطاولبه المجد إلّا حيث ما نلت أطول
وما بلغ المهدون فى القول مدحةولو أكثروا، إلّا الذى فيك أفضل
وكان الأخطل يمدح بنى أمية، مدح معاوية ويزيد ومن بعدهم من خلفاء بنى مروان حتّى هلك.
وقال أبو عبيدة: حدّثنى أبو حيّة النّميرىّ قال: حدّثنى الفرزدق قال: كنّا فى ضيافة معاوية ومعنا كعب بن جعيل التغلبىّ الشاعر، فقال له يزيد ابن معاوية: إنّ عبد الرحمن بن حسّان قد فضح عبد الرحمن بن الحكم وغلبه وفضحنا، فاهج الأنصار، فقال له كعب: أرادّى أنت إلى الشّراك؟ أهجو قوما نصروا رسول الله ﷺ وآووه! ولكنى أدلّك على غلام منّا نصرانّى ما يبالى أن يهجوهم، كافر شاعر كأنّ لسانه لسان ثور! قال: ومن هو؟ قال: الأخطل، فدعاه وأمره بهجائهم، فقال: على أن تمنعنى منهم؟ قال: نعم، فقال شعرا فيه:
ذهبت قريش بالسّماحة والنّدىواللّؤم تحت عمائم الأنصار
فذروا المعالى لستم من أهّلهاوخذوا مساحيكم بنى النّجّار
فغضب النعمان بن بشير، ودخل على معاوية فوضع عمامته بين يديه، وقال: هل ترى لؤما؟ قال: بل أرى كرما وحسبا، (فما ذلك)؟ فأنشده قول الأخطل واستوهبه لسانه، فوهبه له، فبلغ ذلك الأخطل، فعاذ بيزيد، فمنعه وصار إلى أبيه، فقال: يا أمير المؤمنين أتهب لسان من ردّ عنك وغضب لك؟! قال: ومن هجانا؟ قال: عبد الرحمن بن حسّان، وأنشده قوله فى رملة بنت معاوية:
وهى زهراء مثل لؤلؤةالغوّاص ميزت من جوهر مكنون
قال: ما كذب يا بنى، فأنشده:
وإذا ما نسبتها لم تجدهافى سناء من المكارم دون
قال: قد صدق يا بنىّ، فأنشده):
ثمّ خاصرتها إلى القبّة الخضراء تمشى فى مرمر مسنون
(فقال: أمّا فى هذا فقد أبطل).
ولما قتلت بنو تغلب عمير بن الحباب السلمىّ أنشد الأخطل عبد الملك (بن مروان)، والجحّاف السّلمىّ عنده، فى شعر له:
ألا سائل الجحّاف هل هو ثائربقتلى أصيبت من سليم وعامر
فخرج الجحّاف (من فوره ذلك) مغضبا حتّى أغار على البشر، وهو ماء لبنى تغلب، وقتل منهم ثلاثة وعشرين رجلا، وقال:
أبا مالك هل لمتنى مذ حضضتنىعلى القتل، أم هل لامنى لك لائم
متى تدعنى أخرى أجبك بمثلهاوأنت امرؤ بالحق ليس بعالم
فخرج الأخطل حتّى أتى عبد الملك بن مروان وقد قال:
لقد أوقع الجحّاف بالبشر وقعةإلى الله منها المشتكى والمعوّل
فإلّا تغيّرها قريش بملكهايكن عن قريش مستماز ومزحل
فقال له عبد الملك: إلى أين يا ابن اللّخناء؟! قال: إلى النار (يا أمير المؤمنين! قال: أما والله لو غيرها قلت لضربت عنقك.
ونزل الأخطل على سعيد بن بيان التغلبىّ، وكان سعيد رجلا دميما أعور ذا مال كثير، وكان سيّد بنى تغلب بالكوفة، وكانت تحته برّة بنت أبى هانى التغلبىّ، وكانت من أجمل النساء، فاحتفل له سعيد وأحسن صلته وأكرمه، فلمّا أخذت الكأس من الأخطل جعل ينظر إلى وجه برّة وجمالها وإلى دمامة زوجها وعوره! فتعجّب منها ومن صبرها عليه، فقال له سعيد: يا أبا مالك، أنت (رجل) تدخل على الخلفاء والملوك وتنظر إلى هيئتهم وتأكل من طعامهم وتشرب من شرابهم: فأين ترى هيئتنا من هيئتهم؟ وهل ترى عيبا تنبّهنا عليه؟! فقال له الأخطل: ما لبيتك عيب غيرك! فقال له سعيد: أنا والله أحمق منك يا نصرانىّ حين أدخلتك منزلى، وطرده، فقال:
وكيف يداوينى الطّبيب من الجوىوبرّة عند الأعور ابن بيان
ويلصق بطنا منتن الرّيح مجرزاإلى بطن خود دائم الخفقان
ينهّنهنى الأحراس عنها، وليتنىقطعت إليها اللّيل بالرّسفان
فهلّا زجرت الطّير إذ جاء خاطبابضيقة بين النّجم والدّبران
وممّا سبق إليه الأخطل فأخذ منه قوله:
قرم تعلّق أشناق الدّيات بهإذا المؤون أمرّت فوقه حملا
أخذه الكميت فقال:
كأنّ الدّيات إذا علّقتمؤوها به الشّنق الأسفل
وأشناق الديات: أصنافها من الحقاق والجذاع وأشباهها.
وقال الأخطل:
أجرير إنّك والذى تسموا لهكأسيفة فخرت بحدج حصان
أخذه الطّرمّاح فقال:
كفخر الإماء الرّائحات عشيّةبرقم حدوج الحىّ لمّا استقلّت
ومما أخذ عليه قوله فى عبد الملك بن مروان:
وقد جعل الله الخلافة منهملأبيض لا عارى الخوان ولا جدب
وهذا مما لا يجوز أن يمدح به خليفة، ويجوز أن يمدح به غيره، كقول الآخر:
إلى امرئ لا تخطّاه الرّفاق ولاجدب الخوان إذا ما استنشئ المرق
وأخذ عليه قوله فى رجل من بنى أسد أجاره:
نعم المجير سماك من بنى أسدبالطّفّ إذ قتلت جيرانها مضر
قد كنت أحسبه قينا وأنبؤهفاليوم طيّر عن أثوابه الشّرر
وكان يقال لرهطه القيون، وقال الأخطل: فلمّا أجارنى وأحسن إلىّ طار الشّرر عن أثوابه، أى: بطل هذا اللقب. وهذا مدح كالهجاء.
وقوله لسويد بن منجوف يهجوه:
وما جذع سوء خرّب السّوس وسطهلما حمّلته وائل بمطيق
فقال سويد: هجوتنى بزعمك فمدحتنى، لأنّك جعلت وائلا حمّلتنى أمرها، وما طمعت فى بنى تغلب منها.
وممّا يستجاد من شعر جرير والفرزدق والأخطل:
قوله جرير لأبيه أو جدّه:
فأنت أبى لم تكن لى حاجةفإن عرضت أيقنت أن لا أباليا
وإنى لمغرور أعلّل بالمنىليالى أرجو أنّ مالك ماليا
بأىّ نجاد تحمل السّيف بعدماقطعت قوى من محتمل كان باقيا
بأىّ سنان تطعن القوم بعدمانزعت سنانا من قناتك ماضيا
ألم أك نارا يصطليها عدوّكموحرزا لما ألجأتم من ورائيا
وباسط خير فيكم بيمينهوقابض شرّ عنكم بشماليا
ألا لا تخافا نبوتى فى ملمّةوخافا المنايا أن تفوتكما بيا
وقوله:
يا أخت ناجية السّلام عليكمقبل الرّحيل وقبل لوم العذّل
لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكميوم الرّحيل فعلت مالم أفعل
أو كنت أعلم وشك بين عاجللقنعت أو لسألت مالم أسأل
وقدم جرير المدينة فأتاه الشعراء وغيرهم، وأتاه أشعب فيهم، فسلّموا عليه وحادثوه ساعة، ثم خرجوا وبقى أشعب، فقال جرير له: أراك قبيح الوجه وأراك لئيم الحسب! ففيم قعودك وقد خرج الناس؟ فقال له أشعب:
إنه لم يدخل عليك أحد هو أنفع لك منّى! قال: وكيف ذاك؟ قال: لأنى آخذ رقيق شعرك فأزيّنه بحسن صوتى، فقال له جرير: فقل فاندفع أشعب يتغنّى:
يا أخت ناجية السلام عليكم
فاستخفّ جريرا الطرب لغنائه بشعره، حتّى زحف إليه فاعتنقه، وسأله عن حوائجه، فأخبره فقضاها.
وقوله فى الفرزدق:
لقد ولدت أمّ الفرزدق فاجرافجاءت بوزواز قصير القوائم
وما كان جار للفرزدق مسلمليأمن قردا ليله غير نائم
يوصّل حبليه إذا جنّ ليلهليرقى إلى جاراته بالسّلالم
أتيت حدود الله مذ أنت يافعوشبت فما ينهاك شيب اللهازم
تتبّع فى الماخور كلّ مريبةولست بأهل المحصنات الكرائم
هو الرّجس يا أهل المدينة فاحذروامداخل رجس بالخبيثات عالم
لقد كان إخراج الفرزدق عنكمطهورا لما بين المصلّى وواقم
وقد كان عمر بن عبد العزير رحمه حين بلغه فجور الفرزدق نفاه عن المدينة.
تدلّيت تزنى من ثمانين قامةوقصّرت عن باع العلى والمكارم
أراد قول الفرزدق:
هما دلّتانى من ثمانين قامةكما انقضّ باز أقتم الرّيش كاسره
فلمّا استوت رجلاى فى الأرض قالتاأحىّ يرجّى أم قتيل نحاذره
فقلت: ارفعا الأسباب لا يشعروا بناوأقبلت فى أعجاز ليل أبادره
أبادر بوّابين قد وكّلا بناوأحمر من ساج تبصّ مسامره
ومن جيّد شعر جرير مرثيته أمّ حزرة امرأته، وكان جرير يسمّيها الجوساء، لذهابها فى البلاد، وأوّلها:
لولا الحياء لعادنى استعبارولزرت قبرك والحبيب يزار
ولّهت قلبى إذ علتنى كبرةوذوو التّمائم من بنيك صغار
لا يلبث الأحباب أن يتفرّقواليل يكرّ عليهم ونهار
صلّى الملائكة الذين تخيّرواوالطّيّبون عليك والأبرار
فلقد أراك كسيت أحسن منظرومع الجمال سكينة ووقار
كانت إذا هجر الحبيب فراشهاخزن الحديث وعفّت الأسرار
وقوله:
كيف العزاء ولم أجد مذ بنتمقلبا يقرّ ولا شرابا ينقع
ولقد صدقتك فى الهوى وكذبتنىوخلفتنى بمواعد لا تنفع
حيّوا الدّيار وسائلوا أطلالهاهل ترجع الخبر الدّيار البلقع
ولقد حبست لك المطىّ فلم يكنإلا السّلام ووكف عين تدمع
بان الشّباب حميدة أيّامهلو أنّ ذلك يشترى أو يرجع
رجف العظام من البلى وتقادمتسنّى وفىّ لمصلح مستمتع
وفيها يقول:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاأبشر بطول سلامة يا مربع
وممّا يختار للفرزدق قوله يهجو بنى كليب:
ولو ترمى بلؤم بنى كليبنجوم اللّيل ما وضحت لسارى
ولو لبس النّهار بنو كليبلدنّس لؤمهم وضح النّهار
وما يغدو عزيز بنى كليبليطلب حاجة إلا بجار
ومن إفراط الفرزدق قوله فى العذافر بن زيد:
لعمرك ما الأرزاق حين اكتيالهابأكثر خيرا من خوان العذافر
ولو ضافه الدّجّال يلتمس القرىوحلّ على خبّازه بالعساكر
بعدّة ياجوج وما جوج كلّهملأشبعهم يوما غداء العذافر
وقال بعض أهل الأدب: هذا الطعام اتّخذ فى قدر القائل:
بوّأت قدرى موضعا فوضعتهابرابية من بين ميث وأجرع
جعلت لها هضب الرّجام وطخفةوغولا أثافى قدرنا لم تنزّع
بقدر كأنّ اللّيل شحنة قعرهاترى الفيل فيها طافيا لم يقطّع
ويختار للفرزدق قوله:
وتقول: كيف يميل مثلك للصّباوعليك من سمة الكبير عذار
والشّيب ينهض فى الشّباب كأنّهليل يصيح بجانبيه نهار
وقوله:
تباريق شيب فى السّواد لوامعوما خير ليل ليس فيه نجوم
ويختار للأخطل قوله فى سكران:
صريع مدام يرفع الشّرب رأسهليحيا وقد ماتت عظام ومفصل
نهاديه أحيانا وحينا نجرّهوما كاد إلا بالحشاشة يعقل
إذا رفعوا صدرا تحامل صدرهوآخر ممّا نال منها محمّل
وقوله فى الزّقاق:
أناخوا فجرّو شاصيات كأنّهارجال من السّودان لم يتسربلوا
فقلت: اصبحونى لا أبا لأبيكموما وضعوا الأثقال إلا ليفعلوا
يدبّ دبيبا فى العظام كأنّهدبيب نمال فى نقا يتهيّل
ويختار له قوله أيضا:
يا قلّ خير الغوانى كيف رغن بهفشربه وشل فيهنّ تصريد
أعرضن من شمط بالرأس لاح بهفهنّ منى إذا أبصرننى حيد
قد كنّ يعهدن منّى مضحكا حسناومفرقا حسرت عنه العناقيد
فهنّ يشدون منّى بعض معرفةهنّ بالوصل لا بخل ولا جود
هل الشّباب الذى قد فات مردودأم هل دواء يردّ الشّيب موجود
لن يرجع الشيب شبّانا ولن يجدواعدل الشّباب لهم ما أورق العود
إنّ الشباب لمحمود بشاشتهوالشّيب منصرف عنه ومصدود
وقوله:
لقد لبست لهذا الدّهر أعصرهحتّى تجلّل رأسى الشّيب واشتعلا
فبان منى شبابى بعد لذّتهكأنّما كان ضيفا نازلا رحلا
وقوله فى بنى أميّة:
حشد على الحقّ عيّافو الخنا أنفإذا ألمّت بهم مكروهة صبروا
شمس العداوة حتّى يستقاد لهموأعظم الناس أحلاما إذا قدروا
(ويستجاد للأخطل قوله:
ولقد غدوت على التّجار بمسمحهرّت عواذله هرير الأكلب
لذّ يقبّله النّعيم كأنّمامسحت ترائبه بماء مذهب
لبّاس أردية الملوك تروقهمن كلّ مرتقب عيون الرّبرب
ينظرن من خلل السّتور إذا بدانظر الهجان إلى الفنيق المصعب
خضل الكياس إذا تثنّى لم يكنخلفا مواعده كبرق خلّب
وإذا تعوّرت الزّجاجة لم يكنعند الشّروب بعابس متقطّب
وممّا سبق إليه الأخطل قوله:
وإذا دعونك عمّهنّ فإنّهنسب يزيدك عندهنّ خبالا
وقال القطامىّ:
وإذا دعونك عمّهنّ فلا تجبفهناك لا يجد الصّفاء مكانا
نسب يزيدك عندهنّ حقارةوعلى ذوات شبابهنّ هوانا
(وقوله لزفر بن عمرو من هوازن:
لعمر أبيك يا زفر بن عمرولقد نجّاك جدّ بنى معاز
وركضك غير ملتفت إليهاكأنّك ممسك بجناح بازى
لعمر أبى هوازن ما جزعناولا همّ الظّعائن بانحياز
ظعائننا غداة غدت عليناونعمت ساعة السّيف الجراز
ولاقى ابن الحباب لنا حميّاكفته كلّ راقية وحاز
وكان بنا يحلّ ولا يعانىويرعى كلّ رمل أو عزاز
فلمّا أن سمنت وكنت عبدانزت بك يابن صمعاء النّوازى
عمدت إلى ربيعة تعتريهابمثل القمل من أهل الحجاز
فنعم ذوو الجناية كان قومىلقومك لو جزى بالخير جازى
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع