من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
كثير
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو كثيّر بن عبد الرحمن بن أبى جمعة، من خزاعة، وكان رافضيّا.
وقال لمّا حضرته الوفاة:
برئت إلى الإله من ابن أروىومن دين الخوارج أجمعينا
ومن عمر برئت ومن عتيقغداة دعى أمير المؤمنينا
ثم خرجت نفسه كأنّها حصاة وقعت فى ماء. وكانت وفاته ووفاة عكرمة مولى ابن عباس فى يوم واحد. ويكنى أبا صخر.
وكان محمّقا، ودخل يوما على يزيد بن عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين ما يعنى الشمّاخ بقوله:
إذا الأرطى توسّد أبرديهخدود جوازئ بالرّمل عين!
فقال يزيد: وما يضرّنى ألّا أعرف ما عنى هذا الأعرابىّ الجلف! واستحمقه وأمر بإخراجه.
قال حماد الراوية: قال لى كثيّر: ألا أخبرك عما دعانى إلى ترك الشعر؟ قلت: تخبرنى، قال: شخصت أنا والأحوص ونصيب إلى عمر ابن عبد العزيز ﵀، وكلّ واحد منّا يدلّ عليه بسابقة له وإخاء، ونحن لا نشكّ أنه يشركنا فى خلافته، فلما رفعت لنا أعلام خناصرة لقينا مسلمة ابن عبد الملك (جائيا من عنده)، وهو يومئذ فتى العرب، فسلّمنا (عليه) فردّ (علينا السلام)، ثم قال: أما بلغكم أنّ إمامكم لا يقبل الشعر؟ قلنا: ما وضح لنا خبر حتّى انتهينا إليك، ووجمنا وجمة عرف ذلك فينا، فقال: إن يك ذو دين بنى مروان ولى وخشيتم حرمانه فإنّ ذا دنياها قد بقى، ولكم عندى ما تحبّون، وما ألبث حتى أرجع إليكم فأمنحكم ما أنتم أهله، فلما قدم كانت رحالنا عنده، فأكرم منزل وأفضل منزول به، فأقمنا عنده أربعة أشهر يطلب لنا الإذن هو وغيره، فلم يؤذن لنا، إلى أن قلت فى جمعة من تلك الجمع: لو أنى دنوت من عمر فسمعت كلامه فتحفّظته كان ذلك رأيا، ففعلت، فكان ما حفظت من قوله يومئذ: لكلّ سفر زاد لا محالة، فتزوّدوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة التّقوى، وكونوا كمن عاين ما أعدّ الله له من ثوابه وعقابه فترغبوا وترهبوا، ولا يطولنّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوّكم، فى كلام كثير، ثم قال: أعوذ بالله أنّ آمركم بما أنهى عنه نفسى فتخسر صفقتى وتظهر عيلتى وتبدو مسكنتى، فى يوم لا ينفع فيه إلا الحقّ والصدق، ثم بكى حتّى ظننّا أنه قاض نحبه، وارتجّ المسجد وما حوله بالبكاء والعويل، وانصرفت إلى صاحبىّ فقلت لهما: خذا فى شرج من الشعر غير ما كنّا نقوله لعمر وآبائه، فإنّ الرجل أخروىّ ليس بدنيوىّ، إلى أن استأذن لنا مسلمة فى يوم جمعة، (فأذن لنا) بعد ما أذن للعامّة، فلمّا دخلت عليه سلّمت، ثم قلت: يا أمير المؤمنين، طال الثّواء، وقلّت الفائدة، وتحدّثت بجفائك إيّانا وفود العرب، فقال: يا كثيّر، إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ
أفى واحد من هؤلاء أنت؟ فقلت:
ابن السبيل منقطع به، وأنا ضاحك، قال: أولست ضيف أبى سعيد؟ قلت:
بلى، قال: ما أرى من كان ضيفه منقطعا به.
ثم قلت: يا أمير المؤمنين، أتأذن لى فى الإنشاد، قال: نعم ولا تقل إلا حقّا، فأنشدت:
تكلّمت بالحقّ المبين وإنّماتبيّن آيات الهدى بالتكلّم
وأظهرت نور الحقّ فاشتدّ نورهعلى كل لبس بارق الحقّ مظلم
وعاقبت فيما قد تقدّمت قبلهوأعرضت عمّا كان قبل التقدم
وليت فلم تشتم عليّا ولم تخفبريّا، ولم تقبل إشارة مجرم
وصدّقت بالفعل المقال مع الذىأتيت، فأمسى راضيا كلّ مسلم
ألا إنّما يكفى الفتى بعد زيغهمن الأود البادى ثقاف المقوّم
وقد لبست لبس الهلوك ثيابهاتراءى لك الدّنيا بكفّ ومعصم
وتومض أحيانا بعين مريضةوتبسم عن مثل الجمان المنظّم
فأعرضت عنها مشمئزّا كأنّماسقتك مدوفا من سمام وعلقم
وقد كنت من أجبالها فى ممنّعومن بحرها فى مزبد الموج مفعم
وما زلت توّاقا إلى كلّ غايةبلغت بها أعلى البناء المقدّم
فلمّا أتاك الملك عفوا ولم يكنلطالب دنيا بعده من تكلّم
تركت الذى يفنى وإن كان مونقاوآثرت ما يبقى برأى مصمّم
وأضررت بالفانى وثمّرت للّذىأمامك فى يوم من الشّرّ مظلم
سما لك همّ فى الفؤاد مؤرّقبلغت به أعلى المعالى بسلّم
فما بين شرق الأرض والغرب كلّهامناد ينادى من فصيح وأعجم
يقول: أمير المؤمنين ظلمتنىبأخذ لدينار ولا أخذ درهم
ولا بسط كفّ لامرئ غير مجرمولا السّفك منه ظالما ملء محجم
ولو يستطيع المسلمون تقسّموالك الشّطر من أعمارهم غير ندّم
فأربح بها من صفقة لمبايعوأعظم بها أعظم بها ثمّ أعظم
فأقبل علىّ ثم قال: يا كثيّر، إنّك تساءل عما قلت.
ثم تقدّم الأحوص فاستأذنه فى الإنشاد، فقال: قل ولا تقل إلا حقّا، فأنشده:
وما الشّعر إلا خطبة من مؤلّفلمنطق حقّ أو لمنطق باطل
فلا تقبلن إلّا الذى وافق الرّضاولا ترجعنّا كالنّساء الأرامل
رأيناك لم تعدل عن الحقّ يمنةولا يسرة فعل الظّلوم المخاتل
ولكن أخذت القصد جهدك كلّهتقدّ مثال الصالحين الأوائل
فقلنا، ولم نكذب، بما قد بدا لناومن ذا يردّ الحقّ من قول قائل
ومن ذا يردّ السّهّم بعد مضائهعلى فوقه إذ عار من نزع نابل
ولولا الذى قد عوّدتنا خلائفغطاريف كانوا كاللّيوث البواسل
لما وخدت شهرا برحلى رسلةتقدّ متان البيد بين الرّواحل
ولكن رجونا منك مثل الّذى بهصرفنا قديما من ذويك الأوائل
فإن لم يكن للشّعر عندك موضعوإن كان مثل الدرّ فى فتل فاتل
فإنّ لنا قربى ومحض مودّةوميراث آباء مشوا بالمناصل
وذادوا عدوّ السّلم عن عقر دارهموأرسوا عمود الدّين بعد التّمايل
وقبلك ما أعطى هنيدة جلّةعلى الشّعر كعبا من سديس وبازل
رسول الإله المستضاء بنورهعليه سلام بالضحى والأصائل
فكلّ الذى عدّدت يكفيك بعضهوقلّك خير من بحور سوائل
فقال له عمر: إنّك (يا أحوص) تسأل عمّا قلت.
وتقدّم نصيب فاستأذنه فى الإنشاد فلم يأذن له، وأمره بالغزو إلى دابق، فخرج وهو محموم، وأمر لى بثلاثمائة درهم وللأحوص بمثلها، وأمر لنصيب بمائة وخمسين درهما.
وكان كثيّر أحد عشّاق العرب المشهورين بذلك، وصاحبته عزّة، وإليها ينسب، وهى من ضمرة.
ولقيته امرأة فى بعض الطريق، فقالت: أأنت كثيّر؟ قال:
نعم، قالت: والله لقد رأيتك فما أخذتك عينى! قال: وأنا والله لقد رأيتك فأقذيت عينى! قالت: والله لقد سفّل الله بك إذ جعلك لا تعرف إلّا بامرأة، قال: ما سفّل الله بى، ولكن رفع بها ذكرى، واستنار بها أمرى، واستحكم بها شعرى، وهى كما قلت:
وإنى لأسمو بالوصال إلى التىيكون شفاء ذكرها وازديارها
إذا أخفيت كانت لعينك قرّةوإن بحت يوما لم يعمّك عارها
فقالت: مرّ فى قصيدتك، فمرّ فيها، فلمّا بلغ:
وما روضة بالحزن طيّبة الثّرىيمجّ النّدى جثجاثها وعرارها
بأطيب من أردان عزّة موهناإذا أوقدت بالمجمر اللّدن نارها
قالت: كان امرؤ القيس أحسن نعتا لصاحبته حيث يقول:
ألم تريانى كلّما جئت طارقاوجدت بها طيبا وإن لم تطيّب
وبعثت عائشة بنت طلحة بن عبيد الله إلى كثيّر، فقالت له: يا ابن أبى جمعة ما الذى يدعوك إلى ما تقول من الشعر فى عزّة وليست على ما من الحسن والجمال، لو شئت صرفت ذاك إلى غيرها ممّن هو أولى به (منها) أنا أو مثلى، فأنا أشرف وأوصل من عزّة، وإنّما جرّبته (بذلك)، فقال:
إذا ما أرادت خلّة أن تزيلناأبينا وقلنا: الحاجبيّة أوّل
سنوليك عرفا إن أردت وصالناونحن لتلك الحاجبيّة أوصل
لها مهل لا يستطاع دراكهوسابقة فى الحبّ ما تتحوّل
فقالت عائشة: والله لقد سمّيتنى لك خلّة وما أنا لك بخلّة، وعرضت علىّ وصلك وما أريد ذلك وإن أردت، ألّا قلت كما قال جميل:
ويقلن: إنّك قد رضيت بباطلمنها فهل لك فى اعتزال الباطل
ولباطل ممّن أحبّ حديثهأشهى إلىّ من البغيض الباذل
ولربّ عارضة علينا وصلهابالجدّ تخلطه بقول الهازل
فأجبتها فى الحبّ بعد تستّرحبّى بثينة عن وصالك شاغلى
لو كان فى قلبى كقدر قلامةحبّ وصلتك أو أتتك رسائلى
ودخل كثيّر على عبد الملك بن مروان، فقال له: نشدتك بحقّ على بن أبى طالب هل رأيت قطّ أحدا أعشق منك؟ قال: يا أمير المؤمنين، لو نشدتنى بحقّك أخبرتك، فقال: نشدتك بحقّى إلّا أخبرتنى؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، بينا أنا أسير فى بعض الفلوات فإذا أنا برجل قد نصب حبالة، فقلت له: ما أجلسك ههنا؟ قال: أهلكنى وأهلى الجوع فنصبت حبالتى هذه لأصيب لهم ولنفسى ما يكفينا ويعصمنا يومنا هذا، قلت: أرأيت إن أقمت معك فأصبت صيدا أتجعل لى منه جزءا؟ قال: نعم، فبينا نحن كذلك وقعت فيها ظبية، فخرجنا نبتدر، فبدرنى إليها فحلّها وأطلقها، فقلت: ما حملك على هذا؟ قال: دخلتنى لها رقّة لشبهها بليلى! وأنشأ يقول:
أيا شبه ليلى لا تراعى فإنّنىلك اليوم من وحشيّة لصديق
أقول وقد أطلقتها من وثاقها:فأنت لليلى، إن شكرت، عتيق
وقال ابن الكلبىّ وابن دأب: لمّا حلّها قال:
اذهبى فى كلاءة الرّحمنأنت منى فى ذمّة وأمان
لا تخافى بأن تهاجى بسوءما تغنّى الحمام فى الأغصان
ترهبينى والجيد منك لليلىوالحشا والبغام والعينان
ودخلت عزّة على أمّ البنين فقالت لها أمّ البنين: أرأيت قول كثيّر:
قضى كلّ ذى دين فوفّى غريمهوعزّة ممطول معنّى غريمها
ما كان ذلك الدّين؟ قالت: وعدته بقبلة فتحرّجت منها، فقالت أمّ البنين:
أنجزيها وعلىّ إثمها.
قال السائب رواية كثيّر: خرجت مع كثيّر وهو يريد عبد العزيز ابن مروان، فمررنا بالماء الذى عليه عزّة، فسلّمنا جميعا على أهل الخباء، فقالت عزّة: عليك يا سائب السلام، ثم أقبلت على كثيّر فقالت: ألا تتّقى الله، أرأيت قولك:
بآية ما أتيتك أمّ عمروفقمت بحاجتى والبيت خالى
ويحك خلوت معك فى بيت قطّ!! فقال: لم أقله ولكنّى الذى يقول:
فأقسم لو أتيت البحر يومالأشرب ما سقتنى من بلال
وأقسم أنّ حبّك أمّ عمرولدى جنبى ومنقطع السّعال
قالت: أمّا هذا فعسى. قال السائب: فأتينا عبد العزيز بن مروان فانصرفنا ومررنا بهم، فقال كثير: السلام عليك يا عزّة، فقالت: عليك السلام يا جمل، فقال كثيّر:
حيّتك عزّة بعد الوصل وانصرفتفحىّ ويحك من حيّاك يا جمل
لو كنت حيّيتها ما زلت ذا مقةعندى وما مسّك الإدلاج والعمل
ليت التّحيّة كانت لى فأجعلهامكان يا جملا حيّيت يا رجل
وخرج كثيّر إلى مصر وعزّة بالمدينة، فاشتاق إليها، فقام إلى بغلة له فأسرجها، وتوجّه نحو المدينة لم يعلم به أحد، فبينا هو يسير فى التّيه بمكان يقال له فيفاء خريم، إذا هو بعير قد أقبلت (من ناحية المدينة)، فى أوائلها محامل فيها نسوة، وكثيّر متلثّم بعمامة له، وفى النسوة عزّة، فلمّا نظرت إليه عرفته وأنكرها، فقالت لقائد قطارها: إذا دنا منك الراكب فاحبس، فلمّا دنا كثيّر حبس القائد القطار، فابتدرته عزّة فقالت: من الرجل؟ قال: من الناس، قالت: أقسمت، قال: كثيّر، قالت: فأين تريد فى هذه المفازة؟
قال: ذكرت عزّة (وأنا) بمصر فلم أصبر أن خرجت نحوها على الحال التى ترين، قالت: فلو أنّ عزّة لقيتك فأمرتك بالبكاء أكنت تبكى؟ قال: نعم، فنزعت عزّة اللثام (عن وجهها) وقالت: أنا عزّة، فإنّ كنت صادقا فافعل ما قلت، فأفحم، فقالت للقائد: قد قطارك، فقاده، وبقى كثيّر مكانه لا يحير ولا ينطق حتّى توارت، فلمّا فقدها سالت دموعه وأنشأ يقول:
وقضّين ما قضّين ثم تركننىبفيفا خريم قائما أتلدّد
تأطّرن حتّى قلت لسن بوارحاوذبن كما ذاب السّديف المسرهد
أقول لماء العين: أمعن، لعلّهلما لا يرى من غائب الوجد يشهد
فلم أر مثل العين ضنّت بمائهاعلىّ ولا مثلى على الدّمع يحسد
وبين التّراقى واللهاة حرارةمكان الشّجى ما إن تبوح فتبرد
وعادت عزّة إلى مصر، وخرج كثيّر يريد مصر، فوافاها والناس ينصرفون عن جنازتها.
وممّا يستجاد من شعره قوله:
أغاضر لو شهدت غداة بنتمحنوّ العائدات على وسادى
أويت لوامق لم تشكميهنوافذه تلذّع بالزّناد
وغاضرة: أمّ ولد بشر بن مروان.
ويتمثّل من شعره بقوله:
ومن يبتدع ما ليس من سوس نفسهيدعه، ويغلبه على النّفس خيمها
وقوله:
ومن لا يغمّض عينه عن صديقهوعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتتبّع جاهدا كلّ عثرةيجدها، ولا يسلم له الدّهر صاحب
ويختار من قوله:
وأجمع هجرانا لأسماء إن دنتبها الدّار لا من زهدة فى وصالها
فإن شحطت يوما بكيت وإن دنتتذلّلت واستكثرتها باعتزالها
وقوله فى سياسة النساء:
وكنت إذا جئت أجللن مجلسىوأبدين منّى هيبة لا تجهّما
يحاذرن منّى غيرة قد علمنهاقديما، فما يضحكن إلّا تبسّما
تراهنّ إلّا أن يؤدّين نظرةبمؤخر عين أو يقلّبن معصما
كواظم ما ينطقن إلّا محورةرجيعة قول بعد أن يتفهّما
وكنّ إذا ما قلن شيئا يسرّهأسرّ الرّضا فى نفسه وتجرّما
وقوله لعزّة:
قال أبو علىّ فى النّوادر: قرأت هذه القصيدة على أبى بكر بن دريد فى شعر كثيّر، وهى من منتخبات شعر كثيّر، وأوّلها:
خليلىّ هذا ربع عزّة فاعقلاقلوصيكما ثمّ ابكيا حيث حلّت
وما كنت أدرى قبل عزّة ما البكاولا موجعات الحزن حتّى تولّت
وكانت لقطع الحبل بينى وبينهاكناذرة نذرا وفت فأحلّت
فقلت لها: يا عزّ كلّ مصيبةإذا وطّنت يوما لها النّفس ذلّت
ولم يلق إنسان من الحبّ ميعةتعمّ، ولا عمياء إلّا تجلّت
كأنى أنادى صخرة حين أعرضتمن الصّمّ لو تمشى بها العيس زلّت
صفوحا فما تلقاك إلا بخيلةفمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت
أباحت حمى لم يرعه النّاس قبلهاوحلّت تلاعا لم تكن قبل حلّت
أريد الثّواء عندها وأظنّهاإذا ما أطلنا عندها المكث ملّت
يكلّفها الغيران شتمى، وما بهاهوانى، ولكن للمليك استذلّت
هنيئا مريئا غير داء مخامرلعزّة من أعراضنا ما استحلّت
فإن تكن العتبى فأهلا ومرحباوحقّت لها العتبى لدينا وقلّت
وإن تكن الأخرى فإنّ وراءنامناويح لو سارت بها الرّئم كلّت
أسيئى بنا أو أحسنى لا ملومةلدينا، ولا مقليّة إن تقلّت
وو الله ما قاربت إلّا تباعدتبصرم، ولا استكثرت إلّا أقلّت
وو الله ثمّ الله ما حلّ قبلهاولا بعدها من خلّة حيث حلّت
وما مرّ من يوم علىّ كيومهاوإن كثرت أيّام أخرى وجلّت
فوا عجبا للقلب كيف اعترافهوللنّفس لمّا وطّنت كيف ذلّت
وإنّى وتهيامى بعزّة بعد ماتخلّيت ممّا بيننا وتخلّت
لكالمرتجى ظلّ الغمامة كلّماتبوأ منها للمقيل اضمحلّت
ومن الإفراط قوله:
ومشى إلىّ بعيب عزّة نسوةجعل الإله خدودهنّ نعالها
ولو أنّ عزّة خاصمت شمس الضّحىفى الحسن عند موفّق لقضى لها
ودخل كثير على عبد العزيز بن مروان وهو مريض، وأهله يتمنّون أن يضحك. فلمّا وقف عليه قال (له: والله أيّها الأمير) لولا أنّ سرورك لا يتم بأن تسلم وأسقم لدعوت ربى أن يصرف ما بك إلىّ، ولكنّى أسأل الله لك أيّها الأمير العافية ولى فى كنفك النّعمة، فضحك وأمر له بمال.
وهو القائل له:
ونعود سيّدنا وسيّد غيرناليت التّشكّى كان بالعوّاد
لو كان يقبل فدية لفديتهبالمصطفى من طارفى وتلادى
(ولعبد العزيز يقول كثيّر:
إذا المال لم يوجب عليك عطاءهصنيعة تقوى أو خليل تخالقه
منعت، وبعض المنع حزم وقوّةفلم يفتلذك المال إلّا حقائقه
فبورك ما أعطى ابن ليلى بنيّةوصامت ما أعطى ابن ليلى وناطقه
وكان كثيّر يقول بالرّجعة، وفى ذلك يقول:
ألا إنّ الأيمّة من قريشولاة الحقّ أربعة سواء
علىّ والثلاثة من بنيههم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبرّوسبط غيّبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتّىيقود الخيل يقدمها اللّواء
تغيّب لا يرى عنهم زمانابرضوى عنده عسل وماء
كأنّه يعنى ابن الحنفيّة، ويذكرون أنه دخل شعب اليمن فى أربعين من أصحابه فما رئى لهم أثر.
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع