من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر طويس وأخباره
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
طويس لقب غلب عليه، واسمه عيسى بن عبد اللّه، وكنيته أبو عبد المنعم وغيّرها المخنّثون فجعلوها أبا عبد النّعيم، وهو مولى بني مخزوم. وقد حدّثني جحظة عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الواقديّ عن ابن أبي الزّناد: قال سعد بن أبي وقّاص: كني طويس أبا عبد المنعم.
أخبرنا الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن المسيّبي ومحمد بن سلّام الجمحيّ، وعن الواقديّ عن ابن أبي الزّناد؛ وعن المدائني عن زيد بن أسلم عن أبيه، وعن ابن الكلبيّ عن أبيه وعن أبي مسكين.
قالوا: أوّل من غنّى بالعربيّ بالمدينة طويس، وهو أوّل من ألقى الخنث بها، وكان طويلا أحول يكنى أبا عبد المنعم، مولى بني مخزوم، وكان لا يضرب بالعود. إنما كان ينقر بالدفّ، وكان ظريفا عالما بأمر المدينة وأنساب أهلها، وكان يتّقى للسانه.
قالوا: وسئل عن مولده فذكر أنه ولد يوم قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وفطم يوم مات أبو بكر، وختن يوم قتل عمر، وزوّج يوم قتل عثمان، وولد له يوم قتل عليّ رضوان اللّه عليهم أجمعين. قال وقيل: إنه ولد له يوم مات الحسن بن عليّ عليهما السلام. قال: وكانت أمي تمشي بين نساء الأنصار بالنّميمة. قالوا: وأوّل غناء غنّاه وهزج به:
صوت
كيف يأتي من بعيدوهو يخفيه القريب
نازح بالشأم عنّاوهو مكسال هيوب
قد براني الحبّ حتىكدت من وجدي أذوب
الغناء لطويس هزج بالبنصر.
قال إسحاق: أخبرني الهيثم بن عديّ قال قال صالح بن حسّان الأنصاريّ أنبأني أبي قال: اجتمع يوما جماعة بالمدينة يتذاكرون أمر المدينة إلى أن ذكروا طويسا، فقالوا: كان وكان؛ فقال رجل منا: أما لو شاهدتموه لرأيتم ما تسرّون به علما وظرفا وحسن غناء وجودة نقر بالدفّ، ويضحك كلّ ثكلى حرّى؛ فقال بعض القوم: واللّه إنه على ذلك كان مشؤوما؛ وذكر خبر ميلاده كما قال الواقدي، إلا أنه قال: ولد يوم مات نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم، وفطم يوم مات صدّيقنا، وختن يوم قتل فاروقنا، وزوّج يوم قتل نورنا، وولد له يوم قتل أخو نبينا؛ وكان مع هذا مخنّثا يكيدنا ويطلب عثراتنا؛ وكان مفرطا في طوله مضطربا في خلقه أحول. فقال رجل من جلّة أهل المجلس: لئن كان كما قلت لقد كان ممتعا فهما يحسن رعاية من حفظ له حقّ المجالسة، ورعاية حرمة الخدمة، وكان لا يحمل قول من لا يرعى له بعض ما يرعاه له.
ولقد كان معظّما لمواليه بني مخزوم ومن والاهم من سائر قريش، ومسالما لمن عاداهم دون التّحكيك به؛ وما يلام من قال بعلم وتكلّم على فهم، والظالم الملوم، والبادىء أظلم. فقال رجل آخر: لئن كان ما قلت لقد رأيت قريشا يكتنفونه ويحدقون به ويحبّون مجالسته وينصتون إلى حديثه ويتمنّون غناءه، وما وضعه شيء إلا خنثه، ولو لا ذلك ما بقي رجل من قريش والأنصار وغيرهم إلا أدناه.
أخبرني رضوان بن أحمد الصّيدلاني قال حدّثنا يوسف بن إبراهيم قال حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهديّ قال حدّثني إسماعيل بن جامع عن سياط قال: كان أوّل من تغنّى بالمدينة غناء يدخل في الإيقاع طويس، وكان مولده يوم مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وفطامه في اليوم الذي توفّي فيه أبو بكر، وختانه في اليوم الذي قتل فيه عمر، وبناؤه بأهله في اليوم الذي قتل فيه عثمان، وولد له يوم قتل عليّ رضوان اللّه عليهم أجمعين، وولد وهو ذاهب العين اليمنى.
وكان يلقّب بالذائب، وإنما لقّب بذلك لأنه غنى:
قد براني الحبّ حتىكدت من وجدي أذوب
أخبرني الحسين عن حمّاد عن أبيه قال أخبرني ابن الكلبيّ عن أبي مسكين قال:
كان بالمدينة مخنّث يقال له النّغاشيّ، فقيل لمروان بن الحكم: إنه لا يقرأ من كتاب اللّه شيئا، فبعث إليه يومئذ، وهو على المدينة، فاستقرأه أمّ الكتاب؛ فقال: واللّه ما معي بناتها، أو ما أقرأ البنات فكيف أقرأ أمّهنّ!
فقال: أتهزأ لا أمّ لك! فأمر به فقتل في موضع يقال له بطحان، وقال: من جاءني فمخنّث فله عشرة دنانير.
لقد هاج نفسك أشجانهاوعاودها اليوم أديانها
تذكّرت هندا وما ذكرهاوقد قطّعت منك أقرانها
وقفت عليها فساءلتهاوقد ظعن الحيّ ما شأنها
فصدّت وجاوب من دونهابما أوجع القلب أعوانها
فأخبر بمقالة مروان فيهم؛ فقال: أما فضّلني الأمير عليهم بفضل حتى جعل فيّ وفيهم أمرا واحدا! ثم خرج حتى نزل السّويداء - على ليلتين من المدينة في طريق الشأم - فلم يزل بها عمره، وعمّر حتى مات في ولاية الوليد بن عبد الملك.
قال إسحاق وأخبرني ابن الكلبيّ قال أخبرني خالد بن سعيد عن أبيه وعوانة قالا: قال هيت المخنّث لعبد اللّه بن أبي أميّة: إن فتح اللّه عليكم الطائف فسل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بادية بنت غيلان بن سلمة بن معتّب، فإنها هيفاء شموع نجلاء، إن تكلّمت تغنّت، وإن قامت تثنّت، تقبل بأربع وتدبر بثمان، مع ثغر كأنه الأقحوان، وبين رجليها كالإناء المكفوء، كما قال قيس بن الخطيم:
تغترق الطرف وهي لاهيةكأنما شفّ وجهها نزف
بين شكول النساء خلقتهاقصد فلا جبلة ولا قضف
فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «لقد غلغلت النظر يا عدوّ اللّه»، ثم جلاه عن المدينة إلى الحمى. قال هشام: وأوّل ما اتّخذت النّعوش من أجلها. قال: فلما فتحت الطائف تزوّجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له بريهة. فلم يزل هيت بذلك المكان حتى قبض النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم؛ فلما ولي أبو بكر رضي اللّه عنه كلّم فيه فأبى أن يردّه؛ فلما ولي عمر رضي اللّه عنه كلّم فيه فأبى أن يردّه وقال: إن رأيته لأضربنّ عنقه؛ فلما ولي عثمان رضي اللّه عنه كلّم فيه فأبى أن يردّه؛ فقيل له: قد كبر وضعف واحتاج؛ فأذن له أن يدخل كلّ جمعة فيسأل ويرجع إلى مكانه. وكان هيت مولى لعبد اللّه بن أبي أميّة بن المغيرة المخزوميّ، وكان طويس له؛ فمن ثمّ قيل الخنث.
وجلس يوما فغنّى في مجلس فيه ولد لعبد اللّه بن أبي أمية:
تغترق الطرف وهي لاهية
إلى آخر البيتين؛ فأشير إلى طويس أن اسكت؛ فقال: واللّه ما قيل هذان البيتان في ابنة غيلان بن سلمة وإنما هذا مثل ضربه هيت في أمّ بريهة؛ ثم التفت إلى ابن عبد اللّه فقال: يابن الطاهر، أوجدت عليّ في نفسك؟ أقسم باللّه قسما حقا لا أغنّي بهذا الشعر أبدا.
قال إسحاق وحدّثنا أبو الحسن الباهليّ الراوية عن بعض أهل المدينة، وحدّثنا الهيثم بن عديّ والمدائنيّ، قالوا: كان عبد اللّه بن جعفر معه إخوان له في عشيّة من عشايا الربيع، فراحت عليهم السماء بمطر جود فأسال كلّ شي ء؛ فقال عبد اللّه: هل لكم في العقيق؟ - وهو متنزّه أهل المدينة في أيام الرّبيع والمطر - فركبوا دوابّهم ثم انتهوا إليه فوقفوا على شاطئه وهو يرمي بالزّبد مثل مدّ الفرات، فإنهم لينظرون إذ هاجت السماء، فقال عبد اللّه لأصحابه ليس معنا جنّة نستنجنّ بها وهذه سماء خليقة أن تبلّ ثيابنا، فهل لكم في منزل طويس فإنه قريب منا فنستكنّ فيه ويحدّثنا ويضحكنا؟ وطويس في النّظّارة يسمع كلام عبد اللّه بن جعفر؛ فقال له عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت: جعلت فداءك! وما تريد من طويس عليه غضب اللّه: مخنّث شائن لمن عرفه؛ فقال له عبد اللّه: لا تقل ذلك، فإنه مليح خفيف لنا فيه أنس؛ فلما استوفى طويس كلامهم تعجّل إلى منزله فقال لامرأته: ويحك! قد جاءنا عبد اللّه بن جعفر سيد الناس، فما عندك؟ قالت: نذبح هذه العناق، وكانت عندها عنيّقة قد ربّتها باللبن، واختبز خبزا رقاقا؛ فبادر فذبحها وعجنت هي. ثم خرج فتلقّاه مقبلا إليه؛ فقال له طويس: بأبي أنت وأمي؛ هذا المطر، فهل لك في المنزل فتستكنّ فيه إلى أن تكفّ السماء؟ قال: إياك أريد؛ قال: فامض يا سيدي على بركة اللّه، وجاء يمشي بين يديه حتى نزلوا، فتحدّثوا حتى أدرك الطعام، فقال: بأبي أنت وأمي، تكرمني إذ دخلت منزلي بأن تتعشّى عندي؛ قال: هات ما عندك؛ فجاءه بعناق سمينة ورقاق، فأكل وأكل القوم حتى تملّئوا، فأعجبه طيب طعامه، فلما غسلوا أيديهم قال: بأبي أنت وأمي، أتمشّى معك وأغنّيك؟ قال: افعل يا طويس؛ فأخذ ملحفة فأتزر بها وأرخى لها ذنبين، ثم أخذ المربّع فتمشّى وأنشأ يغنّي:
يا خليلي نابني سهديلم تنم عيني ولم تكد
كيف تلحوني على رجلآنس تلتذّه كبدي
مثل ضوء البدر طلعتهليس بالزّمّيلة النّكد
فطرب القوم وقالوا أحسنت واللّه يا طويس. ثم قال: يا سيدي، أتدري لمن هذا الشعر؟ قال: لا واللّه، ما أدري لمن هو، إلا أني سمعت شعرا حسنا؛ قال: هو لفارعة بنت ثابت أخت حسّان بن ثابت وهي تتعشّق عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ وتقول فيه هذا الشعر؛ فنكّس القوم رؤوسهم، وضرب عبد الرحمن برأسه على صدره، فلو شقّت الأرض له لدخل فيها.
قال وحدّثني ابن الكلبيّ والمدائنيّ عن جعفر بن محرز قال: خرج عمر بن عبد العزيز، وهو على المدينة، إلى السّويداء وخرج الناس معه، وقد أخذت المنازل، فلحق بهم يزيد بن بكر بن دأب اللّيثيّ وسعيد بن عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت الأنصاريّ، فلقيهما طويس فقال لهما: بأبي أنتما وأمّي! عرّجا إلى منزلي؛ فقال يزيد لسعيد: مل بنا مع أبي عبد النّعيم؛ فقال سعيد: أين تذهب مع هذا المخنّث! فقال يزيد: إنما هو منزل ساعة فمالا، واحتمل طويس الكلام على سعيد، فأتيا منزله فإذا هو قد نضحه ونصّعه، فأتاهما بفاكهة من فاكهة الماء؛ ثم قال سعيد: لو أسمعتنا يا أبا عبد النّعيم! فتناول خريطة فاستخرج منها دفّا ثم نقره وقال:
يا خليلي نابني سهديلم تنم عيني ولم تكد
فشرابي ما أسيغ وماأشتكي ما بي إلى أحد
كيف تلحوني على رجلآنس تلتذّه كبدي
مثل ضوء البدر صورتهليس بالزّمّيلة النّكد
من بني آل المغيرة لاخامل نكس ولا جحد
نظرت يوما فلا نظرتبعده عيني إلى أحد
ثم ضرب بالدفّ الأرض؛ فقال سعيد: ما رأيت كاليوم قطّ شعرا أجود ولا غناء أحسن منه؛ فقال له طويس: يابن الحسام، أتدري من يقوله؟ قال: لا؛ قال: قالته عمّتك خولة بنت ثابت تشبّب بعمارة بن الوليد بن المغيرة المخزوميّ؛ فخرج سعيد وهو يقول: ما رأيت كاليوم قطّ مثل ما استقبلني به هذا المخنّث! واللّه لا يفلتني! فقال يزيد: دع هذا وأمته ولا ترفع به رأسا. قال أبو الفرج الأصبهاني: هذه الأبيات، فيما ذكر الحرميّ بن أبي العلاء عن الزّبير بن بكّار، لابن زهير المخنّث.
قال إسحاق وحدّثني الهيثم بن عديّ عن ابن عيّاش، وابن الكلبيّ عن أبي مسكين، قالا: قدم ابن سريج المدينة فغنّاهم، فاستظرف الناس غناءه وآثروه على كلّ من غنّى؛ وطلع عليهم طويس فسمعهم وهم يقولون ذلك، فاستخرج دفّا من حضنه ثم نقر به وغنّاهم بشعر عمارة بن الوليد المخزوميّ في خولة بنت ثابت، عارضها بقصيدتها فيه:
يا خليلي نابني سهديلم تنم عيني ولم تكد
وهو:
تناهى فيكم وجديوصدّع حبّكم كبدي
فقلبي مسعر حزنابذات الخال في الخدّ
فما لاقى أخو عشقعشير العشر من جهدي
فأقبل عليهم ابن سريج فقال: واللّه هذا أحسن الناس غناء.
أخبرني وكيع محمد بن خلف قال حدّثنا إسماعيل بن مجمّع قال حدّثني المدائنيّ قال: قدم ابن سريج المدينة فجلس يوما في جماعة وهم يقولون: أنت واللّه أحسن الناس غناء، إذ مرّ بهم طويس فسمعهم وما يقولون: فاستلّ دفّه من حضنه ونقره وتغنّى:
إن المجنّبة التيمرّت بنا قبل الصّباح
في حلّة موشيّةمكيّة غرثى الوشاح
زين لمشهد فطرهموتزينهم يوم الأضاحي
- الشعر لابن زهير المخنّث. والغناء لطويس هزج، أخبرنا بذلك الحرميّ بن أبي العلاء عن الزّبير بن بكّار - فقال ابن سريج: هذا واللّه أحسن الناس غناء لا أنا.
قال إسحاق حدّثني المدائنيّ قال: حدّثت أنّ طويسا تبع جارية فراوغته فلم ينقطع عنها، فخبّت في المشي فلم ينقطع عنها؛ فلما جازت بمجلس وقفت ثم قالت: يا هؤلاء، لي صديق ولي زوج ومولى ينكحني، فسلوا هذا ما يريد منّي! فقال أضيّق ما قد وسّعوه. ثم جعل يتغنّى:
أفق يا قلب عن جملوجمل قطّعت حبلي
أفق عنها فقد عنّيت حولا في هوى جمل
وكيف يفيق محزونبجمل هائم العقل
براه الحبّ في جملفحسبي الحبّ من ثقل
وحسبي فيك ما ألقىمن التّفنيد والعذل
وقد ما لامني فيهافلم أحفل بهم أهلي
قال إسحاق وقال المدائنيّ قال مسلمة بن محارب حدّثني رجل من أصحابنا قال: خرجنا في سفرة ومعنا رجل، فانتهينا إلى واد فدعونا بالغداء، فمدّ الرجل يده إلى الطعام فلم يقدر عليه، وهو قبل ذلك يأكل معنا في كلّ منزل، فخرجنا نسأل عن حاله فلقينا رجلا طويلا أحول مضطرب الخلق في زيّ الأعراب، فقال لنا: ما لكم؟ فأنكرنا سؤاله لنا، فأخبرناه خبر الرجل؛ فقال: ما اسم صاحبكم؟ فقلنا: أسيد؛ فقال: هذا واد قد أخّذت سباعه فارحلوا، فلو قد جاوزتم الوادي استمرّ صاحبكم وأكل. قلنا في أنفسنا: هذا من الجنّ، ودخلتنا فزعة؛ ففهم ذلك وقال: ليفرخ روعكم فأنا طويس. قال له بعض من معنا من بني غفار أو من بني عبس: مرحبا بك يا أبا عبد النّعيم، ما هذا الزّيّ! فقال: دعاني بعض أودّائي من الأعراب فخرجت إليهم وأحببت أن أتخطّى الأحياء فلا ينكروني. فسألت الرجل أن يغنّينا؛ فاندفع ونقر بدفّ كان معه مربّع، فلقد تخيّل لي أنّ الوادي ينطق معه حسنا، وتعجّبنا من علمه وما أخبرنا به من أمر صاحبنا.
وكان الذي غنّى به في شعر عروة بن الورد في سلمى امرأته الغفاريّة حيث رهنها على الشراب:
سقوني الخمر ثم تكنّفونيعداة اللّه من كذب وزور
وقالوا لست بعد فداء سلمىبمفن ما لديك ولا فقير
فلا واللّه لو ملّكت أمريومن لي بالتّدبّر في الأمور
إذا لعصيتهم في حبّ سلمىعلى ما كان من حسك الصدور
فيا للنّاس كيف غلبت أمريعلى شيء ويكرهه ضميري
قال إسحاق وحدّثني الواقديّ قال حدّثني عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن أبيه قال: لما غزا النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بني النّضير وأجلاهم عن المدينة خرجوا يريدون خيبر يضربون بدفوف ويزمرون بالمزامير وعلى النساء المعصفرات وحليّ الذهب مظهرين لذلك تجلّدا، ومرّت في الظّعن يومئذ سلمى امرأة عروة بن الورد العبسي، وكان عروة حليفا في بني عمرو بن عوف، وكانت سلمى من بني غفار، فسباها عروة من قومها وكانت ذات جمال فولدت له أولادا وكان شديد الحب لها وكان ولده يعيّرون بأمّهم ويسمّون بني الأخيذة - أي السّبية - فقالت: ألا ترى ولدك يعيّرون؟ قال: فماذا ترين؟ قالت: أرى أن تردّني إلى قومي حتى يكونوا هم الذين يزوّجونك فأنعم لها، فأرسلت إلى قومها أن ألقوه بالخمر ثم اتركوه حتى يسكر ويثمل فإنه لا يسأل حينئذ شيئا إلا أعطاه؛ فلقوه وقد نزل في بني النّضير فسقوه الخمر، فلما سكر سألوه سلمى فردّها عليهم ثم أنكحوه بعد.
ويقال: إنما جاء بها إلى بني النّضير، وكان صعلوكا يغير، فسقوه الخمر، فلما انتشى منعوه ولا شيء معه إلا هي فرهنها، ولم يزل يشرب حتى غلقت؛ فلما قال لها: انطلقي قالت: لا سبيل إلى ذلك، قد أغلقتني. فبهذا صارت عند بني النّضير. فقال في ذلك:
سقوني الخمر ثم تكنّفونيعداة اللّه من كذب وزور
هذه الأبيات مشهورة بأن لطويس فيها غناء، وما وجدته في شيء من الكتب مجنّسا فتذكر طريقته.
قال إسحاق وحدّثني المدائنيّ قال: كان طويس ولعا بالشعر الذي قالته الأوس والخزرج في حروبهم، وكان يريد بذلك الإغراء، فقلّ مجلس اجتمع فيه هذان الحيّان فغنّى فيه طويس إلا وقع فيه شي ء؛ فنهي عن ذلك، فقال: واللّه لا تركت الغناء بشعر الأنصار حتى يوسّدوني التراب؛ وذلك لكثرة تولّع القوم به، فكان يبدي السرائر ويخرج الضغائن، فكان القوم يتشاءمون به.
وكان يستحسن غناؤه ولا يصبر عن حديثه ويستشهد على معرفته، فغنّى يوما بشعر قيس بن الخطيم في حرب الأوس والخزرج وهو:
ردّ الخليط الجمال فانصرفواماذا عليهم لو أنهم وقفوا
لو وقفوا ساعة نسائلهمريث يضحّي جماله السّلف
فليت أهلي وأهل أثلة في الدّار قريب من حيث نختلف
فلما بلغ إلى آخر بيت غنّى فيه طويس من هذه القصيدة وهو:
أبلغ بني جحجبى وقومهمخطمة أنّا وراءهم أنف
تكلّموا وانصرفوا وجرت بينهم دماء، وانصرف طويس من عندهم سليما لم يكلّم ولم يقل له شيء.
قال إسحاق فحدّثني الواقديّ وأبو البختريّ، قالا: قال قيس بن الخطيم هذه القصيدة لشغب أثاره القوم بعد دهر طويل. ونذكر سبب أوّل ما جرى بين الأوس والخزرج من الحرب: قال إسحاق قال أبو عبد اللّه اليزيدي وأبو البختريّ، وحدّثني مشايخ لنا قالوا: كانت الأوس والخزرج أهل عزّ ومنعة وهما أخوان لأب وأمّ وهما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر، وأمّهما قيلة بنت جفنة بن عتبة بن عمرو؛ وقضاعة تذكر أنها قيلة بنت كاهل بن عذرة بن سعد بن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. وكانت أوّل حرب جرت بينهم في مولى كان لمالك بن العجلان قتله سمير بن يزيد بن مالك، وسمير رجل من الأوس ثم أحد بني عمرو بن عوف، وكان مالك سيد الحيّين في زمانه، وهو الذي ساق تبّعا إلى المدينة وقتل الفطيون صاحب زهرة وأذلّ اليهود للحيّين جميعا، فكان له بذلك الذكر والشرف عليهم، وكانت دية المولى فيهم - وهو الحليف - خمسا من الإبل، ودية الصريح عشرا، فبعث مالك إلى عمرو بن عوف: ابعثوا إليّ سميرا حتى أقتله بمولاي فإنّا نكره أن تنشب بيننا وبينكم حرب؛ فأرسلوا إليه: إنّا نعطيك الرضا من مولاك فخذ منا عقله، فإنك قد عرفت أن الصريح لا يقتل بالمولى؛ قال: لا آخذ في مولاي دون دية الصريح، فأبوا إلا دية المولى. فلما رأى ذلك مالك بن العجلان جمع قومه من الخزرج، وكان فيهم مطاعا، وأمرهم بالتهيّؤ للحرب. فلمّا بلغ الأوس استعدّوا لهم وتهيّئوا للحرب واختاروا الموت على الذلّ؛ ثم خرج بعض القوم إلى بعض فالتقوا بالصّفينة بين بئر سالم وبين قباء (قرية لبني عمرو بن عوف) فاقتتلوا قتالا شديدا حتى نال بعض القوم من بعض. ثم إنّ رجلا من الأوس نادى: يا مالك، ننشدك اللّه والرّحم - وكانت أمّ مالك إحدى نساء بني عمرو بن عوف - فاجعل بيننا وبينك عدلا من قومك فما حكم علينا سلّمنا لك؛ فارعوى مالك عند ذلك، وقال نعم؛ فاختاروا عمرو بن امرىء القيس أحد بني الحارث بن الخزرج فرضي القوم به، واستوثق منهم، ثم قال: فإنّي أقضي بينكم: إن كان سمير قتل صريحا من القوم فهو به قود، وإن قبلوا العقل فلهم دية الصريح؛ وإن كان قتل مولى فلهم دية المولى بلا نقص، ولا يعطى فوق نصف الدية، وما أصبتم منا في هذه الحرب ففيه الدية مسلّمة إلينا، وما أصبنا منكم فيها علينا فيه دية مسلّمة إليكم. فلما قضى بذلك عمرو بن امرىء القيس غضب مالك بن العجلان ورأى أن يردّ عليه رأيه، وقال: لا أقبل هذا القضاء؛ وأمر قومه بالقتال، فجمع القوم بعضهم لبعض ثم التقوا بالفضاء عند آطام بني قينقاع، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم تداعوا إلى الصلح فحكّموا ثابت بن حرام بن المنذر أبا حسّان بن ثابت النّجّاريّ، فقضى بينهم أن يدوا مولى مالك بن العجلان بدية الصّريح ثم تكون السّنّة فيهم بعده على مالك وعليهم كما كانت أوّل مرّة: المولى على ديته؛ والصّريح على ديته؛ فرضي مالك وسلّم الآخرون. وكان ثابت إذ حكّموه أراد إطفاء النائرة فيما بين القوم ولمّ شعثهم، فأخرج خمسا من الإبل من قبيلته حين أبت عليه الأوس أن تؤدّي إلى مالك أكثر من خمس وأبى مالك أن يأخذ دون عشر. فلما أخرج ثابت الخمس أرضى مالكا بذلك ورضيت الأوس، واصطلحوا بعهد وميثاق ألا يقتل رجل في داره ولا معقله - والمعاقل: النخل - فإذا خرج رجل من داره أو معقله فلا دية له ولا عقل. ثم انظروا في القتلى فأيّ الفريقين فضل على صاحبه ودى له صاحبه. فأفضلت الأوس على الخزرج بثلاثة نفر فودتهم الأوس واصطلحوا. ففي ذلك يقول حسّان بن ثابت لما كان أبوه أصلح بينهم ورضاهم بقضائه في ذلك:
وأبي في سميحة القائل الفاصل حين التفّت عليه الخصوم
وفي ذلك يقول قيس بن الخطيم قصيدته وهي طويلة:
ردّ الخليط الجمال فانصرفواماذا عليهم لو أنّهم وقفوا
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن أبيه قال: كان عمر بن عبد العزيز ينشد قول قيس بن الخطيم:
بين شكول النساء خلقتهاقصد فلا جبلة ولا قضف
تنام عن كبر شأنها فإذاقامت رويدا تكاد تنقصف
تغترق الطرف وهي لاهيةكأنما شفّ وجهها نزف
ثم يقول: قائل هذا الشعر أنسب الناس.
ومما في المائة المختارة من أغاني طويس صوت
يا لقومي قد أرّقتني الهمومففؤادي مما يجنّ سقيم
أندب الحبّ في فؤادي ففيهلو تراءى للناظرين كلوم
يجنّ: يخفى، والجنّة من ذلك، والجنّ أيضا مأخوذ منه. وأندب: أبقى فيه ندبا وهو أثر الجرح؛ قال ذو الرّمّة:
تريك سنّة وجه غير مقرفةملساء ليس بها خال ولا ندب
الشعر لابن قيس الرّقيّات فيما قيل. والغناء لطويس، ولحنه المختار خفيف رمل مطلق في مجرى الوسطى، قال إسحاق: وهو أجود لحن غنّاه طويس، ووجدته في كتاب الهشاميّ خفيف رمل بالوسطى منسوبا إلى ابن طنبورة. قال وقال ابن المكيّ: إنه لحكم، وقال عمرو بن بانة: إنه لابن عائشة أوّله هذان البيتان، وبعدهما:
ما لذا الهمّ لا يريم فؤاديمثل ما يلزم الغريم الغريم
إنّ من فرّق الجماعة منّابعد خفض ونعمة لذميم
انقضت أخبار طويس.
صوت من المائة المختارة من صنعة قفا النجار
حجب الألى كنّا نسرّ بقربهميا ليت أنّ حجابهم لم يقدر
حجبوا ولم نقض الّلبانة منهمولنا إليهم صبوة لم تقصر
ويحيط مئزرها بردف كاملرابى المجسّة كالكثيب الأعفر
وإذا مشت خلت الطريق لمشيهاوحلا كمشي المرجحنّ الموقر
لم يقع إلينا قائل هذا الشعر. والغناء لقفا النجّار، ولحنه المختار من النقيل الثاني بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. ويقال: إن فيه لحنا لابن سريج. وذكر يحيى بن عليّ ابن يحيى في الاختيار الواثقيّ أنّ لحن قفا النجّار المختار من الثقيل الأوّل.
صوت من المائة المختارة
أفق يا دارميّ فقد بليتاوإنك سوف توشك أن تموتا
أراك تزيد عشقا كلّ يومإذا ما قلت إنك قد بريتا
الشعر والغناء جميعا لسعيد الدارميّ، ولحنه المختار من خفيف الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع