من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار ابن أرطاة ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو عبد الرحمن بن أرطاة، وقيل: عبد الرحمن بن سيحان بن أرطاة بن سيحان بن عمرو بن نجيد بن سعد بن لاحب بن ربيعة بن شكم بن عبد اللّه بن عوف بن زيد بن بكر بن عمير بن علي بن جسر بن محارب بن خصفة بن قيس بن غيلان بن مضر بن نزار. وأمّ جسر بن محارب كأس بنت لكيز بن أفصى بن عبد القيس، وأم عليّ بن جسر ماويّة بنت عليّ بن بكر بن وائل، هذه رواية أبي عمرو الشيبانيّ أخبرني بها عمّي والصّوليّ عن الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو عن أبيه، قال وشكم بن عبد اللّه أوّل محاربيّ ساد قومه وأبذّهم رأسا بنفسه، وكانوا جيرانا في هوازن؛ وآل سيحان حلفاء حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، وبمنزلة بعضهم عندهم خاصّة وعند سائر بني أميّة عامّة.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا محمد بن يحيى عن عبد العزيز بن عمران قال: بنو سيحان من بني جسر بن محارب، وبنو مناف تقوّي حلفهم، وهم عندي أعزّاؤهم وليسوا بأحلافهم.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا محمد بن يحيى أبو غسّان قال: لما قتل هشام بن الوليد أبا أزيهر، بعثت قريش أرطاة بن سيحان حليف حرب بن أمية إلى الشّراة يحذّر من بها من تجّار قريش، وخرج حاجز الأزديّ ليخبر قومه، فسبقه أرطاة، وقال في ذلك وقد حذّرهم فنجوا:
مثل الحليف يشدّ عروتهيثني العناج لها مع الكرب
زلم إذا يسروا به يسرومناضل يحمي عن الحسب
هل تشكرن فهر وتاجرهادأب السّرى بالليل والخبب
حتى جلوت لهم يقينهمببيان لا ألس ولا كذب
وكان عبد الرحمن شاعرا مقلّا إسلاميّا ليس من الفحول المشهورين ولكنّه كان يقول في الشراب والغزل والفخر ومدح أحلافه من بني أمية، وهو أحد المعاقرين للشراب والمحدودين فيه، وكان بني أميّة كواحد منهم إلا أنّ اختصاصه بآل أبي سفيان وآل عثمان خاصّة كان أكثر، وخصوصه بالوليد بن عثمان ومؤانسته إيّاه أزيد من خصوصه بسائرهم، لأنهما كانا يتنادمان على الشّراب.
وهذه الأبيات التي فيها الغناء يقولها في الوليد بن عثمان، وقيل: بل في الوليد بن عتبة. وخبره في ذلك يذكر بعد هذا.
أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ قال عتبة بن المنهال المهلّبيّ حدّثني غير واحد من أهل الحجاز قالوا: كان ابن سيحان حليفا لقريش ينزل بالمدينة، وكان نديما للوليد بن عثمان، فأصابه ذات يوم خمار، فذهب لسانه وسكنت أطرافه وصرخ أهله عليه، فأقبل الوليد إليه فزعا، فلما رآه قال: أخي مخمور وربّ الكعبة، ثم أمر غلاما له فأتاه بشراب من منزله في إداوة فأمر به فأسخن ثم سقاه إيّاه وقيّأه، وصنع له حساء وجعل على رأسه دهنا وجعل رجليه في ماء سخن، فما لبث أن انطلق وذهب ما كان به. ومات الوليد بعد ذلك. فبينا ابن سيحان يوما جالس وبعض متاعه ينقل من بيت إلى بيت، إذ مرت الخادم بإداوة الوليد التي كان داواه بما فيها من الشراب وقد يبست وتقبّضت، فانتحب وقال:
لا تبعدنّ إداوة مطروحةكانت حديثا للشراب العاتق
وذكر باقي الأبيات.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدثنا عمر بن شبّة قال حدثنا أحمد بن معاوية عن الواقديّ قال حدثنا عبد اللّه بن أبي عبيدة عن أبيه قال: كان الوليد بن عثمان بن عفّان يشرب مع الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وابن سيحان وكان يخمر فأصابه من ذلك شيء شديد حتى خيف عليه وشقّ النساء عليه الجيوب، فدعي له ابن سيحان، فلما رآه قال: اخرجن عنّي وعن أخي، فخرجن، فقال له: الصّبوح أبا عبد اللّه، فجلس مفيقا؛ فذلك حيث يقول ابن سيحان:
بأبي الوليد وأمّ نفسي كلّمابدت النجوم وذرّ قرن الشارق
أثوى فأكرم في الثّواء وقضّيتحاجاتنا من عند أروع باسق
كم عنده من نائل وسماحةوفضائل معدودة وخلائق
وسماحة للمعتفين إذا اعتفوافي ماله حقّا وقول صادق
لا تبعدنّ إداوة مطروحةكانت حديثا للشراب العاتق
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان الوليد بن عثمان يكنى أبا الجهم، وكان لابن سيحان صديقا ونديما، وكان صاحب شراب، فمرض فعاده الوليد وقال: ما تشتهي؟ قال: شرابا، فبعث فجاءه بشراب في إداوة. ثم ذكر باقي الخبر نحو الذي قبله.
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أيّوب بن عباية قال: كان الوليد بن عثمان ذا غلّة في الحجاز يخرج إليها في زمان التّمر بنفر من قومه، يجنون له ويعاونونه، فكان إذا حضر خروجهم دفع إليهم نفقات لأهليهم إلى رجعتهم، فخرج بهم مرّة كما كان يخرج وفيهم ابن سيحان، فأتى ابن سيحان كتاب من أهله يسألونه القدوم لحاجة لا بدّ منها، فاستأذنه فأذن له، فقال له ابن سيحان: زوّدوني من شرابكم هذا، فزوّدوه إداوة ملأها له من شرابهم، فكان يشربها في طريقه حتّى قدم على أهله، فألقاها في جانب بيته فارغة، فمكث زمانا لا يذكرها، ثم كنسوا البيت فرآها ملقاة في الكناسة فقال:
لا تبعدنّ إداوة مطروحةكانت حديثا للشراب العاتق
إن تصبحي لا شيء فيك فربّماأترعت من كأس تلذّ لذائق
بأبي الوليد وأمّ نفسي كلّمابدت النجوم وذرّ قرن الشارق
كم عنده من نائل وسماحةوشمائل ميمونة وخلائق
وكرامة للمعتفين إذا اعتفوافي ماله حقّا وقول صادق
أثوى فأكرم في الثّواء وقضّيتحاجاتنا من عند أروع باسق
لمّا أتيناه أتينا ماجد الأخلاق سبّاقا لقرم سابق
قال الوليد يدي لكم رهن ربماحاولتم من صامت أو ناطق
فإلى الوليد اليوم حنّت ناقتيتهوي بمغبّر المتون سمالق
حنّت إلى برق فقلت لها قريبعض الحنين فإنّ شجوك شائقي
أخبرني عمّي قال حدّثني محمد بن عبد اللّه التّميمي الأصبهانيّ المعروف بالحزنبل قال حدّثني عمرو ابن أبي عمرو الشّيباني عن أبيه وأخبرني الحسين بن يحيى المرداسيّ قال قال حماد بن إسحاق: قرأت على أبي، قالا جميعا: كان عبد الرحمن بن سيحان قد غاظ مروان بن الحكم أيّام كان معاوية يعاقب بينه وبين سعيد بن العاص في ولاية الحرمين، وأنكر عليه أشياء بلغته فغاظته: من مدحه سعيدا وانقطاعه إليه وسروره بولايته، فرصده حتى وجده خارجا من دار الوليد بن عثمان وهو سكران فضربه الحدّ ثمانين سوطا. وقدم البريد من المدينة على معاوية فسأله عن أخبار الناس فجعل يخبره بها، حتى انتهى به الحديث إلى ابن سيحان فأخبره أن مروان ضربه الحدّ ثمانين؛ فغضب معاوية وقال: واللّه لو كان حليف أبي العاص لما ضربه ولكنّه ضربه لأنه حليف حرب، أليس هو الذي يقول:
وإني آمرؤ حلف إلى أفضل الورىعديدا إذا ارفضّت عصا المتحلّف
كذب واللّه مروان، لا يضربه في نبيذ أهل المدينة وشكّهم وحمقهم؛ ثم قال لكاتبه: أكتب إلى مروان: فليبطل الحدّ عن ابن سيحان، وليخطب بذلك على المنبر، وليقل إنه كان ضربه على شبهة ثم بان له أنه لم يشرب مسكرا، وليعطه ألفي درهم. فلما ورد الكتاب على مروان عظم ذلك عليه، ودعا بابنه عبد الملك فقرأه عليه وشاوره فيه؛ فقال له عبد الملك: راجعه ولا تكذّب نفسك، ولا تبطل حكمك؛ فقال مروان: أنا أعلم بمعاوية إذا عزم على شيء أو أراده، لا واللّه لا أراجعه. فلما كان يوم الجمعة وفرغ من الخطبة قال: وابن سيحان فإنا كشفنا أمره فإذا هو لم يشرب مسكرا، وإذا نحن قد عجّلنا عليه، وقد أبطلت عنه الحدّ. ثم نزل فأرسل إليه بألفي درهم.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أحمد بن معاوية عن الواقديّ قال حدّثني عبد الرحمن بن أبي الزّناد عن أبيه قال: كان عبد الرحمن بن سيحان المحاربيّ شاعرا، وكان حلو الأحاديث، عنده أحاديث حسنة غريبة من أخبار العرب وأيامها وأشعارها، وكان على ذلك يصيب من الشراب، فكان كلّ من قدم من ولاة بني أميّة وأحداثهم ممّن يصيب الشراب يدعوه وينادمه، فلمّا ولي الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وعزل مروان وجد مروان في نفسه وكان قد سبعه، فحقد عليه مروان واضطغنه، وكان الوليد يصيب من الشراب ويبعث إلى ابن سيحان فيشرب معه، وابن سيحان لا يظنّ أنّ مروان يفعل به الذي فعله، وقد كان مدحه ابن سيحان ووصله مروان، ولكنّ مروان أراد فضيحة الوليد، فرصده ليلة في المسجد، وكان ابن سيحان يخرج في السّحر من عند الوليد ثملا فيمرّ في المقصورة من المسجد حتّى يخرج في زقاق عاصم، وكان محمد بن عمرو يبيت في المسجد يصلّي، وكذلك عبد اللّه بن حنظلة وغيرهما من القرّاء يبيتون في المسجد يتهجّدون، فلمّا خرج ابن سيحان ثملا من دار الوليد أخذه مروان وأعوانه، ثمّ دعا له محمد بن عمرو وعبد اللّه بن حنظلة فأشهدهما على سكره وقد سأله أن يقرأ أمّ القرآن فلم يقرأها، فدفعه إلى صاحب شرطته فحبسه؛ فلمّا أصبح الوليد بلغه الخبر وشاع في المدينة وعلم أنّ مروان إنّما أراد أن يفضحه، وأنّه لو لقي ابن سيحان ثملا خارجا من عند غيره لم يعرض له، فقال الوليد: لا يبرّئني من هذا عند أهل المدينة إلّا ضرب ابن سيحان، فأمر صاحب شرطته فضربه الحدّ ثم أرسله.
فجلس ابن سيحان في بيته لا يخرج حياء من الناس، فجاءه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام في ولده وكان له جليسا فقال له: ما يجلسك في بيتك؟ قال: الاستحياء من الناس؛ قال: اخرج أيها الرجل، وكان عبد الرحمن قد حمل له معه كسوة، فقال له: البسها ورح معنا إلى المسجد فهذا أحرى أن يكذّب به مكذّب، ثم ترحل إلى أمير المؤمنين فتخبره بما صنع بك الوليد فإنّه يصلك ويبطل هذا الحدّ عنك؛ فراح مع عبد الرحمن في جماعة ولده متوسّطا لهم حتى دخل المسجد فصلّى ركعتين، ثم تساند مع عبد الرحمن إلى الأسطوانة؛ فقائل يقول: لم يضرب، وقائل يقول:
أنا رأيته يضرب، وقائل يقول: عزّر أسواطا. فمكث أياما ثم رحل إلى معاوية فدخل إلى يزيد فشرب معه، وكلّم يزيد أباه معاوية في أمره فدعا به فأخبره بقصّته وما صنعه به مروان، فقال: قبّح اللّه الوليد ما أضعف عقله! أما استحيا من ضربك فيما شرب! وأمّا مروان فإنّي كنت لا أحسبه يبلغ هذا منك مع رأيك فيه ومودّتك له، ولكنّه أراد أن يضع الوليد عندي ولم يصب، وقد صيّر نفسه في حدّ كنّا ننزّهه عنه، صار شرطيا! ثم قال لكاتبه: اكتب: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، من عبد اللّه معاوية أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة. أمّا بعد، فالعجب لضربك ابن سيحان فيما تشرب منه، ما زدت على أن عرّفت أهل المدينة ما كنت تشربه مما حرّم عليك، فإذا جاءك كتابي هذا فأبطل الحدّ عن ابن سيحان، وطف به في حلق المسجد وأخبرهم أنّ صاحب شرطك تعدّى عليه وظلمه، وأنّ أمير المؤمنين قد أبطل ذلك عنه، أليس ابن سيحان الذي يقول:
وإنّي امرء أنمى إلى أفضل الورىعديدا إذا ارفضّت عصا المتحلّف
إلى نضد من عبد شمس كأنّهمهضاب أجا أركانها لم تقصّف
ميامين يرضون الكفاية إن كفواويكفون ما ولّوا بغير تكلّف
غطارفة ساسوا البلاد فأحسنواسياستها حتّى أقرّت لمردف
فمن يك منهم موسرا يفش فضلهومن يك منهم معسرا يتعفّف
وإن تبسط النّعمى لهم يبسطوا بهاأكفّا سباطا نفعها غير مقرف
وإن تزو عنهم لا يضجّوا وتلفهمقليلي التشكّي عندها والتكلّف
إذا انصرفوا للحقّ يوما تصرّفواإذا الجاهل الحيران لم يتصرّف
سموا فعلوا فوق البرية كلّهاببنيان عال من منيف ومشرف
قال: وكتب له بأن يعطى أربعمائة شاة وثلاثين لقحة مما يوطن السّيالة وأعطاه هو خمسمائة دينار، وأعطاه يزيد مائتي دينار. ثمّ قدم بكتاب معاوية إلى الوليد، فطاف به في المسجد، وأبطل ذلك الحدّ عنه، وأعطاه ما كتب به له معاوية. وكتب معاوية إلى مروان يلومه فيما يفعله بابن سيحان، وما أراده بذلك. ودعا الوليد عبد الرحمن بن سيحان إلى أن يعود للشرب معه؛ فقال: واللّه لا ذقت معك شرابا أبدا.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو مسلم الغفاريّ قال حدّثني موسى بن عبد العزيز قال: أخذ ابن سيحان الجسريّ - هكذا قال وهو غلط - في شراب في إمارة مروان، وكان حليفا لأبي سفيان ابن حرب، فضربه مروان ثمانين سوطا على رؤوس الناس، فكتب إلى معاوية يشكوه، فكتب إليه معاوية: أمّا بعد فإنّك أخذت حليف حرب فضربته ثمانين على رؤوس الناس، واللّه لتبطلنّها عنه، أو لأقيدنّه منك؛ فقال مروان لابنه عبد الملك: ما ترى؟ قال: أرى واللّه ألّا تفعل؛ قال: ويحك! أنا أعلم بعزمات معاوية منك، فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال: أيّها الناس، إنا كنا ضربنا ابن سيحان بشهادة رجل من الحرس ووجدناه غير عدل ولا رضا، فاشهدوا أني قد أبطلت ذلك الحدّ عنه.
أخبرني أحمد قال حدّثنا عمر قال حدّثني محمد بن يحيى قال حدّثني عبد العزيز بن عمران قال: ضرب مروان عبد الرحمن بن سيحان في الخمر ثمانين سوطا، فكتب إليه معاوية: أمّا بعد، فإنّك ضربت عبد الرحمن في نبيذ أهل الشام الذي يستعملونه وليس بحرام، وإنّما ضربته حيث كان حلفه إلى أبي سفيان بن حرب، وايم اللّه لو كان حليفا للحكم ما ضربته، فأبطل عنه الحدّ قبل أن أضرب من أخذ معه: أخاك عبد الرحمن بن الحكم؛ فأبطل مروان عنه الحدّ؛ فقال ابن سيحان في ذلك يذكر حلفه:
إنّي امرؤ عقدي إلى أفضل الورىعديدا إذا ارفضّت عصا المتحلّف
وقال الطّوسيّ: كان عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان يشرب مع ابن سيحان، فلمّا ضربه مروان الحدّ كتب إليه معاوية: واللّه لتبطلنّه عنه أو لأبعثنّ إلى أخيك من يضرب ظهره بالسّوط في السّوق، أليس ابن سيحان الذي يقول:
سموت بحلفي للطّوال من الرّبىولم تلقني قنّا لدى مبرك الجرب
إذا ما حليف الذّل أقمأ شخصهودبّ كما دبّ الحسير على نقب
وهصت الحصى لا أخنس الأنف قابعاإذا أنا راخى لي خناقي بنو حرب
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء وأحمد بن سليمان الطّوسيّ قالا حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب وغيره قالوا: قدم سعيد بن عثمان المدينة فقتله غلمان جاء بهم من الصّغد، وكان معه عبد الرحمن بن أرطاة بن سيحان حليف بني حرب بن أمية، فهرب عنه لما قتلوه، فقال خالد بن عقبة بن أبي معيط يرثي سعيد بن عثمان - وعثمان أخوه لأمه -:
يا عين جودي بدمع منك تهتاناوابكى سعيد بن عثمان بن عفّانا
إنّ ابن زينة لم تصدق مودّتهوفرّ عنه ابن أرطاة بن سيحانا
فقال ابن سيحان يعتذر من ذلك:
يقول رجال قد دعاك فلم تجبوذلك من تلقاء مثلك رائع
فإن كان نادى دعوة فسمعتهافشلّت يدي واستكّ منّي المسامع
وإلا فكانت بالذي قال باطلاودارت عليه الدائرات القوارع
يلومونني أن كنت في الدار حاسراوقد فرّ عنه خالد هو دارع
فقال بعض الشعراء يجيبه:
فإنك لم تسمع ولكن رأيتهبعينيك إذ مجراك في الدار واسع
وأسلمته للصّغد تدمي كلومهوفارقته والصوت في الدار شائع
وما كان فيها خالد بمعذّرسواء عليه صمّ أو هو سامع
فلا زلتما في غلّ سوء بعبرةودارت عليكم بالشّمات القوارع
أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمري عن العتبيّ قال: لما قتل سعيد بن عثمان بن عفّان قالت أمّه: أشتهي أن يرثيه شاعر كما في نفسي حتى أعطيه ما يحتكم؛ فقال ابن سيحان:
إن كنت باكية فتىفابكي هبلت على سعيد:
فارقت أهلك بغتةوجلبت حتفك من بعيد
أذري دموعك والدّماء على الشّهيد ابن الشهيد
فقالت: هكذا كنت أشتهي أن يقال فيه، ووصلت ابن سيحان. وكانت تندبه بهذا الشعر.
وقال أبو عمرو في روايته التي ذكرتها عن عمّي عن الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو عن أبيه قال: جلس ابن سيحان وخالد بن عقبة بعد مقتل سعيد بن عثمان يتحدّثان، فجرى ذكره فبكيا جميعا عليه، فقال ابن سيحان يرثيه:
ألا إنّ خير الناس إن كنت سائلاسعيد بن عثمان القتيل بلا ذحل
تداعت عليه عصبة فارسيةفأضحى سعيد لا يمرّ ولا يحلي
وقال خالد بن عقبة:
ألا إنّ خير الناس نفسا ووالداسعيد بن عثمان قتيل الأعاجم
بكت عين من لم يبكه وسط يثربمدى الدهر منه بالدموع السّواجم
فإن تكن الأيام أردت صروفهاسعيدا، فمن هذا عليها بسالم
قال الحزنبل: أنشدني عمرو بن أبي عمرو عن أبيه لابن سيحان قال عمّي وأنشدني السّكّريّ عن ابن حبيب والطّوسيّ له:
صوت
رحم اللّه صاحبيّ ابني الحارث إذا ينهيانني أن أبوحا
بالتي تيمّت فؤادي وأن أذري دموعي على ردائي سفوحا
في مغاني منازل من حبيبباشرت بعده قطارا وريحا
ولقد قلت للفؤاد ولكنكان قدما إلى هواه جموحا
قلت أقصر عن بعض حبّك أروىإن بعض الحباب كان فضوحا
فعصاني، فليس يسمع قولامن حمام على الأراك، جنوحا
أمّ يحيى تقبّل اللّه يحيىبقبول كما تقبّل نوحا
ولقد قلت لا أحدّث سرّاسرّ أخرى ما دمت أمشي صحيحا
الغناء لمعبد خفيف ثقيل أوّل بالسّبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق ويونس. وفيه للغريض ثقيل أوّل عن الهشاميّ. وفيه لزريق رمل.
قال أبو عمرو: وابن سيحان الذي يقول:
ألا هل هاجك الأظعان إذ جاوزن مطّلحا
والناس يروونه لعمر بن أبي ربيعة لغلبته على أهل الحجاز جميعا. وقال أبو عمرو في خبره: كان ابن سيحان يحدّث قال: كنت آلف من قريش أهل بيتين سوى من كنت منقطعا إليه من بني أمية: بني عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وبني مطيع، فلما ضربني مروان الحدّ جئت فجلست إلى بني مطيع كما كنت أجلس، فلما رأوني عرفت الكراهة في وجوههم، واللّه ما أقبلوا بوجوههم عليّ بحديثهم ولا وسّعوا لي، فانصرفت ورحت إلى بني عبد الرحمن، فلما رأوني أقبلوا بوجوههم عليّ وحيّوا ورحّبوا وسهّلوا ووسّعوا، ورفعوني إلى حيث لم أكن أجلس، وأقبلوا عليّ بوجوههم، يحدّثونني، وقالوا: لعلك خشعت للذي لحقك، أما واللّه لقد علم الناس أنك مظلوم، وظلّموا مروان في فعله، ورأوا أنه قد أساء وأخطأ في شأنك، وقالوا: ما ضرّك ذلك ولا نقصك ولا زادك إلا خيرا، ولم يزالوا حتى بسطوني، فقلت أمدحهم وأذمّ بني مطيع:
لقد حرّمت ودّ بني مطيعحرام الدّهن للرجل الحرام
وإن جنف الزمان مددت حبلامتينا من حبال بني هشام
رطيب عودهم أبدا وريقإذا ما اغبرّ عيدان اللئام
وقال أبو عمرو في خبره: كان عبد الرحمن بن سيحان ينادم الوليد بن عثمان على الشّراب فيبيت عنده خوفا من أن يظهر وهو سكران فيحدّ، فقالت له امرأته: قد صرت لا تبيت في منزلك وأظنّك قد تزوجت، وإلّا فما مبيتك عن أهلك! فقال لها:
لا تعدميني نديما ماجدا أنفالا قائلا قاذفا خلقا ببهتان
أغرّ راووقه ملآن صافيةتنفي القذى عن جبين غير خزيان
سبيئة من قرى بيروت صافيةعذراء أو سبئت من أرض بيسان
إنّا لنشربها حتى تميل بناكما تمايل وسنان بوسنان
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال: كان ابن سيحان صاحب شراب، فدخل على ابن عم له يقال له الحارث بن سريع فوجده يشرب نبيذ زبيب، فجعل يعظه ويأمره بشرب الخمر، وقال له: يابن سريع، إن كنت تشربه على أن نبيذ الزبيب حلال فإنك أحمق، وإن كنت تشربه على أنه حرام تستغفر اللّه منه وتنوي التوبة فاشرب أجوده فإن الوزر واحد، ثم قال:
دع ابن سريع شرب ما مات مرةوخذها سلافا حية مزّة الطّعم
تدعك على ملك ابن ساسان قادراإذا حرّمت قرّاؤنا حلب الكرم
فشتّان بين الحيّ والميت فاعتزمعلى مزّة صفراء راووقها يهمي
فإنّ سريعا كان أوصى بحبّهابنيه وعمّي جاوز اللّه عن عمّي
ويا ربّ يوم قد شهدت بني أبيعليها إلى أن غاب تالية النّجم
حسوها صلاة العصر والشمس حيّةتدار عليهم بالصغير وبالضّخم
فماتوا وعاشوا والمدامة بينهممشعشعة كالنجم توصف بالوهم
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال: كان ابن سيحان حليف حرب بن أمية ينادم الوليد بن عقبة بن أبي معيط، ويشرب معه الخمر، وهو القائل:
إصبح نديمك من صهباء صافيةحتى يروح كريما ناعم البال
واشرب هديت أبا وهب مجاهرةواختل فإنك من قوم أولى خال
أنت الجواد أبا وهب إذا جمدتأيدي الرجال بما تحويه من مال
لو لا رجاؤك قد شمّرت مرتحلاعنسا تعاقب تخويدا بإرقال
لما تواصوا بقتلي قمت معتزماحتى حميت من الأعداء أوصالي
عمّ الوليد بمعروف عشيرتهوالأبعدون حظوا منه بإفضال
قال: وكان ابن سيحان قد ضرب رجلا من أخواله بالسيف فقطع يده ولم تقم عليه بيّنة، فتآمر به القوم ومنع منه ابن خال له منهم؛ وخاف الوليد بن عقبة أن يرجع إلى المدينة هاربا منهم وخوفا من جنايته عليهم فيفارقه وينقطع عنه، فدعاهم وأرضاهم وأعطاهم دية صاحبهم. فلم يزل عند الوليد حتى عزل وهو نديمه وصفيّه. وهو القائل في الوليد - وفيه غناء -:
صوت
بات الوليد يعاطيني مشعشعةحتى هويت صريعا بين أصحابي
في الغناء: بات الكريم يعاطيني.
لا أستطيع نهوضا إن هممت بهوما أنهنه من حسو وتشراب
حتى إذا الصبح لاحت لي جوانبهولّيت أسحب نحو الفوم أثوابي
كأنني من حميّا كأسه جملصحّت قوائمه من بعد أوصاب
ويروى:
كأنني من حميّا كأسه ظلع
الغناء ليحيى المكّيّ - وروي: ضلع - خفيف ثقيل بالبنصر عن الهشاميّ وبذل: قالت بذل: وفيه لحن آخر ليحيى، ولم تذكر طريقته.
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني أبو فهيرة قال: دخل عبد الرحمن بن أرطاة على سعيد بن العاص وهو أمير المدينة؛ فقال له: ألست القائل:
إنّا لنشربها حتى تميل بناكما تمايل وسنان بوسنان
فقال له عبد الرحمن: معاذ اللّه أن أشربها وأنعتها، ولكنّي الذي أقول:
سموت بحلفي للطّوال من الذّرىولم تلقني كالنّسر في ملتقى جدب
إذا ما حليف القوم أقعى مكانهودبّ كما يمشي الحسير من النّقب
وهصت الحصى لا أرهب الضيم قائماإذا أنا راخى لي خناقي بنو حرب
وقام يجرّ مطرفه بين الصّفين حتى خرج. فأقبل عمرو بن سعيد على أبيه فقال: لو أمرت بهذا الكلب فضرب مائتي سوط كان خيرا له؛ فقال: يا بنيّ، أضربه وهو حليف حرب بن أميّة ومعاوية خليفة بالشام! إذا لا يرضى! فلما حجّ معاوية لقيه بمنى، فقال: إيه يا سعيد! أمرك أحمقك بأن تضرب حليفي مائتي سوط! أما واللّه لو جلدته سوطا لجلدتك سوطين! فقال له سعيد: ولم ذاك؟ أو لم تجلد أنت حليفك عمر بن جبلة! فقال له معاوية: هو لحمي آكله ولا أوكله. قال: وكان ابن سيحان قد قال:
لا يعدمنّي نديمي ماجدا أنفالا قائلا خالطا زورا ببهتان
أمسي أعاطيه كأسا لذّ مشربهاكالمسك حفّت بنسرين وريحان
سبيئة من قرى بيروت صافيةأو التي سبئت من أرض بيسان
إنا لنشربها حتى تميل بناكما تمايل وسنان بوسنان
انقضت أخباره.
صوت من المائة المختارة من رواية علي بن يحيى
يا خليليّ هجّرا كي تروحاهجتما للرّواح قلبا قريحا
إن تريغا لتعلما سرّ سعدىتجداني بسرّ سعدى شحيحا
إنّ سعدى لمنية المتمنّيجمعت عفّة ووجها صبيحا
كلّمتني وذاك ما نلت منهاإنّ سعدى ترى الكلام ربيحا
الشعر لابن ميّادة. والغناء لحنين، ولحنه المختار من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق.
وذكر عمرو بن بانة أن فيه لدحمان لحنا من الثقيل الأوّل بالبنصر، وأظنه هذا، وأنّ عمرا غلط في نسبته إلى دحمان.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع