من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار ابن سريج ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو عبيد بن سريج، ويكنّى أبا يحيى، مولى بني نوفل بن عبد مناف. وذكر ابن الكلبيّ عن أبيه وأبي مسكين أنه مولى لبني الحارث بن عبد المطّلب.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا محمد بن يحيى أبو غسّان قال: ابن سريج مولى لبني ليث، ومنزله مكة.
وأخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: سألت الحسن بن عتبة اللّهبيّ عن ابن سريج فقال: هو مولى لبني عائذ بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم. وفي بني عائذ يقول الشاعر:
فإن تصلح فإنّك عائذيّوصلح العائذيّ إلى فساد
قال إسحاق: وقال سلمة بن نوفل بن عمارة: ابن سريج مولى عبد الرحمن بن أبي حسين بن الحارث بن نوفل، أو ابن عامر بن الحارث بن نوفل بن عبد مناف.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز عن أبي أيّوب المدينيّ قال: ذكر إبراهيم بن زياد بن عنبسة بن سعيد بن العاص: أنّ ابن سريج كان آدم أحمر ظاهر الدّم سناطا في عينيه قبل، بلغ خمسا وثمانين سنة، وصلع فكان يلبس جمّة مركّبة، وكان أكثر ما يرى مقنّعا، وكان منقطعا إلى عبد اللّه بن جعفر.
وقال ابن الكلبيّ عن أبيه قال: كان ابن سريج مخنّثا أحول أعمش يلقّب «وجه الباب»، وصلع فكان يلبس جمّة، وكان لا يغنّي إلا مقنّعا يسبل القناع على وجهه.
وقال ابن الكلبيّ عن أبيه وأبي مسكين: كان ابن سريج أحسن الناس غناء، وكان يغنّي مرتجلا ويوقع بقضيب، وغنّى في زمن عثمان بن عفّان رضي اللّه عنه، ومات في خلافة هشام بن عبد الملك.
قال إسحاق: وكان الحسن بن عتبة اللّهبيّ يروي مثل ذلك فيه. وذكر أنّ قبره بنخلة قريبا من بستان ابن عامر.
قال إسحاق وحدّثني الهيثم بن عديّ عن صالح بن حسّان قال: كان عبيد بن سريج من أهل مكة وكان أحسن الناس غناء. قال إسحاق قال عمارة بن أبي طرفة الهذليّ: سمعت ابن جريج يقول: عبيد بن سريج من أهل مكة مولى آل خالد بن أسيد.
قال إسحاق وحدّثني إبراهيم بن زياد عن أيّوب بن سلمة المخزوميّ قال: كان في عين ابن سريج قبل حلو لا يبلغ أن يكون حولا، وغنّى في خلافة عثمان رضي اللّه عنه، ومات بعد قتل الوليد بن يزيد، وكان له صلع في جبهته، وكان يلبس جمّة مركّبة فيكون فيها أحسن شيء، وكان يلقّب «وجه الباب» ولا يغضب من ذلك، وكان أبوه تركيّا.
وقال أبو أيّوب المدينيّ: كان ابن سريج، فيما روينا عن جماعة من المكّيّين، مولى بني جندع بن ليث بن بكر، وكان إذا غنّى سدل قناعه على وجهه حتى لا يرى حوله، وكان يوقع بقضيب وقيل: إنه كان يضرب بالعود، وكانت علّته التي مات منها الجذام.
قال إسحاق وحدّثني أبي قال: أخبرني من رأى عود ابن سريج وكان على صنعة عيدان الفرس، وكان ابن سريج أوّل من ضرب به على الغناء العربيّ بمكة. وذلك أنه رآه مع العجم الذين قدم بهم ابن الزّبير لبناء الكعبة، فأعجب أهل مكة غناؤهم. فقال ابن سريج: أنا أضرب به على غنائي، فضرب به فكان أحذق الناس.
قال إسحاق وذكر الزّبيريّ: أنّ أمّ ابن سريج مولاة لآل المطلّب يقال لها «رائقة»، وقيل: بل أمّه هند أخت رائقة، فمن ثمّ قيل: إنه مولى بني المطلّب بن حنطب. وكان ابن سريج بعد وفاة عبد اللّه بن جعفر قد انقطع إلى الحكم بن المطّلب بن عبد اللّه بن المطلّب بن حنطب أحد بني مخزوم، وكان من سادة قريش ووجوهها. وأخذ ابن سريج الغناء عن ابن مسجح.
قال إسحاق: وأصل الغناء أربعة نفر: مكّيّان ومدنيّان، فالمكّيان: ابن سريج وابن محرز، والمدنيان: معبد ومالك.
قال إسحاق: وقال سلمة بن نوفل بن عمارة: أخبرني بذلك من شئت من مشيختنا: أنّ يوما شهر فيه ابن سريج بالغناء في ختان ابن مولاه عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي حسين. قال لأمّ الغلام: خفّضي عليك بعض الغرم والكلفة، فو اللّه لألهينّ نساءك حتى لا يدرين ما جئت به ولا ما عزمت عليه.
قال إسحاق: وسألت هشام بن المرّيّة، وكان قد عمّر، وكان عالما بالغناء فلا يبارى فيه، فقلت له: من أحذق الناس بالغناء؟ فقال لي: أتحبّ الإطالة أم الاختصار؟ فقلت: أحبّ الاختصار الذي يأتي على سؤالي. قال: ما خلق اللّه تعالى بعد داود النبيّ عليه الصلاة والسّلام أحسن صوتا من ابن سريج، ولا صاغ اللّه عزّ وجلّ أحدا أحذق منه بالغناء، ويدلّك على ذلك أن معبدا كان إذا أعجبه غناؤه قال: أنا اليوم سريجيّ.
قال وأخبرني إبراهيم - يعنى أباه - قال: أدركت يونس بن محمد الكاتب فحدّثني عن الأربعة: ابن سريج وابن محرز والغريض ومعبد. فقلت له: من أحسن الناس غناء؟ فقال: أبو يحيى. قلت: عبيد بن سريج؟ قال نعم. قلت: وكيف ذاك؟
قال: إن شئت فسّرت لك، وإن شئت أجملت. قلت: أجمل. قال: كأنه خلق من كلّ قلب، فهو يغنّي لكل إنسان ما يشتهي.
أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال قال حمّاد بن إسحاق: أخبرني أبي عن الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك قال: سألت إبراهيم الموصليّ ليلة وقد أخذ منه النبيذ: من أحسن الناس غناء؟ فقال لي: من الرجال أم من النساء؟
فقلت: من الرجال. فقال: ابن محرز. قلت: ومن النساء؟ قال: ابن سريج. ثم قال لي: إن كان ابن سريج إلّا كأنّه خلق من كلّ قلب فهو يغنّي له ما يشتهي!
أخبرني جحظة قال حدّثني عليّ بن يحيى المنجّم قال: أرسلني محمد بن الحسين بن مصعب إلى إسحاق أسأله عن لحنه ولحن ابن سريج في: تشكّى الكميت الجري لمّا جهدته أيّهما أحسن؟ فصرت إليه فسألته عن ذلك، فقال لي: يا أبا الحسن، واللّه لقد أخذت بخطام راحلته فزعزعتها وأنختها وقمت بها فما بلغته. فرجعت إلى محمد ابن الحسين فأخبرته؛ فقال: واللّه إنه ليعلم أنّ لحنه أحسن من لحن ابن سريج، ولقد تحامل لابن سريج على نفسه، ولكن لا يدع تعصّبه للقدماء. وقد أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى هذا الخبر عن أبيه، فذكر نحو ما ذكره جحظة في خبره ولم يقل: أرسلني محمد بن الحسين إلى إسحاق. وقال جحظة في خبره: قال عليّ بن يحيى: وقد صدق محمد بن الحسين؛ لأنه قلّما غنّي في صوت واحد لحنان فسقط خيرهما، والذي في أيدي الناس الآن من اللحنين لحن إسحاق، وقد ترك لحن ابن سريج، فقلّ من يسمعه إلا من العجائز المتقدّمات ومشايخ المغنّين. هذا أو نحوه.
لحن إسحاق في تشكى الكميتمأخوذ من لحن الأبجر في يقولون. أبكاك البيت
وأخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ عن إبراهيم بن عليّ بن هشام قال: يقولون: إنّ ابتداء غناء إسحاق الذي في:
تشكّى الكميت الجري لمّا جهدته
أنّما أخذه من صوت الأبجر: يقولون ما أبكاك والمال غامر
نسبة هذا الصوت
صوت
يقولون ما أبكاك والمال غامرعليك وضاحي الجلد منك كنين
فقلت لهم لا تسألوني وانظرواإلى الطّرب النّزّاع كيف يكون
غنّاه الأبجر ثقيلا أوّل بالبنصر، عن عمرو ودنانير. وذكر الهشاميّ أنّ فيه لعزّة المرزوقيّة ثاني ثقيل بالوسطى.
أخبرني رضوان بن أحمد الصّيدلانيّ قال حدّثنا يوسف بن إبراهيم قال حدّثني إبراهيم بن المهديّ قال حدّثني إسماعيل بن جامع عن سياط قال: كان ابن سريج أوّل من غنّى الغناء المتقن بالحجاز بعد طويس، وكان مولده في خلافة عمر بن الخطّاب، وأدرك يزيد بن عبد الملك وناح عليه، ومات في خلافة هشام. قال: وكان قبل أن يغنّي نائحا ولم يكن مذكورا، حتى ورد الخبر مكة بما فعله مسرف بن عقبة بالمدينة، فعلا على أبي قبيس وناح بشعر هو اليوم داخل في أغانيه، وهو: يا عين
جودي بالدّموع السّفاحوابكي على قتلى قريش البطاح
فاستحسن الناس ذلك منه، وكان أوّل ما ندب به.
قال ابن جامع: وحدّثني جماعة من شيوخ أهل مكة أنهم حدّثوا: أنّ سكينة بنت الحسين عليهما السّلام بعثت إلى ابن سريج بشعر أمرته أن يصوغ فيه لحنا يناح به، فصاغ فيه، وهو الآن داخل في غنائه. والشعر:
يا أرض ويحك أكرمي أمواتيفلقد ظفرت بسادتي وحماتي
فقدّمه ذلك عند أهل الحرمين على جميع ناحة مكة والمدينة والطائف.
قال وحدّثني ابن جامع وابن أبي الكنّات جميعا: أن سكينة بعثت إليه بمملوك لها يقال له عبد الملك، وأمرته أن يعلّمه النّياحة، فلم يزل يعلّمه مدّة طويلة، ثم توفّي عمّها أبو القاسم محمد بن الحنفيّة عليه السّلام، وكان ابن سريج عليلا علّة صعبة فلم يقدر على النّياحة. فقال لها عبدها عبد الملك: أنا أنوح لك نوحا أنسيك به نوح ابن سريّج. قالت: أو تحسن ذاك؟ قال نعم. فأمرته فناح؛ فكان نوحه في الغاية من الجودة، وقال النساء: هذا نوح غريض؛ فلقّب عبد الملك الغريض. وأفاق ابن سريج من علّته بعد أيام وعرف خبر وفاة ابن الحنفيّة، فقال لهم: فمن ناح عليه؟ قالوا: عبد الملك غلام سكينة. قال: فهل جوّز الناس نوحه؟ قالوا: نعم وقدّمه بعضهم عليك. فحلف ابن سريج ألّا ينوح بعد ذلك اليوم، وترك النوح وعدل إلى الغناء، فلم ينح حتى ماتت حبابة، وكانت قد أخذت عنه وأحسنت إليه فناح عليها، ثم ناح بعدها على يزيد بن عبد الملك، ثم لم ينح بعده حتى هلك.
قال: ولمّا عدل ابن سريج عن النّوح إلى الغناء عدل معه الغريض إليه، فكان لا يغنّي صوتا إلا عارضه فيه.
أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلانيّ قال حدّثنا يوسف بن إبراهيم قال: حدّث إسحاق بن إبراهيم الموصليّ أبا إسحاق إبراهيم بن المهديّ وأنا حاضر أنّ يحيى المكّيّ حدّثه أن عطاء بن أبي رباح لقي ابن سريج بذي طوىّ، وعليه ثياب مصبّغة وفي يده جرادة مشدودة الرّجل بخيط يطيّرها ويجذبها به كلّما تخلّفت؛ فقال له عطاء: يا فتّان، ألا تكفّ عما أنت عليه! كفى اللّه الناس مئونتك. فقال ابن سريج: وما على الناس من تلويني ثيابي ولعبي بجرادتي؟ فقال له: تفتنهم أغانيك الخبيثة. فقال له ابن سريج: سألتك بحقّ من تبعته من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم، وبحقّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عليك، إلّا ما سمعت منّي بيتا من الشعر، فإن سمعت منكرا أمرتني بالإمساك عما أنا عليه. وأنا أقسم باللّه وبحقّ هذه البنيّة لئن أمرتني بعد استماعك منّي بالإمساك عما أنا عليه لأفعلنّ ذلك. فأطمع ذلك عطاء في ابن سريج، وقال: قل. فاندفع يغنّي بشعر جرير:
صوت
إنّ الذين غدوا بلبّك غادرواوشلا بعينك لا يزال معينا
غيّضن من عبراتهنّ وقلن ليماذا لقيت من الهوى ولقينا
- لحن ابن سريج هذا ثقيل أوّل بالوسطى عن ابن المكّيّ والهشاميّ، وله أيضا فيه رمل. ولإسحاق فيه رمل آخر بالوسطى. وفيه هزج بالوسطى ينسب إلى ابن سريج والغريض - قال: فلمّا سمعه عطاء اضطرب اضطرابا شديدا ودخلته أريحيّة، فحلف ألّا يكلّم أحدا بقية يومه إلا بهذا الشّعر، وصار إلى مكانه من المسجد الحرام؛ فكان كلّ من يأتيه سائلا عن حلال أو حرام أو خبر من الأخبار، لا يجيبه إلا بأن يضرب إحدى يديه على الأخرى وينشد
هذا الشّعر حتى صلّى المغرب، ولم يعاود ابن سريج بعد هذا ولا تعرّض له.
أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه، وأخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني الفضل بن محمد اليزيديّ قال حدّثني إسحاق عن ابن جامع عن سياط عن يونس الكاتب قال: لمّا قال عمر بن أبي ربيعة:
نظرت إليها بالمحصّب من منىولي نظر لو لا التّحرّج عارم
غنّى فيه ابن سريج.
قال: وحجّ يزيد بن عبد الملك في تلك السنة بالناس، وخرج عمر بن أبي ربيعة ومعه ابن سريج على نجيبين رحالتاهما ملبستان بالدّيباج، وقد خضبا النجيبين ولبسا حلّتين، فجعلا يتلقّيان الحاجّ ويتعرّضان للنساء إلى أن أظلم الليل، فعدلا إلى كثيب مشرف والقمر طالع يضيء، فجلسا على الكثيب، وقال عمر لابن سريج: غنّني صوتك الجديد؛ فاندفع يغنّيه، فلم يستتمّه إلا وقد طلع عليه رجل راكب على فرس عتيق، فسلّم ثم قال: أيمكنك - أعزّك اللّه - أن تردّ هذا الصوت؟ قال: نعم ونعمة عين، على أن تنزل وتجلس معنا. قال: أنا أعجل من ذلك، فإن أجملت وأنعمت أعدته! وليس عليك من وقوفي شيء ولا مئونة، فأعاده. فقال له: باللّه أنت ابن سريج؟ قال نعم. قال: حيّاك اللّه! وهذا عمر بن أبي ربيعة؟ قال نعم. قال: حيّاك اللّه يا أبا الخطّاب! فقال له: وأنت فحيّاك اللّه! قد عرفتنا فعرّفنا نفسك. قال: لا يمكنني ذلك. فغضب ابن سريج وقال: واللّه لو كنت يزيد بن عبد الملك لما زاد. فقال له: أنا يزيد بن عبد الملك. فوثب إليه عمر فأعظمه، ونزل ابن سريج إليه فقبّل ركابه؛ فنزع حلّته وخاتمه فدفعهما إليه، ومضى يركض حتى لحق ثقله. فجاء بهما ابن سريج إلى عمر فأعطاه إياهما، وقال له: إنّ هذين بك أشبه منهما بي. فأعطاه عمر ثلاثمائة دينار وغدا فيهما إلى المسجد، فعرفهما الناس وجعلوا يتعجّبون ويقولون: كأنهما واللّه حلّة يزيد بن عبد الملك وخاتمه، ثم يسألون عمر عنهما فيخبرهم أنّ يزيد بن عبد الملك كساه ذلك.
وأخبرني بهذا الخبر جعفر بن قدامة أيضا قال وحدّثني ابن عبد اللّه بن أبي سعيد قال حدّثني عليّ بن الصّبّاح عن ابن الكلبيّ قال:
حجّ عمر بن أبي ربيعة في عام من الأعوام على نجيب له مخضوب بالحنّاء مشهّر الرّحل بقراب مذهب، ومعه عبيد بن سريج على بغلة له شقراء، ومعه غلامه جنّاد يقود فرسا له أدهم أغرّ محجّلا، وكان عمر بن أبي ربيعة يسمّيه «الكوكب»، في عنقه طوق ذهب - وجنّاد هذا هو الذي يقول فيه:
صوت
فقلت لجنّاد خذ السيف واشتملعليه برفق وارقب الشمس تغرب
وأسرج لي الدّهماء واعجل بممطريولا تعلمن خلقا من الناس مذهبي
الغناء لزرزر غلام المارقيّ خفيف ثقيل وهو أجود صوت صنعه - قال: ومع عمر جماعة من حشمه وغلمانه ومواليه وعليه حلّة موشيّة يمانية، وعلى ابن سريج ثوبان هرويّان مرتفعان، فلم يمرّوا بأحد إلّا عجب من حسن هيئتهم، وكان عمر من أعطر الناس وأحسنهم هيئة، فخرجوا من مكة يوم التّروية بعد العصر يريدون منّى، فمرّوا بمنزل رجل من بني عبد مناف بمنى قد ضربت عليه فساطيطه وخيمه، ووافى الموضع عمر فأبصر بنتا للرجل قد خرجت من قبّتها، وستر جواريها دون القبّة لئلا يراها من مرّ. فأشرق عمر على النجّيب فنظر إليها، وكانت من أحسن النساء وأجملهنّ. فقال لها جواريها: هذا عمر بن أبي ربيعة. فرفعت رأسها فنظرت إليه، ثم سترتها الجواري وولائدها عنه وبطّنّ دونها بسجف القبّة حتى دخلت. ومضى عمر إلى منزله وفساطيطه بمنى، وقد نظر من الجارية إلى ما تيّمه ومن جمالها إلى ما حيّره، فقال فيها:
نظرت إليها بالمحصّب من منىولي نظر لو لا التّحرّج عارم
فقلت أشمس أم مصابيح بيعةبدت لك خلف السّجف أم أنت حالم
بعيدة مهوى القرط إمّا لنوفلأبوها وإمّا عبد شمس وهاشم
ومدّ عليها السّجف يوم لقيتهاعلى عجل تبّاعها والخوادم
فلم أستطعها غير أن قد بدا لناعلى الرّغم منها كفّها والمعاصم
معاصم لم تضرب على البهم بالضّحىعصاها ووجه لم تلحه السّمائم
نضير ترى فيه أساريع مائهصبيح تغاديه الأكفّ النّواعم
إذا ما دعت أترابها فاكتنفنهاتمايلن أو مالت بهنّ المآكم
طلبن الصّبا حتى إذا ما أصبنهنزعن وهنّ المسلمات الظّوالم
ثم قال عمر لابن سريج: يا أبا يحيى، إني تفكّرت في رجوعنا مع العشيّة إلى مكة مع كثرة الزّحام والغبار وجلبة الحاجّ فثقل عليّ، فهل لك أن نروح رواحا طيّبا معتزلا، فنرى فيه من راح صادرا إلى المدينة من أهلها، ونرى أهل العراق وأهل الشّأم ونتعلّل في عشيّتنا وليلتنا ونستريح؟ قال: وأنّى ذلك يا أبا الخطّاب؟ قال: على كثيب أبي شحوة المشرف على بطن يأجج بين منى وسرف، فنبصر مرور الحاجّ بنا ونراهم ولا يرونا. قال ابن سريج: طيّب واللّه يا سيّدي. فدعا بعض خدمه فقال: اذهبوا إلى الدار بمكّة، فاعملوا لنا سفرة واحملوها مع شراب إلى الكثيب، حتّى إذا أبردنا ورمينا الجمرة صرنا إليكم - قال: والكثيب على خمسة أميال من مكّة مشرف على طريق المدينة وطريق الشّأم وطريق العراق، وهو كثيب شامخ مستدق أعلاه منفرد عن الكثبان - فصارا إليه فأكلا وشربا. فلمّا انتشيا أخذ ابن سريج الدّفّ فنقره وجعل يغنّي وهم ينظرون إلى الحاجّ. فلمّا أمسيا رفع ابن سريج صوته يغنّي في الشّعر الذي قاله عمر، فسمعه الرّكبان فجعلوا يصيحون به: يا صاحب الصّوت أما تتّقي اللّه! قد حبست الناس عن مناسكهم! فيسكت قليلا، حتى إذا مضوا رفع صوته وقد أخذ فيه الشّراب فيقف آخرون، إلى أن مرّت قطعة من الليل، فوقف عليه في الليل رجل على فرس عتيق عربيّ مرح مستنّ فهو كأنه ثمل، حتى وقف بأصل الكثيب وثنى رجله على قربوس سرجه، ثم نادى: يا صاحب الصوت، أيسهل عليك أن تردّ شيئا مما سمعته؟ قال: نعم ونعمة عين، فأيّها تريد؟ قال: تعيد عليّ:
ألا يا غراب البين مالك كلمّانعبت بفقدان عليّ تحوم
أبالبين من عفراء أنت مخبّريعدمتك من طير فأنت مشوم
- قال: والغناء لابن سريج - فأعاده، ثم قال له ابن سريج: ازدد إن شئت. فقال: غنّني:
أمسلم إنّي يا بن كلّ خليفةويا فارس الهيجا ويا قمر الأرض
شكرتك إنّ الشكر حبل من التّقىوما كلّ من أقرضته نعمة يقضي
ونوّهت لي باسمي وما كان خاملاولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض
فغنّاه، فقال له: الثالث ولا أستزيدك. فقال: قل ما شئت. فقال: تغنّيني
يا دار أقوت بالجزع فالكثببين مسيل العذيب فالرّحب
لم تتقنّع بفضل مئزرهادعد ولم تسق دعد في العلب
فغنّاه. فقال له ابن سريج: أبقيت لك حاجة؟ قال: نعم، تنزل إليّ لأخاطبك شفاها بما أريد. فقال له عمر: انزل إليه، فنزل. فقال له: لو لا أنّي أريد وداع الكعبة وقد تقدّمني ثقلي وغلماني لأطلت المقام معك ولنزلت عندكم، ولكنّي أخاف أن يفضحني الصبح، ولو كان ثقلي معي لما رضيت لك بالهوينى، ولكن خذ حلّتي هذه وخاتمي ولا تخدع عنهما، فإن شراءهما ألف وخمسمائة دينار. وذكر باقي الخبر مثل ما ذكره حماد بن إسحاق.
نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني
صوت
نظرت إليها بالمحصّب من منىولي نظر لو لا التّحرّج عارم
فقلت أشمس أم مصابيح بيعةبدت لك خلف السّجف أم أنت حالم
بعيدة مهوى القرط إمّا لنوفلأبوها وإمّا عبد شمس وهاشم
الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لمعبد ثقيل أوّل بالسّبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى البنصر عنه. وقد نسب في مواضع من هذا الكتاب.
صوت
ألا يا غراب البين مالك كلّمانعبت بفقدان عليّ تحوم
أبا لبين من عفراء أنت مخبّريعدمتك من طير فأنت مشوم
الشعر لقيس بن ذريح، وقيل: إنه لغيره. والغناء لابن سريج رمل بالوسطى عن الهشاميّ.
صوت
أمسلم إني يا بن كلّ خليفةويا فارس الهيجا ويا قمر الأرض
شكرتك إنّ الشكر حبل من التّقىوما كلّ من أوليته نعمة يقضي
ونوهت لي باسمي وما كان خاملاولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض
الشعر لأبي نخيلة الحمّانيّ. والغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى، وقد أخرج هذا الصوت مع سائر أخبار أبي نخيلة في موضع آخر.
حدّثني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار حدّثني محمد بن سلّام الجمحيّ قال حدّثني عمر بن أبي خليفة قال: كان أبي نازلا في علو، فكان المغنّون يأتونه. قال فقلت: فأيّهم كان أحسن غناء؟ قال: لا أدري، إلّا أنّي كنت أراهم إذا جاء ابن سريج سكتوا.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم الموصليّ قال حدّثني الزّبيريّ - يعني عبد اللّه بن مصعب - عن عمرو بن الحارث، قال إسحاق: وحدّثنيه المدائنيّ ومحمد بن سلّام عن المحرز بن جعفر عن عمر بن سعد مولى الحارث بن هشام قال: خرج ابن الزّبير ليلة إلى أبي قبيس فسمع غناء، فلما انصرف رآه أصحابه وقد حال لونه، فقالوا: إنّ بك لشرّا. قال: إنه ذاك. قالوا: ما هو؟ قال: لقد سمعت صوتا إن كان من الجنّ إنه لعجب، وإن كان من الإنس فما انتهى منتهاه شي ء! قال: فنظروا فإذا هو ابن سريج يتغنّى:
صوت
أمن رسم دار بوادي غدرلجارية من جواري مضر
خدلّجة السّاق ممكورةسلوس الوشاح كمثل القمر
تزين النساء إذا ما بدتويبهت في وجهها من نظر
الشعر ليزيد بن معاوية. الغناء لابن سريج رمل بالبنصر عن يونس وحبش.
قال إسحاق: وذكر المدائنيّ في خبره أنّ عمر بن عبد العزيز مرّ أيضا فسمع صوت ابن سريج وهو يتغنّى:
بتّ الخليط قوى الحبل الذي قطعوا
فقال عمر: للّه درّ هذا الصوت لو كان بالقرآن! قال المدائنيّ: وبلغني من وجه آخر أنه سمعه يغنّي:
قرّب جيراننا جمالهمليلا فأضحوا معا قد ارتفعوا
ما كنت أدري بوشك بينهمحتى رأيت الحداة قد طلعوا
فقال هذه المقالة.
نسبة هذين الصوتين
صوت
بتّ الخليط قوى الحبل الذي قطعواإذ ودّعوك فولّوا ثم ما رجعوا
وآذنوك ببين من وصالهمفما سلوت ولا يسليك ما صنعوا
يا بن الطّويل وكم آثرت من حسنفينا وأنت بما حمّلت مضطلع
نحظى ونبقى بخير ما بقيت لنافإن هلكت فما في ملجأ طمع
الشعر للأحوص. والغناء لابن سريج رمل بالسّبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق وذكر حبش أنّ فيه رملا بالوسطى عن الهشاميّ.
نسبة الصوت الآخر
صوت
قرّب جيراننا جمالهمليلا فأضحوا معا قد ارتفعوا
ما كنت أدري بوشك بينهمحتى رأيت الحداة قد طلعوا
على مصكّين من جمالهموعنتريسين فيهما خضع
يا قلب صبرا فإنه سفهبالحرّ أن يستفزّه الجزع
الغناء لابن سريج ثقيل أوّل من أصوات قليلة الأشباه عن إسحاق. وفيه رمل بالسّبابة في مجرى الوسطى ذكره إسحاق ولم ينسبه إلى أحد، وذكر أيضا فيه خفيف رمل بالسّبابة في مجرى الوسطى ولم ينسبه. وذكر الهشاميّ أنّ الرمل للغريض وخفيف الرّمل لابن المكّيّ وذكرت دنانير والهشاميّ أنّ فيه لمعبد ثاني ثقيل. وذكر عمرو بن بانة
أنّ الثقيل الأوّل للغريض. وذكر عبد اللّه بن موسى أن لحن ابن - سريج خفيف ثقيل.
أخبرني رضوان بن أحمد الصّيدلانيّ قال حدّثني يوسف بن إبراهيم قال: حضرت أبا إسحاق إبراهيم بن المهديّ وعنده إسحاق الموصليّ، فقال إسحاق: غنّى ابن سريج ثمانية وستّين صوتا. فقال له أبو إسحاق: ما تجاوز قطّ ثلاثة وستّين صوتا. فقال بلى. ثم جعلا ينشدان أشعار الصّحيح منها حتى بلغا ثلاثة وستين صوتا وهما يتّفقان على ذلك، ثم أنشد إسحاق بعد ذلك أشعار خمسة أصوات أيضا.
فقال أبو إسحاق: صدقت، هذا من غنائه، ولكنّ لحن هذا الصوت نقله من لحنه في الشعر الفلانيّ، ولحن الثاني من لحنه الفلانيّ، حتى عدّ له الخمسة الأصوات. فقال له إسحاق: صدقت. ثم قال له إبراهيم: إن ابن سريج كان رجلا عاقلا أديبا، وكان يغنّي الناس بما يشتهون، فلا يغنّيهم صوتا مدح به أعداؤهم ولا صوتا عليهم فيه عار أو غضاضة، ولكنّه يعدل بتلك الألحان إلى أشعار في أوزانها، فالصّوتان واحد لا ينبغي أن نعدّهما اثنين عند التحصيل منّا لغنائه، فصدّقه إسحاق. فقال له إبراهيم: فأيّها أولى عندك بالتّقدمة؟ فقال:
وإذا ما عثرت في مرطهانهضت باسمي وقالت يا عمر
فقال له إبراهيم: أحسبك يا أبا محمد - متّعت بك - ما أردت إلّا مساعدتي. فقال: لا، واللّه ما إلى هذا قصدت، وإن كنت أهوى كلّ ما قرّبني من محبّتك.
فقال له: هذا أحبّ أغانيه إليّ، وما أحسبه في مكان أحسن منه عندي، ولا كان ابن سريج يتغنّاه أحسن مما يتغنّاه جواريّ، ولئن كان كذلك فما هو عندي في حسن التّجزئة والقسمة وصحّتهما مثل لحنه في:
صوت من المائة المختارة من رواية جحظة
حيّيا أمّ يعمراقبل شحط من النّوى
أجمع الحيّ رحلةففؤادي كذى الأسى
قلت لا تعجلوا الرّواح فقالوا ألا بلى
- الغناء لابن سريج من القدر الأوسط من الثّقيل الأوّل مطلق في مجرى الوسطى. وفيه للهذليّ خفيف ثقيل بالبنصر عن ابن المكّيّ. وفيه لمالك ثقيل أوّل البنصر عن عمرو. وفيه لحنان من الثقيل الثاني: أحدهما لإسحاق والآخر لأبيه، ونسبه قوم إلى ابن محرز، ولم يصحّ ذلك - قال: فاجتمعا معا على أنه أوّل أغانيه وأحقّها
بالتقديم. وأمرني أبو إسحاق بتدوين ما يجري بينهما ويتّفقان عليه، فكتبت هذا الشعر. ثم اتّفقا على أن الذي يليه:
وإذا ما عثرت في مرطهانهضت باسمي وقالت يا عمر
فأثبتّه أيضا. ثم تناظرا في الثالث فاجتمعا على أنّه:
فتركته جزر السّباع ينشنهما بين قلّة رأسه والمعصم
فقال إسحاق: لو قدّمناه على الأغاني التي تقدّمته كلّها لكان يستحقّ ذلك. فقال أبو إسحاق: ما سمعته منذ عرفته إلا أبكاني، لأنّي إذا سمعته أو ترنّمت به وجدت غمرا على فؤادي لا يسكن حتى أبكي. فقال إسحاق: إنّ مذهبه فيه ليوجب ذلك، فدوّنته ثالثا. ثم اتّفقا على الرابع وأنه:
فلم أر كالتّجمير منظر ناظرولا كليالي الحجّ أفتنّ ذا هوى
وتحدّثا بأحاديث لهذا الصوت مشهورة. ثم تناظرا في الخامس، فاتّفقا على أنه:
عوجي علينا ربّة الهودجإنّك إلّا تفعلي تحرجي
فأثبتّه. ثم تناظرا في السادس واتفّقا على أنه:
ألا هل هاجك الأظعان إذ جاوزن مطّلحا
فأثبتّه. ثم تناظرا في السابع فاتّفقا على أنه:
غيّضن من عبراتهنّ وقلن ليما ذا لقيت من الهوى ولقينا
فأثبتّه. وتناظرا في الثامن فاتّفقا على أنه:
تنكر الإثمد لا تعرفهغير أن تسمع منه بخبر
فأثبتّه. وتناظرا في التاسع فاتّفقا على أنه:
ومن أجل ذات الخال أعملت ناقتيأكلّفها سير الكلال مع الظّلع
نسبة هذه الأصوات وأجناسها
منها:
صوت
وإذا ما عثرت في مرطهانهضت باسمي وقالت يا عمر
الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن الهشاميّ.
ومنها:
صوت
فتركته جزر السّباع ينشنهما بين قلّة رأسه والمعصم
الشعر لعنترة بن شدّاد العبسيّ. والغناء لابن سريج ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو.
ومنها:
صوت
فلم أر كالتّجمير منظر ناظرولا كليالي الحجّ أفتنّ ذا هوى
الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو.
ومنها:
صوت
عوجي علينا ربّة الهودجإنّك إلّا تفعلي تحرجي
الشعر للعرجيّ. والغناء لابن سريج ثقيل بالوسطى عن عمرو.
ومنها:
صوت
ألا هل هاجك الأظعان إذ جاوزن مطّلحا
الشعر لعمر. والغناء لابن سريج ثقيل أوّل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه للغريض لحنان:
ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها عن إسحاق، وخفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيه لمعبد ثقيل أوّل ثالث بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق.
ومنها:
صوت
غيّضن من عبراتهنّ وقلن ليما ذا لقيت من الهوى ولقينا
الشعر لجرير. والغناء لابن سريج رمل بالبنصر. وفيه لإسحاق رمل بالوسطى. وفيه للهذليّ ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي.
ومنها:
صوت
تنكر الإثمد لا تعرفهغير أن تسمع منه بخبر
الشعر لعبد الرحمن بن حسّان. والغناء لابن سريج رمل بالوسطى.
ومنها:
صوت
ومن أجل ذات الخال أعملت ناقتيأكلّفها سير الكلال مع الظّلع
الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج رمل بالبنصر. وفيه لإسحاق رمل بالوسطى.
أخبرني رضوان بن أحمد قال حدّثنا يوسف بن إبراهيم قال حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهديّ قال حدّثني الزّبير بن دحمان أنّ أباه حدّثه: أنّ معبدا تغنّى:
آب ليلي بهموم وفكرمن حبيب هاج حزني والسّهر
يوم أبصرت غرابا واقعاشرّ ما طار على شرّ الشّجر
فعارضه مالك فغنّى في أبيات من هذا الشعر، وهي:
وجرت لي ظبية يتبعهاليّن الأظلاف من حور البقر
كلّما كفكفت منّي عبرةفاضت العين بمنهلّ درر
قال: فتلاحيا جميعا فيما صنعاه من هذين الصّوتين، فقال كلّ واحد منهما لصاحبه: أنا أجود صنعة منك.
فتنافرا إلى ابن سريج فمضيا إليه بمكة. فلمّا قدماها سألا عنه، فأخبرا أنه خرج يتطرّف بالحنّاء في بعض بساتينها. فاقتفيا أثره، حتى وقفا عليه وفي يده الحنّاء، فقالا له: إنّا خرجنا إليك من المدينة لتحكم بيننا في صوتين صنعناهما. فقال لهما: ليغنّ كلّ واحد منكما صوته. فابتدأ معبد يغنّي لحنه. فقال له: أحسنت واللّه على سوء اختيارك للشّعر! يا ويحك! ما حملك على أن ضيّعت هذه الصّنعة الجيّدة في حزن وسهر وهموم وفكر! أربعة ألوان من الحزن في بيت واحد، وفي البيت الثاني شرّان في مصراع واحد، وهو قولك:
شرّ ما طار على شرّ الشّجر
ثم قال لمالك: هات ما عندك، فغنّاه مالك. فقال له: أحسنت واللّه ما شئت! فقال له مالك: هذا وإنّما هو ابن شهره، فكيف تراه يا أبا يحيى يكون إذا حال عليه الحول! قال دحمان: فحدّثني معبد أنّ ابن سريج غضب عند ذلك غضبا شديدا، ثم رمى بالحنّاء من يديه وأصابعه وقال له: يا مالك، أليّ تقول ابن شهره! اسمع منّي ابن ساعته، ثم قال: يا أبا عبّاد أنشدني القصيدة التي تغنّيتما فيها. فأنشدته القصيدة حتى انتهيت إلى قوله:
تنكر الإثمد لا تعرفهغير أن تسمع منه بخبر
فصاح بأعلى صوته: هذا خليلي وهذا صاحبي، ثم تغنّى فيه، فانصرفنا مفلولين مفضوحين من غير أن نقيم بمكة ساعة واحدة.
نسبة هذه الأغاني كلها
صوت
آب ليلي بهموم وفكرمن حبيب هاج حزني والسّهر
يوم أبصرت غرابا واقعاشرّ ما طار على شرّ الشّجر
ينتف الرّيش على عبريّةمرّة المقضم من روح العشر
الشّعر لعبد الرحمن بن حسّان بن ثابت يقوله في رملة بنت معاوية بن أبي سفيان، وله معها ومع أبيها وأخيها في تشبيبه بها أخبار كثيرة ستذكر في موضعها إن شاء اللّه. ومن الناس من ينسب هذا الشعر إلى عمر بن أبي ربيعة، وهو غلط. وقد بيّن ذلك مع أخبار عبد الرحمن في موضعه.
والغناء لمعبد خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن يحيى المكّيّ، وذكر عمرو بن بانة أنه للغريض، وله لحن آخر في هذه الطريقة.
صوت
وجرت لي ظبية يتبعهاليّن الأظلاف من حور البقر
خلفها أطلس عسّال الضّحىصادفته يوم طلّ وحصر
الغناء لمالك خفيف ثقيل بالبنصر في مجراها عن إسحاق.
صوت
إنّ عينيها لعينا جؤذرأهدب الأشفار من حور البقر
تنكر الإثمد لا تعرفهغير أن تسمع منه بخبر
الغناء لابن سريج رمل بالسّبّابة، عن عمرو ويحيى المكّيّ.
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد قال أبي قال محمد بن سعيد: لمّا ضادّ ابن سريج الغريض وناوأه، جعل ابن سريج لا يغنّي صوتا ألا عارضه فيه الغريض فغنّى فيه لحنا غيره، وكانت ببعض أطراف مكة دار يأتيانها في كل جمعة ويجتمع لهما ناس كثير، فيوضع لكل واحد منهما كرسيّ يجلس عليه ثم يتناقضان الغناء ويترادّانه. قال: فلمّا رأى ابن سريج موقع الغريض وغنائه من الناس لقربه من النّوح وشبهه به، مال إلى الأرمال والأهزاج فاستخفّها الناس. فقال له الغريض: يا أبا يحيى، قصرت الغناء وحذفته وأفسدته. فقال له: نعم يا مخنّث، جعلت تنوح على أبيك وأمّك، ألى تقول هذا! واللّه لأغنّينّ غناء ما غنّى أحد أثقل منه ولا أجود. ثم تغنّى:
تشكّى الكميت الجري لمّا جهدته
قال حمّاد: وقرأت على أبي عن هشام بن المرّيّة قال: كان ابن عتيق يسوق في كلّ عام عن ابن سريج بدنة وينحرها عنه، ويقول: هذا أقلّ حقّه علينا.
قال حمّاد: قال أبي وقال مخلد بن خداش المهلّبيّ: كنّا بالمدينة في مجلس لنا ومعنا معبد، فقدم من مكة إلى المدينة فدخل علينا ليلا، فجلس معبد يسائله عن الأخبار وهو يخبره ولا نسمع ما يقول. فالتفت إلينا معبد فقال: أصبحت أحسن الناس غناء. فقيل له: أو لم تكن كذلك؟ قال: لا حيث كان ابن سريج حيّا، إنّ هذا أخبرني أنّ ابن سريج قد مات. ثم كان بعد ذلك إذا غنّى صوتا فأعجبه غناؤه قال: أصبحت اليوم سريجيّا.
قال حمّاد: حدّثني أبي قال حدّثني أبو الحسن المدائنيّ قال: قال معبد: أتيت أبا السّائب - المخزومي وكان يصلّي في كل يوم وليلة ألف ركعة - فلمّا رآني تجوّز وقال: ما معك من مبكيات ابن سريج؟ قلت قوله:
ولهنّ بالبيت العتيق لبانةوالبيت يعرفهنّ لو يتكلّم
لو كان حيّا قبلهن ظعائناحيّا الحطيم وجوههنّ وزمزم
لبثوا ثلاث منى بمنزل غبطةوهم على سفر لعمرك ما هم
متجاورين بغير دار إقامةلو قد أجدّ تفرّق لم يندموا
فقال لي: غنّه، فغنّيته. ثم قام يصلّي فأطال، ثم تجوّز إليّ فقال: ما معك من مطرباته ومشجياته؟
فقلت: قوله:
لسنا نبالي حين ندرك حاجةما بات أو ظلّ المطيّ معقّلا
فقال لي: غنّه، فغنّيته. ثم صلّى وتجوّز إليّ وقال: ما معك من مرقصاته؟ فقلت:
فلم أر كالتّجمير منظر ناظرولا كليالي الحجّ أفتنّ ذا هوى
فقال: كما أنت حتى أتحرّم لهذا بركعتين.
قال حمّاد: وأخبرني أبي عن إبراهيم بن المنذر الحزاميّ، وذكر أبو أيّوب المدينيّ عن الحزاميّ قال حدّثني عبد الرحمن بن إبراهيم المخزوميّ قال: أرسلتني أمّي وأنا غلام أسأل عطاء بن أبي رباح عن مسألة، فوجدته في دار يقال لها دار المعلّى - وقال أبو أيّوب في خبره: دار المقلّ - وعليه ملحفة معصفرة، وهو جالس على منبر وقد ختن ابنه والطعام يوضع بين يديه وهو يأمر به أن يفرّق في الخلق، فلهوت مع الصّبيان ألعب بالجوز حتى أكل القوم وتفرّقوا وبقي مع عطاء خاصّته، فقالوا: يا أبا محمد لو أذنت لنا فأرسلنا إلى الغريض وابن سريج! فقال: ما شئتم، فأرسلوا إليهما. فلمّا أتيا قاموا معهما وثبت عطاء في مجلسه فلم يدخل، فدخلوا بهما بيتا في الدار، فتغنّيا وأنا أسمع. فبدأ ابن سريج فنقر بالدفّ وتغنّى بشعر كثيّر:
بليلى وجارات لليلى كأنّهانعاج الملا تحدى بهن الأباعر
أمنقطع يا عزّ ما كان بينناوشاجرني يا عزّ فيك الشّواجر
إذا قيل هذا بيت عزّة قادنيإليه الهوى واستعجلتني البوادر
أصدّ وبي مثل الجنون لكي يرىرواة الخنا أنّي لبيتك هاجر
فكأن القوم قد نزل عليهم السّبات، وأدركهم الغشي فكانوا كالأموات، ثم أصغوا إليه بآذانهم وشخصت إليه أعينهم وطالت أعناقهم. ثم غنّى الغريض بصوت أنسيته بلحن آخر. ثم غنّى ابن سريج وأوقع بالقضيب، وأخذ الغريض الدّفّ فغنّى بشعر الأخطل:
فقلت اصبحونا لا أبا لأبيكموما وضعوا الأثقال إلا ليفعلوا
وقلت اقتلوها عنكم بمزاجهافأكرم بها مقتولة حين تقتل
أناخوا فجرّوا شاصيات كأنهارجال من السّودان لم يتسربلوا
فو اللّه ما رأيتهم تحرّكوا ولا نطقوا إلا مستمعين لما يقول. ثم غنّى الغريض بشعر آخر وهو:
هل تعرف الرّسم والأطلال والدّمنازدن الفؤاد على ما عنده حزنا
دار لصفراء إذ كانت تحلّ بهاوإذ ترى الوصل فيما بيننا حسنا
إذ تستبيك بمصقول عوارضهومقلتي جؤذر لم يعد أن شدنا
ثم غنّيا جميعا بلحن واحد، فلقد خيّل لي أن الأرض تميد، وتبيّنت ذلك في عطاء أيضا. وغنّى الغريض في شعر عمر بن أبي ربيعة، وهو قوله:
كفى حزنا تجمع الدار شملناوأمسي قريبا لا أزورك كلثما
دعي القلب لا يزدد خبالا مع الذيبه منك أو داوى جواه المكتّما
ومن كان لا يعدو هواه لسانهفقد حلّ في قلبي هواك وخيّما
وليس بتزويق اللسان وصوغهولكنّه قد خالط اللحم والدّما
وغنّى ابن سريج أيضا:
خليليّ عوجا نسأل اليوم منزلاأبى بالبراق العفر أن يتحوّلا
ففرع النّبيت فالشّرى خفّ أهلهوبدّل أرواحا جنوبا وشمألا
أرادت فلم تسطع كلاما فأومأتإلينا ولم تأمن رسولا فترسلا
بأن بت عسى أن يستر الليل مجلسالنا أو تنام العين عنّا فتقبلا
وغنّى الغريض أيضا:
يا صاحبيّ قفا نقضّ لبانةوعلى الظّعائن قبل بينكما اعرضا
لا تعجلاني أن أقول بحاجةرفقا فقد زوّدت زادا مجرضا
ومقالها بالنّعف نعف محسّرلفتاتها هل تعرفين المعرضا
هذا الذي أعطى مواثق عهدهحتى رضيت وقلت لي لن ينقضا
وأغانيّ أنسيتها، وعطاء يسمع على منبره ومكانه، وربما رأيت رأسه قد مال وشفتيه تتحرّكان حتّى بلغته الشمس، فقام يريد منزله. فما سمع السامعون شيئا أحسن منهما وقد رفعا أصواتهما وتغنّيا بهذا. ولمّا بلغت الشمس عطاء قام وهم على طريقة واحدة في الغناء، فاطّلع في كوّة البيت. فلما رأوه قالوا: يا أبا محمد، أيّهما أحسن غناء؟ قال: الرّقيق الصوت. يعني ابن سريج.
نسبة ما في هذه الأخبار من الأصوات
صوت
ولهنّ بالبيت العتيق لبانةوالبيت يعرفهنّ لو يتكلّم
لو كان حيّا قبلهنّ ظعائناحيّا الحطيم وجوههنّ وزمزم
وكأنهنّ وقد حسرن لواغبابيض بأكناف الحطيم مركّم
لبثوا ثلاث منى بمنزل غبطةوهم على سفر لعمرك ما هم
متجاورين بغير دار إقامةلو قد أجدّ رحيلهم لم يندموا
عروضه من الكامل. الشعر لابن أذينة. والغناء لابن سريج ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق.
وأخبار ابن أذينة تأتي بعد هذا في موضعها إن شاء اللّه.
ومنها الصوت الذي أوّله في الخبر:
لسنا نبالي حين ندرك حاجة
صوت
ودّع لبابة قبل أن تترحّلاواسأل فإن قليله أن تسألا
وانظر بعينك ليلة وتأنّهافلعلّ ما بخلت به أن يبذلا
لسنا نبالي حين ندرك حاجةما راح أو ظلّ المطيّ معقّلا
حتّى إذا ما الليل جنّ ظلامهورجوت غفلة حارس أن يعقلا
خرجت تأطّر في الثياب كأنّهاأيم يسيب على كثيب أهيلا
الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها. وفيه لمعبد لحن من خفيف الثّقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى، وهو من مختار أغانيه ونادرها وصدور صنعته وما يقدّم على كثير منها.
أخبرني أحمد بن محمد بن إسحاق الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه الزّهريّ عن عبد اللّه بن عمران بن أبي فروة قال: كنت أسير مع الغمر بن يزيد، فاستنشدني فأنشدته لعمر بن أبي ربيعة:
ودّع لبابة أن تترحّلاواسأل فإنّ قليله أن تسألا
قال ائتمر ما شئت غير مخالففيما هويت فإنّنا لن نعجلا
نجري أيادي كنت تبذلها لناحق علينا واجب أن نفعلا
حتّى إذا ما الليل جنّ ظلامهورجوت غفلة حارس أن يعقلا
خرجت تأطّر في الثياب كأنّهاأيم يسيب على كثيب أهيلا
رحّبت لمّا أقبلت فتعلّلتلتحيّتي لمّا رأتني مقبلا
فجلا القناع سحابة مشهورةغرّاء تعشي الطّرف أن يتأمّلا
فظللت أرقيها بما لو عاقليرقى به ما اسطاع ألّا ينزلا
تدنو فأطمع ثم تمنع بذلهانفس أبت للجود أن تتبخّلا
قال: فأمر غلامه فحملني على بغلته التي كانت تحته. فلمّا أراد الانصراف طلب الغلام منّي البغلة، فقلت: لا أعطيكها، هو أكرم وأشرف من أن يحملني عليها ثم ينتزعها منّي. فقال للغلام: دعه يا بنيّ، ذهبت واللّه لبابة ببغلة مولاك.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه، وأخبرنيه الحسن بن عليّ عن هارون بن الزّيّات عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني عثمان بن حفص الثّقفيّ عن إبراهيم بن عبد السّلام بن أبي الحارث عن ابن تيزن المغنّى قال قال أبو نافع الأسود - وكان آخر من بقي من غلمان ابن سريج -: إذا أعجزك أن تطرب القرشيّ فغنّه غناء ابن سريج في شعر عمر بن أبي ربيعة فإنك ترقصه. قال: وأبو نافع هذا أحذق غلمان ابن سريج ومن أخذ عنه، وكان أحسن رواتة موتا.
ومنها:
صوت
بليلى وجارات لليلى كأنّهانعاج الملا تحدى بهنّ الأباعر
أمنقطع يا عزّ ما كان بينناوشاجرني يا عزّ فيك الشّواجر
إذا قيل هذا بيت عزّة قادنيإليه الهوى واستعجلتني البوادر
أصدّ وبي مثل الجنون لكي يرىرواة الخنا أنيّ لبيتك هاجر
ألا ليت حظّي منك يا عزّ أنّنيإذا بنت باع الصبر لي عنك تاجر
عروضه من الطويل. الشعر لكثيّر. والغناء لمعبد ثقيل أوّل بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو. وفيه لابن سريج لحن أوّله: «أصدّ وبي مثل الجنون» خفيف رمل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق.
ومنها:
صوت
أنا خوا فجرّوا شاصيات كأنّهارجال من السّودان لم يتسربلوا
فقلت اصبحوني لا أبا لأبيكموما وضعوا الأثقال إلا ليفعلوا
تمرّ بها الأيدي سنيجا وبارحاوترفع باللّهمّ حيّ وتنزل
قال: عروضه من الطويل. الشاصيات: الشّائلات قوائمها من امتلائها، يعني الزّقاق، يقال: شصا يشصو وشصا ببصره إذا رفعه كالشاخص، وأنشد:
وربرب خماصيطعن بالصّياصي
ينظر من خصاصبأعين شواصي
كفلق الرّصاصتسمو إلى القنّاص
الشعر للأخطل، وذكره يأتي في غير هذا الموضع، من قصيدة يمدح بها خالد بن عبد اللّه بن أسيد بن أبي العيص بن أميّة. والغناء لمالك وله فيه لحنان: أحدهما في الأوّل والثاني رمل بالبنصر في مجراها عن إسحاق، والآخر في الثالث والأوّل والثاني خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه لابن محرز خفيف ثقيل أوّل بالبنصر في مجراها. وفيه رمل آخر لإبراهيم عن عمرو أيضا.
ومنها:
صوت
هل تعرف الرسم والأطلال والدّمنا
وذكر الأبيات الثلاثة وقد تقدّمت. عروضه من البسيط. الشعر لذي الإصبع العدوانيّ. والغناء لابن عائشة ثاني ثقيل بالبنصر.
ومنها:
صوت
كفى حزنا أن تجمع الدار شملنا
صوت
وهو من المائة المختارة في رواية جحظه عن أصحابه
دعي القلب لا يزدد خبالا مع الذيبه منك أو داوي جواه المكتّما
ومن كان لا يعدو هواه لسانهفقد حلّ في قلبي هواك وخيّما
وليس بتزويق اللسان وصوغهولكنّه قد خالط اللّحم والدّما
- عروضه من الطّويل. الشعر للأحوص، وقيل: إنه لسعيد بن عبد الرحمن بن حسّان. والغناء لمعبد ثقيل أوّل
بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. وذكر يونس أنّ لمالك لحنا فيه -
أكلثم فكّي عانيا بك مغرماوشدّي قوى حبل لنا قد تصرّما
فإن تسعفيه مرّة بنوالكمفقد طالما لم ينج منك مسلّما
كفى حزنا أن تجمع الدار شملناوأمسي قريبا لا أزورك كلثما
وبعده هذه الأبيات التي مضت.
اتفاق المغنين على تفضيل لحن ابن سريج «وليس بتزويق اللسانالخ»
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد وذكر الثّقفيّ عن دحمان قال: تذاكرنا ونحن في المسجد أنا والرّبيع بن أبي الهيثم الغناء أيّه أحسن، فجعل يقول وأقول فلا نجتمع على شيء. فقلت: اذهب بنا إلى مالك بن أبي السّمح.
فذهبنا إليه فوجدناه في المسجد، فقال: ما جاء بكما؟ فأخبرناه. فقال: قد جرى هذا بيني وبين معبد وقال وقلت، فجاءني معبد يوما وأنا في المسجد وقال: قد جئتك بشيء لا تردّه. فقلت: وما هو؟ قال: لحن ابن سريج:
وليس بتزويق اللسان وصوغهولكنّه قد خالط اللحم والدّما
ثم قال لي معبد: أسمعكه؟ قلت: نعم، وأريته أنّي لم أسمعه قبل، فقال: اسمعه منّي؛ فغنّى فيه ونحن في المسجد، فما سمعت شيئا قطّ أحسن منه، فافترقنا وقد اجتمعنا عليه.
وقرأت في فصل لإبراهيم بن المهديّ إلى إسحاق الموصليّ. «وكتبت رقعتي هذه وأنا في غمرة من الحمّى تصدف عن المفترضات. ولو لا خوفي من تشنيعك وتجنّيك لم يكن فيّ للإجابة فضل، غير أنّي قد تكلّفت الجواب على ما اللّه به عالم من صعوبة علّتي وما أقاسيه من الحرارة الحادثة بي.
وليس بتزويق اللّسان وصوغهولكنّه قد خالط اللّحم والدّما»
وقال إسحاق حدّثني شيخ من موالي المنصور قال: قدم علينا فتيان من بني أميّة يريدون مكّة، فسمعوا معبدا ومالكا فأعجبوا بهما، ثم قدموا مكّة فسألوا عن ابن سريج فوجدوه مريضا، فأتوا صديقا له فسألوه أن يسمعهم غناءه، فخرج معهم حتى دخلوا عليه. فقالوا: نحن فتيان من قريش، أتيناك مسلّمين عليك، وأحببنا أن نسمع منك. فقال: أنا مريض كما ترون. فقالوا: إنّ الذي نكتفي منك به يسير - وكان ابن سريج أديبا طاهر الخلق عارفا بأقدار الناس - فقال: يا جارية، هاتي جلبابي وعودي، فأتته خادمه بخامة فسدلها على وجهه
- وكان يفعل ذلك إذا تغنّى لقبح وجهه - ثم أخذ العود فغنّاهم، فأرخى ثوبه على عينيه وهو يغنّي، حتى إذا اكتفوا ألقى عوده وقال: معذرة. فقالوا: نعم، قد قبل اللّه عذرك فأحسن اللّه إليك، ومسح ما بك، وانصرفوا يتعجّبون مما سمعوا. فمرّوا بالمدينة منصرفين، فسمعوا من معبد ومالك، فجعلوا لا يطربون لهما ولا يعجبون بهما كما كانوا يطربون. فقال أهل المدينة: نحلف باللّه لقد سمعتم بعدنا ابن سريج! قالوا: أجل! لقد سمعناه فسمعنا ما لم نسمع مثله قطّ، ولقد نغّص علينا ما بعده.
وذكر العتّابيّ أنّ زكريّا بن يحيى حدّثه قال حدّثني عبد اللّه بن محمد بن عثمان العثمانيّ عن بعض أهل الحجاز قال: التقى قنديل الجصّاص وأبو الجديد بشعب الصّفراء، فقال قنديل لأبي الجديد: من أين وإلى أين؟ قال: مررت برقطاء الحبطيّة رائحة تترنّم برمل ابن سريج في شعر ابن عمارة السّلميّ:
صوت
سقى مأزمي نجد إلى بئر خالدفوادي نصاع فالقرون إلى عمد
وجادت بروق الرائحات بمزنةتسحّ شآبيبا بمرتجز الرّعد
منازل هند إذ تواصلني بهاليالي تسبيني بمستطرف الودّ
ينير ظلام الليل من حسن وجههاوتهدي بطيب الرّيح من جاء من نجد
- الغناء لابن سريج رمل بالبنصر عن الهشاميّ - فزففت خلفها زفيف النّعامة، فما انجلت غشاوتي إلا وأنا بالمشاش حسير، فأودعتها قلبي وخلّفته لديها، وأقبلت أهوي كالرّخمة بغير قلب. فقال لي قنديل:
ما دفع أحد من المزدلفة أسعد منك، سمعت شعر ابن عمارة في غناء ابن سريج من رقطاء الحبطيّة؛ لقد أوتيت جزءا من النبوّة. قال: وكانت رقطاء هذه من أضرب الناس؛ فدخل رجل من أهل المدينة منزلها فغنّته صوتا.
فقال له بعض من حضر: هل رأيت قطّ أو ترى أفصح من وتر هذه؟ فطرب المدنيّ وقال: عليّ العهد إن لم يكن وترها من معي بشكست النّحويّ، فكيف لا يكون فصيحا! وبشكست هذا كان نحويّا بالمدينة، وقتل مع الشّراة الخارجين مع أبي حمزة صاحب عبد اللّه بن يحيى الكنديّ الشّاري المعروف بطالب الحقّ.
قال محمد بن الحسن وحدّث عن إسحاق عن أبيه أنه كان يقول: غناء كلّ مغنّ مخلوق من قلب رجل واحد، وغناء ابن سريج مخلوق من قلوب الناس جميعا. وكان يقول: الغناء على ثلاثة أضرب، فضرب مله مطرب يحرّك ويستخفّ، وضرب ثان له شجا ورقّة، وضرب ثالث حكمة وإتقان صنعة.
قال: وكل هذا مجموع في غناء ابن سريج.
قال العتّابيّ وحدّثني زكريّا بن يحيى عن عبد اللّه بن محمد العثمانيّ قال: ذكر بعض أصحابنا الحجازيّين قال: التقى ابن سلمة الزّهريّ والأخضر الجدّيّ ببئر الفصح، فقال ابن سلمة: هل لك في الاجتماع نستمتع بك؟ فقال له الأخضر: لقد كنت إلى ذلك مشتاقا، قال: فقعدا يتحدّثان، فمرّ بهما أبو السائب، فقال: يا مطربي الحجاز، ألشيء كان اجتماعكما؟ فقالا: لغير موعد كان ذلك، أفتؤنسنا؟ قال: فقعدوا يتحدّثون. فلما مضى بعض الليل قال الأخضر لابن سلمة: يا أبا الأزهر، قد ابهارّ الليل وساعدك القمر، فأوقع بقهقهة ابن سريج وأصب معناك. فاندفع يغنّي:
صوت
تجنّت بلا جرم وصدّت تغضّباوقالت لتربيها مقالة عاتب
سيعلم هذا أنّني بنت حرّةسأمنع نفسي من ظنون كواذب
فقولي له عنّا تنحّ فإنّناأبيّات فحش طاهرات المناسب
- الغناء لابن سريج ولم يذكر طريقته - قال: فجعل أبو السّائب يزفن ويقول: أبشر حبيبي؛ فلأنت أفضل من شهداء قزوين. قال: ثم قال ابن سلمة للأخضر: نعم المساعد على همّ الليل أنت! فأوقع بنوح ابن سريج ولا تعد معناك. فاندفع يغنّي:
صوت
فلمّا التقينا بالحجون تنّفستتنفّس محزون الفؤاد سقيم
وقالت وما يرقا من الخوف دمعهاأقاطنها أم أنت غير مقيم
فإنّا غدا تحدى بنا العيس بالضّحىوأنت بما نلقاه غير عليم
فقطّع قلبي قولها ثم أسبلتمحاجز عيني دمعها بسجوم
قال: فجعل أبو السّائب يتأفّف ويقول: أعتق ما أملك إن لم تكن فردوسيّة الطّينة، وإنّها بعلمها لأفضل من آسية امرأة فرعون.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن الهيثم بن عدي قال: بلغني أنّ أبا دهبل الجمحيّ قال: كنت أنا وأبو السّائب المخزوميّ عند مغنّية بالمدينة يقال لها «الذّلفاء»، فغنّتنا بشعر جميل بن معمر العذريّ، واللحن لابن سريج:
صوت
لهنّ الوجى لم كنّ عونا على النّوىولا زال منها ظالع وكسير
كأنّي سقيت السّمّ يوم تحمّلواوجدّ بهم حاد وحان مسير
فقال أبو السائب: يا أبا دهبل، نحن واللّه على خطر من هذا الغناء، فنسأل اللّه السّلامة وأن يكفينا كلّ محذور، فما آمن أن يهجم بي على أمر يهتكني. قال: وجعل يبكي.
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا الزّبير بن بكّار عن بكّار بن رباح عن إسحاق بن مقمّة عن أمّه قالت: سمعت ابن سريج على أخشب منى غداة النّفر وهو يغنّي:
جدّدي الوصل يا قريب وجوديلمحبّ فراقه قد ألمّا
ليس بين الحياة والموت إلّاأن يردّوا جمالهم فترمّا
- ونسبة هذا الصوت تأتي بعد هذه الأخبار - قالت: فما تشاء أن تسمع من خباء ولا مضرب حنينا ولا أنينا إلّا سمعته.
وذكر يوسف بن إبراهيم أنه حضر إسحاق بن إبراهيم الموصليّ ليلة وهو يذاكر إبراهيم بن المهديّ، إلى أن قال إسحاق في بعض مخاطبته إيّاه: هذا صوت قد تمعبد فيه ابن سريج. فقال له إبراهيم: ما ظننت أنّك يا أبا محمد مع علمك وتقدّمك تقول مثل هذا في ابن سريج، فكيف يجوز أن تقول: تمعبد ابن سريج، وإنما معبد إذا أحسن قال: أصحبت سريجيّا! قد أغنى اللّه ابن سريج عن هذا ورفع قدره عن مثله، وأعيذك باللّه أن تستشعر مثله في ابن سريج. قال: فما رأيت إسحاق دفع ذلك ولا أباه، ولا زاد على أن قال: هي كلمة يقولها الناس، لم أقلها اعتقادا لها فيه، وإنما تكلّمت بها على العادة.
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا محمد بن إسماعيل قال حدّثنا محمد بن سلّام قال: قال لي شعيب بن صخر: كان معبد إذا غنّى فأجاد قال: أنا اليوم سريجيّ.
حدّثني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني محمد بن سلّام قال حدّثنا شعيب بن صخر قال: كان نعمان المغنّي عندي نازلا، وكان يغنّي، وكنت أراه يأتيه قوم. قال أبو عبد اللّه: فقلت له: فأيّهم كان أحذق؟ قال: لا أدري، إلّا أنّهم كانوا إذا جاء ابن سريج سكتوا.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني الهيثم بن عيّاش قال حدّثني عبد الرحمن بن عيينة قال: بينما نحن بمنى ونحن نريد الغدوّ إلى عرفات، إذ أتانا الأحوص فقال: أبيت بكم الليلة؟ قلنا: بالرّحب والسّعة. فلما جنّه الليل لم يلبث أن غاب عنّا ثم عاد ورأسه يقطر ماء. قلت: مالك؟ قال:
صوت
تعرّض سلماك لمّا حرمت ضلّ ضلالك من محرم!
تريد به البرّيا ليتهكفافا من البرّ والمأثم
- الغناء لابن سريج ولم يجنّسه - قال قلت: زنيت وربّ الكعبة! قال: قل ما بدا لك. ثم لقي ابن سريج فقال: إنّي قد قلت بيتين حسنين أحبّ أن تغنّيني بهما. قال: ما هما؟ فأنشده إيّاهما؛ فغنّى بهما من ساعته، ففتن من حضر ممّن سمع صوته.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني إسحاق بن يحيى بن طلحة قال: قدم جرير بن الخطفى المدينة ونحن يومئذ شباب نطلب الشّعر، فاحتشدنا له ومعنا أشعب. فبينا نحن عنده إذ قام لحاجة وأقمنا لم نبرح. وجاء الأحوص بن محمد الشاعر من قباء على حمار فقال: أين هذا؟ فقلنا: قام لحاجة، فما حاجتك إليه؟ قال: أريد واللّه أنّ أعلمه أنّ الفرزدق أشعر منه وأشرف. قلنا: ويحك! لا تعرض له وانصرف، فانصرف وخرج. فجاء جرير فلم يكن بأسرع من أن أقبل الأحوص الشاعر فأقبل عليه، فقال: السّلام عليك يا جرير. قال جرير: وعليك السّلام. فقال الأحوص: يا بن الخطفى، الفرزدق أشرف منك وأشعر. قال جرير: من هذا أخزاه اللّه! قلنا: الأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. فقال: نعم! هذا الخبيث ابن الطيب، أأنت القائل:
يقرّ بعيني ما يقرّ بعينهاوأحسن شيء ما به العين قرّت
قال نعم. قال: فإنه يقرّ بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر، أفيقرّ ذلك بعينك؟! قال: وكان الأحوص يرمى بالحلاق فانصرف، فبعث إليهم بتمر وفاكهة. وأقبلنا على جرير نسائله، وأشعب عند الباب وجرير في مؤخّر البيت، فألحّ عليه أشعب يسأل. فقال: واللّه إنّي لأراك أقبحهم وجها وأراك ألأمهم حسبا؛ فقد أبرمتني منذ اليوم. قال: إنّي واللّه أنفعهم وخيرهم لك. فانتبه جرير وقال: ويحك! كيف ذاك؟ قال: إني أملّح شعرك وأجيد مقاطعه ومبادئه. فقال: قل، ويحك! فاندفع أشعب فنادى بلحن ابن سريج:
يا أخت ناجية السّلام عليكمقبل الرّحيل وقبل عدل العذّل
لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكميوم الرّحيل فعلت ما لم أفعل
فطرب جرير وجعل يزحف نحوه حتى ألصق بركبته ركبته، وقال: لعمري لقد صدقت، إنك لأنفعهم لي وقد حسّنته وأجدته وزيّنته، أحسنت واللّه، ثم وصله وكساه. فلمّا رأينا إعجاب جرير بذلك الصوت، قال له بعض أهل المجلس: فكيف لو سمعت واضع هذا الغناء؟ قال: أو إن له لواضعا غير هذا؟ فقلنا نعم. قال: فأين هو؟ قلنا: بمكّة قال: فلست بمفارق حجازكم حتى أبلغه. فمضى ومضى معه جماعة ممن يرغب في طلب الشعر في صحابته وكنت فيهم، فأتيناه جميعا، فإذا هو في فتية من قريش كأنّهم المها مع ظرف كثير، فأدنوا ورحّبوا وسألوا عن الحاجة، فأخبرناهم الخبر، فرحّبوا بجرير وأدنوه وسرّوا بمكانه، وأعظم عبيد بن سريج موضع جرير وقال: سل ما تريد جعلت فداءك! قال: أريد أن تغنّيني لحنا سمعته بالمدينة أزعجني إليك. قال: وما هو؟ قال: يا أخت
ناجية السّلام عليكمقبل الرّحيل وقبل عذل العذّل
فغنّاه ابن سريج وبيده قضيب يوقع به وينكت، فو اللّه ما سمعت شيئا قطّ أحسن من ذلك. فقال جرير: للّه درّكم يا أهل مكّة، ما أعطيتم! واللّه لو أنّ نازعا نزع إليكم ليقيم بين أظهركم فيسمع هذا صباح مساء لكان أعظم الناس حظّا ونصيبا، فكيف ومع هذا بيت اللّه الحرام، ووجوهكم الحسان، ورقّة ألسنتكم، وحسن شارتكم، وكثرة فوائدكم! أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن جدّه إبراهيم قال:
كتب الوليد بن عبد الملك إلى عامل مكة أن أشخص إليّ ابن سريج، فأشخصه. فلمّا قدم مكث أيّاما لا يدعو به ولا يلتفت إليه. قال: ثم إنه ذكره، فقال: ويلكم! أين ابن سريج؟ قالوا: هو حاضر. قال: عليّ به. فقالوا: أجب أمير المؤمنين. فتهيّأ ولبس وأقبل حتى دخل عليه فسلّم. فأشار إليه أن اجلس، فجلس بعيدا. فاستدناه فدنا حتى كان منه قريبا، وقال: ويحك يا عبيد! لقد بلغني عنك ما حملني على الوفادة بك من كثرة أدبك وجودة اختيارك مع ظرف لسانك وحلاوة مجلسك. فقال: جعلت فداءك يا أمير المؤمنين! «تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه». قال الوليد: إني لأرجو ألّا تكون أنت ذاك، ثم قال: هات ما عندك. فاندفع ابن سريج فغنّى بشعر الأحوص:
أمنزلتي سلمى على القدم اسلمافقد هجتما للشوق قلبا متيّما
وذكّرتما عصر الشّباب الذي مضىوجدّة وصل حبله قد تجذّما
وإني إذا حلّت ببيش مقيمةوحلّ بوج جالسا أو تتهّما
يمانية شطّت فأصبح نفعهارجاء وظنّا بالمغيب مرجّما
أحبّ دنوّ الدار منها وقد أبىبها صدع شعب الدار إلّا تثلّما
بكاها وما يدري سوى الظّنّ من بكىأحيا يبكّى أم ترابا وأعظما
فدعها وأخلف للخليفة مدحةتزل عنك بؤس أو تفيدك أنعما
فإنّ بكفّيه مفاتيح رحمةوغيث حيا يحيا به الناس مرهما
إمام أتاه الملك عفوا ولم يثبعلى ملكه مالا حراما ولا دما
تخيّره ربّ العباد لخلقهوليّا وكان اللّه بالناس أعلما
فلمّا قضاه اللّه لم يدع مسلمالبيعته إلّا أجاب وسلّما
ينال الغنى والعزّ من نال ودّهويرهب موتا عاجلا من تشأّما
فقال الوليد: أحسنت واللّه وأحسن الأحوص! عليّ بالأحوص. ثم قال: يا عبيد هيه! فغنّاه بشعر عديّ بن الرّقاع العامليّ يمدح الوليد:
صوت
طار الكرى وألمّ الهمّ فاكتنعاوحيل بيني وبين النّوم فامتنعا
كان الشّباب قناعا أستكنّ بهوأستظلّ زمانا ثمّت انقشعا
فاستبدل الرأس شيبا بعد داجيةفينانة ما ترى في صدغها نزعا
فإن تكن ميعة من باطل ذهبتوأعقب اللّه بعد الصّبوة الورعا
فقد أبيت أراعي الخود راقدةعلى الوسائد مسرورا بها ولعا
برّاقة الثّغر تشفي القلب لذّتهاإذا مقبّلها في ريقها كرعا
كالأقحوان بضاحي الرّوض صبّحهغيث أرشّ بتنضاح وما نقعا
صلّى الذي الصّلوات الطّيّبات لهوالمؤمنون إذا ما جمّعوا الجمعا
على الذي سبق الأقوام ضاحيةبالأجر والحمد حتى صاحباه معا
هو الذي جمع الرحمن أمّتهعلى يديه وكانوا قبله شيعا
عذنا بذي العرش أن نحيا ونفقدهوأن نكون لراع بعده تبعا
إنّ الوليد أمير المؤمنين لهملك عليه أعان اللّه فارتفعا
لا يمنع الناس ما أعطى الذين همله عباد ولا يعطون ما منعا
فقال له الوليد: صدقت يا عبيد! أنّى لك هذا؟ قال: هو من عند اللّه. قال الوليد: لو غير هذا قلت لأحسنت أدبك. قال ابن سريج: ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء. قال الوليد: يزيد في الخلق ما يشاء. قال ابن سريج: هذا من فضل ربّي ليبلوني أأشكر أم أكفر. قال الوليد: لعلمك واللّه أكبر وأعجب إليّ من غنائك! غنّني. فغنّاه بشعر عديّ بن الرّقاع العامليّ يمدح الوليد:
عرف الدّيار توهّما فاعتادهامن بعد ما شمل البلى أبلادها
ولربّ واضحة العوارض طفلةكالرّيم قد ضربت بها أوتادها
إنّي إذا ما لم تصلني خلّتيوتباعدت منّي اغتفرت بعادها
صلّى الإله على امرىء ودّعتهوأتمّ نعمته عليه وزادها
وإذا الرّبيع تتابعت أنواؤهفسقى خناصرة الأحصّ فجادها
نزل الوليد بها فكان لأهلهاغيثا أغاث أنيسها وبلادها
أو لا ترى أنّ البريّة كلّهاألقت خزائمها إليه فقادها
ولقد أراد اللّه إذ ولّاكهامن أمّة إصلاحها ورشادها
أعمرت أرض المسلمين فأقبلتوكففت عنها من يروم فسادها
وأصبت في أرض العدوّ مصيبةعمّت أقاصي غورها ونجادها
ظفرا ونصرا ما تناول مثلهأحد من الخلفاء كان أرادها
فإذا نشرت له الثناء وجدتهجمع المكارم طرفها وتلادها
فأشار الوليد إلى بعض الخدم، فغطّوه بالخلع ووضعوا بين يديه كيسا من الدّنانير وبدرا من الدّراهم، ثم قال الوليد بن عبد الملك: يا مولى بني نوفل بن الحارث، لقد أوتيت أمرا جليلا. فقال ابن سريج: يا أمير المؤمنين! لقد آتاك اللّه ملكا عظيما وشرفا عاليا، وعزّا بسط يدك فيه فلم يقبضه عنك ولا يفعل إن شاء اللّه. فأدام اللّه لك ما ولّاك، وحفظك فيما استرعاك، فإنك أهل لما أعطاك، ولا نزعه منك إذ رآك له موضعا. قال: يا نوفليّ، وخطيب أيضا! قال ابن سريج: عنك نطقت، وبلسانك تكلّمت، وبعزّك بيّنت. وقد كان أمر بإحضار الأحوص بن محمد الأنصاريّ وعديّ بن الرّقاع العامليّ. فلمّا قدما عليه أمر بإنزالهما حيث ابن سريج، فأنزلا منزلا إلى جنب ابن سريج. فقالا: واللّه لقرب أمير المؤمنين كان أحبّ إلينا من قربك يا مولى بني نوفل، وإنّ في قربك لما يلذّنا ويشغلنا عن كثير مما نريد. فقال لهما ابن سريج: أو قلّة شكر! فقال له عديّ: كأنّك يا بن اللّخناء تمنّ علينا! عليّ وعليّ إن جمعنا وإيّاك سقف بيت أو صحن دار إلا عند أمير المؤمنين. وأمّا الأحوص فقال: أو لا تحتمل لأبي يحيى الزّلّة والهفوة! وكفّارة يمين خير من عدم المحبّة، وإعطاء النّفس سؤلها خير من لجاج في غير منفعة! فتحوّل عديّ، وبقي عنده الأحوص. وبلغ الوليد ما جرى بينهم، فدعا ابن سريج وأدخله بيتا وأرخى دونه سترا، ثم أمره إذا فرغ الأحوص وعديّ من كلمتيهما أن يغنّى. فلما دخلا وأنشداه مدائح فيه، رفع ابن سريج صوته من حيث لا يرونه وضرب بعوده. فقال عديّ: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي أن أتكلّم؟ فقال: قل يا عامليّ. قال: أمثل هذا عند أمير المؤمنين، ويبعث إلى ابن سريج يتخطّى به رقاب قريش والعرب من تهامة إلى الشأم، ترفعه أرض وتخفضه أخرى فيقال: من هذا؟ فيقال: عبيد بن سريج مولى بني نوفل بعث أمير المؤمنين إليه، ليسمع غناءه! فقال: ويحك يا عديّ! أو لا تعرف هذا الصوت؟ قال: لا، واللّه ما سمعته قطّ ولا سمعت مثله حسنا، ولو لا أنه في مجلس أمير المؤمنين لقلت: طائفة من الجنّ يتغنّون. فقال: اخرج عليهم، فخرج فإذا ابن سريج. فقال عديّ: حقّ لهذا أن يحمل! حقّ لهذا أن يحمل! - ثلاثا - ثم أمر لهما بمثل ما أمر لهما بمثل ما أمر به لابن سريج، وارتحل القوم. وكان الذي غنّاه ابن سريج من شعر عمر بن أبي ربيعة:
باللّه يا ظبي بني الحارثهل من وفى بالعهد كالنّاكث
لا تخدعنّي بالمنى باطلاوأنت بي تلعب كالعابث
حتّى متى أنت لنا هكذانفسي فداء لك يا حارثي
يا منتهى همّي ويا منيتيويا هوى نفسي ويا وارثي
قال: وبلغني أنّ رجلا من الأشراف من قريش من موالي ابن سريج عاتبه يوما على الغناء وأنكره عليه، وقال له: لو أقبلت على غيره من الآداب لكان أزين بمواليك وبك! فقال: جعلت فداك! امرأته طالق إن أنت لم تدخل الدار. فقال الشّيخ: ويحك! ما حملك على هذا؟ قال: جعلت فداك قد فعلت. فالتفت النوفليّ إلى بعض من كان معه متعجّبا مما فعل. فقال له القوم: قد طلقت امرأته إن أنت لم تدخل الدار. فدخل ودخل القوم معه.
فلمّا توسّطوا الدار قال: امرأته طالق إن أنت لم تسمع غنائي. قال: اعزب عنّى يا لكع! ثم بدر الشيخ ليخرج. فقال له أصحابه: أتطلّق امرأته وتحمل وزر ذلك؟! قال: فوزر الغناء أشدّ. قالوا: كلّا! ما سوّى اللّه عزّوجلّ بينهما.
فأقام الشيخ مكانه. ثم اندفع ابن سريج يغنّي في شعر عمر بن أبي ربيعة في زينب:
أليست بالّتي قالتلمولاة لها ظهرا
أشيري بالسّلام لهإذا هو نحونا خطرا
وقولي في ملاطفةلزينب نوّلي عمرا
أهذا سحرك النّسوان قد خبّرنني الخبرا
فقال للجماعة: هذا واللّه حسن! ما بالحجاز مثله ولا في غيره. وانصرفوا.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن الأصمعيّ قال: قال عبد اللّه بن عمير اللّيثيّ لابن سريج: لو تركت الغناء! وعاتبه على ذلك. فقال: جعلت فداك! لو سمعته ما تركته. ثم قال: امرأته طالق ثلاثا إن لم تدخل الدار حتّى تسمع غنائي. فالتفت عبد اللّه إلى رفيق له كان معه فقال: ما تنتظر؟ ادخل بنا وإلّا طلقت امرأة الرجل. فدخلا مع ابن سريج، فغنّى بشعر الأحوص:
صوت
لقد شاقك الحيّ إذ ودّعوافعينك في إثرهم تدمع
وناداك للبين غربانهفظلت كأنّك لا تسمع
ثم قال: امرأته طالق إن أنت لم تستحسنه لأتركنّه. فتبسّم عبد اللّه وخرج.
نسبة ما في هذه الأخبار من الأصوات
منها: الصوت الذي أوّله في الخبر:
جدّدي الوصل يا قريب وجودي
أوّله:
صوت
إنّ طيف الخيال حين ألمّاهاج لي ذكرة وأحدث همّا
جدّدي الوصل يا قريب وجوديلمحبّ فراقه قد ألمّا
ليس بين الحياة والموت ألّاأن يردّوا جمالهم فتزمّا
ولقد قلت مخفيا لغريضهل ترى ذلك الغزال الأحمّا
هل ترى مثله من الناس شخصاأكمل الناس صورة وأتمّا
عروضه من الخفيف. الشعر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء لابن سريج ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ. وفيه للغريض أيضا ثقيل أوّل بالسّبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن سعيد الدّمشقيّ قال حدّثنا الزّبير قال: أنشد جعفر بن محمد بن زيد بن عليّ بن الحسين عليهم السّلام قول عمر:
ليس بين الحياة والموت إلّاأن يردّوا جمالهم فتزمّا
فطرب وارتاح وجعل يقول: لقد عجّلوا البين، أفلا يوكون قربة! أفلا يودّعون صديقا! أفلا يشدّون رحلا! حتى جرت دموعه.
وحدّثنا الحرميّ بن أبي العلاء عن الزّبير فذكر مثله.
ومنها:
صوت
يا أخت ناجية السّلام عليكمقبل الرّحيل وقبل عذل العذّل
لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكميوم الرّحيل فعلت ما لم أفعل
عروضه من الكامل. الشعر لجرير. والغناء لابن سريج ثقيل أوّل بالسّبّابة في مجرى الوسطى عن ابن المكّيّ، وذكره إسحاق في هذه الطريقة ولم ينسبه إلى أحد. وفيه للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن ابن المكيّ أيضا.
ومما يشكّ فيه أنه لمعبد أو لكردم ابنه في البيت الثاني والأوّل ثاني ثقيل. ولعريب في هذين البيتين لحن من رواية ابن المعتزّ غير مجنّس.
ومنها:
صوت
أمنزلتي سلمى على القدم اسلمافقد هجتما للشوق قلبا متيّما
وذكرّتما عصر الشّباب الذي مضىوجدّة وصل حبله قد تجذّما
عروضه من الطّويل. والشعر للأحوص. والغناء لكردم ثاني ثقيل بالوسطى، وقيل: إنّ هذا الثقيل الثاني لمحمد الرّفّ، وإنّ فيه لحنا من الثقيل الأوّل لكردم.
ومنها:
صوت
عرف الديار توهّما فاعتادهامن بعد ما شمل البلى أبلادها
إلّا رواكد كلّهن قد اصطلىحمراء أكثر أهلها إيقادها
عروضه من الكامل. الشعر لعديّ بن الرّقاع العامليّ. والغناء لابن محرز ثقيل أوّل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لمالك ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو. وفيه لحن لإبراهيم، وفي هذه الأخبار أنه لابن سريج، وذكر حمّاد في كتاب ابن محرز أنه مما ينسب إلى ابن مسجح أو إلى ابن محرز.
ومنها:
صوت
باللّه يا ظبي بني الحارثهل من وفى بالعهد كالنّاكث
لا تخدعنّي بالمنى باطلاوأنت بي تلعب كالعابث
عروضه من السّريع. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج ولحنه خفيف ثقيل أوّل بالوسطى، وذكر عمرو بن بانة أنه لسياط. وذكر الهشاميّ وبذل أنّ فيه لإبراهيم الموصليّ لحنا آخر. وفيه خفيف رمل بالبنصر ذكر حبش أنه لإبراهيم بن المهديّ، وغيره ينسبه إلى إسحاق.
ومنها:
صوت
- وهو الذي أوّله في الخبر:
أليست بالتي قالتلمولاة لها ظهرا
تصابى القلب فادّكراهواه ولم يكن ظهرا
لزينب إذ تجدّ لناصفاء لم يكن كدرا
أليست بالتي قالتلمولاة لها ظهرا
أشيري بالسّلام لهإذا هو نحونا نظرا
وقولي في ملاطفةلزينب نوّلي عمرا
فهزّت رأسها عجباوقالت من بذا أمرا
أهذا سحرك النّسوان قد خبّرنني الخبرا
طربت وردّ من تهوىجمال الحيّ فابتكرا
فقل للبربريّة لاتلومي القلب إن جهرا
بطرت وهكذا الإنسان ذو بطر إذا ظفرا
فأين العهد والميثاق لا تخبر بنا بشرا
عروضه من الوافر. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن سريج في الثالث والرابع والخامس والأوّل خفيف ثقيل أوّل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وللغريض في السابع والثامن والأوّل لحن من القدر الأوسط من الثّقيل الأوّل بالوسطى في مجراها عن إسحاق. ولمعبد في هذا الأبيات كلّها لحن عن يونس ودنانير ولم يجنّساه، وذكر الهشاميّ أنه خفيف ثقيل. وفي السابع والثامن والتاسع رمل لدحمان، ويقال إنه للزّبير ابنه.
ولمالك لحن أوّله:
صوت
لقد أرسلت جاريتيوقلت لها خذي حذرك
وقولي في ملاطفةلزينب نوّلي عمرك
فهزّت رأسها عجباوقالت من بذا أمرك
أهذا سحرك النسوان قد خبّرنني خبرك
ولحن مالك هذا خفيف ثقيل بالوسطى من رواية ابن المكّيّ. وهذا يروي الشعر ويجعل قوافيه كلّها على الكاف. وفي هذا الأبيات بعينها على هذا القافية خفيف رمل ينسب إلى ابن سريج وإلى الغريض. وذكر حبش أنّ فيه لمعبد لحنا من الرّمل أوّله الثالث من الأبيات الأول المذكورة.
رجع الخبر إلى سياقه أحاديث ابن سريج
أخبرنا يحيى بن عليّ ووكيع وجحظة قالوا: حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: قال لي الفضل بن يحيى: سألت أباك ليلة وقد أخذ منه الشراب عن أحسن النّاس غناء، فقال لي؛ من النّساء أم من الرجال؟ قلت: من الرجال. قال: ابن محرز. فقلت: فمن النّساء؟ قال: ابن سريج، قال إسحاق لي: ويقال أحسن الرجال غناء من تشبّه بالنساء، وأحسن النساء غناء من تشبّه بالرجال. قال يحيى بن عليّ خاصّة: ثم كان ابن سريج كأنه خلق من قلب كلّ واحد، فهو يغنّي له بما يشتهي.
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد: قرأت على أبي عن الهيثم بن عديّ قال: قال ابن سريج: مررت ببعض أندية مكة وفيه جماعة، فحصرت فقلت: كيف أجوزهم مع تعبي وما أنا فيه! فسمعتهم يقولون: قد جاء ابن سريج، فقال بعضهم ممّن لم يعرفني: ومن ابن سريج؟ فقال: الذي يغني:
ألا هل هاجك الأظعان إذ جاوزن مطّلحا
قال ابن سريج: فلمّا سمعت ذلك قويت نفسي واشتدّت منّتي، ومررت بهم أخطر في مصبّغاتي. فلمّا حاذيتهم قاموا بأجمعهم فسلّموا عليّ، ثم قالوا لأحداثهم: امشوا مع أبي يحيى.
وقد حدّثني عمّي بهذا الخبر فقال حدّثني أبو أيّوب المدينيّ قال حدّثني محمد بن سلّام عن جرير قال: قال لي ابن سريج: دعاني فتية من بني مروان، فدخلت إليهم وأنا في ثياب الحجاز الغلاظ الجافية، وهم في القوهيّ والوشي يرفلون كأنهم الدّنانير الهرقليّة، فغنّيتهم وأنا محتقر لنفسي عندهم لحنا لي، وهو:
صوت
أبا لفرع لم تظعن مع الحيّ زينببنفسي عن النّأي الحبيب المغيّب
بوجهك عن مسّ التّراب مضنّةفلا تبعدي إذ كلّ حيّ سيعطب
- ولحن ابن سريج هذا رمل بالخنصر في مجرى البنصر - قال: فتضاءلوا في عيني حتى ساويتهم في نفسي لما رأيتهم عليه من الإعظام لي. ثم غنّيتهم:
ودّع لبابة قبل أن تترحّلاواسأل فإن قلاله أن تسألا
فطربوا وعظّموني وتواضعوا لي، حتى صرت في نفسي بمنزلتهم لما رأيتهم عليه، وصاروا في عيني بمنزلتي. ثم غنّيتهم:
ألا هل هاجك الأظعان إذ جاوزن مطّلحا
فطربوا ومثلوا بين يديّ ورموا بحللهم كلّها عليّ حتى غطّوني بها، فمثّلت لي نفسي أنها نفس الخليفة وأنهم لي خول، فما رفعت طرفي إليهم بعد ذلك تيها. وقد مضت نسبة «ودّع لبابة» في أخبار عمر بن أبي ربيعة وغيره. وأمّا:
ألا هل هاجك الأظعان…
فنذكر نسبته.:
نسبة هذا الصوت
صوت
ألا هل هاجك الأظعان إذ جاوزن مطّلحا
نعم ولو شك بينهمجرى لك طائر سنحا
أجزن الماء من رككوضوء الفجر قد وضحا
فقلن مقيلنا قرننباكر ماءه صبحا
تبعتهم بطرف العين حتّى قيل لي افتضحا
يودّع بعضنا بعضاوكلّ بالهوى جرحا
فمن يفرح ببينهمفغيري إذ غدوا فرحا
عروضه من الوافر. الشّعر لأبي دهبل الجمحيّ. والغناء لمالك وله فيه لحنان: ثقيل أوّل بالبنصر عن إسحاق، وخفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. ولمعبد فيه ثقيل أوّل بالخنصر في مجرى الوسطى. ولابن سريج في الخامس وما بعده ثقيل أوّل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال: قدم جرير المدينة أو مكة فجلس مع قوم، فجعلوا يعرضون عليه غناء رجل رجل من المغنّين، حتى غنّوه لابن سريج، فطرب وقال: هذا أحسن ما أسمعتموني من الغناء كلّه.
قالوا: وكيف قلت ذاك يا أبا حزرة؟ قال: مخرج كلّ ما أسمعتموني من الغناء من الرأس، ومخرج هذا من الصّدر.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدّثني أبي قال حدّثني إبراهيم بن محمد الشافعيّ قال: جاء سندة الخيّاط المغنّي إلى الأفلح المخزوميّ - وكان يوصف بعقل وفضل - فقال له: من أين أقبلت؟ وإلى أين تمضي؟ فقال: إليك قصدت من مجلس لبعض القرشيّين أقبلت محاكما إليك. قال: فيماذا؟ قال: كنت عند هذا الرجل وحضرت مجلسه رقطاء الحبطيّين، وصفراء العلقميّين، فتناولتا بينهما رمل ابن سريج:
ليت شعري كيف أبقى ساعةمع ما ألقى إذا الليل حضر
من يذق نوما ويهدأ ليلهفلقد بدّلت بالنوم السّهر
قلت مهلا إنها جنّيّةإن نخالطها تفز منها بشرّ
فغنّتاه جميعا، واختلفنا في تقضيلهما، ففضّل كلّ فريق منّا إحداهما، فرضينا جميعا بحكمك، فاحكم بيننا وبينهما. قال: فوجم ساعة - وأهل الحجاز إذا أرادوا أن يحكموا تأمّلوا ساعة ثم حكموا، فاذا حكم المحكّم مضى حكمه كائنا ما كان، ففضّل من فضّله وأسقط من أسقطه، إذا تراضى الخصمان به - فكره الأفلح أن يرضي قوما ويسخط آخرين، فقال لسندة: صفهما أنت لي كيف كانتا إذ غنّتاه واشرح لي مذهبهما فيه كما سمعت، وأنا أحكم بعد ذلك. فقال: سندة أمّا جارية الحبطيين، فإنها كانت تلوك لحنه كما يلوك الفرس العتيق لجامه، ثم تلقيه في هامة لدنة ثم تخرجه من منخر أغنّ، واللّه ما ابتدأته فتوسّطته وأنا أعقل، ولا فرغت منه فأفقت إلا وأنا أظنّ أنّي رأيته في نومي. وأما صفراء العلقميّين، فإنها أحسنهما حلقا، وأصحّهما صوتا، وألينهما تثنّيا، واللّه ما سمعها أحد قطّ فانتفع بنفسه ولا دينه. هذا ما عندي، فاحكم أنت يا أخا بني مخزوم. فقال: قد حكمت بأنهما بمنزلة العينين في الرأس، فبأيّهما نظرت أبصرت، ولو كان في الدنيا من عبيد بن سريج خلف لكانتا. قال: فانصرفوا جميعا راضين بحكمه.
أخبرني الحسين عن حمّاد عن أبيه عن محمد بن سلّام قال: سألت جريرا المدينيّ عن ابن سريج، فقال: أتذكره ويحك باسمه، ولا تقول: سيّد من غنّى وواحد من ترنّم!
قال حمّاد وحدّثني أبي عن هارون بن مسلم عن محمد بن زهير السّعديّ الكوفيّ عن أبي بكر بن عيّاش عن الحسن بن عمرو الفقيميّ قال: دخلت على الشّعبيّ، فبينا أنا عنده في غرفته، إذ سمعت صوت غناء، فقلت: أهذا في جوارك؟ فأشرف بي على منزله، فإذا بغلام كأنه فلقة قمر وهو يتغنّى - قال إسحاق: وهذا الغناء لابن سريج -:
وقمير بدا ابن خمس وعشرين له قالت الفتاتان قوما
قال: فقال لي الشّعبيّ: أتعرف هذا؟ قلت لا. فقال: هذا الذي أوتي الحكم صبيّا، هذا ابن سريج.
وأخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى قال حدّثني أبو أيّوب المدينيّ قال: حدّثني الهشاميّ الربعيّ عن إسحاق الموصليّ قال: تغنّى ابن سريج في شعر لعمر بن أبي ربيعة وهو:
صوت
خانك من تهوى فلا تخنهوكن وفيّا إن سلوت عنه
واسلك سبيل وصله وصنهإن كان غدّارا فلا تكنه
عسى تباريح تجيء منهفيرجع الوصل ولم تشنه
قال المكّيّون: قال ابن سريج: ما تغنّيت بهذا الشعر قطّ إلا طننت أنّي أحلّ محلّ الخليفة.
قال مؤلف هذا الكتاب أبو الفرج الأصفهانيّ: وجدت في هذا الشعر لحنين - أحدهما ثقيل أوّل والآخر رمل - مجهولين جميعا، فلا أدري أيّهما لحنه.
ونسخت من كتاب العتّابيّ: أخبرني عون بن محمد قال حدّثني عبد اللّه بن العباس بن الفضل بن الرّبيع عن جدّه الفضل عن ابن جامع عن سياط عن يونس الكاتب عن مالك بن أبي السّمح قال: سألت ابن سريج عن قول الناس: فلان يصيب وفلان يخطى ء، وفلان يحسن وفلان يسي ء؛ فقال: المصيب المحسن من المغنّين هو الذي يشبع الألحان، ويملأ الأنفاس، ويعدّل الأوزان، ويفخّم الألفاظ، ويعرف الصواب، ويقيم الإعراب، ويستوفي النّغم الطّوال، ويحسّن مقاطيع النّغم القصار، ويصيب أجناس الإيقاع، ويختلس مواقع النّبرات، ويستوفي ما يشاكلها في الضرب من النّقرات. فعرضت ما قال على معبد، فقال: لوجاء في الغناء قرآن ما جاء إلا هكذا.
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثني أحمد بن سعيد الدّمشقيّ قال حدّثني الزّبير بن بكّار عن ظبية: أنّ يزيد بن عبد الملك قال لحبابة يوما: أتعرفين أحدا هو أطرب منّي؟ قالت: نعم، مولاي الذي باعني.
فأمر بإشخاصه فأشخص إليه مقيّدا، وأعلم بحاله فأذن في إدخاله، فمثل بين يديه وحبابة وسلّامة تغنّيان؛ فغنّته سلّامة لحن الغريض في:
تشطّ غدا دار جيراننا
فطرب وتحرّك في أقياده. ثم غنّته حبابة لحن ابن سريج المجرّد في هذا الشعر، فوثب وجعل يحجل في قيده ويقول: هذا وأبيكما ما لا تعذلاني فيه، حتى دنا من الشّمعة فوضع لحيته عليها فاحترقت، وجعل يصيح: الحريق الحريق يا أولاد الزّنا. فضحك يزيد وقال: هذا واللّه أطرب الناس حقّا، ووصله وسرّحه إلى بلده.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا فضل اليزيديّ عن إسحاق: أنّ ابن سريج كان جالسا، فمرّ به عطاء وابن جريح، فحلف عليهما بالطّلاق أن يغنّيهما، على أنهما إن نهياه عن الغناء بعد أن يسمعا منه تركه. فوقفا له وغنّاهما:
إخوتي لا تبعدوا أبداوابلى واللّه قد بعدوا
فغشي على ابن جريج، وقام عطاء فرقص. ونسبة هذا الصوت وخبره يذكر في موضع آخر.
أخبرني الحسن قال حدّثنا الفضل عن إسحاق: أنّ ابن سريج كان عند بستان ابن عامر يغنّي:
لمن نار بأعلى الخيف دون البئر ما تخبو
أرقت لذكر موقعهافحنّ لذكرها القلب
إذا ما أخمدت ألقيعليها المندل الرّطب
فجعل الحاجّ يركب بعضهم بعضا، حتى جاء إنسان من آخر القطرات فقال: يا هذا! قد قطعت على الحاجّ وحبستهم، والوقت قد ضاق، فاتّق اللّه وقم عنهم! فقام وسار الناس.
أخبرني الحسن قال حدّثني محمد بن زكريّا قال حدّثني يزيد بن محمد عن إسحاق الموصليّ: أنّ سليمان بن عبد الملك لمّا حجّ سبّق بين المغنّين بدرة. فجاء ابن سريج وقد أغلق الباب، فلم يأذن له الحاجب، فأمسك حتى سكتوا وغنّى: سرى همّي وهمّ المرء يسري فأمر سليمان بدفع البدرة إليه.
نسبة هذا الصوت
صوت
سرى همّي وهمّ المرء يسريوغاب النّجم إلا قيس فتر
أراقب في المجرّة كلّ نجمتعرّض للمجرّة كيف يجري
لهمّ لا أزال له مديماكأنّ القلب أسعر حرّ جمر
على بكر أخي ولّى حميداوأيّ العيش يصفو بعد بكر
الشعر لعروة بن أذينة، والغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى. وفيه لأبي عبّاد رمل بالوسطى، وذكر الهشاميّ أنّ هذا اللحن لصاحب الحرون.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال: قال ابن مقمّة: دخلت على ابن سريج في مرضه الذي مات فيه، فقلت: كيف أصبحت يا أبا يحيى؟ فقال: أصبحت واللّه كما قال الشاعر:
كأنّي من تذكّر ما ألاقيإذا ما أظلم الليل البهيم
سقيم ملّ منه أقربوهوأسلمه المداوي والحميم
ثم مات.
قال إسحاق: قال ابن مقمّة: لمّا احتضر ابن سريج نظر إلى ابنته تبكي فبكى، وقال: إنّ من أكبر همّي أنت، وأخشى أن تضيعي بعدي. فقالت: لا تخف؛ فما غنّيت شيئا إلا وأنا أغنّيه. فقال: هاتي. فاندفعت تغنّي أصواتا وهو مصغ إليها، فقال: قد أصبت ما في نفسي، وهوّنت عليّ أمرك. ثم دعا سعيد بن مسعود الهذليّ فزوّجه إيّاها؛ فأخذ عنها أكثر غناء أبيها وانتحله؛ فهو الآن ينسب إليه. قال إسحاق: فقال كثير بن كثير السّهمي يرثيه:
ما اللهو بعد عبيد حين يخبرهمن كان يلهو به منه بمطّلب
للّه قبر عبيد ما تضمّن منلذاذة العيش والإحسان والطرب
لولا الغريض ففيه من شمائلهمشابه لم أكن فيها بذي أرب
قال إسحاق: وحدّثني هشام بن المريّة أنّ قادما قدم المدينة فسارّ معبدا بشيء، فقال معبد: أصبحت أحسن الناس غناء. فقلنا: أو لم تكن كذلك؟ فقال: ألا تدرون ما أخبرني به هذا؟ قالوا لا. قال: أعلمني أن عبيد بن سريج مات، ولم أكن أحسن الناس غناء وهو حيّ. وفي ابن سريج يقول عمر بن أبي ربيعة:
صوت
قالت وعيناها تجودانهاصوحبت واللّه لك الرّاعي
يابن سريج لا تذع سرّناقد كنت عندي غير مذياع
غنّى فيه ابن سريج من راوية يونس.
قال أبو أيّوب المديني: توفّي ابن سريج بالعلّة التي أصابته من الجذام بمكة، في خلافة سليمان بن عبد الملك أو في آخر خلافة الوليد، بمكة ودفن في موضع بها يقال له دسم.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال أخبرني هارون بن أبي بكر قال حدّثني إسحاق بن يعقوب العثمانيّ مولى آل عثمان عن أبيه قال: إنّا لبفناء دار عمرو بن عثمان بالأبطح في صبح خامسة من الثّمان - يعني أيام الحجّ - قال: كنت جالسا أيام الحجّ، فما إن دريت إلا برجل على راحلة على رحل جميل وأداة حسنة، معه صاحب له على راحلة قد جنب إليها فرسا وبغلا، فوقفا عليّ وسألاني، فانتسبت لهما عثمانيّا. فنزلا وقالا: رجلان من أهلك لهما حاجة ونحبّ أن تقضيها قبل أن نشده بأمر الحجّ. فقلت ما حاجتكما؟ قالا؟ نريد إنسانا يقفنا على قبر عبيد بن سريج. قال: فنهضت معهما حتى بلغت بهما محلّة بني أبي قارة من خزاعة بمكة، وهم موالي عبيد بن سريج، فالتمست لهما إنسانا يصحبهما حتّى يقفهما على قبره بدسم، فوجدت ابن أبي دباكل فأنهضته معهما. فأخبرني بعد: أنه لمّا وقفهما على قبره نزل أحدهما عن راحلته فحسر عمامته عن وجهه، فإذا هو عبد اللّه بن سعيد بن عبد الملك بن مروان، فعقر ناقته واندفع يندبه بصوت شجيّ كليل حسن ويقول:
وقفنا على قبر بدسم فهاجناوذكّرنا بالعيش إذ هو مصحب
فجالت بأرجاء الجفون سوافحمن الدّمع تستتلي الذي يتعقّب
إذا أبطأت عن ساحة الخدّ ساقهادم بعد دمع إثره يتصبّب
فإن تسعدا نندب عبيدا بعولةوقلّ له منّا البكا والتّحوّب
ثم نزل صاحبه فعقر ناقته، وقال له القرشيّ: خد في صوت أبي يحيى؛ فاندفع يتغنّى:
أسعداني بعبرة أسرابمن دموع كثيرة التّسكاب
إنّ أهل الحصاب قد تركونيمولها مولعا بأهل الحصاب
أهل بيت تتابعوا للمناياما على الموت بعدهم من عتاب
فارقوني وقد علمت يقيناما لمن ذاق ميتة من إياب
كم بذاك الحجون من أهل صدقكهول أعفّة وشباب
سكنوا الجزع جزع بيت أبي موسى إلى النّخل من صفيّ السّباب
فلي الويل بعدهم وعليهمصرت فردا وملّني أصحابي
قال ابن أبي دباكل: فو اللّه ما تمّم صاحبه منها ثلاثا حتى غشي على صاحبه، وأقبل يصلح السّرج على بغلته وهو غير معرّج عليه. فسألته من هو؟ فقال: رجل من جذام. قلت: بمن تعرف؟ قال: بعبد اللّه بن المنتشر.
قال: ولم يزل القرشيّ على حاله ساعة ثم أفاق، ثم جعل الجذاميّ ينضح الماء على وجهه ويقول كالمعاتب له: أنت أبدا مصبوب على نفسك! ومن كلّفك ما ترى! ثم قرّب إليه الفرس، فلمّا علاه استخرج الجذاميّ من خرج على بغل قدحا وإداوة ماء، فجعل في القدح ترابا من تراب قبر ابن سريج وصبّ عليه ماء من الإداوة، ثم قال: هاك فاشرب هذه السّلوة فشرب، ثم فعل هو مثل ذلك، وركب على البغل وأردفني. فخرجا واللّه ما يعرّضان بذكر شيء مما كنا فيه، ولا أرى في وجوههما شيئا مما كنت أرى قبل ذلك. فلمّا اشتمل علينا أبطح مكة قالا: انزل يا خزاعيّ فنزلت. وأومأ الفتى إلى الجذاميّ بكلام، فمدّ يده إليّ وفيها شيء فأخذته، فإذا هو عشرون دينارا، ومضيا. فانصرفت إلى قبره ببعيرين، فاحتملت عليهما أداة الراحلتين اللتين عقراهما فبعتها بثلاثين دينارا.
صوت من المائة المختارة
وهو الثالث من الثلاثة المختارة.
أهاج هواك المنزل المتقادمنعم وبه ممّن شجاك معالم
مضارب أوتاد وأشعث داثرمقيم وسفع في المحلّ جواثم
عروضه من الطّويل. الشعر لنصيب. والغناء في اللّحن المختار لابن محرز ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، وله فيه أيضا هزج بالسّبّابة في مجرى البنصر، وذكر جحظة عن أصحابه أنه هو المختار. وحكى عن أصحابه أنه ليس في الغناء كلّه نغمة إلا وهي في الثلاثة الأصوات المختارة التي ذكرها.
ومن قصيدة نصيب هذا مما يغنّى فيه قوله:
لقد راعني للبين نوح حمامةعلى غصن بان جاوبتها حمائم
هواتف أمّا من بكين فعهدهقديم وأمّا شجوهنّ فدائم
الغناء لابن سريج ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن يونس ويحيى المكّيّ وإسحاق، وأظنّه مع البيتين الأوّلين وأن الجميع لحن واحد، ولكنه تفرّق لصعوبة اللّحن وكثرة ما فيه من العمل. فجعلا صوتين.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع