تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار مجنون بني عامر ونسبه

فيه ٤٤٥ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو - على ما يقوله من صحّح نسبه وحديثه - قيس، وقيل: مهديّ، والصحيح أنه قيس بن الملوّح بن مزاحم بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. ومن الدليل على أنّ اسمه قيس قول ليّلى صاحبته فيه:

ألا ليت شعري والخطوب كثيرةمتى رحل قيس مستقلّ فراجع
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «ألا ليت شعري والخطوب كثيرة»

وأخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال: سمعت من لا أحصي يقول: اسم المجنون قيس بن الملوّح.

وأخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا الرّياشيّ، وأخبرني الجوهريّ عن عمر بن شبّة أنهما سمعا الأصمعيّ يقول - وقد سئل عنه -: لم يكن مجنونا ولكن كانت به لوثة كلوثة أبي حيّة النّميريّ.

وأخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ وأحمد بن عبد العزيز الجوهريّ عن ابن شبّة عن الحزاميّ قال حدّثني أيّوب بن عباية قال: سألت بني عامر بطنا بطنا عن مجنون بني عامر فما وجدت أحدا يعرفه.

وأخبرني عمّي قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ عن ابن دأب قال: قلت لرجل من بني عامر: أتعرف المجنون وتروي من شعره شيئا؟ قال: أو قد فرغنا من شعر العقلاء حتى نروي أشعار المجانين! إنهم لكثير! فقلت: ليس هؤلاء أعني، إنما أعني مجنون بني عامر الشاعر الذي قتله العشق، فقال: هيهات! بنو عامر أغلظ أكبادا من ذاك، إنما يكون هذا في هذه اليمانية الضّعاف قلوبها، السّخيفة عقولها، الصّعلة رؤوسها، فأما نزار فلا.

أخبرني هاشم بن محمد قال حدّثنا الرّياشيّ قال سمعت الأصمعيّ يقول: رجلان ما عرفا في الدنيا قطّ إلا بالاسم: مجنون بني عامر، وابن القرّيّة، وإنما وضعهما الرّواة.

وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد عن الحزاميّ قال: ولم أسمعه من الحزاميّ فكتبته عن ابن أبي سعد قال أحمد: وحدّثنا به ابن أبي سعد عن الحزاميّ قال حدّثنا عبد الجبّار بن سعيد بن سليمان بن نوفل بن مساحق عن أبيه عن جدّه قال: سعيت على بني عامر فرأيت المجنون وأتيت به وأنشدني.

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا أبو سعيد السّكّريّ قال حدّثنا إسماعيل بن مجمّع عن المدائنيّ قال: المجنون المشهور بالشعر عند الناس صاحب ليلى قيس بن معاذ من بني عامر، ثم من بني عقيل، أحد بني نمير بن عامر بن عقيل، قال: ومنهم رجل آخر يقال له: مهديّ بن الملوّح من بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.

وأخبرني عمّي عن الكرانيّ قال حدّثنا ابن أبي سعد عن عليّ بن الصّبّاح عن ابن الكلبيّ قال: حدّثت أن حديث المجنون وشعره وضعه فتى من بني أميّة كان يهوى ابنة عمّ له، وكان يكره أن يظهر ما بينه وبينها، فوضع حديث المجنون وقال الأشعار التي يرويها الناس للمجنون ونسبها إليه.

أخبرني الحسين بن يحيى وأبو الحسن الأسديّ قالا: حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: اسم المجنون قيس بن معاذ أحد بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.

وأخبرني أبو سعد الحسن بن عليّ بن زكريّا العدويّ قال حدّثنا حمّاد بن طالوت بن عبّاد: أنه سأل الأصمعيّ عنه، فقال: لم يكن مجنونا، بل كانت به لوثة أحدثها العشق فيه، كان يهوى امرأة من قومه يقال لها ليلى، واسمه قيس بن معاذ.

وذكر عمرو بن أبي عمرو الشّيبانيّ عن أبيه أن اسمه قيس بن معاذ.

وذكر شعيب بن السّكن عن يونس النّحويّ أن اسمه قيس بن الملوّح، قال أبو عمرو الشّيبانيّ: وحدّثني رجل من أهل اليمن أنه رآه ولقيه وسأله عن اسمه ونسبه، فذكر أنه قيس بن الملوّح.

وذكر هشام بن محمد الكلبيّ أنه قيس بن الملوّح، وحدّث أن أباه مات قبل اختلاطه، فعقر على قبره ناقته وقال في ذلك.

عقرت على قبر الملوّح ناقتيبذي السّرح لما أن جفاه الأقارب
وقلت لها كوني عقيرا فإننيغدا راجل أمشي وبالأمس راكب
فلا يبعدنك اللّه يا بن مزاحمفكلّ بكأس الموت لا شكّ شارب

وذكر إبراهيم بن المنذر الحزاميّ وأبو عبيدة معمر بن المثنّى أنّ اسمه البحتريّ بن الجعد.

وذكر مصعب الزّبيريّ والرّياشيّ وأبو العالية أن اسمه الأقرع بن معاذ. وقال خالد بن كلثوم: اسمه مهديّ ابن الملوّح.

وأخبرني الأخفش عن السّكّريّ عن أبي زياد الكلابيّ، قال: ليلى صاحبة المجنون هي ليلى بنت سعد بن مهديّ بن ربيعة بن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.

أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال حدّثنا أبو قلابة الرّقاشيّ، قال حدّثني عبد الصّمد بن المعذّل، قال: سمعت الأصمعيّ وقد تذاكرنا مجنون بني عامر يقول: لم يكن مجنونا وإنما كانت به لوثة، وهو القائل:

أخذت محاسن كلّ ماضنّت محاسنه بحسنه
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أخذت محاسن كل ما»
كاد الغزال يكونهالو لا الشّوى ونشوز قرنه
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أخذت محاسن كل ما»

وأخبرني عمر بن عبد اللّه بن جميل العتكيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا الأصمعيّ قال: سألت أعرابيا من بني عامر بن صعصعة عن المجنون العامريّ فقال: عن أيّهم تسألني؟ فقد كان فينا جماعة رموا بالجنون، فعن أيّهم تسأل؟ فقلت: عن الذي كان يشبّب بليلى، فقال: كلّهم كان يشبّب بليلى، قلت: فأنشدني لبعضهم، فأنشدني لمزاحم بن الحارث المجنون:

ألا أيّها القلب الذي لجّ هائمابليلى وليدا لم تقطّع تمائمه
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا أيها القلب الذي لج هائما»
أفق قد أفاق العاشقون وقد أنىلك اليوم أن تلقى طبيبا تلائمه
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا أيها القلب الذي لج هائما»
أجدّك لا تنسيك ليلى ملمّةتلمّ ولا عهد يطول تقادمه
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا أيها القلب الذي لج هائما»

قلت: فأنشدني لغيره منهم، فأنشدني لمعاذ بن كليب المجنون:

ألا طالما لاعبت ليلى وقادنيإلى اللّهو قلب للحسان تبوع
وطال امتراء الشّوق عيني كلّمانزفت دموعا تستجدّ دموع
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا طالما لاعيت ليلى وقادني»
فقد طال إمساكي على الكبد التيبها من هوى ليلى الغداة صدوع
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا طالما لاعيت ليلى وقادني»

قلت: فأنشدني لغير هذين ممن ذكرت، فأنشدني لمهديّ بن الملوّح:

لو أنّ لك الدنيا وما عدلت بهسواها وليلى بائن عنك بينها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لو أن لك الدنيا وما عدلت به»
لكنت إلى ليلى فقيرا وإنمايقود إليها ودّ نفسك حينها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لو أن لك الدنيا وما عدلت به»

قلت له: فأنشدني لمن بقي من هؤلاء، فقال: حسبك! فو اللّه إنّ في واحد من هؤلاء لمن يوزن بعقلائكم اليوم.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز قال قال ابن الأعرابيّ: كان معاذ بن كليب مجنونا، وكان يحبّ ليلى، وشركه في حبها مزاحم بن الحارث العقيليّ، فقال مزاحم يوما للمجنون:

كلانا يا معاذ يحبّ ليلىبفيّ وفيك من ليلى التّراب
للشاعر مزاحم العقيلي، اقرأ القصيدة
شركتك في هوى من كان حظّيوحظّك من مودّتها العذاب
للشاعر مزاحم العقيلي، اقرأ القصيدة
لقد خبلت فؤادك ثم ثنّتبقلبي فهو مخبول مصاب
للشاعر مزاحم العقيلي، اقرأ القصيدة

قال فيقال: إنه لما سمع هذه الأبيات التبس وخولط في عقله.

وذكر أبو عمرو الشّيبانيّ: أنه سمع في الليل هاتفا يهتف بهذه الأبيات، فكانت سبب جنونه.

وذكر إبراهيم بن المنذر الحزاميّ عن أيّوب بن عباية: أن فتى من بني مروان كان يهوى امرأة منهم فيقول فيها الشعر وينسبه إلى المجنون، وأنه عمل له أخبارا وأضاف إليها ذلك الشعر، فحمله الناس وزادوا فيه.

وأخبرني عمّي عن الكرانيّ عن العمريّ عن العتبيّ عن عوانة أنه قال: المجنون اسم مستعار لا حقيقة له، وليس له في بني عامر أصل ولا نسب، فسئل من قال هذه الأشعار؟ فقال: فتى من بني أمية.

وقال الجاحظ: ما ترك الناس شعرا مجهول القائل قيل في ليلى إلا نسبوه إلى المجنون، ولا شعرا هذه سبيله قيل في لبنى إلا نسبوه إلى قيس بن ذريح.

وأخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدّثني أبو أيّوب المديني قال حدّثني الحكم بن صالح قال: قيل لرجل من بني عامر: هل تعرفون فيكم المجنون الذي قتله العشق؟ فقال: هذا باطل، إنما يقتل العشق هذه اليمانية الضّعاف القلوب.

أخبرنا أحمد بن عمر بن موسى قال حدّثنا إبراهيم بن المنذر الحزاميّ قال حدّثني أيّوب بن عبابة قال حدّثني من سأل بني عامر بطنا بطنا عن المجنون فما وجد فيهم أحدا يعرفه.

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن ابن الأعرابي أنه ذكر عن جماعة من بني عامر أنهم سئلوا عن المجنون فلم يعرفوه، وذكروا أنّ هذا الشعر كلّه مولّد عليه.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ عن أبيه عن محمد ابن الحكم عن عوانة قال: ثلاثة لم يكونوا قطّ ولا عرفوا: ابن أبي العقب صاحب قصيدة الملاحم، وابن القرّيّة، ومجنون بني عامر.

أخبرني أبو الحسن الأسديّ قال حدّثنا الرّياشيّ قال سمعت الأصمعيّ يقول: الذي ألقي على المجنون من الشعر وأضيف إليه أكثر مما قاله هو.

أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق قال: أنشدت أيّوب بن عباية هذين البيتين

وخبّر تماني أنّ تيماء منزللليلى إذا ما الصّيف ألقى المراسيا
فهذي شهور الصّيف عنّا قد انقضتفما للنّوى ترمي بليلى المراميا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «وخبرتماني أن تيماء منزل»

وسألته عن قائلهما، فقال: جميل، فقلت له: إنّ الناس يروونهما للمجنون، فقال: ومن هو المجنون؟

فأخبرته، فقال: ما لهذا حقيقة ولا سمعت به.

وأخبرني عمّي عن عبد اللّه بن شبيب عن هارون بن موسى الفرويّ قال: سألت أبا بكر العدويّ عن هذين البيتين فقال: هما لجميل، ولم يعرف المجنون، فقلت: فهل معهما غيرهما؟ قال: نعم، وأنشدني:

وإنّي لأخشى أن أموت فجاءةوفي النفس حاجات إليك كما هيا
وإنّي لينسيني لقاؤك كلّمالقيتك يوما أن أبثّك ما بيا
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أتاني عن مروان بالغيب أنه»
وقالوا به داء عياء أصابهوقد علمت نفسي مكان دوائيا
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أتاني عن مروان بالغيب أنه»

وأنا أذكر مما وقع إليّ من أخباره جملا مستحسنة، متبرّئا من العهدة فيها، فإن أكثر أشعاره المذكورة في أخباره ينسبها بعض الرّواة إلى غيره وينسبها من حكيت عنه إليه، وإذا قدّمت هذه الشريطة برئت من عيب طاعن ومتتبّع للعيوب.

أخبرني بخبره في شغفه بليلى جماعة من الرّواة، ونسخت ما لم أسمعه من الروايات وجمعت ذلك في سياقة خبره ما اتّسق ولم يختلف، فإذا اختلف نسبت كلّ رواية إلى راويها.

فممن أخبرني بخبره أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر المهلّبيّ، قالا: حدّثنا عمر بن شبّة عن رجاله وإبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة، ونسخت أخباره من رواية خالد بن كلثوم وأبي عمرو الشّيباني وابن دأب وهشام بن محمد الكلبيّ وإسحاق بن الحصّاص وغيرهم من الرّواة.

قال أبو عمرو الشّيبانيّ وأبو عبيدة: كان المجنون يهوى ليلى بنت مهديّ بن سعد بن مهديّ بن ربيعة ابن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وتكنى أمّ مالك، وهما حينئذ صبيان، فعلق كلّ واحد منهما صاحبه وهما يرعيان مواشي أهلهما، فلم يزالا كذلك حتى كبرا فحجبت عنه، قال: ويدل على ذلك قوله:

صوت

تعلّقت ليلى وهي ذات ذؤابةولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أنناإلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تعلقت ليلى وهي غر صغيرة»

في هذين البيتين للأخضر الجدّيّ لحن من الثّقيل الثاني بالوسطى، ذكره هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات والهشاميّ.

أخبرنا الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن أيّوب بن عباية ونسخت هذا الخبر بعينه من خطّ هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال: حدّثنا عبد اللّه بن عمرو بن أبي سعد قال حدّثنا الحسن بن عليّ قال حدّثني أبو عتّاب البصريّ عن إبراهيم بن محمد الشافعيّ قال: بينا ابن مليكة يؤذّن إذ سمع الأخضر الجدّيّ يغنّي من دار العاص بن وائل:

وعلّقتها غرّاء ذات ذوائبولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أنناإلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تعلقت ليلى وهي غر صغيرة»

قال فأراد أن يقول: حيّ على الصلاة فقال: حيّ على البهم، حتى سمعه أهل مكة فغدا يعتذر إليهم.

وقال ابن الكلبيّ: حدّثني معروف المكيّ والمعلّى بن هلال وإسحاق بن الجصّاص قالوا: كان سبب عشق المجنون ليلى، أنه أقبل ذات يوم على ناقة له كريمة وعليه حلّتان من حلل الملوك، فمرّ بامرأة من قومه يقال لها: كريمة، وعندها جماعة نسوة يتحدّثن فيهنّ ليلى، فأعجبهنّ جماله وكماله، فدعونه إلى النزول والحديث، فنزل وجعل يحدّثهنّ وأمر عبدا له كان معه فعقر لهنّ ناقته، وظلّ يحدّثهنّ بقية يومه، فبينا هو كذلك، إذ طلع عليهم فتى عليه بردة من برد الأعراب يقال له: «منازل يسوق معزى له، فلما رأينه أقبلن عليه وتركن المجنون، فغضب وخرج من عندهنّ وأنشأ يقول:

أأعقر من جرّا كريمة ناقتيووصلي مفروش لوصل منازل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أأعقر من جرا كريمة ناقتي»
إذا جاء قعقعن الحليّ ولم أكنإذا جئت أرضى صوت تلك الخلاخل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أأعقر من جرا كريمة ناقتي»
متى ما انتضلنا بالسّهام نضلتهوإن نرم رشقا عندها فهو ناضلي
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أأعقر من جرا كريمة ناقتي»

قال: فلما أصبح لبس حلّته وركب ناقة له أخرى ومضى متعرّضا لهنّ، فألفى ليلى قاعدة بفناء بيتها وقد علق حبّه بقلبها وهويته، وعندها جويريات يتحدّثن معها، فوقف بهنّ وسلّم، فدعونه إلى النزول وقلن له: هل لك في محادثة من لا يشغله عنك منازل ولا غيره؟ فقال: إي لعمري، فنزل وفعل مثل ما فعله بالأمس، فأرادت أن تعلم، هل لها عنده مثل ماله عندها، فجعلت تعرض عن حديثه ساعة بعد ساعة وتحدّث غيره، وقد كان علق بقلبه مثل حبها إياه وشغفته واستملحها، فبينا هي تحدّثه، إذ أقبل فتى من الحيّ فدعته وسارّته سرارا طويلا، ثم قالت له: انصرف، ونظرت إلى وجه المجنون قد تغيّر وانتقع لونه وشقّ عليه فعلها، فأنشأت تقول:

كلانا مظهر للناس بغضاوكلّ عند صاحبه مكين
للشاعر البحتري، من قصيدة «كلانا مظهر للناس بغضا»
تبلّغنا العيون بما أردناوفي القلبين ثمّ هوى دفين
للشاعر ليلى العامرية، اقرأ القصيدة

فلما سمع البيتين شهق شهقة شديدة وأغمي عليه، فمكث على ذلك ساعة، ونضحوا الماء على وجهه حتى أفاق وتمكّن حبّ كل واحد منهما في قلب صاحبه حتى بلغ منه كلّ مبلغ.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدّثني عبد الرحمن بن إبراهيم عن هشام بن محمد بن موسى المكيّ عن محمد بن سعيد المخزوميّ عن أبي الهيثم العقيليّ قال: لما شهر أمر المجنون وليلى وتناشد الناس شعره فيها، خطبها وبذل لها خمسين ناقة حمراء، وخطبها ورد بن محمد العقيليّ وبذل لها عشرا من الأبل وراعيها، فقال أهلها: نحن مخيّروها بينكما، فمن اختارت تزوّجته، ودخلوا إليها فقالوا: واللّه لئن لم تختاري وردا لنمثّلنّ بك، فقال المجنون:

ألا يا ليل إن ملّكت فيناخيارك فانظري لمن الخيار
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا يا ليل إن ملكت فينا»
ولا تستبدلي منّي دنيّاولا برما إذا حبّ القتار
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا يا ليل إن ملكت فينا»
يهرول في الصغير إذا رآهوتعجزه ملمّات كبار
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا يا ليل إن ملكت فينا»
فمثل تأيّم منه نكاحومثل تموّل منه افتقار
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا يا ليل إن ملكت فينا»

فاختارت وردا فتزوّجته على كره منها.

وأخبرني أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر قالا: حدثنا عمر بن شبّة قال ذكر الهيثم بن عديّ عن عثمان بن عمارة بن حريم المرّي قال: خرجت إلى أرض بني عامر لألقى المجنون، فدللت عليه وعلى محلّته، فلقيت أباه شيخا كبيرا وحوله إخوة للمجنون مع أبيهم رجالا؛ فسألتهم عنه فبكوه، وقال الشيخ: أما واللّه لهو كان آثر عندي من هؤلاء جميعا، وإنه عشق امرأة من قومه واللّه ما كانت تطمع في مثله، فلما فشا أمره وأمرها كره أبوها أن يزوّجه إياها بعد ما ظهر من أمرهما، فزوّجها غيره، وكان أوّل ما كلف بها يجلس إليها في نفر من قومها فيتحدّثون كما يتحدّث الفتيان، وكان أجملهم وأظرفهم وأرواهم لأشعار العرب، فيفيضون في الحديث فيكون أحسنهم فيه إفاضة، فتعرض عنه وتقبل على غيره، وقد وقع له في قلبها مثل ما وقع لها في قلبه، فظنّت به ما هو عليه من حبها، فأقبلت عليه يوما وقد خلت فقالت:

صوت

كلانا مظهر للناس بغضاوكلّ عند صاحبه مكين
للشاعر البحتري، من قصيدة «كلانا مظهر للناس بغضا»
وأسرار الملاحظ ليس تخفيإذا نطقت بما تخفي العيون

غنّت في الأوّل عريب خفيف رمل، وقيل: إنّ هذا الغناء لشارية، والبيت الأخير ليس من شعره - قال: فخرّ مغشيّا عليه ثم أفاق فاقدا عقله، فكان لا يلبس ثوبا إلا خرّقه ولا يمشي إلا عاريا ويلعب بالتراب ويجمع العظام حوله، فإذا ذكرت له ليلى أنشأ يحدّث عنها عاقلا ولا يخطىء حرفا، وترك الصلاة، فإذا قيل له: مالك لا تصلّي! لم يردّ حرفا، وكنا نحبسه ونقيّده، فيعضّ لسانه وشفته، حتى خشينا عليه فخلّينا سبيله فهو يهيم.

قال الهيثم؛ فولّى مروان بن الحكم عمر بن عبد الرحمن بن عوف صدقات بني كعب وقشير وجعدة، والحريش وحبيب وعبد اللّه، فنظر إلى المجنون قبل أن يستحكم جنونه فكلّمه وأنشده فأعجب به، فسأله أن يخرج معه، فأجابه إلى ذلك، فلما أراد الرّواح جاءه قومه فأخبروه خبره وخبر ليلى، وأنّ أهلها استعدوا السلطان عليه، فأهدر دمه إن أتاهم، فأضرب عما وعده وأمر له بقلائص، فلما علم بذلك وأتي بالقلائص ردّها عليه وانصرف.

وذكر أبو نصر أحمد بن حاتم عن جماعة من الرّواة: أنّ المجنون هو الذي سأل عمر بن عبد الرحمن أن يخرج به، قال له: أكون معك في هذا الجمع الذي تجمعه غدا، فأرى في أصحابك، وأتجمل في عشيرتي بك، وأفخر بقربك، فجاءه رهط من رهط ليلى وأخبروه بقصّته، وأنه لا يريد التجمّل به، وإنما يريد أن يدخل عليهم بيوتهم ويفضحهم في امرأة منهم يهواها، وأنهم قد شكوه إلى السلطان فأهدر دمه إن دخل عليهم، فأعرض عما أجابه إليه من أخذه معه وأمر له بقلائص، فردّها وقال في ذلك:

رددت قلائص القرشيّ لمّابدا لي النقض منه للعهود
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وراحوا مقصرين وخلّفونيإلى حزن أعالجه شديد
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة

قال: ورجع آيسا فعاد إلى حاله الأولى، قال: فلم تزل تلك حاله، إلا أنه غير مستوحش، إنما يكون في جنبات الحيّ منفردا عاريا لا يلبس ثوبا إلا خرّقه، ويهذي ويخطّط في الأرض ويلعب بالتراب والحجارة، ولا يجيب أحدا سأله عن شيء، فإذا أحبّوا أن يتكلّم أو يثوب عقله ذكروا له ليلى، فيقول: بأبي هي وأمّي، ثم يرجع إليه عقله فيخاطبونه ويجيبهم، ويأتيه أحداث الحيّ فيحدّثونه عنها وينشدونه الشعر الغزل، فيجيبهم جوابا صحيحا وينشدهم أشعارا قالها، حتى سعى عليهم في السنة الثانية بعد عمر بن عبد الرحمن نوفل بن مساحق، فنزل مجمعا من تلك المجامع فرآه يلعب بالتراب وهو عريان، فقال لغلام له: يا غلام، هات ثوبا، فأتاه به، فقال لبعضهم: خذ هذا الثوب فألقه على ذلك الرجل، فقال له: أتعرفه جعلت فداك؟ قال: لا، قال: هذا ابن سيّد الحيّ، لا واللّه ما يلبس الثياب ولا يزيد على ما تراه يفعله الآن، وإذا طرح عليه شيء خرّقه، ولو كان يلبس ثوبا لكان في مال أبيه ما يكفيه، وحدّثه عن أمره، فدعا به وكلّمه، فجعل لا يعقل شيئا يكلّمه به، فقال له قومه: إن أردت أن يجيبك جوابا صحيحا فاذكر له ليلى، فذكرها له وسأله عن حبّه إياها، فأقبل عليه يحدّثه بحديثها ويشكو إليه حبّه إياها وينشده شعره فيها، فقال له نوفل: الحبّ صيّرك إلىّ ما أرى؟ قال نعم، وسينتهي بي إلى ما هو أشدّ مما ترى، فعجب منه وقال له: أتحبّ أن أزوّجكها؟ قال: نعم، وهل إلى ذلك من سبيل؟ قال: انطلق معي حتى أقدم على أهلها بك وأخطبها عليك وأرغّبهم في المهر لها، قال: أتراك فاعلا؟ قال: نعم، قال: انظر ما تقول! قال: لك عليّ أن أفعل بك ذلك، ودعا له بثياب فألبسه إياها، وراح معه المجنون كأصحّ أصحابه يحدّثه وينشدّه، فبلغ ذلك رهطها فتلقّوه في السلاح، وقالوا له: يابن مساحق لا واللّه لا يدخل المجنون منازلنا أبدا أو يموت، فقد أهدر لنا السلطان دمه، فأقبل بهم وأدبر، فأبوا، فلما رأى ذلك قال للمجنون: انصرف، فقال له المجنون: واللّه ما وفيت لي بالعهد، قال له: انصرافك بعد أن آيسني القوم من إجابتك أصلح من سفك الدماء، فقال المجنون:

صوت

أيا ويح من أمسى تخلّس عقلهفأصبح مذهوبا به كلّ مذهب
خليّا من الخلّان إلا معذّرايضاحكني من كان يهوى تجنّبي

الغناء للحسين بن محرز ثقيل أوّل بالوسطى من جامع أغانيه:

إذا ذكرت ليلى عقلت وراجعتروائع عقلي من هوى متشعّب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا ويح من أمسى يخلس عقله»
وقالوا صحيح ما به طيف جنّةولا الهمّ إلا بافتراء التكذّب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا ويح من أمسى يخلس عقله»
وشاهد وجدي دمع عيني وحبّهابرى اللحم عن أحناء عظمي ومنكبي
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيَا وَيْحَ مَنْ أمسَى يُخَلَّسُ عَقْلُهُ»

صوت

تجنّبت ليلى أن يلجّ بك الهوىوهيهات كان الحبّ قبل التجنّب
للشاعر النميري، اقرأ القصيدة
ألا إنّما غادرت يا أمّ مالكصدى أينما تذهب به الريح يذهب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا ويح من أمسى يخلس عقله»

الغناء لإسحاق خفيف ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، وفيه لابن جامع هزج من رواية الهشاميّ وهي قصيدة طويلة.

ومما يغنّى فيه منها قوله:

صوت

فلم أر ليلى بعد موقف ساعةبخيف منى ترمي جمار المحصّب
ويبدي الحصى منها إذا قذفت بهمن البرد أطراف البنان المخضّب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا ويح من أمسى يخلس عقله»
فأصبحت من ليلى الغداة كناظرمع الصبح في أعقاب نجم مغرّب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا ويح من أمسى يخلس عقله»
ألا إنما غادرت يا أمّ مالكصدى إينما تذهب به الريح يذهب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا ويح من أمسى يخلس عقله»

فيه ثقيل أوّل مطلق باستهلال، ذكر ابن المكيّ أنه لأبيه يحيى، وذكر الهشاميّ أنه للواثق، وذكر حبش أنه

لابن محرز، وهو في جامع أغاني سليمان منسوب إليه.

أنشدني الأخفش عن أبي سعيد السّكّريّ عن محمد بن حبيب للمجنون

فو اللّه ثم اللّه إنّي لدائبأفكّر ما ذنبي إليها وأعجب
وواللّه ما أدري علام قتلتنيوأيّ أموري فيك يا ليل أركب
أأقطع حبل الوصل فالموت دونهأم اشرب رنقا منكم ليس يشرب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «فوالله ثم والله إني لدائب»
أم اهرب حتى لا أرى لي مجاوراأم اصنع ماذا أم أبوح فأغلب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «فوالله ثم والله إني لدائب»
فأيّهما يا ليل ما ترتضينهفإنّي لمظلوم وإنّى لمعتب

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالا: حدّثنا عمر بن شبّة قال: ذكر هشام بن الكلبيّ ووافقه في روايته أبو نصر أحمد بن حاتم وأخبرنا الحسن بن عليّ قال حدّثنا ابن أبي سعد قال حدّثني عليّ ابن الصّبّاح عن هشام ابن الكلبيّ عن أبيه: أن أبا المجنون وأمّه ورجال عشيرته اجتمعوا إلى ليلى فوعظوه وناشدوه اللّه والرحم، وقالوا له: إنّ هذا الرجل لهالك، وقبل ذلك ففي أقبح من الهلاك بذهاب عقله، وإنك فاجع به أباه وأهله، فنشدناك اللّه والرحم أن تفعل ذلك، فو اللّه ما هي أشرف منه، ولا لك مثل مال أبيه، وقد حكّمك في المهر، وإن شئت أن يخلع نفسه إليك من ماله فعل، فأبى وحلف باللّه وبطلاق أمّها إنه لا يزوّجه إيّاها أبدا، وقال: أفضح نفسي وعشيرتي وآتي ما لم يأته أحد من العرب، وأسم ابنتي بميسم فضيحة فانصرفوا عنه، وخالفهم لوقته فزوّجها رجلا من قومها وأدخلها إليه، فما أمسى إلا وقد بنى بها، وبلغه الخبر فأيس منها حينئذ وزال عقله جملة، فقال الحيّ لأبيه: أحجج به إلى مكة وادع اللّه عزّوجلّ له، ومره أن يتعلّق بأستار الكعبة، فيسأل اللّه يعافيه مما به ويبغّضها إليه، فلعل اللّه أن يخلّصه من هذا البلاء، فحجّ به أبوه، فلما صاروا بمنى سمع صائحا في الليل يصيح: يا ليلى، فصرخ صرخة ظنّوا أنّ نفسه قد تلفت وسقط مغشيّا عليه، فلم يزل كذلك حتى أصبح ثم أفاق حائل اللون ذاهلا، فأنشأ يقول:

صوت

عرضت على قلبي العزاء فقال ليمن الآن فاياس لا أعزّك من صبر
إذا بان من تهوى وأصبح نائيافلا شيء أجدى من حلولك في القبر
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منىفهيّج أطراب الفؤاد وما يدري
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى»
دعا باسم ليلى غيرها فكأنّماأطار بليلى طائرا كان في صدري
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى»
دعا باسم ليلى ظلّل اللّه سعيهوليلى بأرض عنه نازحة قفر

الغناء لعريب خفيف ثقيل - ثم قال له أبوه: تعلّق بأستار الكعبة واسأل اللّه أن يعافيك من حبّ ليلى، فتعلّق بأستار الكعبة وقال: اللهم زدني لليلى حبّا وبها كلفا ولا تنسني ذكرها أبدا، فهام حينئذ واختلط فلم يضبط.

قالوا: فكان يهيم في البرّيّة مع الوحش ولا يأكل إلا ما ينبت في البرّيّة من بقل ولا يشرب إلا مع الظباء إذا وردت مناهلها، وطال شعر جسده ورأسه والفته الظباء والوحوش فكانت لا تنفر منه، وجعل يهيم حتى يبلغ حدود الشأم، فإذا ثاب إليه عقله سأل من يمرّ به من أحياء العرب عن نجد، فيقال له: وأين أنت من نجد! قد شارفت الشأم! أنت في موضع كذا، فيقول: فأروني وجهة الطريق، فيرحمونه ويعرضون عليه أن يحملوه أن يكسوه فيأبي، فيدلّونه على طريق نجد فيتوجّه نحوه.

أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ وأخبرنا حبيب بن نصر المهلّبيّ وأحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال ذكر الهيثم بن عديّ عن أبي مسكين قال: خرج منّا فتى حتى إذا كان ببئر ميمون إذا جماعة فوق بعض تلك الجبال، وإذا معهم فتى أبيض طوال جعد كأحسن من رأيت من الرجال على هزال منه وصفرة، وإذا هم متعلّقون به، فسألت عنه، فقيل لي: هذا قيس المجنون خرج به أبوه يستجير له بالبيت، وهو على أن يأتي به قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم ليدعو له هناك لعلّه يكشف ما به، فإنه يصنع بنفسه صنيعا يرحمه منه عدوّه، يقول: أخرجوني لعلّني أتنسّم صبا نجد، فيخرجونه فيتوجهون به نحو نجد، ونحن مع ذلك نخاف أن يلقي نفسه من الجبل، فإن شئت الأجر دنوت منه فأخبرته أنك أقبلت من نجد، فدنوت منه وأقبلوا عليه فقالوا له: يا أبا المهديّ، هذا الفتى أقبل من نجد، فتنفّس تنفّسة ظننت أن كبده قد انصدعت، ثم جعل يسألني عن واد واد وموضع موضع، وأنا أخبره وهو يبكي أحرّ بكاء وأوجعه للقلب، ثم أنشأ يقول:

ألا ليت شعري عن عوارضتي قنالطول الليالي هل تغيّرتا بعدي
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وهل جارتانا بالبتيل إلى الحمىعلى عهدنا أم لم تدوما على العهد
وعن علويّات الرياح إذا جرتبريح الخزامى هل تهبّ على نجد
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وعن أقحوان الرمل ما هو فاعلإذا هو أسرى ليلة بثرى جعد
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وهل أنفضنّ الدهر أفنان لمّتىعلى لاحق المتنين مندلق الوخد
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وهل أسمعنّ الدهر أصوات هجمةتحدّر من نشز خصيب إلى وهد

أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ والعتبيّ قالا: مر المجنون بزوج ليلى وهو جالس يضطلي في يوم شات، وقد أتى ابن عمّ له في حيّ المجنون لحاجة، فوقف عليه ثم أنشأ يقول:

صوت

بربّك هل ضممت إليك ليلىقبيل الصبح أو قبّلت فاها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «بربك هل ضممت إليك ليلى»
وهل رفّت عليك قرون ليلىرفيف الأقحوانة في نداها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «بربك هل ضممت إليك ليلى»

فقال: اللهم إذ حلّفتني فنعم، قال: فقبض المجنون بكلتا يديه قبضتين من الجمر، فما فارقهما حتى سقط مغشيّا عليه، وسقط الجمر مع لحم راحتيه، وعضّ على شفته فقطعها، فقام زوج ليلى مغموما بفعله متعجّبا منه فمضى.

غنى في البيتين المذكورين في هذا الخبر الحسين بن محرز، ولحنه رمل بالوسطى عن الهشاميّ.

مروره بجبلي نعمان ومكثه فيهما إلى هبوب الصبا وما قاله في ذلك من الشعر أخبرني أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالا: حدّثنا عمر بن شبّة قال قال محمد بن الحكم عن عوانة: إنه حدّثه ووافقه ابن نصر وابن حبيب قالوا: إنّ أهل المجنون خرجوا به معهم إلى وادي القرى قبل توحشه ليمتاروا خوفا عليه من أن يضيع أو يهلك، فمرّوا في طريقهم بجبلي نعمان، فقال له بعض فتيان الحيّ: هذان جبلا نعمان، وقد كانت ليلى تنزل بهما، قال: فأيّ الرياح يأتي من ناحيتهما؟ قالوا: الصّبا، قال: فو اللّه لا أريم هذا الموضع حتى تهبّ الصبا، فأقام ومضوا فامتاروا لأنفسهم، ثم أتو عليه فأقاموا معه ثلاثة أيام حتى هبّت الصّبا، ثم انطلق معهم فانشأ يقول:

صوت

أيا جبلي نعمان باللّه خلّياسبيل الصّبا يخلص إلي نسيمها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا جبلي نعمان بالله خليا»
أجد بردها أو تشف منّي حرارةعلى كبد لم يبق إلا صميمها
للشاعر أسماء المرية، من قصيدة «أيا جبلي نعمان بالله خليا»
فإنّ الصّبا ريح إذا ما تنسّمتعلى نفس محزون تجلّت همومها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا حبذا يوم يقر به الصبا»

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن الحسين بن الحرون قال حدّثني الكسرويّ عن جماعة من الرواة قال: لما منع أبو ليلى المجنون وعشيرته من تزويجه بها، كان لا يزال يغشى بيوتهم ويهجم عليهم، فشكوه إلى السلطان فأهدر دمه لهم، فأخبروه بذلك فلم يرعه وقال: الموت أروح لي فليتهم قتلوني، فلمّا علموا بذلك وعرفوا أنه لا يزال يطلب غرّة منهم حتى إذا تفرّقوا دخل دورهم، فارتحلوا عنها وأبعدوا، وجاء المجنون عشية فأشرف على دورهم فإذا هي منهم بلاقع، فقصد منزل ليلى الذي كان بيتها فيه، فألصق صدره به وجعل يمرّغ خدّيه على ترابه ويبكي، ثم أنشأ يقول، - وذكر هذه الأبيات ابن حبيب وأبو نصر له بغير خبر -:

أيا حرجات الحيّ حيث تحمّلوابذي سلم لا جادكنّ ربيع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «سأصرم لبنى هبل وصلك مجملا»
وخيماتك اللاتي بمنعرج اللّوىبلين بلّى لم تبلّنّ ربوع
للشاعر أسامة بن منقذ، من قصيدة «كعهدك بانات الحمى فوق كثبها»
ندمت على ما كان منّي ندامةكما يندم المغبون حين يبيع
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا حرجات الحي حين تحملوا»
فقدتك من نفس شعاع فإنّنينهيتك عن هذا وأنت جميع
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «سقى منزلينا يا بثين بحاجر»
فقرّبت لي غير القريب وأشرفتإليك ثنايا ما لهنّ طلوع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «لعمرك إني يوم جرعاء مالك»

وذكر خالد بن جميل وخالد بن كلثوم في أخبارهما التي صنعاها أن ليلى وعدته قبل أن يختلط أن تستزيره ليلة إذا وجدت فرصة لذلك، فمكث مدّة يراسلها في الوفاء وهي تعده وتسوّفه، فأتى أهلها ذات يوم والحيّ خلوف، فجلس إلى نسوة من أهلها حجرة منها بحيث تسمع كلامه، فحادثهنّ طويلا ثم قال: ألا أنشدكنّ أبياتا أحدثها في هذه الأيام؟ قلن: بلى، فأنشدهنّ:

صوت

يا للرّجال لهم بات يعرونيمستطرف وقديم كاد يبليني
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا للرجال لهم بات يعروني»
من عاذري من غريم غير ذي عسريأبى فيمطلني ديني ويلويني
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا للرجال لهم بات يعروني»
لا يبعد النقد من حقّي فينكرهولا يحدّثني أن سوف يقضيني
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا للرجال لهم بات يعروني»
وما كشكرى شكر لو يوافقنيولا مناي سواه لو يوافيني
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا للرجال لهم بات يعروني»
أطعته وعصيت الناس كلّهمفي أمره وهواه وهو يعصيني
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا للرجال لهم بات يعروني»

قال: فقلن له: ما أنصفك هذا الغريم الذي ذكرته! وجعلن يتضاحكن وهو يبكي، فاستحيت ليلى منهنّ ورقّت له حتى بكت، وقامت فدخلت بيتها وانصرف هو.

- في الثلاثة الأبيات الأولى من هذه الأبيات هزج طنبوريّ للمسدود - قالا في خبرهما هذا: وكان للمجنون ابنا عمّ يأتيانه فيحدّثانه ويسلّيانه ويؤانسانه، فوقف عليهما يوما وهما جالسان، فقالا له: يا أبا المهديّ ألا تجلس؟

قال: لا، بل أمضي إلى منزل ليلى فاترسّمه وأرى آثارها فيه، فأشفي بعض ما في صدري بها، فقالا له: فنحن معك، فقال: إذا فعلتما أكرمتما وأحسنتما، فقاما معه حتى أتى دار ليلى، فوقف بها طويلا يتتبّع آثارها ويبكي ويقف في موضع موضع منها ويبكي ثم قال:

صوت

يا صاحبيّ ألمّا بي بمنزلةقد مرّ حين عليها إيّما حين
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا صاحبي ألما بي بمنزلة»
إني أرى رجعات الحبّ تقتلنيوكان في بدئها ما كان يكفيني
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا صاحبي ألما بي بمنزلة»
لا خير في الحبّ ليست فيه قارعةكأنّ صاحبها في نزع موتون
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا صاحبي ألما بي بمنزلة»
إن قال عذّاله مهلا فلان لهمقال الهوى غير هذا القول يعنيني
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا صاحبي ألما بي بمنزلة»
ألقى من اليأس تارات فتقتلنيوللرجاء بشاشات فتحييني
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا صاحبي ألما بي بمنزلة»

الغناء لإبراهيم خفيف ثقيل من جامع غنائه وقال هشام بن الكلبيّ عن أبي مسكين: إن جماعة من بني عامر حدّثوه قالوا: كان رجل من بني عامر

ابن عقيل يقال له: قيس بن معاذ، وكان يدعى المجنون، وكان صاحب غزل ومجالسة للنساء، فخرج على ناقة له يسير، فمرّ بامرأة من بني عقيل يقال لها: كريمة، وكانت جميلة عاقلة، معها نسوة فعرفنه ودعونه إلى النزول والحديث، وعليه حلّتان له فاخرتان وطيلسان وقلنسوة، فنزل فظلّ يحدّثهنّ وينشدهنّ وهنّ أعجب شيء به فيما يرى، فلمّا أعجبه ذلك منهنّ عقر لهنّ ناقته، وقمّن إليها فجعلن يشوين ويأكلن إلى أن أمسى، فأقبل غلام شابّ حسن الوجه من حيّهن فجلس إليهنّ، فأقبلن عليه بوجوههنّ يقلن له: كيف ظللت يا منازل اليوم؟ فلما رأى ذلك من فعلهنّ غضب، فقام وتركهنّ وهو يقول:

أأعقر من جرّا كريمة ناقتيووصلي مفروش لوصل منازل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أأعقر من جرا كريمة ناقتي»
إذا جاء قعقعن الحليّ ولم أكنإذا جئت أرضى صوت تلك الخلاخل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أأعقر من جرا كريمة ناقتي»

قال: فقال له الفتى: هلمّ نتصارع أو نتناضل، فقال له: إن شئت ذلك فقم إلى حيث لا تراهنّ ولا يرينك، ثم ما شئت فافعل، وقال:

إذا ما انتضلنا في الخلاء نضلتهوإن يرم رشقا عندها فهو ناضلي

وقال ابن الكلبيّ في هذا الخبر: فلما أصبح لبس حلّته وركب ناقته ومضى متعرّضا لهنّ، فألفى ليلى جالسة بفناء بيتها، وكانت معهنّ يومئذ جالسة، وقد علق بقلبها وهويته، وعندها جويريات يحدّثنها، فوقف بهنّ وسلّم، فدعونه إلى النزول وقلن له: هل لك في محادثة من لا يشغله عنك منازل ولا غيره؟ قال: إي لعمري، فنزل وفعل فعلته بالأمس، فأرادت أن تعلم هل لها عنده مثل ما له عندها، فجعلت تعرض عن حديثه ساعة بعد ساعة وتحدّث غيره، وقد كان علق حبّها بقلبه وشغفه واستملحها، فبينا هي تحدّثه إذ أقبل فتى من الحيّ فدعته فسارّته سرارا طويلا ثم قالت له انصرف، فانصرف، ونظرت إلى وجه المجنون قد تغيّر وامتقع وشقّ عليه ما فعلت، فأنشأت تقول:

كلانا مظهر للناس بغضاوكل عند صاحبه مكين
للشاعر البحتري، من قصيدة «كلانا مظهر للناس بغضا»
تبلّغنا العيون مقالتيناوفي القلبين ثمّ هوى دفين

قد نسبت هذا الشعر متقدّما فلما سمع هذين البيتين شهق شهقة عظيمة وأغمي عليه فمكث كذلك ساعة، ونضحوا الماء على وجهه حتى أفاق، وتمكّن حبّ كلّ واحد منهما في قلب صاحبه وبلغ منه كل مبلغ.

حدثني عمّي عن عبد اللّه بن أبي سعد عن إبراهيم بن محمد بن إسماعيل القرشي قال حدثنا أبو العالية عن أبي ثمامة الجعدي قال: لا يعرف فينا مجنون إلا قيس بن الملوّح.

قال: وحدّثني بعض العشيرة قال: قلت لقيس بن الملوّح قبل أن يخالط: ما أعجب شيء أصابك في وجدك بليلى؟ قال: طرقنا ذات ليلة أضياف ولم يكن عندنا لهم أدم، فبعثني أبي منزل أبي ليلى وقال لي: اطلب لنا منه أدما، فأتيته فوقفت على خبائه فصحت به، فقال: ما تشاء؟ فقلت: طرقنا ضيفان ولا أدم عندنا لهم فأرسلني أبي نطلب منك أدما، فقال: يا ليلى، أخرجي إليه ذلك النّحي، فاملئي له إناءه من السمن، فأخرجته ومعي قعب، فجعلت تصبّ السمن فيه ونتحدّث، فألهانا الحديث وهي تصبّ السمن وقد امتلأ القعب ولا نعلم جميعا، وهو يسيل استنقعت أرجلنا في السمن، قال: فأتيتهم ليلة ثانية أطلب نارا، وأنا متلفّع ببرد لي، فأخرجت لي نارا في عطبة فأعطتنيها ووقفنا نتحدّث، فلمّا احترقت العطبة خرقت من بردي خرقة وجعلت النار فيها، فكلما احترقت خرقت أخرى وأذكيت بها النار حتى لم يبق عليّ من البرد إلا ما وارى عورتي، وما أعقل ما أصنع، وأنشدني:

أمستقبلي نفح الصّبا ثم شائقيببرد ثنايا أمّ حسّان شائق
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لعمرك إن البيت بالقبل الذي»
كأنّ على أنيابها الخمر شجّهابماء الندى من آخر الليل عاتق
وما شمته إلا بعيني تفرّسّاكما شيم في أعلى السّحابة بارق

ومن الناس من يروي هذه الأبيات لنصيب، ولكن هكذا روي في هذا الخبر.

أخبرنا محمد بن خلف وكيع عن عبد الملك بن محمد الرّقاشيّ عن عبد الصّمد بن المعذّل قال: سمعت الأصمعيّ يقول - وقد تذاكرنا مجنون بني عامر - قال: هو قيس ابن معاذ العقيليّ، ثم قال: لم يكن مجنونا إنما كانت به لوثة، وهو القائل:

أخذت محاسن كلّ ماضنّت محاسنه بحسنه
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أخذت محاسن كل ما»
كاد الغزال يكونهالو لا الشّوى ونشوز قرنه
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أخذت محاسن كل ما»

قال: وهو القائل:

صوت

ولم أر ليلى بعد موقف ساعةبخيف منى ترمي جمار المحصّب
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «تجنبت ليلى حين لج بك الهوى»
ويبدي الحصى منها إذا قذفت بهمن البرد أطراف البنان المخصّب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا ويح من أمسى يخلس عقله»
فأصبحت من ليلى الغداة كناظرمع الصبح في أعقاب نجم مغرّب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا ويح من أمسى يخلس عقله»
ألا إنّما غادرت يا أمّ مالكصدى إينما تذهب به الريح يذهب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا ويح من أمسى يخلس عقله»

في هذه الأبيات لحن من الثقيل الأوّل، ابتداؤه نشيد من صنعة الواثق وهو المشهور. وذكره ابن المكيّ لأبيه يحيى. وهو في جامع غناء سليم بن سلام له. وذكره حبش في موضعين من كتابه فنسبه في طريقه الثقيل الأوّل في أحدهما إلى ابن محرز، والآخر إلى يحيى المكيّ. وزعم الهشاميّ أن فيه لسليم بن سلام لحنا آخر من الثقيل الأوّل.

أخبرنا الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن عبد الجبّار الصّوفيّ قال حدّثني إبراهيم بن سعد الزّهريّ قال: أتاني رجل من عذرة لحاجة، فجرى ذكر العشق والعشّاق، فقلت له: أنتم أرقّ قلوبا أم بنو عامر؟ قال: إنّا لأرقّ الناس قلوبا، ولكن غلبتنا بنو عامر بمجنونها.

أخبرني أحمد بن عمر بن موسى بن زكويه القطّان إجازة قال حدّثنا إبراهيم بن المنذر الحراميّ قال أخبرني عبد الجبار بن سليمان بن نوفل بن مساحق عن أبيه عن جدّه قال: أنا رأيت مجنون بني عامر، وكان جميل الوجه أبيض اللون قد علاه شحوب، واستنشدته فأنشدني قصيدته التي يقول فيها:

تذكّرت ليلى والسّنين الخوالياوأيام لا أعدي على اللّهو عاديا

أخبرني محمد بن الحسن الكندي خطيب مسجد القادسية قال حدّثنا الرّياشيّ قال: سمعت أبا عثمان المازنيّ يقول: سمعت معاذا وبشر بن المفضّل جميعا ينشدان هذين البيتين وينسبانهما لمجنون بني عامر:

طمعت بليلى أن تريع وإنّماتقطّع أعناق الرجال المطامع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «عفا سرف من أهله فسراوع»
وداينت ليلى في خلاء ولم يكنشهود على ليلى عدول مقانع
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «طمعت بليلى أن تريع وإنما»

وحدّثني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب عن ابن سلّام قال: قضى عبيد اللّه الحسن بن الحصين بن أبي الحرّ العنبريّ على رجل من قومه قضيّة أوجبها الحكم عليه، وظنّ العنبريّ أنه تحامل عليه وانصرف مغضبا، ثم لقيه في طريق، فأخذ بلجام بغلته وكان شديدا أيّدا، ثم قال له: إيه يا عبيد اللّه!

طمعت بليلى أن تريع وإنّماتقطّع أعناق الرجل المطامع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «عفا سرف من أهله فسراوع»

فقال عبيد اللّه:

وبايعت ليلى في خلاء ولم يكنشهود عدول عند ليلى مقانع

خلّ عن البغلة. قال الصّوليّ في خبره هذا: والبيتان للبعيث هكذا، قال: فلا أدري أمن قوله هو أم حكاية عن أبي خليفة!.

أخبرنا محمد بن القاسم الأنباريّ عن عبد اللّه بن خلف الدلّال قال حدّثنا زكريا بن موسى عن شعيب بن السّكن عن يونس النحويّ قال: لما اختلط عقل قيس بن الملوّح وترك الطعام والشراب، مضت أمّه إلى ليلى فقالت لها: إنّ قيسا قد ذهب حبّك بعقله، وترك الطعام والشراب، فلو جئته وقتا لرجوت أن يثوب إليه بعض عقله، فقالت ليلى: أمّا نهارا فلا لأنّني لا آمن قومي على نفسي ولكن ليلا، فأتته ليلا فقالت له: يا قيس، إنّ أمّك تزعم أنك جننت من أجلي وتركت المطعم والمشرب، فاتق اللّه وأبق على نفسك، فبكى وأنشأ يقول:

قالت جننت على أيش فقلت لهاالحبّ أعظم ممّا بالمجانين
الحبّ ليس يفيق الدهر صاحبهوإنما يصرع المجنون في الحين
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «قالت جننت على رأسي فقلت لها»

قال: فبكت معه، وتحدّثا حتى كاد الصبح أن يسفر، ثم ودعته وانصرفت، فكان آخر عهده بها.

أخبرنا ابن المرزبان قال قال القحذميّ: لمّا قال المجنون:

قضاها لغيري وابتلاني بحبّهافهلّا بشيء غير ليلى ابتلانيا
للشاعر خليل مردم بك، من قصيدة «قفا عللا قبل التفرق عانيا»

سلب عقله. الغناء لحكم ثقيل أوّل، وقيل إنه لابن الهربذ. وفيه لمتيّم خفيف ثقيل أوّل من جامع أغانيها. وحدّثني جحظة بهذا الخبر عن ميمون بن هارون أنه بلغه أنه لما قال هذا البيت برص.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن طاهر القرشيّ عن ابن عائشة قال: إنما سميّ المجنون بقوله:

ما بال قلبك يا مجنون قد خلعافي حبّ من لا ترى في نيله طمعا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ما بال قلبك يا مجنون قد خلعا»
الحبّ والودّ نيطا بالفؤاد لهافأصبحا في فؤادي ثابتين معا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ما بال قلبك يا مجنون قد خلعا»

حدّثنا وكيع عن ابن يونس قال قال الأصمعيّ: لم يكن المجنون، إنما جنّنه العشق، وأنشد له: يسمّونني

المجنون حين يروننينعم بي من ليلى الغداة جنون
ليالي يزهى بي شباب وشرّةوإذ بي من خفض المعيشة لين
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «مضى زمن والناس لا يأمنونني»

أخبرني محمد بن المرزبان عن إسحاق بن محمد بن أبان قال حدّثني عليّ بن سهل عن المدائنيّ: أنه ذكر عنده مجنون بني عامر فقال: لم يكن مجنونا، وإنما قيل له المجنون بقوله:

وإنّي لمجنون بليلى موكّلولست عزوفا عن هواها ولا جلدا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وإني لمجنون بليلى موكل»
إذا ذكرت ليلى بكيت صبابةلتذكارها حتى يبلّ البكا الخدّا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وإني لمجنون بليلى موكل»

أخبرني عمر بن جميل العتكيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا عون بن عبد اللّه العامريّ أنه قال: ما كان واللّه المجنون الذي تعزونه إلينا مجنونا، إنما كانت به لوثة وسهو أحدثهما به حبّ ليلى، وأنشد له:

وبي من هوى ليلى الذي لو أبثّهجماعة أعدائي بكت لي عيونها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وتحسب ليلى أنني إن هجرتها»
أرى النفس عن ليلى أبت أن تطيعنيفقد جنّ من وجدي بليلى جنونها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وتحسب ليلى أنني إن هجرتها»

أخبرني ابن المرزبان قال قال العتبيّ: إنما سميّ المجنون بقوله:

يقول أناس علّ مجنون عامريروم سلوّا قلت أنّى لما بيا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وقد لا مني في حبّ ليلى أقاربيأخي وابن عمّي وابن خالي وخاليا
يقولون ليلى أهل بيت عداوةبنفسي ليلى من عدوّ وماليا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
ولو كان في ليلى شذا من خصومةللوّيت أعناق المطيّ الملاويا

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ عن عيسى بن إسماعيل قال قال ابن سلّام: لو حلفت أن مجنون بني عامر لم يكن مجنونا لصدقت، ولكن تولّه لما زوّجت ليلى وأيقن اليأس منها، ألم تسمع إلى قوله: أيا ويح من

أمسى تخلّس عقلهفأصبح مذهوبا به كلّ مذهب
خليعا من الخلّان إلا مجاملايساعدني من كان يهوى تجنّبي
إذا ذكرت ليلى عقلت وراجعتعوازب قلبي من هوى متشعّب

أخبرني به الحسن بن علي عن دينار بن عامر التغلبيّ عن مسعود بن سعد عن ابن سلّام ونحوه.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أنشدني صالح بن سعيد قال أنشدني يعقوب بن السّكّيت للمجنون.

يسمونني المجنون حين يروننينعم بي من ليلى الغداة جنون
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «مضى زمن والناس لا يأمنونني»

قال: وأنشدنا له أيضا:

صوت

وشغلت عن فهم الحديث سوىما كان فيك فإنه شغلي
وأديم لحظ محدّثي ليرىأن قد فهمت وعندكم عقلي

أخبرني ابن المرزبان عن محمد بن الحسن دينار الأحول عن عليّ بن المغيرة الأثرم عن أبي عبيدة: أنّ صاحبة مجنون بني عامر التي كلف بها ليلى بنت مهديّ بن سعد بن مهديّ بن ربيعة بن الحريش، وكنيتها أمّ مالك، وقد ذكر هذه الكنية المجنون في شعره فقال:

تكاد بلاد اللّه يا أمّ مالكبما رحبت يوما عليّ تضيق

وقال أيضا:

فإنّ الذي أمّلت من أمّ مالكأشاب قذالي واستهام فؤاديا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تذكرت ليلى والسنين الخواليا»
خليليّ إن دارت على أمّ مالكصروف اللّيالي فابغيا لي ناعيا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تذكرت ليلى والسنين الخواليا»

وقال أبو عمرو الشيبانيّ: علق المجنون ليلى بنت مهديّ بن سعد من بني الحريش، وكنيتها أمّ مالك، فشهر بها وعرف خبره فحجبت عنه، فشقّ ذلك عليه فخطبها إلى أبيها فردّه وأبى أن يزوّجه إياها، فاشتدّ به الأمر حتى جنّ وقيل له: «مجنون بني عامر»، فكان على حاله يجلس في نادي قومه فلا يفهم ما يحدّث به ولا يعقله إلا إذا ذكرت ليلى. وأنشد له أبو عمرو:

صوت

ألا ما لليلى لا ترى عند مضجعيبليل ولا يجري بذلك طائر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
بلى إنّ عجم الطير تجري إذا جرتبليلى ولكن ليس للطير زاجر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
أزالت عن العهد الذي كان بيننابذي الأثل أم قد غيّرتها المقادر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
فو اللّه ما في القرب لي منك راحةولا البعد يسليني ولا أنا صابر
وواللّه ما أدري بأيّة حيلةوأيّ مرام أو خطار أخاطر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وتا للّه إنّ الدهر في ذات بينناعليّ لها في كلّ حال لجائر
فلو كنت إذ أزمعت هجري تركتنيجميع القوى والعقل منّي وافر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
ولكنّ أيامي بحقل عنيزةوبالرّضم أيام جناها التّجاور
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وقد أصبح الودّ الذي كان بينناأمانيّ نفس والمؤمّل حائر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
لعمري لقد رنّقت يا أمّ مالكحياتي وساقتني إليك المقادر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة

قال أبو عمرو: وأخبرني بعض الشاميين قال: دخلت أرض بني عامر، فسألت عن المجنون الذي قتله الحبّ، فخبّروني عنه أنه كان عاشقا لجارية منهم يقال لها ليلى، ربا معها ثم حجبت عنه، فاشتدّ ذلك عليه وذهب عقله، فأتاه إخوان من إخوانه يلومونه على ما يصنع بنفسه، فقال:

صوت

يا صاحبيّ ألمّا بي بمنزلةقد مرّ حين عليها أيّما حين
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا صاحبي ألما بي بمنزلة»
في كل منزلة ديوان معرفةلم يبق باقية ذكر الدواوين
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا صاحبي ألما بي بمنزلة»
إني أرى رجعات الحبّ تقتلنيوكان في بدئها ما كان يكفيني
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا صاحبي ألما بي بمنزلة»

الغناء لا بن جامع خفيف ثقيل.

أخبرني هاشم الخزاعيّ عن العباس بن الفرج الرّياشيّ قال: ذكر العتبيّ عن أبيه قال: كان المجنون في بدء أمره يرى ليلى ويألفها ويأنس بها ثم غيّبت عن ناظره، فكان أهله يعزّونه عنها ويقولون: نزوّجك أنفس جارية في عشيرتك، فيأبى إلا ليلى ويهذي بها ويذكرها فكان ربّما استراح إلى أمانيّهم وركن إلى قولهم، وكان ربما هاج عليه الحزن والهمّ فلا يملك ممّا هو فيه أن يهيم على وجهه، وذلك قبل أن يتوحّش مع البهائم في القفار، فكان قومه يلومونه ويعذلونه، فأكثروا عليه في الملامة والعذل يوما فقال:

صوت

ياللرّجال لهمّ بت يعرونيمستطرف وقديم كان يعنيني
على غريم مليء غير ذي عدميأبى فيمطلني ديني ويلويني
لا يذكر البعض من ديني فينكرهولا يحدّثني أن سوف يقضيني
وما كشكري شكر لو يوافقنيولا منى كمناه إذ يمنّيني
أطعته وعصيت الناس كلّهمفي أمره ثم يأبى فهو يعصيني
خيري لمن يبتغي خيري ويأملهمن دون شرّي وشرّي غير مأمون
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا للرجال لهم بات يعروني»
وما أشارك في رأيي أخا ضعفولا أقول أخي من لا يواتيني
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا للرجال لهم بات يعروني»

في هذه الأبيات هزج طنبوريّ للمسدود من جامعه.

وقال أبو عمرو الشّيبانيّ: حدّثني رباح العامريّ قال: كان المجنون أوّل ما علق ليلى كثير الذّكر لها والإتيان بالليل إليها، والعرب ترى ذلك غير منكر أن يتحدّث الفتيان إلى الفتيات، فلما علم أهلها بعشقه لها منعوه من إتيانها وتقدّموا إليه، فذهب لذلك عقله ويئس منه قومه واعتنوا بأمره، واجتمعوا إليه ولاموه وعذلوه على ما يصنع بنفسه، وقالوا: واللّه ما هي لك بهذه الحال، فلو تناسيتها رجونا أن تسلو قليلا، فقال لمّا سمع مقالتهم وقد غلب عليه البكاء:

صوت

فواكبدا من حب من لا يحبّنيومن زفرات ما لهنّ فناء
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «فواكبدا من حب من لا يحبني»
أريتك إن لم أعطك الحبّ عن يدولم يك عندي إذ أبيت إباء
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «فواكبدا من حب من لا يحبني»
أتاركتي للموت أنت فميّتوما للنفوس الخائفات بقاء

ثم أقبل على القوم فقال: إنّ الذي بي ليس بهيّن، فأقلّوا من ملامكم فلست بسامع فيها ولا مطيع لقول قائل.

أخبرني عمّي ومحمد بن حبيب وابن المرزبان عن عبد اللّه بن أبي سعد عن عبد العزيز صالح عن أبيه عن ابن دأب عن رباح بن حبيب العامريّ: أنه سأله عن حال المجنون وليلى، فقال: كانت ليلى من بني الحريش وهي بنت مهديّ بن سعيد بن مهديّ بن ربيعة بن الحريش، وكانت من أجمل النساء وأظرفهنّ وأحسنهنّ جسما وعقلا وأفضلهنّ أدبا وأملحهن شكلا، وكان المجنون كلفا بمحادثة النساء صبّا بهنّ، فبلغه خبرها ونعتت له، فصبا إليها وعزم على زيارتها، فتأهب لذلك ولبس أفضل ثيابه ورجّل جمّته ومسّ طيبا كان عنده، وارتحل ناقة له كريمة برحل حسن وتقلّد سيفه وأتاها، فسلّم فردّت عليه السّلام وتحفّت في المسئلة، وجلس إليها فحادثته وحادثها فأكثرا، وكلّ واحد منهما مقبل على صاحبه معجب به، فلم يزالا كذلك حتى أمسيا، فانصرف إلى أهله فبات بأطول ليلة شوقا إليها، حتى إذا أصبح عاد إليها فلم يزل عندها حتى أمسى، ثم انصرف إلى أهله فبات بأطول من ليلته الأولى واجتهد أن يغمض فلم يقدر على ذلك، فانشأ يقول:

نهاري نهار الناس حتى إذا بدالي الليل هزّتني إليك المضاجع
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أقمت على رمان يوما وليلة»
أقضّي نهاري بالحديث وبالمنىويجمعني والهمّ بالليل جامع
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أقمت على رمان يوما وليلة»
لقد ثبتت في القلب منك محبّةكما ثبتت في الراحتين الأصابع
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «نهاري نهار الناس حتى إذا بدا»

- عروضه من الطويل، والغناء لإبراهيم الموصليّ رمل بالوسطى عن عمرو - قال: وأدام زيارتها وترك من يأتيه فيتحدّث إليه غيرها، وكان يأتيها في كلّ يوم فلا يزال عندها نهاره أجمع حتى إذا أمسى انصرف، فخرج ذات يوم يريد زيارتها فلما قرب من منزلها لقيته جارية عسراء فتطير منها، وأنشأ يقول:

وكيف يرجّى وصل ليلى وقد جرىبجدّ القوى والوصل أعسر حاسر
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وكيف يرجى وصل ليلى وقد جرى»
صديع العصا صعب المرام إذا انتحىلوصل امرىء جدّت عليه الأواصر
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وكيف يرجى وصل ليلى وقد جرى»

ثم سار إليها في غد فحدّثها بقصته وطيرته ممن لقيه، وأنه يخاف تغيّر عهدها وانتكاثه وبكى، فقالت: لا ترع، حاش للّه من تغيّر عهدي، لا يكون واللّه ذلك أبدا إن شاء اللّه، فلم يزل عندها يحادثها بقية يومه، ووقع له في قلبها مثل ما وقع لها في قلبه، فجاءها يوما كما كان يجيء، وأقبل يحدّثها فأعرضت عنه، وأقبلت على غيره بحديثها، تريد بذلك محنته وأن تعلم ما في قلبه، فلما رأى ذلك جزع جزعا شديدا حتى بان في وجهه وعرف فيه، فلما خافت عليه أقبلت عليه كالمسرّة إليه فقالت:

كلانا مظهر للناس بغضاوكلّ عند صاحبه مكين
للشاعر البحتري، من قصيدة «كلانا مظهر للناس بغضا»

فسرّيّ عنه وعلم ما في قلبها، فقالت له: إنما أردت أن أمتحنك والذي لك عندي أكثر من الذي لي عندك، وأعطي اللّه عهدا إن جالست بعد يومي هذا رجلا سواك حتى أذوق الموت إلا أن أكره على ذلك، قال: فانصرفت عنه وهو من أشدّ الناس سرورا وأقرّهم عينا، وقال:

أظنّ هواها تاركي بمضلّةمن الأرض لا مال لديّ ولا أهل
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أظن هواها تاركي بمضلة»
ولا أحد أفضي إليه وصيّتيولا صاحب إلا المطيّة والرّحل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أظن هواها تاركي بمضلة»
محاحبّها حبّ الألى كنّ قبلهاوحلّت مكانا لم يكن حلّ من قبل

أخبرني جعفر بن قدامة عن أبي العيناء عن العتبيّ قال: لما حجبت ليلى عن المجنون خطبها جماعة فلم يرضهم أهلها، وخطبها رجل من ثقيف موسر فزوّجوه وأخفوا ذلك عن المجنون ثم نمي إليه طرف منه لم يتحقّقه، فقال:

دعوت إلهي دعوة ما جهلتهاوربّي بما تخفي الصدور بصير
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «دعوت إلهي دعوة ما جهلتها»
لئن كنت تهدي برد أنيابها العلالأفقر منّي إنّني لفقير
فقد شاعت الأخبار أن قد تزوّجتفهل يأتينّي بالطلاق بشير
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «دعوت إلهي دعوة ما جهلتها»

وقال أيضا:

ألا تلك ليلى العامريّة أصبحتتقطّع إلا من ثقيف حبالها
هم حبسوها محبس البدن وابتغىبها المال أقوام ألا قلّ مالها
إذا التفتت والعيس صعر من البرىبنخلة جلّت عبرة العين حالها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا إن ليلى العامرية أصبحت»

قال: وجعل يمرّ بيتها فلا يسأل عنها ولا يلتفت إليه، ويقول إذا جاوزه:

صوت

ألا أيّها البيت الذي لا أزورهوإن حلّه شخص إليّ حبيب
هجرتك إشفاقا وزرتك خائفاوفيك عليّ الدهر منك رقيب
سأستعتب الأيام فيك لعلّهابيوم سرور في الزمان تؤوب

الغناء لعريب ثاني ثقيل بالوسطى. قال: وبلغه أن أهلها يريدون نقلها إلى الثّقفيّ فقال:

صوت

كأنّ القلب ليلة قيل يغدىبليلى العامريّة أو يراح
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «كأن القلب ليلة قيل يغدى»
قطاة عزّها شرك فباتتتجاذبه وقد علق الجناح
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «كأن القلب ليلة قيل يغدى»

- عروضه من الوافر. الغناء لابن المكيّ خفيف ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها عن إسحاق، وفيه خفيف ثقيل آخر لسليمان مطلق في مجرى البنصر، وفيه لإبراهيم رمل بالوسطى في مجراها عن الهشاميّ - قال: فلما نقلت ليلى إلى الثّقفيّ قال.

طربت وشاقتك الحمول الدّوافعغداة دعا بالبين أسفع نازع
شحا فاه نعبا بالفراق كأنهحريب سليب نازح الدار جازع
فقلت ألا قد بيّن الأمر فانصرففقد راعنا بالبين قبلك رائع
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «طربت وهاجتك الديار البلاقع»
سقيت سموما من غراب فإنّنيتبيّنت ما خبّرت مذ أنت واقع
ألم تر أنّي لا محبّ ألومهولا ببديل بعدهم أنا قانع
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «طربت وهاجتك الديار البلاقع»
ألم تر دار الحيّ في رونق الضحىبحيث انحنت للهضبتين الأجارع وقد
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «طربت وهاجتك الديار البلاقع»
يتناءى الإلف من بعد ألفةويصدع ما بين الخليطين صادع
وكم من هوى أو جيرة قد ألفتهمزمانا فلم يمنعهم البين مانع
كأنّي غداة البين ميّت جوبةأخو ظمإ سدّت عليه المشارع
تخلّس من أوشال ماء صبابةفلا الشّرب مبذول ولا هو ناقع
وبيض تطلّى بالعبير كأنهانعاج الملا جيبت عليها البراقع
تحملّن من وادي الأراك فأومضتلهنّ بأطراف العيون المدامع
فما رمن ربع الدار حتى تشابهتهجائنها والجون منها الخواضع
وحتى حلمن الحور من كلّ جانبوخاضت سدول الرّقم منها الأكارع
فلما استوت تحت الخدور وقد جرىعبير ومسك بالعرانين رادع
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «طربت وهاجتك الديار البلاقع»
أشرن بأن حثّوا الجمال فقد بدامن الصيف يوم لافح الحرّ ماتع
فلّما لحقنا بالحمول تباشرتبنا مقصرات غاب عنها المطامع
يعرّضن بالدّلّ المليح وإن يردجناهنّ مشغوف فهنّ موانع
فقلت لأصحابي ودمعي مسبلوقد صدع الشمل المشتّت صادع
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «طربت وهاجتك الديار البلاقع»
أليلى بأبواب الخدور تعرّضتلعيني أم قرن من الشمس طالع
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «طربت وهاجتك الديار البلاقع»

أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق قال حدّثنا الهيثم بن فراس قال حدّثني العمريّ عن الهيثم بن عديّ: أنّ أبا المجنون حجّ به ليدعو اللّه عزّوجلّ في الموقف أن يعافيه، فسار ومعه ابن عمه زياد بن كعب بن مزاحم، فمرّ بحمامة تدعو على أيكة فوقف يبكي، فقال له زياد: أيّ شيء هذا؟ ما يبكيك أيضا؟ سر بنا نلحق الرّفقة، فقال:

أأن هتفت يوما بواد حمامةبكيت ولم يعذرك بالجهل عاذر
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أإن هتفت يوما بواد حمامة»
دعت ساق حرّ بعد ما علت الضّحىفهاج لك الأحزان أن ناح طائر
تغنّي الضّحى والصّبح في مرجحنةكثاف الأعالي تحتها الماء حائر
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أإن هتفت يوما بواد حمامة»
كأن لم يكن بالغيل أو بطن أيكةأو الجزع من تول الأشاءة حاضر
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أإن هتفت يوما بواد حمامة»
يقول زياد إذ رأى الحيّ هجّرواأرى الحيّ قد ساروا فهل أنت سائر
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أإن هتفت يوما بواد حمامة»
وإنّي وإن غال التقادم حاجتيملم على أوطان ليلى فناظر
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أإن هتفت يوما بواد حمامة»

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر عن الزّبير عن محمد بن عبد اللّه البكري عن موسى بن جعفر بن أبي كثير وأخبرني عمي عن عبد اللّه بن شبيب عن هارون بن موسى الفرويّ عن موسى بن جعفر بن أبي كثير وأخبرني ابن المرزبان عن ابن الهيثم عن العمريّ عن العتبيّ قالوا جميعا: كان المجنون وليلى وهما صبيّان يرعيان غنما لأهلها عند جبل في بلادهما يقال له التّوباد، فلما ذهب عقله وتوحّش، كان يجيء إلى ذلك الجبل فيقيم به، فإذا تذكر أيام كان يطيف هو وليلى به جزع جزعا شديدا واستوحش فهام على وجهه حتى يأتى نواحي الشأم، فإذا ثاب إليه عقله رأى بلدا لا يعرفه فيقول للناس الذين يلقاهم: بأبي أنتم، أين التّوباد من أرض بني عامر؟ فيقال له: وأين أنت من أرض بني عامر! أنت بالشأم عليك بنجم كذا فأمّه، فيمضي على وجهه نحو ذلك النجم حى يقع بأرض اليمن، فيرى بلادا ينكرها وقوما لا يعرفهم فيسألهم عن التّوباد وأرض بني عامر، فيقولون: وأين أنت من أرض بني عامر! عليك بنجم كذا وكذا، فلا يزال كذلك حتى يقع على التّوباد، فإذا رآه قال في ذلك:

وأجهشت للتّوباد حين رأيتهوكبّر للرحمن حين رآني
وأذريت دمع العين لمّا عرفتهونادى بأعلى صوته فدعاني
فقلت له قد كان حولك جيرةوعهدي بذاك الصّرم منذ زمان
فقال مضوا واستودعوني بلادهمومن ذا الذي يبقى على الحدثان
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وأجهشت للتوباد حين رأيته»
وإني لأبكي اليوم من حذري غدافراقك والحيّان مجتمعان
سجالا وتهتانا ووبلا وديمةوسحّا وتسجاما إلى هملان
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وأجهشت للتوباد حين رأيته»

أخبرني عمّي عن عبد اللّه بن شبيب عن هارون بن موسى الفرويّ عن موسى بن جعفر بن أبي كثير قال: لما قال المجنون:

خليليّ لا واللّه لا أملك الذيقضى اللّه في ليلى ولا ما قضى ليا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تذكرت ليلى والسنين الخواليا»
قضاها لغيري وابتلاني بحبّهافهلّا بشيء غير ليلى ابتلانيا
للشاعر خليل مردم بك، من قصيدة «قفا عللا قبل التفرق عانيا»

سلب عقله.

وحدّثني جحظة عن ميمون بن هارون عن إسحاق الموصليّ أنه لما قالهما برص.

قال موسى بن جعفر في خبره المذكور: وكان المجنون يسير مع أصحابه فسمع صائحا يصيح: يا ليلى في ليلة ظلماء أو توهّم ذلك، فقال لبعض من معه: أما تسمع هذا الصوت؟ فقال: ما سمعت شيئا، قال: بلى، واللّه هاتف يهتف بليلى، ثم أنشأ يقول:

أقول لأدنى صاحبيّ كليمةأسرّت من الأقصى أجب ذا المناديا
إذا سرت في الأرض الفضاء رأيتنيأصانع رحلي أن يميل حياليا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
يمينا إذا كانت يمينا وإن تكنشمالا ينازعني الهوى عن شماليا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي بالزرق الرسوم الخواليا»

وقال ابن شبيب وحدّثني هارون بن موسى قال: قلت لغرير بن طلحة المخزوميّ: من أشعر الناس ممن قال شعرا في منى ومكة وعرفات؟ فقال: أصحابنا القرشيّون، ولقد أحسن المجنون حيث يقول:

وداع دعا إذ نحن بالخيف من منىفهيّج أحزان الفؤاد وما يدري
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى»
دعا باسم ليلى غيرها فكأنماأطار بليلى طائرا كان في صدري
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى»

فقلت له: هل تروي للمجنون غير هذا؟ قال: نعم، وأنشدني له:

أما والذي أرسى ثبيرا مكانهعليه السّحاب فوقه يتنصّب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أما والذي أرسى ثبيرا مكانه»
وما سلك الموماة من كلّ جسرةطليح كجفن السّيف تهوي فتركب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أما والذي أرسى ثبيرا مكانه»
لقد عشت من ليلى زمانا أحبّهاأخا الموت إذ بعض المحبين يكذب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أما والذي أرسى ثبيرا مكانه»

أخبرني محمد بن مزيد عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كانت كنية ليلى أمّ عمرو، وأنشد للمجنون:

صوت

أبى القلب إلا حبّه عامريّةلها كنية عمرو وليس لها عمرو
تكاد يدي تندى إذا ما لمستهاوينبت في أطرافها الورق الخضر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة

الغناء لعريب ثقيل أوّل، وقال حبش: فيه لإسحاق خفيف ثقيل.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ عن دماذ عن أبي عبيدة قال: خطب ليلى صاحبة المجنون جماعة من قومها فكرهتهم، فخطبها رجل من ثقيف موسر فرضيته، وكان جميلا فتزوّجها وخرج بها، فقال المجنون في ذلك:

ألا إنّ ليلى كالمنيحة أصبحتتقطّع إلا من ثقيف حبالها
فقد حبسوها محبس البدن وابتغىبها الريح أقوام تساحت مالها
للشاعر مزاحم العقيلي، اقرأ القصيدة
خليليّ هل من حيلة تعلمانهايدنّي لنا تكليم ليلى احتيالها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا إن ليلى العامرية أصبحت»
فإن أنتما لم تعلماها فلستمابأول باغ حاجة لا ينالها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا إن ليلى العامرية أصبحت»
كأنّ مع الركب الذين اغتدوا بهاغمامة صيف زعزعتها شمالها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا إن ليلى العامرية أصبحت»
نظرت بمفضى سيل جوشن إذ غدواتخبّ بأطراف المخارم آلها
بشافية الأحزان هيّج شوقهامجامعة الألّاف ثم زيالها
إذا التفتت من خلفها وهي تعتليبها العيس جلّى عبرة العين حالها

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال أنشدني أحمد بن يحيى ثعلب عن أبي نصر أحمد بن حاتم قال: وأنشدناه المبرّد للمجنون فقال:

صوت

وأحبس عنك النفس والنفس صبّةبذكراك والممشى أليك قريب
للشاعر عروة بن حزام، من قصيدة «وأحبس عنك النفس والنفس صبة»
مخافة أن تسعى الوشاة بظنّةوأحرسكم أن يستريب مريب
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
فقد جعلت نفسي - وأنت اجترمتهوكنت أعزّ الناس - عنك تطيب
فلو شئت لم أغضب عليك ولم يزللك الدهر منّي ما حييت نصيب
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
أما والذي يبلو السرائر كلّهاويعلم ما تبدي به وتغيب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لَئن كَثُرَتْ رُقَّابُ لَيْلَى فَطالَمَا»
لقد كنت ممن تصطفي النفس خلّةلها دون خلّان الصّفاء حجوب
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة

ذكر يحيى المكّيّ أنه لابن سريح ثقيل أوّل، وقال الهشاميّ: إنه من منحول يحيى إليه.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الحسن بن محمد بن طالب الدّيناري قال حدّثني إسحاق الموصليّ، وأخبرني به محمد بن مزيد والحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال حدّثني سعيد بن سليمان عن أبي الحسن الببّغاء قال: بينا أنا وصديق لي من قريش نمشي بالبلاط ليلا، إذا بظلّ نسوة في القمر، فسمعت إحداهنّ تقول: أهو هو؟ فقالت لها أخرى معها: أي واللّه إنه لهو هو! فدنت منّي ثم قالت: يا كهل، قل لهذا الذي معك:

ليست لياليك في خاخ بعائدةكما عهدت ولا أيام ذي سلم

فقلت: أجب فقد سمعت، فقال: قد واللّه قطع بي وأرتج عليّ فأجب عنّي، فقلت:

فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبةإذا وطّنت يوما لها النفس ذلّت
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي هذا ربع عزة فاعقلا»

ثم مضينا حتى إذا كنا بمفرق طريقين مضى الفتى إلى منزله ومضيت إلى منزلي، فإذا أنا بجويرية تجذب ردائي فالتفتّ، فقالت لي: المرأة التي كلمتها تدعوك، فمضيت معها حتى دخلت دارا واسعة ثم صرت إلى بيت فيه حصير، وقد ثنت لي وسادة فجلست عليها، ثم جاءت جارية بوسادة مثنية فطرحتها، ثم جاءت المرأة فجلست حصير، وقد ثنت لي وسادة فجلست عليها، ثم جاءت جارية بوسادة مثنية فطرحتها، ثم جاءت المرأة فجلست عليها، فقالت لي: أنت المجيب؟ قلت: نعم، قالت: ما كان أفظّ لجوابك وأغلظه! فقلت لها: ما حضرني غيره، فسكتت، ثم قالت: لا، واللّه ما خلق اللّه خلقا أحبّ إليّ من إنسان كان معك! فقلت لها: أنا الضامن لك عنه ما تحبّين، فقالت: هيهات أن يقع بذلك وفاء، فقلت: أنا الضامن وعليّ أن آتيك به في الليلة القابلة فانصرفت، فإذا الفتى ببابي، فقلت: ما جاء بك؟ قال: ظننت أنها سترسل إليك وسألت عنك فلم أعرف لك خبرا، فظننت أنك عندها، فجلست أنتظرك، فقلت له: وقد كان الذي ظننت، وقد وعدتها أن آتيك فأمضي بك إليها في الليلة المقبلة، فلما أصبحنا تهيأنا وانتظرنا المساء، فلما جاء الليل رحلنا إليها، فإذا الجارية منتظرة لنا، فمضت أمامنا حين رأتنا حتى دخلت تلك الدار ودخلنا معها، فإذا رائحة طيبة ومجلس قد أعدّ ونضّد، فجلسنا على وسائد قد ثنيت لنا، وجلست مليا ثم أقبلت عليه فعاتبته مليّا ثم قالت:

صوت

وأنت الذي أخلفتني ما وعدتنيوأشمتّ بي من كان فيك يلوم
للشاعر أميمة امرأة ابن الدمينة، اقرأ القصيدة
وأبرزتني للناس ثم تركتنيلهم غرضا أرمى وأنت سليم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وأنت التي كلفتني دلج السرى»
فلو كان قول يكلم الجلد قد بدابجلدي من قول الوشاة كلوم

هذه الأبيات لأميمة امرأة ابن الدّمينة، وفيها غناء لإبراهيم الموصليّ ذكره إسحاق ولم يجنّسه. وقال الهشاميّ: هو خفيف رمل. وفيه لعريب خفيف ثقيل أوّل ينسب إلى حكم الوادي وإلى يعقوب. قال: ثم سكتت وسكت الفتى هنيهة ثم قال:

غدرت ولم أغدر وخنت ولم أخنوفي بعض هذا للمحبّ عزاء
جزيتك ضعف الودّ ثم صرمتنيفحّبك من قلبي إليك أداء

فالتفتت إليّ فقالت: ألا تسمع ما يقول! قد خبرتك، فغمزته أن كفّ فكفّ، ثم أقبلت عليه وقالت:

صوت

تجاهلت وصلي حين جدّت عمايتيفهلا صرمت الحبل إذ أنا أبصر
ولي من قوى الحبل الذي قد قطعتهنصيب وإذ رأيي جميع موفّر
ولكنما آذنت بالصّرم بغتةولست على مثل الذي جئت أقدر

- الغناء لإبراهيم ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو - فقال:

لقد جعلت نفسي - وأنت اجترمتهوكنت أعزّ الناس - عنك تطيب

قال: فبكت، ثم قالت: أو قد طابت نفسك! لا، واللّه ما فيك بعدها خير، ثم التفتت إليّ وقالت: قد علمت أنك لا تفي بضمانك ولا يفي به عنك. وهذا البيت الأخير للمجنون، وإنما ذكر هذا الخبر هنا وليس من أخبار المجنون لذكره فيه.

رجع الخبر إلى سياقة أخبار المجنون

أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ عن العمري عن الهيثم بن عديّ أن رهط المجنون اجتازوا في نجعة لهم بحيّ ليلى، وقد جمعتهم نجعة فرأى أبيات أهل ليلى ولم يقدم على الإلمام بهم وعدل أهله إلى جهة أخرى، فقال المجنون:

لعمرك إنّ البيت بالقبل الذيمررت ولم ألمم عليه لشائق
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لعمرك إن البيت بالقبل الذي»
وبالجزع من أعلى الجنيبة منزلشجا حزن صدري به متضايق
كأني إذا لم ألق ليلى معلّقبسبّين أهفوا بين سهل وحالق
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لعمرك إن البيت بالقبل الذي»
على أنني لو شئت هاجت صبابتيعليّ رسوم عيّ فيها التّناطق
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لعمرك إن البيت بالقبل الذي»
لعمرك إن الحبّ يا أمّ مالكبقلبي براني اللّه منه للاصق
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لعمرك إن البيت بالقبل الذي»
يضمّ عليّ الليل أطراف حبّكمكما ضمّ أطراف القميص البنائق
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لعمرك إن البيت بالقبل الذي»

صوت

وماذا عسى الواشون أن يتحدّثواسوى أن يقولوا إنني لك عاشق
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «دخلت على ابن الشهرزوري ليلة»
نعم صدق الواشون إنت حبيبةإليّ وإن لم تصف منك الخلائق
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «دخلت على ابن الشهرزوري ليلة»

الغناء لمتيّم ثقيل أوّل من جامعها. وفيه لدعامة رمل عن حبش.

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني أحمد بن الطّيّب قال قال ابن الكلبيّ: دخلت ليلى على جارة لها من عقيل وفي يدها مسواك تستاك به، فتنفّست ثم قالت: سقى اللّه من أهدى لي هذا المسواك؛ فقالت لها جارتها: من هو؟ قالت: قيس بن الملوّح، وبكت ثم نزعت ثيابها تغتسل؛ فقالت: ويحه! لقد علق منّى ما أهلكه من غير أن أستحقّ ذلك، فنشدتك اللّه، أصدق في صفتي أم كذب؟ فقالت: لا واللّه، بل صدق؛ قال: وبلغ المجنون قولها فبكى ثم أنشأ يقول:

نبئت ليلى وقد كنّا نبخّلهاقالت سقى المزن غيثا منزلا خربا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وحبّذا راكب كنّا نهشّ بهيهدي لنا من أراك الموسم القضبا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
قالت لجارتها يوما تسائلهالمّا استحمّت وألقت عندها السّلبا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
يا عمرك اللّه ألّا قلت صادقةأصدقت صفة المجنون أم كذبا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة

ويروى: «نشدتك اللّه» ويروى: أصادقا وصف المجنون أم كذبا».

وقال أبو نصر في أخباره: لما زوّجت ليلى بالرجل الثقفيّ سمع المجنون رجلا من قومها يقول لآخر: أنت ممن يشيّع ليلى؟ قال: ومتى تخرج؟ قال: غدا، ضحوة أو الليلة، فبكى المجنون ثم قال:

صوت

كأنّ القلب ليلة قيل يغدىبليلى العامريّة أو يراح
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «كأن القلب ليلة قيل يغدى»
قطاة عزّها شرك فباتتتجاذبه وقد علق الجناح
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «كأن القلب ليلة قيل يغدى»

الغناء ليحيى المكيّ خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو، وفيه رمل ينسب إلى إبراهيم وإلى أحمد بن يحيى المكيّ؛ وقال حبش: فيه خفيف ثقيل بالوسطى لسليم.

وقال الهيثم بن عديّ في خبره. حدّثني عبد اللّه بن عيّاش الهمدانيّ قال حدّثني رجل من بني عامر قال: مطرنا مطرا شديدا في ربيع ارتبعناه، ودام المطر ثلاثا ثم أصبحنا في اليوم الرابع على صحو وخرج الناس يمشون على الوادي، فرأيت رجلا جالسا حجرة وحده فقصدته، فإذا هو المجنون جالس وحده يبكي فوعظته وكلّمته طويلا وهو ساكت لم يرفع رأسه إليّ، ثم أنشدني بصوت حزين لا أنساه أبدا وحرقته.

صوت

جرى السّيل فاستبكاني السيل إذ جرىوفاضت له من مقلتيّ غروب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لا أيها البيت الذي لا أزوره»
وما ذاك إلا حين أيقنت أنهيكون بواد أنت فيه قريب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لا أيها البيت الذي لا أزوره»
يكون أجاجا دونكم فإذا انتهىإليكم تلقّى طيبكم فيطيب
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «جرى السيل فاستبكاني السيل إذ جرى»
أظلّ غريب الدار في أرض عامرألا كلّ مهجور هناك غريب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لا أيها البيت الذي لا أزوره»
وإن الكثيب الفرد من أيمن الحمىإليّ وإن لم آته لحبيب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لا أيها البيت الذي لا أزوره»
فلا خير في الدنيا إذا أنت لم تزرحبيبا ولم يطرب إليك حبيب
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أمنك أميم الدار غيرها البلى»

وأوّل هذه القصيدة - وفيه أيضا غناء -:

صوت

ألا أيّها البيت الذي لا أزورهوهجرانه منّى إليه ذنوب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ومستوحش لم يمس في دار غربة»
هجرتك مشتاقا وزرتك خائفاوفيك عليّ الدهر منك رقيب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لا أيها البيت الذي لا أزوره»
سأستعطف الأيام فيك لعلّهابيوم سرور في هواك تثيب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لا أيها البيت الذي لا أزوره»

هذه الأبيات في شعر محمد بن أميّة مروية، ورويت ها هنا للمجنون في هذه القصيدة. وفيها لعريب ثقيل أوّل. ولعبد اللّه بن العباس ثاني ثقيل. ولأحمد بن المكيّ خفيف ثقيل:

وأفردت إفراد الطريد وباعدتإلى النفس حاجات وهنّ قريب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لا أيها البيت الذي لا أزوره»
لئن حال يأس دون ليلى لربّماأتى اليأس دون الأمر فهو عصيب
ومنّيتني حتى إذا ما رأيتنيعلى شرف للناظرين يريب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لا أيها البيت الذي لا أزوره»
صددت وأشمتّ العدوّ بصرمناأثابك يا ليلى الجزاء مثيب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لا أيها البيت الذي لا أزوره»

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا محمد بن زكريا الغلّابيّ قال حدّثنا مهديّ بن سابق قال حدّثنا بعض مشايخ بني عامر أن المجنون مرّ في توحّشه فصادف حيّ ليلى راحلا ولقيها فجأة فعرفها وعرفته فصعق وخرّ مغشيّا على وجهه، وأقبل فتيان من حيّ ليلى فأخذوه ومسحوا التراب عن وجهه، وأسندوه إلى صدورهم وسألوا ليلى أن تقف له وقفة، فرقّت لما رأته به، وقالت: أمّا هذا فلا يجوز أن أفتضح به، ولكن يا فلانة - لأمة لها - اذهبي إلى قيس فقولي له: ليلى تقرأ عليك السلام، وتقول لك: أعزز عليّ بما أنت فيه، ولو وجدت سبيلا إلى شفاء دائك لوقيتك بنفسي منه، فمضت الوليدة إليه وأخبرته بقولها، فأفاق وجلس وقال: أبلغيها السلام وقولي لها هيهات! إنّ دائي ودوائي أنت، وإنّ حياتي ووفاتي لفي يديك، ولقد وكّلت بي شقاء لازما وبلاء طويلا. ثم بكى وأنشأ يقول:

أقول لأصحابي هي الشمس ضوءهاقريب ولكن في تناولها بعد
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
لقد عارضتنا الريح منها بنفحةعلى كبدي من طيب أرواحها برد
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
فما زلت مغشيّا عليّ وقد مضتأناة وما عندي جواب ولا ردّ
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
أقلّب بالأيدي وأهلي بعولةيفدّونني لو يستطيعون أن يفدوا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
ولم يبق إلا الجلد والعظم عارياولا عظم لي إن دام ما بي ولا جلد
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
أدنياي مالي في انقطاعي وغربتيإليك ثواب منك دين ولا نقد
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
عديني - بنفسي أنت - وعدا فربّماجلا كربة المكروب عن قلبه الوعد
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وقد يبتلى قوم ولا كبلّيتيولا مثل جدّي في الشقاء بكم جدّ
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
غزتني جنود الحبّ من كلّ جانبإذا حان من جند قفول أتى جند
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة

وقال أبو نصر أحمد بن حاتم: كان أبو عمرو المدنيّ يقول قال نوفل بن مساحق: أخبرت عن المجنون أن سبب توحّشه أنه كان يوما بضريّة جالسا وحده إذ ناداه مناد من الجبل:

كلانا يا أخيّ يحبّ ليلىبفيّ وفيك من ليلى التراب
لقد خبلت فؤادك ثم ثنّتبقلبي فهو مهموم مصاب
شركتك في هوى من ليس تبديلنا الأيام منه سوى اجتناب

قال: فتنفّس الصّعداء وغشي عليه، وكان هذا سبب توحّشه فلم ير له أثر حتى وجده نوفل بن مساحق.

قال نوفل: قدمت البادية فسألت عنه، فقيل لي: توحّش وما لنا به عهد ولا ندري إلى أين صار، فخرجت يوما أتصيّد الأروى، ومعي جماعة من أصحابي، حتى إذا كنت بناحية الحمى إذا نحن بأراكة عظيمة قد بدا منها قطيع من الظباء، فيها شخص إنسان يرى من خلل تلك الأراكة، فعجب أصحابي من ذلك، فعرفته وأتيته وعرفت أنه المجنون الذي أخبرت عنه، فنزلت عن دابتي وتخفّفت من ثيابي وخرجت أمشي رويدا حتى أتيت الأراكة فارتقيت حتى صرت على أعلاها وأشرفت عليه وعلى الظباء؛ فإذا به وقد تدلّى الشعر على وجهه، فلم أكد أعرفه إلا بتأمّل شديد، وهو يرتعي في ثمر تلك الأراكة، فرفع رأسه فتمثّلت ببيت من شعره:

أتبكي على ليلى ونفسك باعدتمزارك من ليلى وشعباكما معا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أتبكي على ليلى ونفسك باعدت»

قال: فنفرت الظباء، واندفع في باقي القصيدة ينشدها، فما أنسى حسن نغمته وحسن صوته وهو يقول:

فما حسن أن تأتي الأمر طائعاوتجزع أن داعي الصبابة أسمعا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «حننت إلى ريا ونفسك باعدت»
بكت عيني اليسرى فلما زجرتهاعن الجهل بعد الحلم اسبلتا معا
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «ما وجد علوي الهوى جن واجتوى»
وأذكر أيام الحمى ثم أنثنيعلى كبدي من خشية أن تصدّعا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «حننت إلى ريا ونفسك باعدت»
فليست عشيّات الحمى برواجععليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «حننت إلى ريا ونفسك باعدت»
معي كلّ غرّ قد عصى عاذلاتهبوصل الغواني من لدن أن ترعرعا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أتبكي على ليلى ونفسك باعدت»
إذا راح يمشي في الرداءين أسرعتإليه العيون الناظرات التطلّعا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أتبكي على ليلى ونفسك باعدت»

قال: ثم سقط مغشيا عليه، فتمثّلت بقوله:

يا دار ليلى بسقط الحيّ قد درستإلا الثّمام وإلا موقد النّار
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا دار ليلى بسقط الحي قد درست»
ما تفتأ الدهر من ليلى تموت كذافي موقف وقفته أو على دار
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا دار ليلى بسقط الحي قد درست»
أبلى عظامك بعد اللحم ذكركهاكما ينحّت قدح الشّوحط الباري
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا دار ليلى بسقط الحي قد درست»

فرفع رأسه إليّ وقال: من أنت حيّاك اللّه؟ فقلت: أنا نوفل بن مساحق، فحيّاني فقلت له: ما أحدثت بعدي في يأسك منها؟ فأنشدني يقول:

ألا حجبت ليلى وآلى أميرهاعليّ يمينا جاهدا لا أزورها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا حجبت ليلى وآلى أميرها»
وأوعدني فيها رجال أبوهمأبي وأبوها خشّنت لي صدورها
على غير جرم غير أني أحبّهاوأنّ فؤادي رهنها وأسيرها

قال: ثم سنحت له ظباء فقام يعدو في أثرها حتى لحقها فمضى معها.

حدّثني الحسن بن عليّ قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني علي بن الصّبّاح عن ابن الكلبيّ قال: لما قال مجنون بني عامر:

قضاها لغيري وابتلاني بحبّهافهلّا بشيء غير ليلى ابتلانيا
للشاعر خليل مردم بك، من قصيدة «قفا عللا قبل التفرق عانيا»

نودي في الليل: أنت المتسخّط لقضاء اللّه والمعترض في أحكامه! واختلس عقله فتوحّش منذ تلك الليلة وذهب مع الوحش على وجهه. وهذه القصيدة التي قال فيها هذا البيت من أشهر أشعاره، والصوت المذكور بذكره أخبار المجنون ها هنا منها. وفيها أيضا عدّة أبيات يغنّى فيها، فمن ذلك:

صوت

أعدّ الليالي ليلة بعد ليلةوقد عشت دهرا لا أعدّ اللّياليا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تذكرت ليلى والسنين الخواليا»
أراني إذا صلّيت يمّمت نحوهابوجهي وإن كان المصلّى ورائيا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وما بي إشراك ولكنّ حبّهاكعود الشجا أعيا الطبيب المداويا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تذكرت ليلى والسنين الخواليا»
أحبّ من الأسماء ما وافق اسمهاوأشبهه أو كان منه مدانيا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «خليلي مالي قد بليت ولا أرى»

في هذه الأبيات هزج خفيف لمعان معزفي:

صوت

وخبّرتماني أنّ تيماء منزللليلى إذا ما الصيف القى المراسيا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «وخبرتماني أن تيماء منزل»
فهذي شهور الصّيف عنّي قد انقضتفما للنّوى ترمي بليلى المراميا

في هذين البيتين لحن من الرمل صنعته عجوز عمير الباذغيسي على لحن إسحاق:

أماويّ إنّ المال غاد ورائح

وله حديث قد ذكر في أخبار إسحاق. وهذا اللحن إلى الآن يغنّى، لأنه أشهر في أيدي الناس، وإنما هو لحن إسحاق أخذ فجعل على هذه الأبيات وكيد بذلك:

صوت

فلو كان واش باليمامة بيتهوداري بأعلى حضرموت اهتدى ليا
فأنت التي إن شئت أشقيت عيشتيوإن شئت بعد اللّه أنعمت باليا
وأنت التي ما من صديق ولا عدايرى نضو ما أبقيت إلا رثى ليا
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أتاني عن مروان بالغيب أنه»
أمضروبة ليلى على أن أزورهاومتّخذ ذنبا لها أن ترانيا
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أتاني عن مروان بالغيب أنه»
إذا سرت في الأرض الفضاء رأيتنيأصانع رحلي أن يميل حياليا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
يمينا إذا كانت يمينا وإن تكنشمالا ينازعني الهوى عن شماليا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي بالزرق الرسوم الخواليا»
أحبّ من الأسماء ما وافق اسمهاوأشبهه أو كان منه مدانيا
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «خليلي مالي قد بليت ولا أرى»
هي السحر إلا أنّ للسحر رقيةوإنّي لا ألفي لها الدهر راقيا
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أتاني عن مروان بالغيب أنه»

وأنشد أبو نصر للمجنون وفيه غناء:

صوت

تكاد يدي تندى إذا ما لمستهاوينبت في أطرافها الورق الخضر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
أبى القلب إلا حبّها عامريّةلها كنية عمرو وليس لها عمرو
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة

الغناء لعريب ثقيل أوّل، وذكر الهشاميّ أن فيه لإسحاق خفيف ثقيل.

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عديّ قال: أنشدني جماعة من بني عقيل للمجنون يرثي أباه، ومات قبل اختلاطه وتوحّشه، فعقر على قبره ورثاه بهذه الأبيات:

عقرت على قبر الملوّح ناقتيبذي السّرح لمّا أن جفته أقاربه
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «عقرت على قبر الملوح ناقتي»
وقلت لها كوني عقيرا فإنّنيغداة غد ماش بالأمس راكبه
فلا يبعدنك اللّه يا بن مزاحموكلّ امرىء للموت لا بدّ شاربه
فقد كنت طلّاع النّجاد ومعطى الجياد وسيفا لا تفلّ مضاربه

أخبرني حبيب بن نصر المهلبيّ قال حدّثنا عبد اللّه بن شبيب عن الحزاميّ عن محمد بن معن قال: بلغني أنّ رجلا من بني جعدة بن كعب كان أخا وخلّا للمجنون، مرّ به يوما وهو جالس يخطّ في الأرض ويعبث بالحصى، فسلّم عليه وجلس عنده فأقبل يخاطبه ويعظه ويسلّيه، وهو ينظر إليه ويلعب بيده كما كان وهو مفكّر قد غمره ما هو فيه، فلما طال خطابه إياه قال: يا أخي، أما لكلامي جواب؟ فقال له: واللّه يا أخي ما علمت أنك تكلّمني فاعذرني، فإني كما ترى مذهوب العقل مشترك اللّبّ وبكى، ثم أنشأ يقول:

صوت

وشغلت عن فهم الحديث سوىما كان منك فإنه شغلي
وأديم لحظ محدّثي ليرىأن قد فهمت وعندكم عقلي

الغناء لعلّوية. وقال الهيثم: مرّ المجنون بواد في أيام الربيع وحمامه يتجاوب فأنشأ يقول:

صوت

ألا يا حمام الإيك ما لك باكياأفارقت إلفا أم جفاك حبيب
للشاعر أبو الشغب العبسي، اقرأ القصيدة
دعاك الهوى والشوق لما ترنّمتهتوف الضحى بين الغصون طروب
للشاعر أبو الشغب العبسي، اقرأ القصيدة
تجاوب ورقا قد أذنّ لصوتهافكلّ لكلّ مسعد ومجيب
للشاعر أبو الشغب العبسي، اقرأ القصيدة

الغناء لرذاذ ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى:

خروج زوج ليلى وأبيها إلى مكة واختلاف المجنون إليها

قال خالد بن حمل: حدّثني رجال من بني عامر أنّ زوج ليلى وأباها خرجا في أمر طرق الحيّ إلى مكة، فأرسلت ليلى بأمة لها إلى المجنون فدعته فأقام عندها ليلة فأخرجته في السّحر، وقالت له: سر إليّ في كلّ ليلة ما دام القوم سفرا، فكان يختلف إليها حتى قدموا. وقال فيها في آخر ليلة لقيها وودّعته:

تمتّع بليلى إنما أنت هامةمن الهام يدنو كلّ يوم حمامها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا تلك ليلى قد ألم لمامها»
تمتّع إلى أن يرجع الركب إنهممتى يرجعوا يحرم عليك كلامها

وقال الهيثم: مرض المجنون قبل أن يختلط فعاده قومه ونساؤهم ولم تعده ليلى فيمن عاده، فقال:

صوت

ألا ما لليلى لا ترى عند مضجعيبليل ولا يجري بها لي طائر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
بلى إنّ عجم الطير تجري إذا جرتبليلى ولكن ليس للطير زاجر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
أحالت عن العهد الذي كان بيننابذي الرّمث أم قد غيّبتها المقابر

الغناء لسليم ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ.

فو اللّه ما في القرب لي منك راحةولا البعد يسليني ولا أنا صابر
وواللّه ما أدري بأيّة حيلةوأيّ مرام أو خطار أخاطر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
وواللّه إنّ الدهر في ذات بينناعليّ لها في كل أمر لجائر
فلو كنت إذ أزمعت هجري تركتنيجميع القوى والعقل منّي وافر
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
ولكنّ أيامي بحفل عنيزةوذي الرّمث أيام جناها التجاور
فقد أصبح الودّ الذي كان بينناأمانيّ نفس إن تخبّر خابر
لعمري لقد أرهقت يا أمّ مالكحياتي وساقتني إليك المقادر

أخبرني عمّي قال حدّثني محمد بن عبد اللّه الأصبهانيّ المعروف بالحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيبانيّ عن أبيه قال: حدّثني بعض بني عقيل قال: قيل للمجنون أيّ شيء رأيته أحبّ إليك؟ قال: ليلى، قيل: دع ليلى فقد عرفنا ما لها عندك ولكن سواها، قال: واللّه ما أعجبني شيء قطّ فذكرت ليلى إلا سقط من عيني وأذهب ذكرها بشاشته عندي، غير أني رأيت ظبيا مرّة فتأملته وذكرت ليلى فجعل يزداد في عيني حسنا، ثم إنه عارضه ذئب وهرب منه فتبعته حتى خفيا عنّي فوجدت الذئب قد صرعه وأكل بعضه، فرميته بسهم فما أخطأت مقتله، وبقرت بطنه فأخرجت ما أكل منه، ثم جمعته إلى بقية شلوه، ودفنته وأحرقت الذئب، وقلت في ذلك:

أبى اللّه أن تبقى لحيّ بشاشةفصبرا على ما شاء اللّه لي صبرا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أبى الله أن تبقى لحي بشاشة»
رأيت غزالا يرتعي وسط روضةفقلت أرى ليلى تراءت لنا ظهرا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أبى الله أن تبقى لحي بشاشة»
فيا ظبي كل رغدا هنيئا ولا تخففإنك لي جار ولا ترهب الدهرا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أبى الله أن تبقى لحي بشاشة»
وعندي لكم حصن حصين وصارمحسام إذا أعملته أحسن الهبرا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أبى الله أن تبقى لحي بشاشة»
فما راعني إلا وذئب قد انتحىفأعلق في أحشائه الناب والظّفرا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أبى الله أن تبقى لحي بشاشة»
ففوّقت سهمي في كتوم غمزتهافخالط سهمي مهجة الذئب والنّحرا
فأذهب غيظي قتله وشفى جوىبقلبي إن الحرّ قد يدرك الوترا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أبى الله أن تبقى لحي بشاشة»

قال أبو نصر: بلغ المجنون قبل توحّشه أنّ زوج ليلى ذكره وعضهه وسبّه وقال: أو بلغ من قدر قيس ابن الملوّح أن يدّعي محبة ليلى وينوّه باسمها! فقال ليغيظه بذلك:

فإن كان فيكم بعل ليلى فإنّنيوذي العرش قد قبّلت فاها ثمانيا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «فإن كان فيكم بعل ليلى فإنني»
وأشهد عند اللّه أنّي رأيتهاوعشرون منها أصبعا من ورائيا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «فإن كان فيكم بعل ليلى فإنني»
أليس من البلوى التي لا شوى لهابأن زوّجت كلبا وما بذلت ليا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «فإن كان فيكم بعل ليلى فإنني»

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا عبد اللّه بن عمرو بن أبي سعد قال حدّثنا عليّ بن الصباح عن ابن الكلبيّ قال: خرج المجنون في عدّة من قومه يريدون سفرا لهم، فمرّوا في طريق يتشعّب وجهتين: إحداهما ينزلها رهط ليلى وفيها زيادة مرحلة فسألهم أن يعدلوا معه إلى تلك الوجهة فأبوا، فمضى وحده وقال:

صوت

أأترك ليلى ليس بيني وبينهاسوى ليلة إني إذا لصبور
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «عفا الله عن ليلى الغداة فإنها»
هبوني امرأ منكم أضلّ بعيرهله ذمّة إنّ الذّمام كبير
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أأترك ليلى ليس بيني وبينها»
وللصاحب المتروك أعظم حرمةعلى صاحب من أن يضلّ بعير
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أأترك ليلى ليس بيني وبينها»
عفا اللّه عن ليلى الغداة فإنهاإذا وليت حكما عليّ تجور
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «عفا الله عن ليلى الغداة فإنها»

الغناء لابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن عمرو وفيه للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش، وفيه لابن المارقيّ خفيف ثقيل عن الهشاميّ، وفيه لعلّويه رمل بالبنصر.

وذكر عمرو بن أبي عمرو الشيبانيّ عن أبيه: أن المجنون كان ذات ليلة جالسا مع أصحاب له من بني عمّه وهو وله يتلظّى ويتململ يعظونه ويحادثونه، حتى هتفت حمامة من سرحة كانت بإزائهم، فوثب قائما وقال:

صوت

لقد غرّدت في جنح ليل حمامةعلى إلفها تبكي وإني لنائم
كذبت وبيت اللّه لو كنت عاشقالما سبقتني بالبكاء الحمائم
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «لقد هتفت في جنح ليل حمامة»

ثم بكى حتى سقط على وجهه مغشيا عليه، فما أفاق حتى حميت الشمس عليه من غد. الغناء في هذين البيتين لعبد اللّه بن ذحمان ثقيل أوّل مطلق في مجرى الوسطى.

وذكر أبو نصر عن أصحابه أن رجلا مرّ بالمجنون وهو برمل يبرين يخطّط فيه، فوقف عليه متعجبا منه وكان لا يعرفه، فقال له: ما بك يا أخي؟ فرفع رأسه إليه وأنشأ يقول:

بي اليأس والداء الهيام أصابنيفإياك عنّي لا يكن بك ما بيا
كأنّ جفون العين تهمي دموعهاغداة رأت أظعان ليلى غواديا
غروب أمرّتها نواضح بزّلعلى عجل عجم يروّين صاديا

قال خالد بن جمل: ذكر حماد الرواية أن نفرا من أهل اليمن مرّوا بالمجنون، فوقفوا ينظرون إليه فأنشأ يقول:

ألا أيها الركب اليمانون عرّجواعلينا فقد أمسى هوانا يمانيا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
نسائلكم هل سال نعمان بعدناوحبّ إلينا بطن نعمان واديا

صوت

ألا يا حمامي قصر ودّان هجتماعليّ الهوى لمّا تغنّيتما ليا
فأبكيتماني وسط صحبي ولم أكنأبالي دموع العين لو كنت خاليا

غنى في هذين البيتين علّويه غناء لم ينسب.

فو اللّه إنّي لا أحبّ، لغير أنتحلّ بها ليلى البراق الأعاليا
ألا يا خليلي حبّ ليلى مجشّميحياض المنايا أو مقيدي الأعاديا
ويا أيها القمريّتان تجاوبابلحنيكما ثم اسجعا علّلانيا
للشاعر مَجنون لَيلى، اقرأ القصيدة
فإن أنتما استطربتما وأردتمالحاقا بأطراف الغضى فاتبعانيا

قال أبو نصر: وذكر خالد بن كلثوم أنّ زوج ليلى لما أراد الرّحيل بها إلى بلده بلغ المجنون أنه غاد بها فقال:

صوت

أمزمعة للبين ليلى ولم تمتكأنك عما قد أظلّك غافل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أمزمعة للبين ليلى ولم تمت»
ستعلم إن شطّت بهم غربة النوىوزالوا بليلى أنّ لبك زائل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أمزمعة للبين ليلى ولم تمت»

الغناء للزّبير بن دحمان ثقيل أوّل بالوسطى:

قال أبو نصر قال خالد: وحدّثني جماعة من بني قشير أنّ المجنون سقم سقاما شديدا قبل اختلاطه حتّى أشفى على الهلاك، فدخل إليه أبوه يعلّله فوجده ينشد هذه الأبيات ويبكي أحرّ بكاء وينشج أحرّ نشيج:

ألا أيّها القلب الذي لجّ هائمابليلى وليدا لم تقطّع تمائمه
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا أيها القلب الذي لج هائما»
أفق قد أفاق العاشقون وقد أنىلحالك أن تلقى طبيبا تلائمه
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا أيها القلب الذي لج هائما»
فما لك مسلوب العزاء كأنّماترى نأى ليلى مغرما أنت غارمه
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا أيها القلب الذي لج هائما»
أجدّك لا تنسيك ليلى ملمّةتلمّ ولا ينسيك عهدا تقادمه

قال: وقف مستترا ينظر إلى أظعان ليلى وقد رحل بها زوجها وقومها، فلما رآهم يرتحلون بكى وجزع، فقال له أبوه: ويحك! إنما جئنا بك متخفيا ليتروّح بعض ما بك بالنظر إليهم، فإذا فعلت ما أرى عرفت، وقد أهدر السلطان دمك إن مررت بهم، فأمسك أو فانصرف، فقال: ما لي سبيل إلى النّظر إليهم يرتحلون وأنا ساكن غير جازع ولا باك فانصرف بنا، فانصرف وهو يقول:

صوت

ذد الدّمع حتى يظعن الحيّ إنّمادموعك إن فاضت عليك دليل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ذد الدمع حتى يظعن الحي إنما»
كأنّ دموع العين يوم تحمّلواجمان على جيب القميص يسيل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ذد الدمع حتى يظعن الحي إنما»

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أنشدني إسحاق بن محمد عن بعض أصحابه عن ابن الأعرابيّ للمجنون:

صوت

ألا ليت ليلى أطفأت حرّ زفرةأعالجها لا أستطيع لها ردّا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا ليت ليلى أطفأت حر زفرة»
إذا الرّيح من نحو الحمى نسمت لناوجدت لمسراها ومنسمها بردا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا ليت ليلى أطفأت حر زفرة»
على كبد قد كاد يبدي بها الهوىندوبا وبعض القوم يحسبني جلدا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا ليت ليلى أطفأت حر زفرة»

هذا البيت الثالث خاصّة يروى لابن هرمة في بعض قصائده، وهو من المائة المختارة التي رواها إسحاق، أوّله:

أفاطم إنّ النّأي يسلي من الهوى

وقد أخرج في موضع آخر. غنّى في هذين البيتين عبد آل الهذليّ، ولحنه المختار على ما ذكره جحظة ثاني ثقيل، وهما في هذه القصيدة:

وإنّي يمانيّ الهوى منجد النّوىسبيلان ألقى من خلافهما جهدا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا ليت ليلى أطفأت حر زفرة»
سقى اللّه نجدا من ربيع وصيّفوماذا يرجى من ربيع سقى نجدا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا ليت ليلى أطفأت حر زفرة»
بلى إنّه قد كان للعيش قرةوللصّحب والرّكبان منزلة حمدا
أبى القلب أن ينفكّ من ذكر نسوةرقاق ولم يخلقن شؤما ولا نكدا
إذا رحن يسحبن الذّيول عشيّةويقتلن بالألحاظ أنفسنا عمدا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا ليت ليلى أطفأت حر زفرة»
مشى عيطلات رجّح بخصورهاروادف وعثات تردّ الخطا ردّا
وتهتزّ ليلى العامريّة فوقهاولاثت بسبّ القزّذا غدر جعدا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا ليت ليلى أطفأت حر زفرة»
إذا حرّك المدرى ضفائرها العلامججن ندى الريحان والعنبر الوردا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا ليت ليلى أطفأت حر زفرة»

وأخبار الهذليّين تذكر في غير هذا الموضع إن شاء اللّه لئلا تنقطع أخبار المجنون، ولهما في المائة الصوت المختارة أغان تذكر أخبارها معا إن شاء اللّه.

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني ميمون بن هارون قال ذكر الهيثم بن عديّ، وأخبرني محمد ابن خلف بن المرزبان عن أحمد بن الهيثم عن العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال: مرّ المجنون برجلين قد صادا ظبية فربطاها بحبل وذهبا بها، فلما نظر إليها وهي تركض في حبالهما دمعت عيناه، وقال لهما: حلّاها وخذا مكانها شاة من غنمي - وقال ميمون في خبره: وخذا مكانها قلوصا من إبلي - فأعطاهما وحلّاها فولّت تعدو هاربة. وقال المجنون للرجلين حين رآها في حبالهما:

يا صاحبيّ اللّذين اليوم قد أخذافي الحبل شبها لليلى ثم غلّاها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا صاحبي اللذين اليوم قد أخذا»
إني أرى اليوم في أعطاف شاتكمامشابها أشبهت ليلى فحلّاها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «يا صاحبي اللذين اليوم قد أخذا»

قال: وقال فيها وقد نظر إليها وهي تعدو أشدّ عدو هاربة مذعورة:

صوت

أيا شبه ليلى لا تراعي فإنّنيلك اليوم من وحشيّة لصديق
ويا شبه ليلى لو تلبثت ساعةلعلّ فؤادي من جواه يفيق
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني»
تفرّ وقد أطلقتها من وثاقهافأنت لليلى لو علمت طليق

وذكر أبو نصر عن جماعة من الرواة وذكر أبو مسلم ومحمد بن الحسن الأحول أن ابن الأعرابيّ أخبرهما أنّ نسوة جلسن إلى المجنون فقلن له: ما الذي دعاك إلى أن أحللت بنفسك ما ترى في هوى ليلى، وإنما هي امرأة من النساء، هل لك في أن تصرف هواك عنها إلى إحدانا فنساعفك ونجزيك بهواك ويرجع إليك ما عزب من عقلك وجسمك؟ فقال لهنّ: لو قدرت على صرف الهوى عنها إليكنّ لصرفته عنها وعن كلّ أحد بعدها وعشت في الناس سويّا مستريحا؛ فقلن له: ما أعجبك منها؟ فقال: كلّ شيء رأيته وشاهدته وسمعته منها أعجبني، واللّه ما رأيت شيئا منها قطّ إلا كان في عيني حسنا وبقلبي علقا، ولقد جهدت أن يقبح منها عندي شيء أو يسمج أو يعاب لأسلو عنها فلم أجده؛ فقلن له: فصفها لنا، فأنشأ يقول:

بيضاء خالصة البياض كأنهاقمر توسّط جنح ليل مبرد
موسومة بالحسن ذات حواسدإنّ الجمال مظنة للحسّد
للشاعر محمد بن بشير الخارجي، اقرأ القصيدة
وترى مدامعها ترقرق مقلةسوداء ترغب عن سواد الإثمد
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «بيضاء باكرها النعيم كأنها»
خوّد إذا كثر الكلام تعوذتبحمى الحياء وإن تكلّم تقصد
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «بيضاء باكرها النعيم كأنها»

قال: ثم قال ابن الأعرابيّ: هذا واللّه من حسن الكلام ومنقح الشّعر.

وأنشد أبو نصر للمجنون أيضا، وفيه غناء، قال:

كأنّ فؤادي في مخالب طائرإذا ذكرت ليلى يشدّ بها قبضا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا أيُّهَا الشَّيْخُ الَّذِي مَا بِنَا يَرْضَى»
كأنّ فجاج الأرض حلقة خاتمعليّ، فما تزداد طولا ولا عرضا
للشاعر عبد الرحمن بن حسان الأنصاري، اقرأ القصيدة

أخبرني الحسن بن علي قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدّثنا أبو مسلم عن القحذميّ قال: قال رجل من عشيرة المجنون له: إني أريد الإلمام بحيّ ليلى فهل تودعني إليها شيئا؟ فقال: نعم! قف بحيث تسمعك ثم قل:

صوت

اللّه يعلم أنّ النفس هالكةباليأس منك ولكنّي أعنّيها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «الله يعلم أن النفس هالكة»
منيّتك النفس حتى قد أضرّبهاواستيقنت خلفا ممّا أمنّيها
وساعة منك ألهوها وإن قصرتأشهى إليّ من الدنيا وما فيها

قال: فمضى الرجل، ولم يزل يرقب خلوة حتى وجدها، فوقف عليها ثم قال لها: يا ليلى لقد أحسن الذي يقول:

اللّه يعلم أنّ النفس هالكةباليأس منك ولكنّي أعنّيها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «الله يعلم أن النفس هالكة»

وأنشد الأبيات؛ فبكت بكاء طويلا ثم قالت: أبلغه السلام وقل له:

نفسي فداؤك، لو نفسي ملكت إذاما كان غيرك يجزيها ويرضيها
للشاعر ليلى العامرية، اقرأ القصيدة
صبرا على ما قضاه اللّه فيك علىمرارة في اصطباري عنك أخفيها
للشاعر ليلى العامرية، اقرأ القصيدة

قال: فأبلغه الفتى البيتين وأخبره بحالها؛ فبكى حتى سقط على وجهه مغشيّا عليه، ثم أفاق وهو يقول:

عجبت لعروة العذريّ أضحىأحاديثا لقوم بعد قوم
وعروة مات موتا مستريحاوها أنا ميّت في كلّ يوم

أخبرنا محمد بن يحيى الصّوليّ قال أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب عن أبي نصر للمجنون:

صوت

أيا زينة الدنيا التي لا ينالهامناي ولا يبدو لقلبي صريمها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا حبذا يوم يقر به الصبا»
بعيني قذاة من هواك لو انّهاتداوى بمن تهوى لصحّ سقيمها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا حبذا يوم يقر به الصبا»
وما صبرت عن ذكرك النفس ساعةوإن كنت أحيانا كثيرا ألومها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا حبذا يوم يقر به الصبا»

أخبرني الحسن بن علي قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا عليّ بن الصّبّاح عن ابن الكلبيّ قال: سأل الملوّح أبو المجنون رجلا قدم من الطائف أن يمرّ بالمجنون فيجلس إليه فيخبره أنه لقي ليلى وجلس إليها، ووصف له صفات منها ومن كلامها يعرفها المجنون، وقال له: حدّثه بها، فإذا رأيته قد اشرأب لحديثك واشتهاه فعرّفه أنك ذكرته لها ووصفت ما به فشتمته وسبّته، وقالت: إنه يكذب عليها ويشهّرها بفعله، وإنها ما اجتمعت معه قط كما يصف؛ ففعل الرجل ذلك، وجاء إليه فأخبره بلقائه إياها؛ فأقبل عليه وجعل يسائله عنها، فيخبره بما أمره به الملوّح، فيزداد نشاطا ويثوب إليه عقله، إلى أن أخبره بسبّها إياه وشتمها له؛ وقال وهو غير مكترث لما حكاه عنها:

صوت

تمرّ الصّبا صفحا بساكن ذي الغضىويصدع قلبي أن يهبّ هبوبها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تمر الصبا صفحا بساكن ذي الغضى»
إذا هبّت الريح الشّمال فإنّماجواي بما تهدى إليّ جنوبها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تمر الصبا صفحا بساكن ذي الغضى»
قريبة عهد بالحبيب وإنماهوى كلّ نفس حيث كان حبيبها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تمر الصبا صفحا بساكن ذي الغضى»
وحسب الليالي أن طرحنك مطرحابدار قلى تمسي وأنت غريبها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تمر الصبا صفحا بساكن ذي الغضى»
حلال لليلى شتمنا وانتقاصناهنيئا ومغفور لليلى ذنوبها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تمر الصبا صفحا بساكن ذي الغضى»

ذكر أبو أيوب المدينيّ أن الغناء في هذا الشعر لابن سريج ولم يذكر طريقته. وفيه لمتّيم غناء ينسب. وذكر الهيثم بن عديّ أن المجنون قال - وفيه غناء -:

صوت

كأن لم تكن ليلى تزار بذي الأثلوبالجزع من أجزاع ودان فالنخل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «كأن لم تكن ليلى تزار بذي الأثل»
صديق لنا فيما نرى غير أنهاترى أن حبّي قد أحلّ لها قتلي
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «كأن لم تكن ليلى تزار بذي الأثل»

أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ عن عثمان بن عمارة بن حريم عن أشياخ من بني مرّة قالوا: خرج منا رجل إلى ناحية الشام والحجاز وما يلي تيماء والسّراة وأرض نجد، في طلب بغية له، فإذا هو بخيمة قد رفعت له وقد أصابه المطر فعدل إليها وتنحنح، فإذا امرأة قد كلّمته فقالت: انزل، فنزل.

قال وراحت أبلهم وغنمهم فإذا أمر عظيم، فقالت: سلوا هذا الرجل من أين أقبل؛ فقلت: من ناحية تهامة ونجد؛ فقالت: ادخل أيها الرجل، فدخلت إلى ناحية من الخمية، فأرخت بيني وبينها سترا ثم قالت لي: يا عبد اللّه، أيّ بلاد نجد وطئت؟ فقلت: كلّها؛ قالت: فبمن نزلت هناك؟ قلت: ببني عامر؛ فتنفّست الصّعداء ثم قالت: فبأيّ بني عامر نزلت؟ فقلت: ببني الحريش؛ فاستعبرت ثم قالت: فهل سمعت بذكر فتى منهم يقال له: قيس بن الملوّح ويلقّب بالمجنون؟ قلت: بلى واللّه! وعلى أبيه نزلت، وأتيته فنظرت إليه يهيم في تلك الفيافي، ويكون مع الوحش لا يعقل ولا يفهم إلا أن تذكر له امرأة يقال لها ليلى، فيبكي وينشد أشعارا قالها فيها. قال: فرفعت الستر بيني وبينها، فإذا فلقة قمر لم تر عيني مثلها، فبكت حتى ظننت - واللّه - أن قلبها قد انصدع، فقلت: أيّتها المرأة، اتّقي اللّه فما قلت بأسا، فمكثت طويلا على تلك الحال من البكاء والنحيب ثم قالت:

ألا ليت شعري والخطوب كثيرةمتى رحل قيس مستقلّ فراجع
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «ألا ليت شعري والخطوب كثيرة»
بنفسي من لا يستقلّ برحلهومن هو إن لم يحفظ اللّه ضائع
للشاعر ليلى العامرية، اقرأ القصيدة

ثم بكت حتى سقطت مغشيّا عليها، فقلت لها: من أنت يا أمة اللّه؟ وما قصّتك؟ قالت: أنا ليلى صاحبته المشئومة واللّه عليه غير المؤنسة له؛ فما رأيت مثل حزنها ووجدها عليه قطّ.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ، وحبيب بن نصر المهلبيّ قالا: حدّثنا عمر بن شبّة قال ذكر الهيثم ابن عديّ عن عثمان بن عمارة، وأخبرني عثمان عن الكرانيّ عن العمريّ عن لقيط، وحدّثنا إبراهيم بن أيوب عن عبد اللّه بن مسلم قال ذكر الهيثم بن عديّ عن عثمان بن عمارة، وذكر أبو نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعيّ وأبو مسلم المستملي عن ابن الأعرابيّ - يزيد بعضهم على بعض - أن عثمان بن عمارة المرّي أخبرهم أنّ شيخا منهم من بني مرّة حدّثه أنه خرج إلى أرض بني عامر ليلقى المجنون، قال: فدللت على محلّته فأتيتها، فإذا أبوه شيخ كبير وإخوة له رجال، وإذا نعم كثير وخير ظاهر، فسألتهم عنه فاستعبروا جميعا، وقال الشيخ: واللّه لهو كان آثر في نفسي من هؤلاء وأحبّهم إليّ! وإنه هوي امرأة من قومه، واللّه ما كانت تطمع في مثله، فلمّا أن فشا أمره وأمرها كره أبوها أن يزوجها منه بعد ظهور الخبر فزوّجها من غيره، فذهب عقل ابني ولحقه خبل وهام في الفيافي وجدا عليها، فحبسناه وقيّدناه، فجعل يعضّ لسانه وشفتيه حتى خفنا عليه أن يقطعها فخلّينا سبيله، فهو يهيم في هذه الفيافي مع الوحوش يذهب إليه كلّ يوم بطعامه فيوضع له حيث يراه، فإذا تنحّوا عنه جاء فأكل منه. قال: فسألتهم أن يدلّوني عليه، فدلّوني على فتى من الحيّ صديقا له وقالوا: إنه لا يأنس إلا به ولا يأخذ أشعاره عنه غيره، فأتيته فسألته أن يدلّني عليه؛ فقال: إن كنت تريد شعره فكلّ شعر قاله إلى أمس عندي، وأنا ذاهب إليه غدا فإن كان قال شئيا أتيتك به؛ فقلت: بل أريد أن تدلّني عليه لآتيه؛ فقال لي: إنه إن نفر منك نفر منّي فيذهب شعره، فأبيت إلا أن يدلّني عليه؛ فقال اطلبه في هذه الصحاري فإذا رأيته فادن منه مستأنسا ولا تره أنك تهابه، فإنه يتهدّدك ويتوعّدك أن يرميك بشيء، فلا يروعنّك واجلس صارفا بصرك عنه والحظه أحيانا، فإذا رأيته قد سكن من نفاره فأنشده شعرا غزلا، وإن كنت تروي من شعر قيس بن ذريح شيئا فأنشده إياه فإنه معجب به؛ فخرجت فطلبته يومي إلى العصر فوجدته جالسا على رمل قد خطّ فيه بأصبعه خطوطا، فدنوت منه غير منقبض، فنفر منّي نفور الوحش من الإنس، وإلى جانبه أحجار فتناول حجرا فأعرضت عنه، فمكث ساعة كأنه نافر يريد القيام، فلمّا طال جلوسي سكن وأقبل يخطّ بأصبعه، فأقبلت عليه وقلت: أحسن واللّه قيس بن ذريح حيث يقول:

ألا يا غراب البين ويحك نبّنيبعلمك في لبنى وأنت خبير
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «وددت من الشوق الذي بي أنني»
فإن أنت لم تخبر بشيء علمتهفلا طرت إلا والجناح كسير
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «وددت من الشوق الذي بي أنني»
ودرت بأعداء حبيبك فيهمكما قد تراني بالحبيب أدور
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «وددت من الشوق الذي بي أنني»

فأقبل عليّ وهو يبكي فقال: أحسن واللّه، وأنا أحسن منه قولا حيث أقول:

كأنّ القلب ليلة قيل يغدىبليلى العامريّة أو يراح
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «كأن القلب ليلة قيل يغدى»
قطاة عزّها شرك فباتتتجاذبه وقد علق الجناح
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «كأن القلب ليلة قيل يغدى»

فأمسكت عنه هنيهة، ثم أقبلت عليه فقلت: وأحسن واللّه قيس بن ذريح حيث يقول:

وإني لمفن دمع عينيّ بالبكاحذارا لما قد كان أو هو كائن
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وإني لمفن دمع عيني بالبكا»
وقالوا غدا أو بعد ذاك بليلةفراق حبيب لم يبن وهو بائن
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «وإني لمفن دمع عيني بالبكا»
وما كنت أخشى أن تكون منيّتيبكفّيك إلا أن من حان حائن
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «وإني لمفن دمع عيني بالبكا»

قال: فبكى - واللّه - حتى ظننت أنّ نفسه قد فاضت، وقد رأيت دموعه قد بلّت الرمل الذي بين يديه، ثم قال: أحسن لعمر اللّه، وأنا واللّه أشعر منه حيث أقول:

صوت

وأدنيتني حتى إذا ما سبيتنيبقول يحلّ العصم سهل الأباطح
تناءيّت عنّي حين لا لي حيلةوخلّفت ما خلّفت بين الجوانح

- ويروى: «وغادرت ما غادرت...» - ثم سنحت له ظبية فوثب يعدو خلفها حتى غاب عنّي وانصرفت، وعدت من غد فطلبته فلم أجده، وجاءت امرأة كانت تصنع له طعامه إلى الطعام فوجدته بحاله، فلما كان في اليوم الثالث غدوت وجاء أهله معي فطلبناه يومنا فلم نجده، وغدونا في اليوم الرابع نستقري أثره حتى وجدناه في واد كثير الحجارة خشن، وهو ميّت بين تلك الحجارة، فاحتمله أهله فغسّلوه وكفنوه ودفنوه.

قال الهيثم: فحدّثني جماعة من بني عامر: أنه لم تبق فتاة من بني جعدة ولا بني الحريش إلا خرجت حاسرة صارخة عليه تندبه؛ واجتمع فتيان الحيّ يبكون عليه أحرّ بكاء، وينشجون عليه أشدّ نشيج، وحضرهم حيّ ليلى معزّين وأبوها معهم فكان أشدّ القوم جزعا وبكاء عليه، وجعل يقول: ما علمنا أن الأمر يبلغ كلّ هذا، ولكنّي كنت امرأ عربيّا أخاف من العار وقبح الأحدوثة ما يخافه مثلي، فزوّجتها وخرجت عن يدي، ولو علمت أن أمره يجري على هذا ما أخرجتها عن يده ولا احتملت ما كان عليّ في ذلك. قال: فما رئي يوم كان أكثر باكية وباكيا على ميّت من يومئذ.

نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني

منها الصوت الذي أوّله:

ألا يا غراب البين ويحك نبّنيبعلمك في لبنى وأنت خبير
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «وددت من الشوق الذي بي أنني»

الغناء لابن محرز ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ، وذكر إبراهيم أنّ فيه لحنا لحكم. وفي رواية ابن الأعرابيّ أنه أنشده مكان:

ألا يا عراب البين ويحك نبّنيبعلمك في لبنى وأنت خبير

صوت

ألا يا غراب البين هل أنت مخبريبخير كما خبّرت بالنأي والشّرّ
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «ألا يا غُرابَ البَيْنِ هل أنتَ مُخبِرِي»
وخبّرت أن قد جدّ بين وقرّبواجمالا لبين مثقلات من الغدر
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «ألا يا غراب البين هل أنت مخبري»
وهجت قذى عين بلبنى مريضةإذا ذكرت فاضت مدامعها تجري
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «ألا يا غراب البين هل أنت مخبري»
وقلت كذاك الدهر ما زال فاجعاصدقت وهل شيء بباق على الدهر
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «ألا يا غراب البين هل أنت مخبري»

الشعر لقيس بن ذريح، والغناء لابن جامع، ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لبحر ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو. وفيه لدحمان ثاني ثقيل عن الهشاميّ وعبد اللّه بن موسى.

ومنها الصوت الذي أوّله.

كأنّ القلب ليلة قيل يغدىبليلي العامريّة أو يراح
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «كأن القلب ليلة قيل يغدى»

ومنها الصوت الذي أوّله:

وأدنيتني حتى إذا ما سبيتنيبقول يحلّ العصم سهل الأباطح

الغناء لإبراهيم، خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ

أخبرنا الحسين بن القاسم الكوكبيّ قال حدّثنا الفضل الرّبعيّ عن محمد بن حبيب قال: لما مات مجنون بني عامر وجد أرض خشنة بين حجارة سود، فحضر أهله وحضر معهم أبو ليلى - المرأة التي كان يهواها - وهو متذمّم من أهله، فلما رآه ميتا بكى واسترجع وعلم أنه قد شرك في هلاكه، فبينما هم يقلّبونه إذ وجدوا خرقة فيها مكتوب:

ألا أيها الشيخ الذي ما بنا يرضىشقيت ولا هنّيت من عيشك الغضّا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا أيُّهَا الشَّيْخُ الَّذِي مَا بِنَا يَرْضَى»
شقيت كما أشقيتني وتركتنيأهيم مع الهلّاك لا أطعم الغمضا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا أيها الشيخ الذي ما بنا يرضى»

صوت

كأنّ فؤادي في مخالب طائرإذا ذكرت ليلى يشدّ بها قبضا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «ألا أيُّهَا الشَّيْخُ الَّذِي مَا بِنَا يَرْضَى»
كأن فجاج الأرض حلقة خاتمعليّ فما تزداد طولا ولا عرضا
للشاعر عبد الرحمن بن حسان الأنصاري، اقرأ القصيدة

في هذين البيتين رمل ينسب إلى سليم وإلى ابن محرز، وذكر حبش والهشاميّ أنه لإسحاق.

أخبرني محمد بن خلف قال حدّثني أبو سعيد السّكّريّ عن محمد بن حبيب قال حدّثني بعض القشيريّين عن أبيه قال: مررت بالمجنون وهو مشرف على واد في أيام الربيع، وذاك قبل أن يختلط، وهو يتغنّى بشعر لم أفهمه، فصحت به: يا قيس، أما تشغلك ليلى عن الغناء والطرب! فتنفّس تنفّسا ظننت أنّ حيازيمه قد انقدّت، ثم قال:

صوت

وما أشرف الأيفاع إلا صبابةولا أنشد الأشعار إلا تداويا
وقد يجمع اللّه الشتيتين بعد مايظنّان جهد الظنّ أن لا تلاقيا
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «وما أحدث النأى المفرق بيننا»
لحي اللّه أقواما يقولون إنّنيوجدت طوال الدّهر للحبّ شافيا

أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: اجتاز قيس بن ذريح بالمجنون وهو جالس وحده في نادي قومه، وكان كلّ واحد منهما مشتاقا إلى لقاء الآخر، وكان المجنون قبل توحّشه لا يجلس إلا منفردا ولا يحدّث أحدا ولا يردّ على متكلّم جوابا ولا على مسلّم سلاما، فسلّم عليه قيس بن ذريح فلم يردّ عليه السّلام؛ فقال له: يا أخي أنا قيس بن ذريح فوثب إليه فعانقه وقال: مرحبا بك يا أخي، أنا واللّه مذهوب بي مشترك اللّب فلا تلمني، فتحدّثا ساعة وتشاكيا وبكيا، ثم قال له المجنون: يا أخي، إنّ حيّ ليلى منا قريب، فهل لك أن تمضي إليها فتبلّغها عني السلام؟ فقال له: أفعل. فمضى قيس بن ذريح حتى أتى ليلى فسلّم وانتسب؛ فقالت له: حيّاك اللّه، ألك حاجة؟ قال: نعم، ابن عمّك أرسلني إليك بالسلام؛ فأطرقت ثم قالت: ما كنت أهلا للتحيّة لو علمت أنك رسوله، قل له عنّي: أرأيت قولك:

أبت ليلة بالغيل يا أمّ مالكلكم غير حب صادق ليس يكذب
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أبت ليلة بالغيل يا أم مالك»
ألا إنما أبقيت يا أمّ مالكصدى أينما تذهب به الريح يذهب

أخبرني عن ليلة الغيل، أيّ ليلة هي؟ وهل خلوت معك في الغيل أو غيره ليلا أو نهارا؟ فقال لها قيس: يا بنة عمّ، إن الناس تأوّلوا كلامه على غير ما أراد، فلا تكوني مثلهم، إنما أخبر أنه رآك ليلة الغيل فذهبت بقلبه، لا أنه عناك بسوء؛ قال: فأطرقت طويلا ودموعها تجري وهي تكفكفها، ثم انتحبت حتى قلت تقطّعت حيازيمها، ثم قال: اقرأ على ابن عميّ السلام، وقل له: بنفسي أنت! واللّه إنّ وجدي بك لفوق ما تجد، ولكن لا حيلة لي فيك؛ فانصرف قيس إليه ليخبره فلم يجده.

أخبرني الحسن بن علي قال حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثني عمّي عن ابن الصّباح عن ابن الكلبيّ عن أبيه قال: مرّ المجنون بعد اختلاطه بليلى وهي تمشي في ظاهر البيوت بعد فقد لها طويل، فلما رآها بكى حتى سقط على وجهه مغشيا عليه، فانصرفت خوفا من أهلها أن يلقوها عنده، فمكث كذلك مليّا ثم أفاق وأنشأ يقول:

بكى فرحا بليلى إذ رآهامحبّ لا يرى حسنا سواها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «بكى فرحا بليلى إذ رآها»
لقد ظفرت يداه ونال ونال ملكالئن كانت تراه كما يراها

الغناء لابن المكيّ رمل بالبنصر. وفيه لعريب ثقيل أوّل عن الهشاميّ. وفيه خفيف رمل ليزيد حوراء. وقد نسب لحنه إلى ابن المكيّ ولحن ابن المكيّ إليه.

صوت من المائة المختارة من رواية عليّ بن يحيى

ربّ ركب قد أناخوا عندنايشربون الخمر بالماء الزّلال
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
عصف الدهر بهم فانقرضواوكذاك الدهر حالا بعد حال
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «من رآنا فليحدث نفسه»

الشعر لعديّ بن زيد العباديّ، والغناء لابن محرز ولحنه المختار خفيف رمل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه خفيف رمل آخر بالبنصر ابتداؤه نشيد ذكر عمرو بن بانة أنه لابن طنبورة، وذكر أحمد بن المكيّ أنه لأبيه. وهذه الأبيات قالها عديّ بن زيد العباديّ على سبيل الموعظة للنّعمان بن المنذر، فيقال:

إنها كانت سبب دخوله في النصرانية.

حدّثني بذلك أحمد بن عمران المؤدّب قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدّثنا عبد اللّه بن عمرو قال حدّثني عليّ بن الصّبّاح عن ابن الكلبيّ قال: خرج النعمان بن المنذر إلى الصيد ومعه عديّ بن زيد فمروا بشجرة، فقال له عديّ بن زيد: أيّها الملك، أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ قال: لا، قال تقول:

ربّ ركب قد أناخوا عندنايشربون الخمر بالماء الزّلال
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
عصف الدهر بهم فانقرضواوكذاك الدهر حالا بعد حال
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «من رآنا فليحدث نفسه»

قال: ثم جاوز الشجرة فمرّ بمقبرة، فقال له عديّ: أيّها الملك، أتدري ما تقول هذه المقبرة؟ قال: لا، قال تقول:

أيها الركب المخبّون على الأرض المجدّون
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
فكما أنتم كنّاوكما نحن تكونون
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

فقال له النعمان: إنّ الشجرة والمقبرة لا يتكلّمان، وقد علمت أنك إنما أردت عظتي، فما السبيل التي تدرك بها النجاة؟ قال: تدع عبادة الأوثان وتعبد اللّه وتدين بدين المسيح عيسى ابن مريم؛ قال: أوفي هذا النجاة؟ قال: نعم، فتنصر يومئذ. وقد قيل: إنّ هذه القصة كانت لعديّ مع النعمان الأكبر بن المنذر، وإنّ النعمان الذي قتله هو ابن المنذر بن النعمان الأكبر الذي تنصر. وخبر هذا يأتي مع أحاديث عديّ.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»