تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار ابن عائشة ونسبه

فيه ١٤٨ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

محمد بن عائشة ويكنى أبا جعفر، ولم يكن يعرف له أب فكان ينسب إلى أمّه، ويلقبه من عاداه أو أراد سبّه «ابن عاهة الدار». وكان هو يزعم أنّ اسم أبيه جعفر؛ وليس يعرف ذلك. وعائشة أمّه مولاة لكثير بن الصّلت الكنديّ حليف قريش. وقيل: إنها مولاة لآل المطّلب بن أبي وداعة السّهميّ، ذكر ذلك إسحاق عن محمد بن سلّام. وحكى ابن الكلبيّ القول الأوّل، وقال إسحاق: هو الصحيح، يعني قول ابن الكلبيّ. وقال إسحاق فيما رواه لنا الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه: إنّ محمد بن معن الغفاريّ ذكر له عن أبي السائب المخزوميّ أن ابن عائشة مولى المطّلب بن أبي وداعة السّهميّ وإنّه كان لغير رشدة، فأدركت المشيخة وهم إذا سمعوا له صوتا حسنا قالوا: أحسن ابن المرأة. قال إسحاق وقال عمران بن هند الأرقميّ: بل كان مولى لكثير بن الصّلت.

قال إسحاق: قال عبيد اللّه بن محمد بن عائشة: قال الوليد بن يزيد لابن عائشة: يا محمد، ألغيّة أنت؟ قال: كانت أمّي يا أمير المؤمنين ما شطة، وكنت غلاما، فكانت إذا دخلت إلى موضع قالوا: ارفعوا هذا لابن عائشة؛ فغلبت على نسبي.

قال إسحاق: وكان ابن عائشة يفتن كلّ من سمعه، وكان فتيان من المدينة قد فسدوا في زمانه بمحادثته ومجالسته. وقد أخذ عن معبد ومالك ولم يموتا حتّى ساواهما على تقديمه لهما واعترافه بفضلهما.

وقد قيل: إنه كان ضاربا ولم يكن بالجيّد الضرب؛ وقيل: بل كان مرتجلا لم يضرب قطّ.

وابتداؤه بالغناء كان يضرب به المثل، فيقال للابتداء الحسن كائنا ما كان من قراءة قرآن، أو إنشاد شعر، أو غناء يبدأ به فيستحسن: كأنه ابتداء ابن عائشة. قال إسحاق: وسمعت علماءنا قديما وحديثا يقولون: ابن عائشة أحسن الناس ابتداء، وأنا أقول: إنه أحسن الناس ابتداء وتوسّطا وقطعا بعد أبي عبّاد معبد، وقد سمعت من يقول: إنّ ابن عائشة مثله؛ وأمّا أنا فلا أجسر على أن أقول ذلك.

وكان ابن عائشة غير جيّد اليدين فكان أكثر ما يغنّي مرتجلا. وكان أطيب الناس صوتا.

قال إسحاق وحدّثني محمد بن سلّام قال قال لي جرير: لا تخدعنّ عن أبي جعفر محمد بن عائشة، فلو لا صلف كان فيه لما كان بعد أبي عبّاد مثله.

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني محمد بن أحمد بن يحيى المكيّ عن أبيه عن جدّه قال: ثلاثة من المغنّين كانوا أحسن الناس حلوقا: ابن عائشة وابن تيزن وابن أبي الكنّات.

حدّثني عمي قال حدّثنا محمد بن داود بن الجرّاح قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثني مصعب الزّبيريّ عن أبيه قال: رأى ابن أبي عتيق حلق ابن عائشة مخدّشا فقال: من فعل هذا بك؟ قال: فلان، فمضى فنزع ثيابه وجلس للرجل على بابه، فلمّا خرج أخذ بتلبيبه وجعل يضربه ضربا شديدا والرجل يقول له: مالك تضربني! أيّ شيء صنعت! وهو لا يجيبه حتى بلغ منه؛ ثم خلّاه وأقبل على من حضر فقال: هذا أراد أن يكسر مزامير داود: شدّ على ابن عائشة فخنقه وخدش حلقه.

قال إسحاق في خبره: وحدّثني أبي عن سياط عن يونس الكاتب قال: ما عرفنا بالمدينة أحسن ابتداء من ابن عائشة إذا غنّى، ولو كان آخر غنائه مثل أوّله لقدّمته على ابن سريج. قال إبراهيم: هو كذاك عندي، وقال إسحاق مثل قولهما. قال: وقال يونس: كان ابن عائشة يضرب بالعود ولم يكن مجيدا، وكان غناؤه أحسن من ضربه، فكان لا يكاد يمسّ العود إلّا أن تجتمع جماعة من الضّرّاب فيضربون عليه ويضرب هو ويغنّي، فناهيك به حسنا!.

أخبرني الحسين عن حمّاد عن أبيه عن الهيثم بن عديّ عن صالح بن حسّان أنه ذكر يوما المغنّين بالمدينة، فقال: لم يكن بها أحد بعد طويس أعلم من ابن عائشة ولا أظرف مجلسا ولا أكثر طيبا؛ وكان يصلح أن يكون نديم خليفة أو سمير ملك. قال إسحاق: فأذكرني هذا القول قول جميلة له: وأنت يا أبا جعفر فمع الخلفاء تصلح أن تكون.

قال إسحاق وحدّثني المدائنيّ قال حدّثني جرير قال: كان ابن عائشة تائها سيّىء الخلق، فإن قال له إنسان: تغنّ، قال: ألمثلي يقال هذا! وإن قال له إنسان وقد ابتدأ هو بغناء: أحسنت، قال: ألمثلي يقال أحسنت! ثم يسكت، فكان قليلا ما ينتفع به. فسال العقيق مرّة فدخل عرصة سعيد بن العاصي الماء حتى ملأها، فخرج الناس إليها وخرج ابن عائشة فيمن خرج، فجلس على قرن البئر، فبينا هم كذلك إذ طلع الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، عليهم السلام، على بغلة وخلفه غلامان أسودان كأنهما من الشياطين، فقال لهما: امضيا رويدا حتى تقفا بأصل القرن الذي عليه ابن عائشة، فخرجا حتى فعلا ذلك. ثم ناداه الحسن: كيف أصبحت يا بن عائشة؟

قال: بخير، فداك أبي وأمي، قال: انظر من إلى جنبك، فنظر فإذا العبدان، فقال له: أتعرفهما؟ قال: نعم، قال: فهما حرّان لئن لم تغنّني مائة صوت لآمرنّهما بطرحك في البئر، وهما حرّان لئن لم يفعلا لأقطعنّ أيديهما، فاندفع ابن عائشة فكان أوّل ما ابتدأ به صوتا له وهو:

ألا للّه درّك منفتى قوم إذا رهبوا

ثم لم يسكت حتى غنّى مائة صوت، فيقال إن الناس لم يسمعوا من ابن عائشة أكثر مما سمعوا في ذلك اليوم، وكان آخر ما غنّى:

صوت

قل للمنازل بالظّهران قد حاناأن تنطقي فتبيني القول تبيانا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قل للمنازل بالظهران قد حانا»

قال جرير: فما رئي يوم أحسن منه، ولقد سمع الناس شيئا لم يسمعوا مثله، وما بلغني أن أحدا تشاغل عن استماع غنائه بشيء، ولا انصرف أحد لقضاء حاجة ولا لغير ذلك حتى فرغ. ولقد تبادر الناس من المدينة وما حولها حيث بلغهم الخبر لاستماع غنائه، فيقال: إنه ما رئي جمع في ذلك الموضع مثل ذلك الجمع، ولقد رفع الناس أصواتهم يقولون له: أحسنت واللّه، أحسنت واللّه، ثم انصرفوا حوله يزفّونه إلى المدينة زفّا.

نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني

منها:

صوت

ألا للّه درّك منفتى قوم إذا رهبوا
وقالوا من فتى للحرب يرقبنا ويرتقب
للشاعر أبو العَيال الهذلي، اقرأ القصيدة
فكنت فتاهم فيهاإذا تدعى لها تثب
للشاعر أبو العَيال الهذلي، اقرأ القصيدة
ذكرت أخي فعاودنيرداع السّقم والوصب

الشعر لأبي العيال الهذليّ. والغناء لمعبد، وله فيه لحنان، أحدهما ثقيل أوّل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق يبدأ فيه بقوله:

ذكرت أخي فعاودنيرداع السقم والوصب

والآخر خفيف رمل بالوسطى عن عمرو بن بانة. وفيه لابن عائشة خفيف رمل آحر، وقيل: بل هو لحن معبد. وذكر حمّاد بن إسحاق أن خفيف الرّمل لمالك. البوّ: جلد يحشى تبنا ويجفّف لكيلا تحبث رائحته، ويدنى إلى الناقة التي قد نحر فصيلها أو مات لتشمّه فتدرّ عليه.

ومنها:

صوت

قل للمنازل بالظّهران قد حاناأن تنطقي فتبيني القول تبيانا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قل للمنازل بالظهران قد حانا»
قالت ومن أنت قل لي قلت ذو شغفهجت له من دواعي الحبّ أحزانا

الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن عائشة خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ وحبش.

وقال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات حدّثني عبد الرحمن بن سليمان عن عليّ بن الجهم الشاعر قال حدّثني رجل: أن ابن عائشة واقفا بالموسم متحيّرا، فمرّ به بعض أصحابه فقال له: ما يقيمك ها هنا؟ فقال: إني أعرف رجلا لو تكلّم لحبس الناس ها هنا فلم يذهب أحد ولم يجي ء؛ فقال له الرجل: ومن ذاك؟ قال أنا، ثم اندفع يغنّي:

جرت سنحا فقلت لها أجيزينوى مشمولة فمتى اللقاء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»

قال: فحبس الناس، واضطربت المحامل، ومدّت الأبل أعناقها، وكادت الفتنة أن تقع. فأتي به هشام بن عبد الملك، فقال له: يا عدوّ اللّه، أردت أن تفتن الناس! قال: فأمسك عنه وكان تيّاها، فقال له هشام: ارفق بتيهك، فقال: حقّ لمن كانت هذه مقدرته على القلوب أن يكون تيّاها، فضحك منه وخلّى سبيله.

نسبة هذا الصوت الذي غناه ابن عائشة

صوت

جرت سنحا فقلت لها أجيزينوى مشمولة فمتى اللقاء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»
بنفسي من تذكّره سقامأعانيه ومطلبه عناء

السانح: ما أقبل من شمالك يريد يمينك، والبارح ضدّه. وقال أبو عبيدة: سمعت يونس بن حبيب يسأل رؤبة عن السانح والبارح، فقال: السانح: ما ولّاك ميامنه، والبارح: ما ولّاك مشائمه. وقوله: أجيزي أي انفذي. قال الأصمعيّ: يقال: أجزت الوادي إذا قطعته وخلّفته، وجزته أي سرت فيه فتجاوزته، وجاوزته مثله. قال أوس بن مغراء:

ولا يريمون في التعريف موقفهمحتى يقال أجيزوا آل صوفانا

ومشمولة: سريعة الانكشاف. أخذه من السحابة المشمولة، وهي التي تصيبها الشّمال فتكشفها، ومن شأن الشمال أن تقطع السحاب، واستعارها ها هنا في النّوى لسرعة انكشافهم فيها عن بلدهم، وأجرى ذلك مجرى الذمّ للسانح لأنه يتشاءم به. البيت الأوّل من الشعر لزهير بن أبي سلمى، والثاني محدث ألحقه المغنّون به لا أعرف قائله. والغناء لابن عائشة، ولحنه خفيف ثقيل أوّل بالبنصر.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا إسحاق وأخبرني به محمد بن مزيد والحسين بن يحيى قالا حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عديّ عن حمّاد الرواية قال: كتب الوليد بن يزيد إلى يوسف بن عمر: أما بعد، فإذا قرأت كتابي هذا فسرّح إليّ حمّادا الرواية على ما أحبّ من دوابّ البريد، وأعطه عشرة آلاف درهم يتهيّأ بها. قال: فأتاه الكتاب وأنا عنده فنبذه إليّ، فقلت: السمع والطاعة، فقال: يا دكين، مر شجرة يعطيه عشرة آلاف درهم، فأخذتها. فلما كان اليوم الذي أردت الخروج فيه أتيت يوسف بن عمر، فقال: يا حمّاد، أنا بالموضع الذي قد عرفته من أمير المؤمنين، ولست مستغنيا عن ثنائك؛ فقلت: أصلح اللّه الأمير «إن العوان لا تعلّم الخمرة» وسيبلغك قولي وثنائي. فخرجت حتى انتهيت إلى الوليد وهو بالبخراء، فاستأذنت عليه فأذن لي، فإذا هو على سرير ممهّد، وعليه ثوبان أصفران: إزار ورداء يقيئان الزّعفران قيئا، وإذا عنده معبد ومالك بن أبي السّمح وأبو كامل مولاه، فتركني حتى سكن جأشي، ثم قال أنشدني:

أمن المنون وريبها تتوجّع

فأنشدته حتى أتيت على آخرها؛ فقال لساقيه: يا سبرة اسقه، فسقاني ثلاثة أكؤس خثّرن ما بين الذّؤابة والنعل. ثم قال يا مالك، غنّني:

ألا هل هاجك الأظعان إذ جاوزن مطّلحا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألا هل هاجك الأظعان إذ»

ففعل. ثم قال له: غنّي:

جلا أميّة عنّي كلّ مظلمةسهل الحجاب وأوفى بالذي وعدا

ففعل. ثم قال له: غنّني

أتنسى إذ تودّعنا سليمىبفرع بشامة سقي البشام
للشاعر جرير، من قصيدة «متى كان الخيام بذي طلوح»

ففعل. ثم قال: يا سبرة، أو يا أبا سبرة، اسقني بزبّ فرعون؛ فأتاه بقدح معوجّ فسقاه به عشرين، ثم أتاه الحاجب فقال: أصلح اللّه أمير المؤمنين، الرجل الذي طلبت بالباب؛ قال: أدخله، فدخل شابّ لم أر شابّا أحسن وجها منه، في رجله بعض الفدع، فقال: يا سبرة اسقه، فسقاه كأسا؛ ثم قال له: غنّني:

وهي إذ ذاك عليها مئزرولها بيت جوار من لعب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «طال ليلي وتعناني الطرب»

فغنّاه؛ فنبذ إليه الثوبين. ثم قال له: غنّني:

طاف الخيال فمرحباألفا برؤية زينبا

فغضب معبد وقال: يا أمير المؤمنين، إنا مقبلون عليك بأقدارنا وأسناننا، وإنك تركتنا بمزجر الكلب، وأقبلت على هذا الصبيّ! فقال: واللّه يا أبا عبّاد، ما جهلت قدرك ولا سنّك، ولكنّ هذا الغلام طرحني في مثل الطّناجير من حرارة غنائه. قال حمّاد الرواية: فسألت عن الغلام فقيل لي هو ابن عائشة.

نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني

صوت

جلا أميّة عنّي كل مظلمةسهل الحجاب وأوفى بالذي وعدا
إذا حللت بأرض لا أراك بهاضاقت عليّ ولم أعرف بها أحدا

الغناء لابن عبّاد الكاتب خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر عمرو بن بانة أنه لعمر الواديّ. وذكر حبش أن فيه لمالك لحنا من خفيف الثقيل الأوّل بالوسطى.

ومنها:

صوت

أتنسى إذ تودّعنا سليمىبفرع بشامة سقي البشام
للشاعر جرير، من قصيدة «متى كان الخيام بذي طلوح»
متى كان الخيام بذي طلوحسقيت الغيث أيتها الخيام
للشاعر جرير، من قصيدة «متى كان الخيام بذي طلوح»
أتمضون الخيام ولم نسلّمكلامكم عليّ إذا حرام
بنفسي من تجنّبه عزيزعليّ ومن زيارته لمام
للشاعر جرير، من قصيدة «متى كان الخيام بذي طلوح»
ومن أمسي وأصبح لا أراهويطرقني إذا رقد النّيام

الشعر لجرير. والغناء لابن سريج، وله في هذه الأبيات ثلاثة ألحان: أحدها في الأوّل والرابع ثقيل أوّل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. والآخر في الثاني ثم الأوّل ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو، والآخر في الثالث وما بعده رمل بالبنصر عن الهشاميّ وحبش. وللدّلال في الثاني والثالث ثاني ثقيل بالسّبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق والمكّيّ. وللغريض في الأوّل والثاني والثالث خفيف رمل بالبنصر عن عمرو. وفيها لمالك ثقيل أوّل بالبنصر عن الهشاميّ. ولابن جامع في الأوّل والثاني والرابع والخامس هزج عن الهشاميّ. وفيها لابن جندب خفيف ثقيل بالبنصر.

ومنها الصوت الذي أوّله في الخبر:

وهي إذ ذاك عليها مئزر

وأوّله:

صوت

عهدتني ناشئا ذا غرّةرجل الجمّة ذا بطن أقب
أتبع الولدان أرخي مئزريإبن عشر ذا قريط من ذهب
وهي إذ ذاك عليها مئزرولها بيت جوار من لعب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «طال ليلي وتعناني الطرب»

الشعر لامرىء القيس، ويقال: إنه أوّل شعر شبّب فيه بالنساء. والغناء لابن عائشة ثاني ثقيل بالبنصر عن الهشاميّ ودنانير وحمّاد بن إسحاق. وفيه خفيف ثقيل بالبنصر ذكر حمّاد في أخبار جميلة أنه لها، وذكر حبش والهشاميّ أنه لابن سريج، وقيل: إنه لغيرهما.

ومنها:

صوت

ألا هل هاجك الأظعان إذ جاوزن مطّلحا

نعم ولو شك بينهمجرى لك طائر سنحا
أخذن الماء من رككوضوء الفجر قد وضحا
يقلن مقيلنا قرننباكر ماءه صبحا
تبعتهم بطرف العين حتى قيل لي افتضحا
يودّع بعضنا بعضاوكلّ بالهوى جرحا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألا هل هاجك الأظعان إذ»
فمن يفرح ببينهمفغيري إذ غدوا فرحا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألا هل هاجك الأظعان إذ»

الشعر ترويه الرواة جميعا لعمر بن أبي ربيعة سوى الزّبير بن بكّار فإنه رواه عن عمه وأهله لجعفر بن الزّبير بن العوّام، وقد ذكر خبره في هذا مع أخباره المذكورة في آخر الكتاب. ورواه الزّبير

إذ جاوزن من طلحا

وقال: ليس على وجه الأرض موضع يقال له: مطّلح. والغناء لمالك وله فيه لحنان: ثقيل أوّل بالبنصر عن إسحاق، وخفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيه لمعبد ثقيل أوّل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق.

وفيه لابن سريج في الخامس - وهو تبعتهم بطرف العين إلى آخر الأبيات - ثقيل أوّل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيها للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ، قال: وهو الذي فيه استهلال. وذكر ابن المكيّ أن الثقيل الثاني لمالك، وخفيف العقيل للغريض.

ومنها:

صوت

طرق الخيال فمرحباألفا برؤية زينبا
أنّى اهتديت لفتيةسلكوا السّليل فعليبا

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبّة عن محمد بن سلّام قال حدّثني جرير قال: أخذ بعض ولاة المدينة المغنّين والمخنّثين والسّفهاء بلزوم مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم، وكان في المسجد رجل ناسك يكنى أبا جعفر مولى لابن عيّاش بن أبي ربيعة المخزوميّ يقرىء الناس القرآن، وكان ابن عائشة يلازمه، فخلا لابن عائشة يوما الموضع مع أبي جعفر فقرأ له فطرّب ورجّع، فسمع الشيخ صوتا لم يسمع مثله قطّ، فقال له: يا بن أخي، أفسدت نفسك وضيّعتها، فلو أنك لزمت المسجد وتعلّمت القرآن لأقمت للناس في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم في شهر رمضان، ولأصبت بذلك من الولاة خيرا، فو اللّه ما دخل أذني قطّ صوت أحسن من صوتك؛ فقال ابن عائشة: فكيف لو سمعت يا أبا جعفر صوتي في الأمر الذي صنع له! قال وما هو؟ قال: انطلق معي حتى أسمعكه، فخرج معه إلى ميضأة ببقيع الغرقد عند دار المغيرة بن شعبة، وكان أبو جعفر يتوضأ عندها كلّ يوم، فاندفع ابن عائشة يغنّي:

ألآن أبصرت الهدىوعلا المشيب مفارقي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طرق الخيال المعتري»

فبلغ ذلك من الشيخ كل مبلغ، وقال: يابن أخي، هذا حسن وأنا أشتهي أن أسمعه، ولكن لا أطلبه ولا أمشي إليه؛ قال ابن عائشة: فعليّ أن أسمعكه؛ فكان يرصده، فإذا خرج أبو جعفر يتوضأ خرج ابن عائشة في أثره حتى يقف خلف جدا الميضأة بحيث غناءه، فيغنّيه أصواتا حتى يفرغ أبو جعفر من وضوئه. فلم يزل يفعل ذلك حتى أطلقوا من لزوم المسجد.

نسبة هذا الصوت

صوت

طرق الخيال المعتريوهنا فؤاد العاشق
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طرق الخيال المعتري»
طيف ألمّ فهاجنيللبين أمّ مساحق
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طرق الخيال المعتري»
ألآن أبصرت الهدىوعلا المشيب مفارقي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طرق الخيال المعتري»
وتركت أمر غوايتيوسلكت قصد طرائقي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طرق الخيال المعتري»
ولقد رضيت بعيشناإذ نحن بين حدائق
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طرق الخيال المعتري»
وركائب تهوي بنابين الدّروب فدابق
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «طرق الخيال المعتري»

الشعر للوليد بن يزيد، ويقال: إنه لابن رهيمة. والغناء لابن عائشة رمل بالبنصر عن عمرو، وذكره يونس أيضا له في كتابه. وفيه لأبي زكّار الأعمى خفيف رمل بالوسطى عن عمرو والهشاميّ. وذكر ابن خرداذبه أنه لأبي زكّار الأعمى وهو قديم، وأنه وجد ذلك في كتاب يونس. وفيه لحكم الوادي لحن في كتاب يونس غير مجنّس، ولا أدري أيّها هو. وفي هذه الأبيات خفيف ثقيل متنازع فيه نسب إلى معبد وإلى مالك، ولم أجده لهما عن ثقة، وأظنّه لحن حكم.

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر البوشنجي والحسين بن يحيى الأعور المرداسيّ قالا حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن سلّام عن أبيه قال: كان الحسن بن الحسن مكرما لابن عائشة محبّا له، وكان ابن عائشة منقطعا إليه، وكان من أتيه خلق اللّه وأشدّه ذهابا بنفسه، فسأله الحسن أن يخرج معه إلى البغيبغة فامتنع ابن عائشة من ذلك؛ فأقسم عليه فأبى؛ فدعا بغلمان له حبشان وقال: نفيت من أبي لئن لم تسر معي طائعا لتسيرنّ كارها، ونفيت من أبي لئن لم ينفذوا أمري فيك لأقطعنّ أيديهم. فلما رأى ابن عائشة ما ظهر من الحسن علم أنه لا بد من الذهاب، فقال له: بأبي أنت وأمّي، أنا أمضي معك طائعا لا كارها. فأمر الحسن بإصلاح ما يحتاج إليه وركب، وأمر لابن عائشة ببغلة فركبها ومضيا، حتى صارا إلى البغيبغة فنزلا الشّعب، وجاءهم ما أعدّوا فأكلوا؛ ثم أمر الحسن بأمره وقال يا محمد؛ فقال له: لبّيك يا سيدي؛ قال: غنّني؛ فاندفع فغناه:

صوت

يدعو النبيّ بعمّه فيجيبهيا خير من يدعو النبيّ جلالا
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة
ذهب الرجال فلا أحسّ رجالاوأرى الإقامة بالعراق ضلالا
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة
وأرى المرجّي للعراق وأهلهظمآن هاجرة يؤمّل آلا
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة
وطربت إذ ذكر المدينة ذاكريوم الخميس فهاج لي بلبالا
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة
فظللت أنظر في السماء كأننيأبغي بناحية السماء هلالا
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة

- الشعر لابن المولى من قصيدة طويلة قالها وقد قدم إلى العراق لبعض أمره فطال مقامه بها واشتاق إلى بلده. وقد ذكر خبره في موضعه من هذا الكتاب. والغناء لابن عائشة ثقيل أوّل بالبنصر عن حمّاد والهشاميّ وحبش. وقال الهشاميّ خاصة: فيه لحن لقراريط - فقال له الحسن: أحسنت واللّه يابن عائشة! فقال ابن عائشة: واللّه لا غنّيتك في يومي هذا شيئا؛ فقال الحسن: فو اللّه لا برحت البغيبغة ثلاثة أيام! فاغتمّ ابن عائشة ليمينه وندم وعلم أنّه لا حيلة له إلا المقام، فأقاموا. فلمّا كان اليوم الثاني قال له الحسن:

هات ما عندك فقد برّت يمينك، وكانوا جلوسا على شيء مرتفع، فنظروا إلى ناقة تقدم جماعة إبل، فاندفع ابن عائشة فغنّى:

تمرّ كجندلة المنجنيق يرمى بها السور يوم القتال
للشاعر أميّة بن أبي عائذ، اقرأ القصيدة
فماذا تخطرف من قلّةومن حدب وإكام توالي
للشاعر أميّة بن أبي عائذ، اقرأ القصيدة

ومن سيرها العنق المسبطرّ والعجر فيّة بعد الكلال فقال له الحسن: ويلك يا محمد! لقد أحسنت الصنعة؛ فسكت ابن عائشة؛ ثم قال له: غنني، فغنّاه:

إذا ما انتشيت طرحت اللّجام في شدق منجرد سلهب
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»
يبذّ الجياد بتقريبهويأوي إلى حضر ملهب
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»
كميت كأنّ على متنهسبائك من قطع المذهب
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «على كل سلهبة لا حها»
كأنّ القرنفل والزنجبيليعلّ على ريقها الأطيب
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»

فقال له الحسن: أحسنت يا محمد، فقال له ابن عائشة: لكنّك، بأبي أنت وأمّي، قد ألجمتني بحجر فما أطيق الكلام. فأقاموا باقي يومهم يتحدّثون؛ فلما كان اليوم الثالث قال الحسن: هذا آخر أيامك يا محمد؛ فقال ابن عائشة: عليه وعليه إن غنّاك إلّا صوتا واحدا حتّى تنصرف، وعليه وعليه إن حلفت ألّا أبرّ قسمك ولو في ذهاب روحه! فقال له الحسن: فلك الأمان على محبّتك؛ فاندفع فغناه:

صوت

أنعم اللّه لي بذا الوجه عيناوبه مرحبا وأهلا وسهلا
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
حين قالت لا تذكرنّ حديثييابن عمّي أقسمت قلت أجل لا
لا أخون الصديق في السرّ حتّىينقل البحر بالغرابيل نقلا
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة

قال: ثم انصرف القوم، فما رأى الحسن بن الحسن ابن عائشة بعدها.

نسبة ما لم تمض نسبته في الخبر من هذه الأصوات

منها:

نسبة الغناء في الشعر الذي غنى به ابن عائشة ذلك اليوم

صوت

تمرّ كجندلة المنجنيق يرمى بها السور يوم القتال

فماذا تخطرف من قلّةومن حدب وإكام توالي
للشاعر أميّة بن أبي عائذ، اقرأ القصيدة

ومن سيرها العنق المسبطرّ والعجر فيّة بعد الكلال

ألا يا لقوم لطيف الخيال أرّق من نازح ذي دلال
للشاعر أمية الهذلي، اقرأ القصيدة
يثنّي التحيّة بعد السلام ثمّ يفدّي بعمّ وخال
خيال لسلمى فقد عاد ليبنكس من الحبّ بعد اندمال

أما الذي قاله الشاعر في هذا الشعر فإنّه قال: يمر بالياء لأنه وصف به حمارا وحشيّا، ولكنّ المغنّين جميعا يغنّونه بالتاء على لفظ المؤنث، وقد وصف في هذه القصيدة الناقة ولم يذكر من صفتها إلّا قوله:

ومن سيرها العنق المسبطرّ

ولكنّ المغنّين أخذوا من صفة العير شيئا ومن صفة الناقة شيئا فخلطوها وغنّوا فيهما. وقوله:

فماذا تخطرف من قلّة

يعني أنّه يمرّ بالموضع المرتفع فيطفره. وروى الأصمعيّ:

فماذا تخطرف من حالقومن قلّة وحجاب وجال

فالحالق: ما أشرف. والحجاب: ما حجب عنك ما بين يديك من الأرض.

والجال: حرف الشيء، يقال له: جال وجول. والعنق المسبطرّ: المسترسل السهل.

والعجرفيّة: التعسف والإسراع. يقول: أذا كلّت وتعبت تعجرفت في السير من بقيّة نفسها وشدّتها. وروى الأصمعيّ فيها:

خيال لجعدة قد هاج لينكاسا من الحبّ بعد اندمال
للشاعر أمية الهذلي، اقرأ القصيدة

يقال: نكس ونكاس بمعنى واحد وهو عود المرض بعد الصحة. والاندمال: الإفاقة من العلّة، واندمال الجرح: برؤه. فأمّا الأبيات التي يصف فيها الناقة فقوله:

فسلّ الهموم بعيرانةمواشكة الرّجع بعد انتقال
للشاعر أمية الهذلي، اقرأ القصيدة
ذمول تزفّ زفيف الظّليم شمّر بالنّعف وسط الرّئال
للشاعر أمية الهذلي، اقرأ القصيدة
وترمدّ هملجة زعزعاكما انخرط الحبل فوق المحال
للشاعر أمية الهذلي، اقرأ القصيدة
ومن سيرها العنق المسبطرّوالعجرفيّة بعد الكلال
للشاعر أميّة بن أبي عائذ، اقرأ القصيدة
كأنّي ورحلي إذا رعتهاعلى جمزى جازىء بالرمال
للشاعر أمية الهذلي، اقرأ القصيدة

وأمّا صفة الحمار في هذه القصيدة فقوله فيه وفي الأتن:

فظلّ يسوّف أبو الهاويوفي زيازي حدب التّلال
فطاف بتعشيره وانتحىجوائلها وهو كالمستجال
للشاعر أمية الهذلي، اقرأ القصيدة
تهادى حوافرها جندلازواهق ضرب قلات بقال
للشاعر أمية الهذلي، اقرأ القصيدة
رمى بالجراميز عرض الوجين وآرمدّ في الجريّ بعد انفتال
للشاعر أمية الهذلي، اقرأ القصيدة
بشأو له كضريم الحريق أو شقّة البرق في عرض خال
للشاعر أمية الهذلي، اقرأ القصيدة
يمرّ كجندلة المنجنيق يرمى بها السور يوم القتال
للشاعر أمية الهذلي، اقرأ القصيدة
فماذا تخطرف من حالقومن حدب وحجاب وجال
للشاعر أمية الهذلي، اقرأ القصيدة

الشعر لأمية بن أبي عائذ الهذليّ. والغناء لابن عائشة. ولحن ابن عائشة مشكوك فيه: أيّ الألحان المصنوعة في هذا الشعر هو، فيقال: إنّه خفيف الرمل، ويقال: إنّه هو الثقيل الأوّل، ويقال: إنه الرمل. فأمّا خفيف الرمل

فهو بالخنصر في مجرى الوسطى، وذكره إسحاق في موضع فتوقّف عنه ولم ينسبه، ونسبه في موضع آخر إلى ابن أبي يزن المكيّ. ونسبه عمرو بن بانة إلى معبد وقال: فيه خفيف رمل آخر لمالك. وذكره يونس في أغاني ابن أبي يزن المكيّ ونسبه ولم يجنّسه. وذكر ابن خرداذبه والهشاميّ أنّ فيه لهشام بن المريّة لحنا من الثقيل الأوّل، ورأيت ذلك أيضا في بعض الكتب بخطّ عليّ بن يحيى المنجم كما ذكرا. وذكر إسحاق أنّ الرمل مطلق في مجرى الوسطى وأنّه لابن عائشة. وذكر أحمد بن المكيّ أنّه لأبيه، وذكر غيره أنّه غلط وأنّ لحن أبيه هو الثقيل الأوّل والرمل لابن عائشة. وقال حبش: فيه لابن سريج هزج خفيف بالوسطى.

ومنها، - وقد مضى تفسيره في الخبر واقتصر على البيت الأوّل منه -:

صوت

إذا انتشيت طرحت اللّجام في شدق منجرد سلهب
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «سما لك هم ولم تطرب»

الشعر للنّابغة الجعديّ. والغناء لابن عائشة: خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ وحمّاد.

ومنها الصوت الذي أوّله:

أنعم اللّه لي بذا الوجه عينا

وقد جمع مع سائر ما يغنّى فيه من القصيدة، وهو:

أثل جودي على المتيّم أثلالا تزيدي فؤاده أثل خبلا
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
أثل إنّي والراقصات بجمعيتبارين في الأزمّة فتلا
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
سابحات يقطعن من عرفاتبين أيدي المطيّ حزنا وسهلا
والأكفّ المطهّرات على الرّكن لشعث سعوا إلى البيت رجلا
لا أخون الصديق في السرّ حتّىينقل البحر بالغرابيل نقلا
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
أو تمور الجبال مور سحابمرتق قد وعى من الماء ثقلا
أنعم اللّه لي بذا الوجه عيناوبه مرحبا وأهلا وسهلا
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
حين قالت لا تفشينّ حديثييابن عمّي أقسمت قلت أجل لا
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
فاتقي اللّه واقبلي العذر منّيوتجافي عن بعض ما كان زلّا إن
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «جن قلبي فقلت يا قلب مهلا»
أكن سؤتكم به فلك العتبى لدينا وحقّ ذاك وقلّا
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
لم أرحّب بأن سخطت ولكنمرحبا أن رضيت عنّا وأهلا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «جن قلبي فقلت يا قلب مهلا»
إنّ شخصا رأيته ليلة البدر عليه ابتنى الجمال وحلّا
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
جعل اللّه كلّ أنثى فداءلك بل خدّها لرجليك نعلا
للشاعر الحارث المخزومي، اقرأ القصيدة
وجهك الوجه لو سألت به المزن من الحسن والجمال استهلّا

الشعر للحارث بن خالد المخزوميّ. والغناء لمعبد في الأربعة الأبيات الأول: خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو بن بانة. ولابن هوبر في الأوّل والثاني ثقيل أوّل عن إسحاق. ولابن سريج في الأوّل والثاني والخامس ثقيل أوّل، وآخر بالبنصر أوّله استهلال. وللغريض في الخامس وما بعده إلى التاسع خفيف ثقيل بالوسطى.

ولدحمان في التاسع والثالث عشر والرابع عشر خفيف ثقيل أوّل بالبنصر. ولمالك في التاسع إلى آخر الثاني عشر لحن من كتاب يونس ولم يقع إليّ من يجنّسه. ولابن سريج فيها بعينها رمل بالوسطى عن الهشاميّ. وفيها أيضا للغريض خفيف رمل بالبنصر. ولابن عائشة في السابع والثامن لحن ذكره حمّاد عن أبيه ولم يجنّسه.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وإسماعيل بن يونس الشّيعيّ وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالوا حدثنا عمر بن شبّة قال حدّثني محمد بن سلّام، وأخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر والحسين بن يحيى قالا حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن سلّام عن أبيه عن شيخ من تنوخ، ولم يقل عمر بن شبّة في خبره: محمد بن سلّام عن أبيه، ورواه عن محمد عن شيخ من تنوخ، قال: كنت صاحب ستر الوليد بن يزيد، فرأيت ابن عائشة عنده وقد غنّاه:

صوت

إنّي رأيت صبيحة النّفرحورا نفين عزيمة الصبر
مثل الكواكب في مطالعهابعد العشاء أطفن بالبدر
وخرجت أبغي الأجر محتسبافرجعت موفورا من الوزر

- قال إسحاق في خبره: والشعر لرجل من قريش، والغناء لمالك. هكذا في خبر إسحاق. وما وجدته ذكره لمالك في جامع أغانيه. ووجدته في غناء ابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن الهشاميّ - قال: فطرب الوليد حتّى كفر وألحد، وقال: يا غلام، اسقنا بالسماء الرابعة، وكان الغناء يعمل فيه عملا ضلّ عنه من بعده؛ ثم قال: أحسنت واللّه يا أميري! أعد بحقّ عبد شمس، فأعاد؛ ثم قال: أحسنت واللّه يا أميري! أعد بحقّ أميّة، فأعاد؛ ثم قال: أعد

بحق فلان، أعد بحق فلان، حتّى بلغ من الملوك نفسه، فقال: أعد بحياتي؛ فأعاده. قال: فقام إليه فأكبّ عليه فلم يبق عضو من أعضائه إلّا قبّله وأهوى إلى هنه؛ فجعل ابن عائشة يضمّ فخذيه عليه؛ فقال: واللّه العظيم لا تريم حتّى أقبّله، فأبداه له فقبّل رأسه، ثم نزع ثيابه فألقاها عليه، وبقي مجرّدا إلى أن أتوه بمثلها، ووهب له ألف دينار، وحمله على بغلة وقال: اركبها - بأبي أنت - وانصرف، فقد تركتني على مثل المقلى من حرارة غنائك؛ فركبها على بساطه وانصرف.

وأخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبّة قال حدّثني محمد بن الحسن النّخعيّ قال حدّثني محمد بن الحارث بن كليب بن زيد الرّبعي قال: خرج ابن عائشة المدنيّ من عند الوليد بن يزيد وقد غنّاه:

أبعدك معقلا أرجو وحصناقد اعيتني المعاقل والحصون

- وهي أربعة أبيات، هكذا في الخبر، ولم يذكر غير هذا البيت منها - قال فأطربه فأمر له بثلاثين ألف درهم وبمثل كارة القصّار كسوة. فبينا ابن عائشة يسير إذ نظر إليه رجل من أهل وادي القرى كان يشتهي الغناء ويشرب النبيذ، فدنا من غلامه وقال: من هذا الراكب؟ قال: ابن عائشة المغني؛ فدنا منه وقال: جعلت فداءك، أنت ابن عائشة أمّ المؤمنين؟ قال: لا، أنا مولى لقريش وعائشة أمّي وحسبك هذا فلا عليك أن تكثر؛ قال: وما هذا الذي أراه بين يديك من المال والكسوة؟ قال: غنّيت أمير المؤمنين صوتا فأطربته فكفر وترك الصلاة وأمر لي بهذا المال وهذه الكسوة؛ قال: جعلت فداءك، فهل تمنّ عليّ بأن تسمعني ما أسمعته إيّاه؟ فقال له: ويلك! أمثلي يكلّم بمثل هذا في الطريق! قال فما أصنع؟ قال: الحقني بالباب. وحرّك ابن عائشة بغلة شقراء كانت تحته لينقطع عنه؛ فعدا معه حتى وافيا الباب كفرسي رهان، ودخل ابن عائشة فمكث طويلا طمعا في أن يضجر فينصرف، فلم يفعل؛ فلمّا أعياه قال لغلامه: أخله؛ فلما دخل قال له: ويلك! من أين صبّك اللّه عليّ! قال: أنا رجل من أهل وادي القرى أشتهي هذا الغناء؛ فقال له: هل لك فيما هو أنفع لك منه؟ قال: وما ذاك؟ قال: مائتا دينار وعشرة أثواب تتصرف بها إلى أهلك؛ فقال له: جعلت فداءك، واللّه إنّ لي لبنيّة ما في أذنها - علم اللّه - حلقة من الورق فضلا عن الذهب، وإنّ لي لزوجة ما عليها - يشهد اللّه - قميص. ولو أعطيتني جميع ما أمر لك به أمير المؤمنين على هذه الخلّة والفقر اللذين عرّفتكهما وأضعفت لي ذلك، لكان الصوت أعجب إليّ - وكان ابن عائشة نائها لا يغنّي إلّا لخليفة أو لذي قدر جليل من إخوانه - فتعجّب ابن عائشة منه ورحمه، ودعا بالدّواة وكان يغنّي مرتجلا، فغنّاه الصوت؛ فطرب له طربا شديدا، وجعل يحرّك رأسه حتى ظنّ أن عنقه سينقصف، ثمّ خرج من عنده ولم يرزأه شيئا، وبلغ الخبر الوليد بن يزيد فسأل ابن عائشة عنه، فجعل يغيب عن الحديث. ثم جدّ الوليد به فصدقه عنه، وأمر بطلب الرجل فطلب حتّى أحضر، ووصله صلة سنيّة، وجعله في ندمائه ووكّله بالسّقي، فلم يزل معه حتّى مات.

أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدّثنا محمد بن سلّام قال حدّثني عمر بن أبي خليفة قال: كان الشّعبي مع أبي في أعلى الدار، فسمعنا تحتنا غناء حسنا، فقال له أبي: هل ترى شيئا؟ قال: لا، فنظرنا فإذا غلام حسن الوجه حديث السنّ يتغنّى:

قالت عبيد تجرّمافي القول فعل المازح

فما سمعت غناء كان أحسن منه، فإذا هو ابن عائشة، فجعل الشّعبيّ يتعجّب من غنائه، ويقول: يؤتي الحكمة من يشاء.

نسبة هذا الصوت

صوت

قالت عبيد تجرّمافي القول فعل المازح
أنجز بعمرك وعدنافأظنّ حبّك فاضحي
فأجبتها لو تعلمين بما تجنّ جوانحي
فيما أرى لرحمتنيمن خمل حبّ فادح
ما في البرية لي هوىفاسمع مقالة ناصح
أشكو إليه جفاءكمإلّا سلام مصافحي

زعم حبش أنّ الغناء لابن عائشة خفيف ثقيل بالبنصر.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني بعض أهل المدينة قال: حدّثني من رأى ابن عائشة حاجّا وقد دعاه فتية من بني هاشم فأجابهم، قال: وكنت فيهم، فلمّا دخلنا جعلوا صدر المجلس لابن عائشة فجلس فتحدّثوا حتّى حضر الطعام؛ فلما طعموا دعا بشراب فشربوا، وكان ابن عائشة إذا سئل أن يغنّي أبى ذلك وغضب، فإذا تحدّث القوم بحديث ومضى فيه شعر قد غنّى فيه ابتدأ هو فغنّاه، فكان من فطن له يفعل ذلك به، فقال رجل منهم: حدّثني اليوم رجل من الأعراب ممّن كان يصاحب جميلا بحديث عجيب؛ فقال القوم: وما هو؟ فقال: حدّثني أن جميلا بينما هو يحدّثه كما كان يحدّثه إذ أنكره ورأى منه غير ما كان يرى، فثار نافرا، مقشعرّ الشعر، متغيّر اللّون، إلى ناقة له مجتمعة قريبة من الأرض، موثّقة الخلق، فشدّ عليها رحله ثم أتاها بمحلب فيه لبن فشربته، ثم ثنّى فشربت حتّى رويت، ثم قال: اشدد أداة رحلك واشرب واسق جملك، فإني ذاهب بك إلى بعض مذاهبي، ففعلت، فجال في ظهر ناقته وركبت ناقتي، فسرنا بياض يومنا وسواد ليلتنا، ثم أصبحنا فسرنا يومنا لا واللّه ما نزلنا إلا للصلاة؛ فلما كان اليوم الثالث دفعنا إلى نسوة فمال إليهنّ فوجدنا الرجال خلوفا، وإذا قدر لبأ وقد جهدت جوعا وعطشا، فلما رأيت القدر اقتحمت عن بعيري وتركتهم جانبا، ثم أدخلت رأسي في القدر ما يثنيني حرّها حتى رويت، فذهبت أخرج رأسي من القدر فضاقت عليّ وإذا هي على رأسي قلنسوة، فضحكن منّي وغسلن ما أصابني. وأتي جميل بقرى فو اللّه ما التفتّ إليه؛ فبينا هو يحدّثهنّ إذا رواعي الإبل، وقد كان السلطان أحلّ لهم دمه إن وجدوه في بلادهم، وجاء الناس فقلن: ويحك! أنج وتقدّم، فو اللّه ما أكبرهم ذلك الإكبار، فإذا بهم يرمونه، ويطردونه، فإذا غشوه قاتلهم ورمى فيهم، وقام بي جملي، فقال لي: يسّر لنفسك مركبا خلفي، فأردفني خلفه، لا واللّه ما انكسر ولا انحلّ عن فرصته حتى رجع إلى أهله، وقد سار ستّ ليال وستة أيام وما التفت إلى طعام وقال في ذلك:

إنّ المنازل هيجت أطرابيواستعجمت آياتها بجوابي
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «إن المنازل هيجت أطرابي»

وهي قصيدة طويلة. وقال أيضا:

وأحسن أيامي وأبهج عيشتيإذا هيج بي يوما وهنّ قعود
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة

قال فقال ابن عائشة: أفلا أغنّي لكم ذلك؟ فقلنا: بلى واللّه، فاندفع فغنّاه، فما سمع السامعون شيئا أحسن من ذلك، وبقي أصحابنا يتعجبون من الحديث وحسنه والغناء وطيبه؛ فقال له أصحابنا: يا أبا جعفر، إنّا مستأذنوك، فإن أذنت لنا سألناك، وإن كرهت تركناك؛ فقال: سلوا، فقالوا: نحبّ أن تغنّينا في مجلسنا هذا ما نشطت هذا الصوت فقط؛ فقال لهم: نعم ونعمة عين وكرامة، فما زلنا في غاية السرور حتى انقضى المجلس.

نسبة هذا الغناء

صوت

إنّ المنازل هيّجت أطرابيواستعجمت آياتها بجوابي
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «إن المنازل هيجت أطرابي»
قفر تلوح بذي اللّجين كأنهاأنضاء وشم أو سطور كثاب
لمّا وقفت بها القلوص تبادرتمنّي الدموع لفرقة الأحباب
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «إن المنازل هيجت أطرابي»
وذكرت عصرا يا بثينة شاقنيإذ فاتني وذكرت شرخ شبابي

الشعر لجميل. والغناء للهذلي ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق.

أخبرني عمّي قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني أحمد بن يحيى المكيّ عن أبيه قال حدّثني عمرو بن أبي الكنّات الحكميّ قال حدثني يونس الكاتب قال: كنّا يوما متنزّهين بالعقيق أنا وجماعة من قريش، فبينا نحن على حالنا إذ أقبل ابن عائشة يمشي ومعه غلام من بني ليث وهو متوكّىء على يده، فلما رأى جماعتنا وسمعني أغنّي جاءنا فسلّم وجلس إلينا وتحدّث معنا، وكانت الجماعة تعرف سوء خلقه وغضبه إذا سئل أن يغنّي، فأقبل بعضهم على بعض يتحدّثون بأحاديث كثيّر وجميل وغيرهما من الشعراء، يستجرّون بذلك أن يطرب فيغنّي، فلم يجدوا عنده ما أرادوا، فقلت لهم أنا: لقد حدّثني اليوم بعض الأعراب حديثا يأكل الأحاديث، فإن شئتم حدّثتكم إياه؛ قالوا: هات؛ قلت: حدّثني هذا الرجل أنه مرّ بناحية الرّبذة فإذا صبيان يتغاطسون في غدير، وإذا شابّ جميل منهوك الجسم عليه أثر العلّة، والنحول في جسمه بيّن، وهو جالس ينظر إليهم، فسلّمت عليه فردّ عليّ السلام وقال: من أين وضح الراكب؟ قلت: من الحمى؛ قال: ومتى عهدك به؟ قلت: رائحا؛ قال: وأين كان مبيتك؟ قلت: ببني فلان؛ فقال: أوّه! وألقى بنفسه على ظهره وتنفّس الصّعداء تنفّسا قلت إنه قد خرّق حجاب قلبه؛ ثم أنشأ يقول:

صوت

سقى بلدا أمست سليمى تحلّهمن المزن ما يروى به ويسيم وإن لم
أكن من قاطنيه فإنّهيحلّ به شخص عليّ كريم
ألّا حبّذا من ليس يعدل قربهلديّ وإن شطّ المزار نعيم
ومن لامني فيه حميم وصاحبفردّ بغيظ صاحب وحميم

ثم سكن كالمغشيّ عليه، فصحت بالصّبية، فأتوا بماء فصببته على وجهه، فأفاق وأنشأ يقول:

إذا الصّبّ الغريب رأى خشوعيوأنفاسي تزيّن بالخشوع
ولي عين أضرّ بها التفاتيإلى الأجزاع مطلقة الدموع
إلى الخلوات يأنس فيك قلبيكما أنس الغريب إلى الجميع

فقلت له: ألا أنزل فأساعدك، أو أكرّ عودي على بدئي إلى الحمى في حاجة إن كانت لك حاجة أو رسالة؟

فقال: جزيت وصحبتك السلامة! امض لطيّتك، فلو أني علمت أنك تغني عنّي شيئا لكنت موضعا للرغبة وحقيقا بإسعاف المسئلة، ولكنّك أدركتني في صبابة من حياتي يسيرة؛ فانصرفت وأنا لا أراه يمسي ليلته إلّا ميّتا، فقال القوم: ما أعجب هذا الحديث! واندفع ابن عائشة فتغنّى في الشعرين جميعا وطرب وشرب بقيّة يومه، ولم يزل يغنّينا إلى أن انصرفنا.

فأما نسبة هذين الصوتين فإنّ في الأوّل منهما لحنا من خفيف الرّمل الثقيل المطلق في مجرى الوسطى، نسبه يحيى المكّيّ إلى معبد، وذكر الهشاميّ أنه منحول. وفي هذا الخبر: أنّ ابن عائشة غنّاه، وهو يغنّي في البيت الأوّل والثاني من الأبيات. وفيه للضّيزنيّ الملقب بنبيكة لحن جيّد من الثقيل الأوّل. وكان نبيكة هذا من حذّاق المغنّين وكبارهم، وقد خدم المعتمد ثم شخص إلى مصر فخدم خمارويه بن أحمد، ثم قدم بغداد في أيام المقتدر، ورأيناه وشاهدناه، وكانت في يده صبابة قويّة من إفضال ابن طولون واستغنى بها حتى مات، وله صنعة جيّدة قد ذكرت ما وقع إليّ منها في «المجرّد». وذكرت ممّا وقع إليّ له في هذا الكتاب لحنا جيّدا في شعر سعد ذلفاء، وهو:

ولمّا وقفنا دون سرحة مالك

في موضعه من أخباره.

وأمّا الشعر الثاني الذي ذكرت في هذا الخبر الماضي: أنّ ابن عائشة غنّاه فما رأيت له نسبة في كتاب ولا سمعت فيه صنعة من أحد، ولعله ممّا انطوى عنّي أو لم يشتهر فسقط عن الناس.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه، وأخبرني به الحسن بن عليّ عن هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات عن حمّاد عن أبيه عن يعقوب بن طلحة اللّيثيّ عن بعض مشايخه من أهل المدينة قال: أقبل ابن عائشة من الشام حتى نزل قصر ذي خشب ومعه مال وطيب وكسا فشرب فيه، ثم تطرّقوا إلى ظهر القصر فصعدوا، ثم نظر فإذا بنسوة يتمشّين في ناحية الوادي، فقال لأصحابه: هل لكم فيهنّ؟ قالوا: وكيف لنا بهنّ؟ فنهض فلبس ملاءة مدلوكة، ثم قام على شرفة من شرفات القصر فتغنّى:

وقد قالت لأترابلها زهر تلاقينا
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سليمى أزمعت بينا»
تعالين فقد طابلنا العيش تعالينا
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سليمى أزمعت بينا»

فأقبلن إليه فطرب واستدار حتى سقط من السطح؛ وهذا الخبر يذكر على شرحه في خبر وفاته.

أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد: قرأت على أبي عن محمد بن سلّام عن جرير أبي الحصين قال: كان ابن عائشة إذا غنّى في صوت له من شعر الحطيئة وهو:

عفا من سليمى مسحلان فحامره

نظر إلى أعطافه في كلّ رنّة، فسئل يوما - وقد دبّ فيه الشراب - عن ذلك، فقال: أنا عاشق لهذا الصوت، وعاشق لحديثه، وعاشق لغريبه، وعاشق لقول الحطيئة، إنّ الغناء رقية من رقى النّيك، ويعجبني فهم الحطيئة بالغناء وليس هو من أهله ولا بصاحب غناء، وكيف لا أعجب به ومحلّه منّي هذا المحلّ! وكان لا يسأله أحد إيّاه إلّا غنّاه، فمن فطن له أكثر سؤاله إيّاه. وكان جرير يقول: إنه أحسن صوت له وأرقّه وأجوده.

وتوفّي ابن عائشة فيما قيل في أيّام هشام بن عبد الملك، وقيل في أيّام الوليد. وما أظنّ الصحيح إلّا أنه توفّي في أيام الوليد، لأنه أقدمه إليه. وذكر من زعم أنّه توفّي في خلافة هشام: أنّه إنّما وفد على الوليد وهو وليّ عهد.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال: ذكر عمران بن هند: أنّ الغمر بن يزيد خرج إلى الشام، فلما نزل قصر ذي خشب شرب على سطحه، فغنى ابن عائشة صوتا طرب له الغمر، فقال: اردده، فأبي، وكان لا يردّ صوتا لسوء خلقه، فأمر به، فطرح من أعلى السّطح فمات. ويقال: بل قام من الليل وهو سكران ليبول فسقط من السطح فمات.

قال إسحاق فحدثني المدائنيّ قال حدّثني بعض أهل المدينة قال: أقبل ابن عائشة من عند الوليد بن يزيد وقد أجازه وأحسن إليه فجاء بما لم يأت به أحد من عنده، فلمّا قرب من المدينة نزل بذي خشب على أربعة فراسخ من المدينة، وكان واليها إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزوميّ، ولّاه هشام وهو خاله، وكان في قصر هناك، فقيل له: أصلح اللّه الأمير، هذا ابن عائشة قد أقبل من عند الوليد بن يزيد، فلو سألته أن يقيم عندنا اليوم فيطربنا وينصرف من غد! فدعا به فسأله المقام عنده فأجابه إلى ذلك، فلمّا أخذوا في شربهم أخرج المخزوميّ جواريه، فنظر إلى ابن عائشة وهو يغمز جارية منهنّ، فقال لخادمه: إذا خرج ابن عائشة يريد حاجته فارم به، وكانوا يشربون فوق سطح ليس له إفريز ولا شرفات، وهو يشرف على بستان، فلمّا قام ليبول رمى به الخادم من فوق السطح فمات، فقبره معروف هناك.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه وأخبرني به الحسن بن عليّ عن هارون بن محمد بن عبد الملك بن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن يعقوب بن طلحة الليثيّ عن بعض مشايخه من أهل المدينة قال: أقبل ابن عائشة من الشام حتى نزل بقصر ذي خشب ومعه مال وطيب وكسا، فشرب فيه، ثم تطرّقوا إلى ظهر القصر فصعدوا، ثم نظر فإذا بنسوة يتمشّين في ناحية الوادي، فقال لأصحابه: هل لكم فيهن؟

قالوا: وكيف لنا بهنّ؟ فنهض فلبس ملاءة مدلوكة، ثم قام على شرفة من شرف القصر فتغنّى في شعر ابن أذينة:

وقد قالت لأترابلها زهر تلاقينا
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سليمى أزمعت بينا»
تعالين فقد طابلنا العيش تعالينا
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سليمى أزمعت بينا»

فأقبلن إليه؛ وطرب فاستدار فسقط فمات. قال: وقال قوم: بل قدم المدينة فمات بها.

قال: ولما مات قال أشعب: قد قلت لكم، ولكنّه لا يغني حذر من قدر: زوّجوا ابن عائشة ربيحة الشّمّاسية تخرج لكم بينهما مزامير داود فلم تفعلوا، وجعل يبكي والناس يضحكون منه.

نسبة هذا الصوت الذي غناه ابن عائشة

صوت

سليمى أزمعت بينافأين تقولها أينا
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سليمى أزمعت بينا»
وقد قالت لأترابلها زهر تلاقينا
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سليمى أزمعت بينا»
تعالين فقد طابلنا العيش تعالينا
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سليمى أزمعت بينا»
وغاب البرم الليلة والعين فلا عينا
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سليمى أزمعت بينا»
فأقبلن إليها مسرعات يتهادينا
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سليمى أزمعت بينا»
إلى مثل مهاة الرمل تكسو المجلس الزّينا
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سليمى أزمعت بينا»
إلى خود منعّمةحففن بها وفدّينا
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سليمى أزمعت بينا»
تمنّين مناهنفكنّا ما تمنّينا
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سليمى أزمعت بينا»

الشعر لعروة بن أذنية. والغناء لابن عائشة لحنان أحدهما رمل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق، والآخر ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش.

أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد قالا حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: سمعت إبراهيم بن سعد يحلف للرشيد وقد سأله عمّن بالمدينة يكره الغناء، فقال: من قنّعه اللّه بخزيه مالك بن أنس، ثم حلف له إنه سمع مالكا يغنّي:

سليمى أزمعت بينافأين تقولها أينا
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سليمى أزمعت بينا»

في عرس رجل من أهل المدينة يكنى أبا حنظلة.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز وإسماعيل بن يونس قالا حدّثنا عمر بن شبة قال حدّثني أبو غسّان محمد بن يحيى عن بعض أصحابه قال: مرّ ابن عائشة بابن أذنية فقال له: قل أبياتا هزجا أغن فيها؛ فقال له: اجلس فجلس؛ فقال:

سليمى أزمعت بينا

الأبيات. قال أبو غسّان: فحدّثت أن ابن عائشة رواها، ثم ضحك لما سمع قوله:

تمنّين مناهنّفكنّا ما تمنّينا
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سليمى أزمعت بينا»

ثم قال له: يا أبا عامر، تمنّينك لمّا أقبل بخرك، وأدبر ذفرك، وذبل ذكرك! فجعل يشتمه. هذا لفظ إسماعيل بن يونس.

أخبرني الجوهريّ وإسماعيل بن يونس قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني أبو غسّان قال فحدّثني حمّاد الخشبيّ قال: ذكر ابن أذينة عند عمر بن عبد العزيز، فقال: نعم الرجل أبو عامر، على أنه الذي يقول:

وقد قالت لأترابلها زهر تلاقينا
للشاعر عروة بن أذينة، من قصيدة «سليمى أزمعت بينا»

أخبرني محمد بن مزيد والحسين بن يحيى قالا حدّثنا حمّاد عن أبيه عن المدائنيّ عن إسحاق بن أيّوب القرشيّ قال: كان هشام بن عبد الملك مكرما للوليد بن يزيد، وكان عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدّبا للوليد، وكان، فيما يقال، زنديقا، فحمل الوليد على الشراب والاستخفاف بدينه، فاتخذ ندماء وشرب وتهتّك، فأراد هشام قطعهم عنه، فولّاه الموسم في سنة عشر ومائة، فرأى الناس منه تهاونا واستخفافا بدينه، وأمر مولاه عيسى فصلّى بالناس، وبعث إلى المغنّين فغنّوه وفيهم ابن عائشة فغناه:

سليمى أجمعت بينا

فنعر الوليد نعرة أذن لها أهل مكة. وأمر لابن عائشة بألف دينار، وخلع عليه عدّة خلع، وحمله.

فخرج ابن عائشة من عنده بأمر أنكره الناس، وأمر للمغنّين بدون ذلك، فتكلم أهل الحجاز وقالوا: أهذا وليّ عهد المسلمين! وبلغ ذلك هشاما فطمع في خلعه، وأراده على ذلك فأبى؛ وتنكّر هشام للوليد، وتمادى الوليد في الشرب واللذات فأفرط، وتعبث هشام بالوليد وخاصّته ومواليه، فنزل بالأزرق بين أرض بلقين وفزارة على ماء يقال له الأغدق، حتى مات هشام. أنقضت أخباره.

ومما في المائة الصوت المختارة من أغاني ابن عائشة

صوت

حنّت إلى برق فقلت لها قريبعض الحنين فإن شجوك شائقي
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة
بأبي الوليد وأمّ نفسي كلّمابدت النجوم وذرّ قرن الشارق
أثوى فأكرم في الثّواء وقضّيتحاجاتنا من عند أروع باسق
لا تبعدنّ إداوة مطروحةكانت حديثا للشّراب العاتق

ويروي: بالشراب العاتق. عروضه من الكامل. حنّت، يعني ناقته. وهذا البيت يتبع بيتا قبله وهو:

فإلى الوليد اليوم حنّت ناقتيتهوي بمغبرّ المتون سمالق
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة

وبعده «حنت إلى برق...». وقوله: «قري» من الوقار، كأنها لما حنّت أسرعت ونازعت إلى الوطن أو المقصد، فقال يخاطبها: قري. وذرّ قرن الشارق: طلع قرن الشمس؛ يريد: بأبي الوليد وأمي في كل ليل ونهار أبدا. وأثوى: أنزل.

والثّواء: الإقامة؛ قال الأعشى:

لقد كان في حول ثواء ثويتهتقضّى لبانات ويسأم سائم
للشاعر الأعشى، من قصيدة «هريرة ودعها وإن لام لائم»

والباسق: الطويل؛ قال اللّه عزوجل: (وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ)

أي طوالا. ويروي:

لا تبعدنّ إداوة مطروحة

الشعر لعبد الرحمن بن أرطاة المحاربيّ. والغناء لابن عائشة. ولحنه المختار ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه للهذليّ لحن آخر من الثقيل الأوّل عن الهشاميّ وابن المكيّ. فأوّل لحن الهذليّ استهلال في:

حنت إلى برق فقلت لها قري

وأوّل لحن ابن عائشة:

بأبي الوليد وأمّ نفسي كلّمابدت النجوم وذرّ قرن الشارق

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»