تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار ابن محرز ونسبه

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو مسلم بن محرز. فيما روى ابن المكّيّ، ويكنّى أبا الخطّاب، مولى بني عبد الدّار ابن قصيّ. وقال ابن الكلبيّ: اسمه سلّم. قال ويقال: اسمه عبد اللّه. وكان أبوه من سدنة الكعبة، أصله من الفرس، وكان أصفر أحنى طويلا.

وأخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني أخي هارون عن عبد الملك بن الماجشون قال: اسم ابن محرز سلّم، وهو مولى بني مخزوم. وذكر إسحاق أنه كان يسكن المدينة مرّة ومكّة مرّة، فإذا أتى المدينة أقام بها ثلاثة أشهر يتعلّم الضّرب من عزّة الميلاء، ثم يرجع إلى مكّة فيقيم بها ثلاثة أشهر. ثم شخص إلى فارس فتعلّم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشأم فتعلّم ألحان الرّوم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألّف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يسمع مثله. وكان يقال له صنّاج العرب.

أخبرني عمّي قال حدّثني أبو أيّوب المديني عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: قال أبي: أوّل من غنّى الرّمل ابن محرز وما غنّي قبله. فقلت له: ولا بالفارسية؟ قال: ولا بالفارسية، وأوّل من غنّى رملا بالفارسية سلمك في أيّام الرشيد، استحسن لحنا من ألحان ابن محرز، فنقل لحنه إلى الفارسية وغنّى فيه.

قال أبو أيّوب وقال إسحاق: كان ابن محرز قليل الملابسة للناس، فأحمل ذلك ذكره فما يذكر منه إلّا غناؤه، وأخذت أكثر غنائه جارية كانت لصديق له من أهل مكة كانت تألفه، فأخذه الناس عنها. ومات بداء كان به. وسقط إلى فارس فأخذ غناء الفرس، وإلى الشأم فأخذ غناء الروم، فتخيّر من نغمهم ما تغنّى به غناءه. وكان يقدم بما يصيبه فيدفعه إلى صديقه ذاك فينفقه كيف شاء، لا يسأله عن شيء منه، حتّى إذا كاد أن ينفد جهّزه وأصلح من أمره، وقال له: إذا شئت فارحل، فيرحل ثم يعود. فلم يزل كذلك حتى مات.

قال: وهو أوّل من غنّى بزوج من الشّعر، وعمل ذلك بعده المغنّون اقتداء به. وكان يقول: الأفراد لا تتمّ بها الألحان. وذكر أنه أوّل ما أخذ الغناء أخذه عن ابن مسجح. قال إسحاق: وكانت العلّة التي مات بها الجذام، فلم يعاشر الخلفاء ولا خالط الناس لأجل ذلك.

قال أبو أيّوب قال إسحاق: قدم ابن محرز يريد العراق، فلمّا نزل القادسيّة لقيه حنين، فقال له: كم منّتك نفسك من العراق؟ قال: ألف دينار. قال: فهذه خمسمائة دينار فخذها وانصرف واحلف ألّا تعود.

وقال إسحاق: وقلت ليونس: من أحسن الناس غناء؟ قال: ابن محرز. قلت: وكيف قلت ذاك؟ قال: إن شئت فسّرت، وإن شئت أجملت. قلت: أجمل. قال: كأنه خلق من كلّ قلب، فهو يغنّي لكل إنسان بما يشتهي.

وهذه الحكاية بعينها قد حكيت في ابن سريج، ولا أدري أيّهما الحقّ.

قال إسحاق: وأخبرني الفضل بن يحيى بن خالد أنه سأل بعض من يبصر الغناء: من أحسن الناس غناء؟

فقال: أمن الرجال أم من النساء؟ فقلت: من الرجال. فقال: ابن محرز. فقلت: فمن النساء؟ فقال: ابن سريج.

قال: وكان إسحاق يقول: الفحول ابن سريج، ثم ابن محرز، ثم معبد ثم الغريض، ثم مالك.

أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد: قرأت على أبي حدّثنا بعض أهل المدينة، وأخبرني بهذا الخبر الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني أخي هارون عن عبد الملك بن الماجشون قال: كان ابن محرز أحسن الناس غناء، فمرّ بهند بنت كنانة بن عبد الرحمن بن نضلة بن صفوان بن أمية بن محرّث الكنانيّ حليف قريش، فسألته أن يجلس لها ولصواحب لها، ففعل وقال: أغنّيكنّ صوتا أمرني الحارث بن خالد بن العاص بن هشام أن أغنّيه عائشة بنت طلحة بن عبيد اللّه في شعر له قاله فيها وهو يومئذ أمير مكة؟ قلن نعم. فغنّاهنّ:

صوت

فوددت إذ شحطوا وشطّت دارهموعدتهم عنّا عواد تشغل
أنّا نطاع وأن تنقّل أرضناأو أنّ أرضهم إلينا تنقل
لتردّ من كثب إليك رسائليبجوابها ويعود ذاك المرسل

عروّضه من الكامل. الغناء في هذه الأبيات خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر، ذكر عمرو بن بانة أنه لابن محرز، وذكر إسحاق أنه لابن سريج.

وقال أبو أيّوب المدينيّ في خبره: بلغني أنّ ابن محرز لمّا شخص يريد العراق لقيه حنين فقال له: غنّني صوتا من غنائك. فغنّاه:

صوت

وحسن الزّبرجد في نظمهعلى واضح اللّيت زان العقودا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وحسن الزبرجد في نظمه»
يفصّل ياقوته درّهوكالجمر أبصرت فيه الفريدا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وحسن الزبرجد في نظمه»

عروضه من المتقارب. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لابن محرز ثاني ثقيل بالسّبّابة في مجرى البنصر - قال: فقال له حنين حينئذ: كم أمّلت من العراق؟ قال: ألف دينار. فقال له: هذه خمسمائة دينار فخذها وانصرف. ولمّا شاع ما فعل لامه أصحابه عليه؛ فقال: واللّه لو دخل العراق لما كان لي معه فيه خبز آكله، ولا طّرحت وسقطت إلى آخر الدهر. وهذا الصوت أعنى:

وحسن الزبرجد في نظمه

من صدور أغاني ابن محرز وأوائلها وما لا يتعلّق بمذهبه فيه ولا يتشبّه به أحد. ومما يغنّى فيه من قصيدة نصيب التي أوّلها: أهاج هواك المنزل المتقادم

صوت

لقد راعني للبين نوح حمامةعلى غصن بان جاوبتها حمائم
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «اهاج هواك المنزل المتقادم»
هواتف أمّا من بكين فعهدهقديم وأمّا شجوهنّ فدائم
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «اهاج هواك المنزل المتقادم»

الغناء لابن سريج من رواية يونس وعمرو وابن المكيّ، وهو ثاني ثقيل بالبنصر، وهو من جيّد الألحان وحسن الأغاني، وهو مما عارض ابن سريج فيه ابن محرز وانتصف منه.

ذكر الأصوات التي رواها جحظة عن أصحابه وحكى أنها من الثلاثة المختارة

صوت

إلى جيداء قد بعثوا رسولاليحزنها فلا صحب الرّسول
كأنّ العام ليس بعام حجّتغيّرت المواسم والشكول
للشاعر العرجي، من قصيدة «إلى جيداء قد بعثوا رسولا»

الشعر للعرجيّ، والغناء لإبراهيم الموصليّ، ولحنه المختار ماخوريّ بالوسطى. وهو من خفيف الثّقيل الثاني على مذهب إسحاق. وفيه لابن سريج ثاني ثقيل بالسّبّابة. في مجرى البنصر، وذكر عمرو بن بانة أنّ الماخوريّ لابن سريج.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»