تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

مقدمة المؤلف

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هذا كتاب ألّفه عليّ بن الحسين بن محمد القرشيّ الكاتب المعروف بالأصبهانيّ، وجمع فيه ما حضره وأمكنه جمعه من الأغاني العربية قديمها وحديثها، ونسب كلّ ما ذكره منها إلى قائل شعره وصانع لحنه وطريقته من إيقاعه وإصبعه التي ينسب إليها من طريقته، واشتراك إن كان بين المغنّين فيه، على شرح لذلك وتلخيص وتفسير للمشكل من غريبه وما لا غنى عن علمه من علل إعرابه وأعاريض شعره التي توصّل إلى معرفة تجزئته وقسمة ألحانه.

ولم يستوعب كلّ ما غنّي به في هذا الكتاب ولا أتى بجميعه؛ إذ كان قد أفرد لذلك كتابا مجرّدا من الأخبار ومحتويا على جميع الغناء المتقدّم والمتأخّر. واعتمد في هذا الباب على ما وجد لشاعره أو مغنّيه أو السبب الذي من أجله قيل الشعر أو صنع اللحن خبرا يستفاد ويحسن بذكره ذكر الصوت معه، على أقصر ما أمكنه وأبعده من الحشو والتكثير بما تقلّ الفائدة فيه. وأتى في كل فصل من ذلك بنتف تشاكله، ولمع تليق به، وفقر إذا تأمّلها قارئها لم يزل متنقّلا بها من فائدة إلى مثلها، ومتصرّفا فيها بين جدّ وهزل، وآثار وأخبار، وسير وأشعار، متصلة بأيام العرب المشهورة وأخبارها المؤثورة، وقصص الملوك في الجاهلية والخلفاء في الإسلام، تجمل بالمتأدّبين معرفتها، وتحتاج الأحداث إلى دراستها، ولا يرتفع من فوقهم من الكهول عن الاقتباس منها؛ إذ كانت منتخلة من غرر الأخبار، ومنتقاة من عيونها، ومأخوذة من مظانّها، ومنقولة عن أهل الخبرة بها. فصدّر كتابه هذا وبدأ فيه بذكر المائة الصوت المختارة لأمير المؤمنين الرشيد - رحمه اللّه تعالى - وهي التي كان أمر إبراهيم الموصليّ وإسماعيل بن جامع وفليح بن العوراء باختيارها له من الغناء كلّه؛ ثم رفعت إلى الواثق باللّه - رحمة اللّه عليه - فأمر إسحاق بن إبراهيم بأن يختار له منها ما رأى أنه أفضل مما كان اختير متقدّما، ويبدل ما لم يكن على هذه الصفة بما هو أعلى منه وأولى بالاختيار؛ ففعل ذلك. وأتبع هذه القطعة بما اختاره غير هؤلاء من متقدّمي المغنّين وأهل العلم بهذه الصناعة من الأغاني، وبالأصوات التي تجمع النّغم العشر المشتملة على سائر نغم الأغاني والملاهي، وبالأرمال الثلاثة المختارة، وما أشبه ذلك من الأصوات التي تتقدّم غيرها في الشهرة كمدن معبد وهي سبعة أصوات، والسبعة التي جعلت بإزائها من صنعة ابن سريج وخيّر بينهما فيها، وكأصوات معبد المعروفة بألقابها، وزيانب يونس الكاتب؛ فإن هذه الأصوات من صدور الغناء وأوائله وما لا يحسن تقديم غيره أمامه. وأتبع ذلك بأغاني الخلفاء وأولادهم، ثم بسائر الغناء الذي عرف له قصة تستفاد وحديثا يستحسن؛ إذ ليس لكلّ الأغاني خبر نعرفه، ولا في كلّ ما له خبر فائدة، ولا لكلّ ما فيه بعض الفائدة رونق يروق الناظر ويلهي السامع.

ووقّع على أوّل كلّ شعر فيه غناء صوتا ليكون علامة ودلالة عليه يتبيّن بها ما فيه صنعة من غيره. وربما أتى في خلال هذه الأصوات وأخبارها أشعار قيلت في تلك المعاني وغنّي بها وليست من الأغاني المختارة ولا من هذه الأجناس المرتّبة، فلا يوجد من ذكرها معها بدّ؛ لأنها إذا أفردت عنها كانت إمّا منقطعة الأخبار غير مشاكلة لنظائرها أو معادة أخبارها؛ وفي كلتا الحالتين خلاف لما يجيء به هذا الكتاب. وقد يأتي أيضا منها الشيء الذي تطول أخباره وتكثر قصص شاعره مع غيره من الأصوات والأخبار، فلا يمكن شرحها جمعاء في ذلك الموضع لئلّا تنقطع الأخبار المذكورة بدخوله بينها، فيؤخّر ذكره إلى مواضع يحسن فيها، ونظائر له يضاف إليها، غير قاطع اتّساق غيره منها ولا مفرد للقرائن بتوسّطه لها، ويكون ذكره على هذه الحال أشكل وأليق.

قال مؤلف هذا الكتاب: ولعلّ بعض من يتصفّح ذلك ينكر تركنا تصنيفه أبوابا على طرائق الغناء أو على طبقات المغنّين في أزمانهم ومراتبهم أو على ما غنّي به من شعر شاعر. والمانع من ذلك والباعث على ما نحوناه علل:

منها: أنّا لمّا جعلنا ابتداءه الثلاثة الأصوات المختارة كان شعراؤها من المتأخرين، وأوّلهم أبو قطيفة وليس من الشعراء المعدودين ولا الفحول، ثم عمر بن أبي ربيعة، ثم نصيب. فلما جرى أوّل الكتاب هذا المجرى ولم يمكن ترتيب الشعراء فيه، ألحق آخره بأوّله وجعل على حسب ما حضر ذكره. وكذلك سائر المائة الصوت المختارة، فإنها جارية على غير ترتيب الشعراء والمغنين. وليس المغزى في الكتاب ترتيب الطبقات، وإنما المغزى فيه، ما ضمّنه من ذكر الأغاني بأخبارها، وليس هذا ممّا يضرّ فيها.

ومنها: أن الأغاني قلّما يأتي منها شيء ليس فيه اشتراك بين المغنّين في طرائق مختلفة لا يمكن معها ترتيبها على الطرائق؛ إذ ليس بعض الطرائق ولا بعض المغنّين أولى بنسبة الصوت إليه من الآخر.

ومنها: أن ذلك لو لم يكن كما ذكرنا لم يخل فيها - إذا أتينا بغناء رجل رجل وأخباره وما صنّف إسحاق

وغيره - من أن نأتي بكلّ ما أتى به المصنّفون والرواة منها على كثرة حشوه وقلّة فائدته، وفي هذا نقض ما شرطناه من إلغاء الحشو، أو أن نأتي ببعض ذلك فينسب الكتاب إلى قصور عن مدى غيره. وكذلك تجري أخبار الشعراء. فلو أتينا بما غنّي به شعر شاعر منهم ولم نتجاوزه حتى نفرغ منه، لجرى هذا المجرى، وكانت للنفس عنه نبوة، وللقلب منه ملّة، وفي طباع البشر محبة الانتقال من شيء إلى شيء، والاستراحة من معهود إلى مستجدّ.

وكلّ منتقل إليه أشهى إلى النفس من المنتقل عنه، والمنتظر أغلب على القلب من الموجود. وإذا كان هذا هكذا، فما رتّبناه أحلى وأحسن، ليكون القارىء له بانتقاله من خبر إلى غيره، ومن قصة إلى سواها، ومن أخبار قديمة إلى محدثة، ومليك إلى سوقة، وجدّ إلى هزل، أنشط لقراءته وأشهى لتصفّح فنونه، لا سيّما والذي ضمّنّاه إيّاه أحسن جنسه، وصفو ما ألّف في بابه، ولباب ما جمع في معناه.

وكلّ ما ذكرنا فيه من نسب الأغاني إلى أجناسها فعلى مذهب إسحاق بن إبراهيم الموصليّ وإن كانت رواية النسبة عن غيره؛ إذ كان مذهبه هو المأخوذ به اليوم دون مذهب من خالفه، مثل إبراهيم بن المهديّ، ومخارق وعلّوية وعمرو بن بانة ومحمد بن الحارث بن بسخنّر ومن وافقهم؛ فإنهم يسمّون الثّقيل الأوّل وخفيفه الثقيل الثاني وخفيفه، ويسمّون الثقيل الثاني وخفيفه الثقيل الأوّل وخفيفه، وقد اطّرح ما قالوه الآن وترك، وأخذ الناس بقول إسحاق.

قال مؤلف هذا الكتاب: والذي يعثني على تأليفه أنّ رئيسا من رؤسائنا كلّفني جمعه له، وعرّفني أنه بلغه أن الكتاب المنسوب إلى إسحاق مدفوع أن يكون من تأليفه، وهو مع ذلك قليل الفائدة، وأنه شاكّ في نسبته؛ لأن أكثر أصحاب إسحاق ينكرونه، ولأن ابنه حمّادا أعظم الناس إنكارا لذلك. وقد لعمري صدق فيما ذكره، وأصاب فيما أنكره.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: سمعت حمّادا يقول: ما ألّف أبي هذا الكتاب قطّ ولا رآه. والدليل على ذلك أنّ أكثر أشعاره المنسوبة التي جمعت فيه إلى ما ذكر معها من الأخبار ما غنّى فيه أحد قطّ، وأنّ أكثر نسبه إلى المغنّين خطأ؛ والذي ألّفه أبي من دواوين الغناء يدلّ على بطلان هذا الكتاب، وإنما وضعه ورّاق كان لأبي بعد وفاته، سوى الرّخصة التي هي أوّل الكتاب؛ فإن أبي - رحمه اللّه - ألّفها؛ لأن أخبارها كلّها من روايتنا. هذا ما سمعته من أبي بكر حكاية فحفظته واللفظ يزيد وينقص.

وأخبرني أحمد بن جعفر جحظة أنه يعرف الورّاق الذي وضعه، وكان يسمّى بسند الورّاق، وحانوته في الشّرقية في خان الزّبل، وكان يورّق لإسحاق بن إبراهيم، فاتفق هو وشريك له على وضعه. وليست الأغاني التي فيه أيضا مذكورة الطّرائق، ولا هي بمقنعة من جملة ما في أيدي الناس من الأغاني، ولا فيها من الفوائد ما يبلغ الإرادة؛ فتكلّفت ذلك له على مشقّة احتملتها منه، وكراهة أن يؤثر عنّي في هذا المعنى ما يبقى على الأيام مخلّدا، وإليّ على تطاولها منسوبا، وإن كان مشوبا بفوائد جمّة ومعان من الآداب شريفة. ونعوذ باللّه مما أسخطه من قول أو عمل، ونستغفره من كلّ موبقة وخطيئة وقول لا يوافق رضاه، وهو وليّ العصمة والتوفيق، وعليه نتوكّل وإليه ننيب. وصلّى اللّه على محمد وآله عند مفتتح كل قول وخاتمته وسلّم تسليما. وحسبنا اللّه ونعم الوكيل كافيا ومعينا.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»