من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
ذكر خبر عمر بن أبي ربيعة ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو عمر بن عبد اللّه بن أبي ربيعة، واسم أبي ربيعة: حذيفة بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر. وقد تقدّم باقي النسب في نسب أبي قطيفة. ويكنى عمر بن أبي ربيعة «أبا الخطّاب». وكان أبو ربيعة جدّه يسمّى «ذا الرّمحين»، سمّي بذلك لطوله، كان يقال: كأنه يمشي على رمحين.
أخبرني بذلك الحرميّ بن أبي العلاء قال حدثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي ومحمد بن الضّحّاك عن أبيه الضّحّاك عن عثمان بن عبد الرحمن اليربوعيّ. وقيل: إنه قاتل يوم عكاظ برمحين فسمّي «ذا الرّمحين» لذلك.
وأخبرني بذلك أيضا عليّ بن صالح بن الهيثم قال حدّثني أبو هفّان عن إسحاق بن إبراهيم الموصليّ عن مصعب الزبيريّ والمدائنيّ والمسيّبيّ ومحمد بن سلّام، قالوا: وفيه يقول عبد اللّه بن الزّبعرى:
ألا للّه قوم ولدت أخت بني سهم
هشام وأبو عبدمناف مدرة الخصم
وذو الرّمحين أشباكعلى القوّة والحزم
فهذان يذودانوذا من كثب يرمي
أسود تزدهي الأقران منّاعون للهضم
وهم يوم عكاظ منعوا الناس من الهزم
وهم من ولدوا أشبوابسرّ الحسب الضّخم
فإن أحلف وبيت اللّه لا أحلف على إثم
لما من إخوة بينقصور الشأم والرّدم
بأزكى من بني ريطة أو أوزن في الحلم
أبو عبد مناف: الفاكه بن المغيرة. وريطة هذه التي عناها هي أمّ بني المغيرة، وهي بنت سعيد بن سعد بن سهم، ولدت من المغيرة هشاما وهاشما ربيعة والفاكه.
وأخبرني أحمد بن سليمان بن داود الطّوسيّ والحرميّ بن أبي العلاء قالا: حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا محمد بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي ثابت قال أخبرني محمد بن عبد العزيز عن ابن أبي نهشل عن أبيه قال: قال لي أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام - وجئته أطلب منه مغرما - يا خال، هذه أربعة آلاف درهم وأنشد هذه الأبيات الأربعة وقل: سمعت حسّان ينشدها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم. فقلت: أعوذ باللّه أن أفتري على اللّه ورسوله، ولكن إن شئت أن أقول: سمعت عائشة تنشدها فعلت. فقال: لا، إلّا أن تقول: سمعت حسّان ينشدها رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم ورسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم جالس، فأبى عليّ وأبيت عليه، فأقمنا لذلك لا نتكلّم عدّة ليال. فأرسل إليّ فقال: قل أبياتا تمدح بها هشاما - يعني ابن المغيرة - وبني أميّة. فقلت: سمّهم لي، فسمّاهم وقال: اجعلها في عكاظ واجعلها لأبيك. فقلت:
ألا للّه قوم ولدت أخت بني سهم
الأبيات. قال: ثم جئت فقلت: هذه قالها أبي. فقال: لا، ولكن قل: قالها ابن الزّبعري. قال: فهي إلى الآن منسوبة في كتب الناس إلى ابن الزّبعري.
قال الزبير: وأخبرني محمد بن الحسن المخزوميّ قال: أخبرني محمد بن طلحة أنّ عمر بن أبي ربيعة قائل هذه الأبيات:
ألا للّه قوم ولدت أخت بني سهم
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالا: حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني محمد بن يحيى قال حدّثني عبد العزيز بن عمران قال حدّثني محمد بن عبد العزيز عن ابن أبي نهشل عن أبيه بمثل ما رواه الزّبير عنه. وزاد فيه عمر بن شبّة: قال محمد بن يحيى: و «أخت بني سهم التي عناها ريطة بنت سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤيّ بن غالب، وهي أمّ بني المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم وهم: هشام وهاشم وأبو ربيعة والفاكه، وعدّة غيرهم لم يعقبوا، وإيّاهم يعني أبو ذؤيب بقوله:
صخب الشّوارب لا يزال كأنهعبد لآل أبي ربيعة مسبع
ضرب بعزّهم المثل. قال: وكان اسم عبد اللّه بن أبي ربيعة في الجاهلية بحيرا، فسمّاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم عبد اللّه، وكانت قريش تلقّبه «العدل»، لأنّ قريشا كانت تكسو الكعبة في الجاهلية بأجمعها من أموالها سنة، ويكسوها هو من ماله سنة، فأرادوا بذلك أنه وحده عدل لهم جميعا في ذلك.
وفيه يقول ابن الزّبعري:
بحير بن ذي الرّمحين قرّب مجلسيوراح عليّ خيره غير عاتم
وقد قيل: إن العدل هو الوليد بن المغيرة.
وكان عبد اللّه بن أبي ربيعة تاجرا موسرا، وكان متجره إلى اليمن، وكان من أكثرهم مالا. وأمّه أسماء بنت مخرّبة، وقيل: مخرّمة، وكانت عطّارة يأتيها العطر من اليمن. وقد تزوّجها هشام بن المغيرة أيضا، فولدت له إبا جهل والحارث ابني هشام، فهي أمّهما وأمّ عبد اللّه وعيّاش ابني أبي ربيعة.
أخبرني الحرميّ والطّوسيّ قال: حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي عن الواقديّ قال: كانت أسماء بنت مخرّبة تبيع العطر بالمدينة. فقالت الرّبيّع بنت معوّذ بن عفراء الأنصاريّة - وكان أبوها قتل أبا جهل بن هشام يوم بدر واحتزّ رأسه عبد اللّه بن مسعود - وقيل: بل عبد اللّه بن مسعود هو الذي قتله - فذكرت أنّ أسماء بنت مخرّبة دخلت عليها وهي تبيع عطرا لها في نسوة، قالت: فسألت عنّا، فانتسبنا لها. فقالت: أأنت ابنة قاتل سيّده؟ تعني أبا جهل. قلت: بل أنا بنت قاتل عبده. قالت: حرام عليّ أن أبيعك من عطري شيئا.
قلت: وحرام عليّ أن أشتري منه شيئا، فما وجدت لعطر نتنا غير عطرك، ثم قمت، ولا واللّه ما رأيت عطرا أطيب من عطرها، ولكنّي أردت أن أعيبه لأغيظها.
وكان لعبد اللّه بن أبي ربيعة عبيد من الحبشة يتصرّفون في جميع المهن، وكان عددهم كثيرا، فروي عن سفيان بن عيينة أنه قيل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم حين خرج إلى حنين: هل لك في حبش بني المغيرة تستعين بهم؟
فقال: «لا خير في الحبش إن جاعوا سرقوا وإن شبعوا زنوا، وإنّ فيهم لخلّتين حسنتين إطعام الطعام والبأس يوم البأس». واستعمل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم عبد اللّه بن أبي ربيعة على الجند ومخلفيها، فلم يزل عاملا عليها حتى قتل عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه. هذا من رواية الزّبير عن عمّه. قال: وحدّثني ابن الماجشون. عن عمّه أنّ عثمان بن عفّان - رحمه اللّه - استعمله أيضا عليها.
وأمّ عمر بن أبي ربيعة أمّ ولد يقال لها «مجد»، سبيت من حضر موت، ويقال من حمير. قال أبو محلّم ومحمد بن سلّام: هي من حمير، ومن هناك أتاه الغزل، يقال: غزل يمان، ودلّ حجازيّ.
وقال عمر بن شبّة: أمّ عمر بن أبي ربيعة أمّ ولد سوداء من حبش يقال لهم: فرسان. وهذا غلط من أبي زيد، تلك أمّ أخيه الحارث بن عبد اللّه الذي يقال له: «القباع»، وكانت نصرانيّة. وكان الحارث بن عبد اللّه شريفا كريما ديّنا وسيّدا من سادات قريش.
قال الزّبير بن بكّار: ذكره عبد الملك بن مروان يوما وقد ولّاه عبد اللّه بن الزّبير، فقال: أرسل عوفا وقعد! «لا حرّ بوادي عوف». فقال له يحيى بن الحكم: ومن الحارث ابن السّوداء! فقال له عبد الملك: ما ولدت واللّه أمة خيرا مما ولدت أمّه!.
وأخبرني عليّ بن صالح عن أبي هفّان عن إسحاق بن إبراهيم عن الزّبير والمدائنيّ والمسيّبيّ: أن أمّه ماتت نصرانيّة وكانت تسرّ ذلك منه. فحضر الأشراف جنازتها، وذلك في عهد عمر بن الخطّاب - رحمة اللّه عليه - فسمع الحارث من النساء لغطا، فسأل عن الخبر، فعرّف أنها ماتت نصرانيّة وأنه وجد الصليب في عنقها، وكانت تكتمه ذلك. فخرج إلى الناس فقال: انصرفوا رحمكم اللّه، فإنّ لها أهل دين هم أولى بها منّا ومنكم فاستحسن ذلك منه وعجب الناس من فعله.
نسبة ما في هذه الأخبار من الغناء
الغناء في «ألا للّه قوم»الأبيات
صوت
ألا للّه قوم ولدت أخت بني سهم
هشام وأبو عبدمناف مدرة الخصم
وذو الرّمحين أشباكعلى القوّة والحزم
فهذان يذودانوذا من كثب يرمي
عروضه من مكفوف الهزج. الغناء لمعبد خفيف رمل من رواية حمّاد.
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال قال إسماعيل بن مجمّع أخبرنا المدائنيّ عن رستم ابن صالح قال: قال يزيد بن عبد الملك يوما لمعبد: يا أبا عبّاد، أني أريد أن أخبرك عن نفسي وعنك، فإن قلت فيه خلاف ما تعلم فلا تتحاش أن تردّه عليّ، فقد أذنت لك. قال: يا أمير المؤمنين، لقد وضعك ربّك بموضع لا يعصيك إلا ضالّ، ولا يردّ عليك إلا مخطى ء. قال: إن الذي أجده في غنائك لا أجده في غناء ابن سريج: أجد في غنائك متانة، وفي غنائه انحناثا ولينا. قال معبد: والذي أكرم أمير المؤمنين بخلافته، وارتضاه لعباده، وجعله أمينا على أمّة نبيّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم، ما عدا صفتي وصفة ابن سريج، وكذا يقول ابن سريج وأقول، ولكن أن رأى أمير المؤمنين أن يعلمني هل وضعني ذاك عنده فعل. قال: لا واللّه، ولكنّي أوثر الطّرب على كلّ شيء.
قال: يا سيدي فإذا كان ابن سريج يذهب إلى الخفيف من الغناء وأذهب أنا إلى الكامل التامّ، فأغرّب أنا ويشرّق هو، فمتى نلتقي؟ قال: أفتقدر أن تحكي رقيق بن سريج؟ قال نعم، فصنع من وقته لحنا من الخفيف في:
ألا للّه قوم ولدت أخت بني سهم
الأربعة الأبيات. فغنّاه، فصاح يزيد: أحسنت واللّه يا مولاي! أعد فداك أبي وأمّي، فأعاد، فردّ عليه مثل قوله الأوّل، فأعاد. ثم قال: أعد فداك أبي وأمّي، فأعاد فاستخفّه الطّرب حتى وثب وقال لجواريه: افعلن كما أفعل، وجعل يدور في الدار ويدرن معه وهو يقول:
يا دار دوّرينييا قرقر امسكيني
آليت منذ حينحقا لتصرميني
ولا تواصلينيباللّه فارحميني
لم تذكري يميني!
قال: فلم يزل يدور كما يدور الصّبيان ويدرن معه، حتى خرّ مغشيا عليه ووقعن فوقه ما يعقل ولا يعقلن، فابتدره الخدم فأقاموه وأقاموا من كان على ظهره من جواريه، وحملوه وقد جاءت نفسه أو كادت.
رجع الخبر إلى ذكر عمر بن أبي ربيعة وكان لعمر بن أبي ربيعة بن صالح يقال له «جوان»، وفيه يقول العرجيّ:
شهيدي جوان على حبّهاأليس بعدل عليها جوان
فأخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني يحيى بن محمد بن عبد اللّه بن ثوبان قال: جاء جوان بن عمر بن أبي ربيعة إلى زياد بن عبد اللّه الحارثيّ وهو إذ ذاك أمير على الحجاز، فشهد عنده بشهادة، فتمثّل:
شهيدي جوان على حبهاأليس بعدل عليها جوان
- وهذا الشعر للعرجيّ - ثم قال: قد أجزنا شهادتك، وقبله. وقال غير الزّبير: إنه جاء إلى العرجيّ فقال له: يا هذا! ما لي وما لك تشهّرني في شعرك! متى أشهدتني على صاحبتك هذه! ومتى كنت أنا أشهد في مثل هذا! قال: وكان امرأ صالحا.
وأخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني بكّار بن عبد اللّه قال: استعمل بعض ولاة مكة جوان بن عمر على تبالة، فحمل على خثعم في صدقات أموالهم حملا شديدا، فجعلت خثعم سنة جوان تاريخا، فقال ضبارة بن الطّفيل:
أتلبسنا ليلى على شعث بنامن العام أو يرمى بنا الرّجوان.
صوت
رأتني كأشلاء اللّجام وراقهاأخو غزل ذو لمّة ودهان
ولو شهدتني في ليال مضين ليلعامين مرّا قبل عام جوان
رأتنا كريمي معشر حمّ بينناهوى فحفظناه بحسن صيان
نذود النفوس الحائمات عن الصّباوهنّ بأعناق إليه ثواني
ذكر حبش أنّ الغناء في هذه الأبيات للغريض ثاني ثقيل بالبنصر، وذكر الهشاميّ أنه لقراريط.
قالوا: وكان لعمر أيضا بنت يقال لها: «أمه الواحد» وكانت مسترضعة في هذيل، وفيها يقول عمر بن أبي ربيعة - وقد خرج يطلبها فضلّ الطريق -:
لم تدر وليغفر لها ربّهاما جشّمتنا أمة الواحد
جشّمت الهول براذيننانسأل عن بيت أبي خالد
نسأل عن شيخ بني كاهلأعيا خفاء نشدة الناشد
أخبرني بذلك محمد بن خلف بن المرزبان عن أبي بكر العامريّ أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالا: حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني يعقوب بن القاسم قال حدّثنا أسامة بن زيد بن الحكم بن عوانة عن عوانة بن الحكم - قال: أراه عن الحسن - قال: ولد عمر بن أبي ربيعة ليلة قتل عمر بن الخطّاب - رحمة اللّه عليه - فأيّ حقّ رفع، وأيّ باطل وضع!. قال عوانة: ومات وقد قارب السّبعين أو جاوزها.
أخبرني الجوهري والمهلّبيّ قالا: حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني يعقوب بن القاسم قال حدّثني عبد اللّه بن الحارث عن ابن جريج عن عطاء قال: كان عمر بن أبي ربيعة أكبر منّي كأنّه ولد في أوّل الإسلام.
أخبرني الجوهريّ والمهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني هارون بن عبد اللّه الزّهريّ قال: حدّثنا ابن أبي ثابت، وحدّثني به عليّ بن صالح بن الهيثم عن أبي هفّان عن إسحاق عن المسيّبيّ والزّبيريّ والمدائنيّ ومحمد بن سلّام، قالوا: قال أيّوب بن سيّار، وأخبرني به الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني محمد بن الحسن المخزوميّ عن عبد العزيز بن عمران عن أيّوب بن سيّار عن عمر الركاء قال: بينا ابن عبّاس في المسجد الحرام وعنده نافع بن الأزرق وناس من الخوارج يسألونه، إذ أقبل عمر بن أبي ربيعة في ثوبين مصبوغين مورّدين أو ممصّرين حتى دخل وجلس، فأقبل عليه ابن عباس فقال أنشدنا فأنشده:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكرغداة غد أم رائح فمهجّر
حتى أتى على آخرها. فأقبل عليه نافع بن الأزرق فقال: اللّه يابن عبّاس! إنّا نضرب إليك أكباد الإبل من أقاصي البلاد نسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل عنّا، ويأتيك غلام مترف من مترفي قريش فينشدك:
رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضتفيخزى وأمّا بالعشىّ فيخسر
فقال: ليس هكذا قال. قال: فكيف قال؟ فقال: قال:
رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضتفيضحى وأمّا بالعشىّ فيخصر
فقال: ما أراك إلا وقد حفظت البيت! قال: أجل! وإن شئت أن أنشدك القصيدة أنشدتك إيّاها. قال فإنّي أشاء، فأنشده القصيدة حتى أتى على آخرها. وفي غير رواية عمر بن شبّة: أنّ ابن عباس أنشدها من أوّلها إلى آخرها، ثم أنشدها من آخرها إلى أوّلها مقلوبة، وما سمعها قطّ إلا تلك المرّة صفحا. قال: وهذا غاية الذكاء. فقال له بعضهم: ما رأيت أذكى منك قطّ. فقال: لكنّي ما رأيت قطّ أذكى من عليّ بن أبي طالب - عليه السّلام -. وكان ابن عباس يقول: ما سمعت شيئا قط إلا رويته، وإني لأسمع صوت النائحة فأسدّ أذنيّ كراهة أن أحفظ ما تقول. قال: ولامه بعض أصحابه في حفظ هذه القصيدة: «أمن آل نعم...» فقال: إنّا نستجيدها.
وقال الزّبير في خبره عن عمّه: فكان ابن عباس بعد ذلك كثيرا ما يقول: هل أحدث هذا المغيريّ شيئا بعدنا؟.
قال: وحدّثني عبد اللّه بن نافع بن ثابت قال: كان عبد اللّه بن الزّبير إذا سمع قول عمر بن أبي ربيعة:
فيضحى وأمّا بالعشيّ فيحضر
قال: لا، بل:
فيخزى وأمّا بالعشيّ فيخسر
قال عمر بن شبّة وأبو هفّان والزّبير في حديثهم: ثم أقبل على ابن أبي ربيعة فقال: أنشد، فأنشده:
تشطّ غدا دار جيراننا
وللدّار بعد غد أبعد
فقال له عمر: كذلك قلت - أصلحك اللّه - أفسمعته؟ قال: لا، ولكن كذلك ينبغي.
أخبرنا الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني يعقوب بن إسحاق قال: كانت العرب تقرّ لقريش بالتقدّم في كلّ شيء عليها إلا في الشعر، فإنها كانت لا تقرّ لها به، حتى كان عمر بن أبي ربيعة، فأقرّت لها الشعراء بالشعر أيضا ولم تنازعها شيئا.
قال الزّبير: وسمعت عمّي مصعبا يحدّث عن جدّي أنه قال مثل هذا القول. قال: وحدّثني عدّة من أهل العلم أن النّصيب قال: لعمر بن أبي ربيعة أوصفنا لربّات الحجال.
قال المدائنيّ قال سليمان بن عبد الملك لعمر بن أبي ربيعة: ما يمنعك من مدحنا؟ قال: إني لا أمدح الرجال، إنما أمدح النساء. قال: وكان ابن جريج يقول: ما دخل على العواتق في حجالهنّ شيء أضرّ عليهنّ من شعر عمر بن أبي ربيعة.
قال الزّبير وحدّثني عمّي عن جدّي - وذكره أيضا إسحاق فيما رويناه عن أبي هفّان عنه عن المدائنيّ - قال قال هشام بن عروة: لا تروّوا فتياتكم شعر عمر بن أبي ربيعة لا يتورّطن في الزّنا تورّطا، وأنشد:
لقد أرسلت جاريتيوقلت لها خذي حذرك
وقولي في ملاطفةلزينب: نوّلي عمرك
أخبرنا عليّ بن صالح قال حدّثني أبو هفّان عن إسحاق عن الزّبيريّ قال حدّثني أبي عن سمرة الدّومانيّ من حمير قال: إنّي لأطوف بالبيت فإذا أنا بشيخ في الطّواف، فقيل لي: هذا عمر بن أبي ربيعة. فقبضت على يده وقلت له: يابن أبي ربيعة. فقال: ما تشاء؟ قلت: أكلّ ما قلته في شعرك فعلته؟ قال: إليك عنّي. قلت: أسألك باللّه! قال: نعم وأستغفر اللّه.
قال إسحاق وحدّثني الهيثم بن عديّ عن حمّاد الرّاوية: أنه سئل عن شعر عمر بن أبي ربيعة فقال: ذاك الفستق المقشّر.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير عن عمّه قال: سمع الفرزدق شيئا من نسيب عمر فقال: هذا الذي كانت الشعراء تطلبه فأخطأته وبكت الديار، ووقع هذا عليه. قال: وكان بالكوفة رجل من الفقهاء تجتمع إليه الناس فيتذاكرون العلم، فذكر يوما شعر عمر بن أبي ربيعة فهجّنه. فقالوا له: بمن ترضى؟ ومرّ بهم حمّاد الراوية فقال: قد رضيت بهذا. فقالوا له: ما تقول فيمن يزعم أنّ عمر بن أبي ربيعة لم يحسن شيئا؟ فقال: أين هذا؟ اذهبوا بنا إليه. قالوا: نصنع به ماذا؟ قال: ننزو على أمّه لعلّها تأتي بمن هو أمثل من عمر.
قال إسحاق: وقال أبو المقوّم الأنصاريّ: ما عصى اللّه بشيء كما عصي بشعر عمر بن أبي ربيعة.
قال إسحاق: وحدّثني قيس بن داود قال حدّثني أبي قال: سمعت عمر بن أبي ربيعة يقول: لقد كنت وأنا شابّ أعشق ولا أعشق، فاليوم صرت إلى مداراة الحسان إلى الممات. ولقد لقيتني فتاتان مرّة فقالت لي إحداهما: أدن منّي يابن أبي ربيعة أسرّ إليك شيئا. فدنوت منها ودنت الأخرى فجعلت تعضّني، فما شعرت بعضّ هذه من لذّة سرار هذه.
قال إسحاق: وذكر عبد الصّمد بن المفضّل الرّقاشيّ عن محمد بن فلان الزّهريّ - سقط اسمه - عن إسحاق عن عبد اللّه بن مسلمة بن أسلم قال: لقيت جريرا فقلت له: يا أبا حزرة، إنّ شعرك رفع إلى المدينة وأنا أحبّ أن تسمعني منه شيئا. فقال: إنكم يأهل المدينة يعجبكم النّسيب، وإنّ أنسب الناس المخزوميّ. يعني ابن أبي ربيعة.
قال إسحاق: وذكر محمد بن إسماعيل الجعفريّ عن أبيه عن خاله عبد العزيز بن عبد اللّه بن عيّاش بن أبي ربيعة قال: أشرف عمر بن أبي ربيعة على أبي قبيس، وبنو أخيه معه وهم محرمون، فقال لبعضهم: خذ بيدي فأخذ بيده، وقال: وربّ هذه البنيّة ما قلت لامرأة قطّ شيئا لم تقله لي، وما كشفت ثوبا عن حرام قطّ. قال: ولمّا مرض عمر مرضه الذي مات فيه جزع أخوه الحارث جزعا شديدا. فقال له عمر: أحسبك إنما تجزع لما تظنّه بي، واللّه ما أعلم أنّي ركبت فاحشة قطّ! فقال: ما كنت أشفق عليك إلّا من ذلك، وقد سلّيت عنّي.
قال إسحاق: حدّثني مصعب الزّبيريّ قال قال مصعب بن عروة بن الزّبير: خرجت أنا وأخي عثمان إلى مكة معتمرين أو حاجّين، فلما طفنا بالبيت مضينا إلى الحجر نصلّي فيه، فإذا شيخ قد فرج بيني وبين أخي فأوسعنا له.
فلما قضى صلاته أقبل علينا فقال: من أنتما؟ فأخبرناه. فرحّب بنا وقال: يا ابني أخي، إني موكّل بالجمال أتبعه، وإني رأيتكما فراقني حسنكما وجمالكما، فاستمتعا بشبابكما قبل أن تندما عليه، ثم قام، فسألنا عنه فإذا هو عمر بن أبي ربيعة.
أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد بن الضّحّاك قال: عاش عمر أبي ربيعة ثمانين سنة، فتك منها أربعين سنة، ونسك أربعين سنة.
قال الزّبير وحدّثني إبراهيم بن حمزة ومحمد بن ثابت عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: حججت مع أبي وأنا غلام وعليّ جمّة. فلما قدمت مكة جئت عمر بن أبي ربيعة، فسلّمت عليه وجلست معه، فجعل يمدّ الخصلة من شعري ثم يرسلها فترجع على ما كانت عليه، ويقول: وا شباباه! حتى فعل ذلك مرارا.
ثم قال لي: يابن أخي، قد سمعتني أقول في شعري: قالت لي وقلت لها، وكلّ مملوك لي حرّ إن كنت كشفت عن فرج حرام قطّ! فقمت وأنا متشكّك في يمينه، فسألت عن رقيقه فقيل لي: أمّا في الحوك فله سبعون عبدا سوى غيرهم.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثتني ظبية مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب قالت: مررت بجدّك عبد اللّه بن مصعب وأنا داخلة منزله وهو بفنائه ومعي دفتر، فقال: ما هذا معك؟ ودعاني.
فجئته وقلت: شعر عمر بن أبي ربيعة. فقال: ويحك! تدخلين على النساء بشعر عمر بن أبي ربيعة! إنّ لشعره لموقعا من القلوب ومدخلا لطيفا، لو كان شعر يسحر لكان هو، فارجعي به. قالت: ففعلت.
قال إسحاق: وأخبرني الهيثم بن عديّ قال: قدمت امرأة مكة وكانت من أجمل النساء. فبينا عمر بن أبي ربيعة يطوف إذ نظر إليها فوقعت في قلبه، فدنا منها فكلّمها، فلم تلتفت إليه. فلما كان في الليلة الثانية جعل يطلبها حتى أصابها. فقالت له: إليك عنّي يا هذا، فإنك في حرم اللّه وفي أيام عظيمة الحرمة. فألّح عليها يكلّمها، حتى خافت أن يشهّرها. فلما كان في الليلة الأخرى قالت لأخيها: اخرج معي يا أخي فأرني المناسك، فإنّي لست أعرفها، فأقبلت وهو معها. فلما رآها عمر أراد أن يعرض لها، فنظر إلى أخيها معها فعدل عنها، فتمثّلت المرأة بقول النابغة:
تعدو الذئاب على من لا كلاب لهوتتّقي صولة المستأسد الحامي
قال إسحاق: فحدّثني السّنديّ مولى أمير المؤمنين أن المنصور قال - وقد حدّث بهذا الخبر -: وددت أنه لم تبق فتاة من قريش في خدرها إلّا سمعت بهذا الحديث.
قال إسحاق: قال لي الأصمعيّ: عمر حجّة في العربية، ولم يؤخذ عليه إلا قوله:
ثم قالوا تحبّها قلت بهراعدد الرّمل والحصى والتّراب
وله في ذلك مخرج، إذ قد أتى به على سبيل الإخبار. قال: ومن الناس من يزعم أنه إنما قال: قيل لي هل تحبّها قلت بهرا
نسبة ما مضى في هذه الأخبار من الأشعار التي قالها عمر بن أبي ربيعة وغنّى فيها المغنّون إذ كانت لم تنسب هناك لطول شرحها
منها ما يغنّى فيه من قوله:
صوت
أمن آل نعم أنت غاد فمبكرغداة غد أم رائح فمهجّر
لحاجة نفس لم تقل في جوابهافتبلغ عذرا والمقالة تعذر
أشارت بمدراها وقالت لأختهاأهذا المغيريّ الذي كان يذكر؟
فقالت: نعم لا شكّ غيرّ لونهسر الليل يطوي نصّه والتهجّر
رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضتفيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر
أخا سفر جوّاب أرض تقاذفتبه فلوات فهو أشعث أغبر
وليلة ذي دوران جشّمتني السّرىوقد يجشم الهول المحبّ المغرّر
فقلت: أباديهم فإمّا أفوتهموإمّا ينال السيف ثأرا فيثأر
هذه الأبيات جمعت على غير توال؛ لأنه إنما ذكر منها ما فيه صنعة. غنّى في الأوّل والثاني من الأبيات ابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن أحمد بن المكيّ وذكر حبش أن فيهما لمعبد لحنا من الثّقيل الأوّل بالبنصر.
وغنّى ابن سريج في الثالث والرابع أيضا خفيف ثقيل بالوسطى، وذكر حبش أن فيهما لحنا من الهزج بالوسطى لحكم. وغنّى ابن سريج في الخامس والسادس لحنا من الرّمل بالوسطى عن عمرو بن بانه. وذكر يونس أن في السّابع والثامن لابن سريج لحنا ولم يذكر طريقته، وذكر حبش أن فيهما لمالك لحنا من الثقيل الثاني بالبنصر.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني محمد بن إسحاق قال أخبرني محمد بن حبيب عن هشام بن الكلبيّ: أنّ عمر بن أبي ربيعة أتى عبد اللّه بن عباس وهو في المسجد الحرام فقال: متّعني اللّه بك! إنّ نفسي قد تاقت إلى قول الشّعر ونازعتني إليه، وقد قلت منه شيئا أحببت أن تسمعه وتستره عليّ. فقال: أنشدني، فأنشده:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر
فقال له: أنت شاعر يابن أخي، فقل ما شئت. قال: وأنشد عمر هذه القصيدة طلحة بن عبد اللّه بن عوف الزّهريّ وهو راكب، فوقف وما زال شانقا ناقته حتى كتبت له.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني الحسين بن إسماعيل قال حدّثنا ابن عائشة عن أبيه قال: كان جرير إذا أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال: هذا شعر تهاميّ إذا أنجد وجد البرد، حتى أنشد قوله:
رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضتفيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر
قليلا على ظهر المطيّة ظلّهسوى ما نفى عنه الرداء المحبّر
وأعجبها من عيشها ظلّ غرفةوريّان ملتفّ الحدائق أخضر
ووال كفاها كلّ شيء يهمّهافليست لشيء آخر الليل تسهر
فقال جرير: ما زال هذا القرشيّ يهذي حتى قال الشعر.
أخبرني محمد بن خلف قال أخبرني أبو عبد اللّه اليماميّ قال حدّثني الأصمعيّ قال: قال لي الرشيد: أنشدني أحسن ما قيل في رجل قد لوّحه السّفر، فأنشدته قول عمر بن أبي ربيعة:
رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضتفيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر
أخا سفر جوّاب أرض تقاذفتبه فلوات فهو أشعث أغبر
الأبيات كلّها. قال: فقال لي الرشيد: أنا واللّه ذلك الرجل. قال: وهذا بعقب قدومه من بلاد الرّوم.
أخبرني الفضل بن الحباب الجمحيّ أبو خليفة في كتابه إليّ: قال حدّثنا محمد بن سلّام قال أخبرني شعيب بن صخر قال: كان بين عائشة بنت طلحة وبين زوجها عمر بن عبيد اللّه بن معمر كلام، فسهرت ليلة فقالت: إن ابن أبي ربيعة لجاهل بليلتي هذه حيث يقول:
ووال كفاها كلّ شيء يهمّهافليست لشيء آخر الليل تسهر
أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثنا أبو هفّان قال حدّثني إسحاق عن المدائنيّ قال: عرض يزيد بن معاوية جيش أهل الحرّة، فمرّ به رجل من أهل الشأم معه ترس خلق سمج، فنظر إليه يزيد وضحك وقال له: ويحك! ترس عمر بن أبي ربيعة كان أحسن من ترسك. يريد قول عمر:
فكان مجنّي دون من كنت أتّقيثلاث شخوص كاعبان ومعصر
أخبرنا جعفر بن قدامة قال حدّثني محمد بن عبد اللّه بن مالك الخزاعيّ قال: سمع أبو الحارث جمّيز مغنّية تغنّي: أشارت
بمدراها وقالت لأختهاأهذا المغيريّ الذي كان يذكر؟
فقال جمّيز: امرأته طالق إن كانت أشارت إليه بمدراها إلا لتفقأ بها عينه، هلّا أشارت إليه بنقانق مطرف بالخردل، أو سنبوسجة مغموسة في الخلّ، أو لوزينجة شرقة بالدّهن! فإن ذلك أنفع له، وأطيب لنفسه، وأدلّ على مودّة صاحبته.
أخبرني الحرميّ قال: حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد العزيز بن أبي أويس عن عطّاف بن خالد الوابصيّ عن عبد الرحمن بن حرملة قال: أنشد سعيد بن المسيّب قول عمر بن أبي ربيعة:
وغاب قمير كنت أرجو غيوبهوروّح رعيان ونوّم سمّر
فقال: ما له قاتله اللّه! لقد صغّر ما عظّم اللّه! يقول اللّه عز وجلّ: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ)
ومنها ما فيه غناء لم ينسب في موضعه من الأخبار فنسب ها هنا:
صوت
تشطّ غدا دار جيرانناوللدّار بعد غد أبعد
إذا سلكت غمر ذي كندةمع الصّبح قصد لها الفرقد
عراقيّة، وتهامي الهوىيغور بمكة أو ينجد
وحثّ الحداة بها عيرهاسراعا إذا ما ونت تطرد
هنالك إمّا تعزّي الفؤادوإمّا على إثرها تكمد
وليست ببدع إذا دارهانأت والعزاء إذا أجلد
صرمت وواصلت حتّى علمت أين المصادر والمورد
وجرّبت من ذاك حتّى عرفت ما أتوقّى وما أحمد
فلما دنونا لجرس النّباح والضوء، والحيّ لم يرقدوا
نأينا عن الحيّ حتّى إذاتودّع من نارها الموقد
بعثنا لها باغيا ناشداوفي الحيّ بغية من ينشد
أتتنا تهادى على رقبةمن الخوف أحشاؤها ترعد
تقول وتظهر وجدا بناووجدي وإن أظهرت أوجد
لممّا شقائي تعلّقتكموقد كان لي عندكم مقعد
وكفّت سوابق من عبرةعلى الخدّ يجري بها الإثمد
فإنّ الّتي شيّعتنا الغداةمع الفجر قلبي بها مقصد
غنّى معبد في الأوّل والثاني والثالث من الأبيات خفيف ثقيل من أصوات قليلات الأشباه عن إسحاق. وغنّى فيها أشعب المعروف بالطامع ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ. وللغريض في الأبيات الأربعة الأول ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. ولابن سريج في الرابع عشر وهو:
وكفّت سوابق من عبرة
ثم الأوّل والتاسع رمل بالوسطى عن ابن المكيّ. ولمالك - ويقال إنه لمعبد - خفيف ثقيل في الرابع عشر والثالث عشر والأوّل عن الهشاميّ. وفي السابع والثامن والأوّل لابن جامع ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ. وفي الأوّل والحادي عشر لابن سريج رمل بالبنصر في مجراها عن إسحاق، وفيهما ثاني ثقيل بالسّبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق ولم ينسبه إلى أحد، وذكر أحمد بن المكّيّ أنه لأبيه. وفي الرابع والخامس رمل لمعبد عن ابن المكيّ، وقيل: إنه من منحول أبيه إلى معبد. وفي الثالث عشر والسادس ليونس خفيف رمل عن الهشاميّ. وفي الأوّل والثاني عشر ثاني ثقيل تشترك فيه الأصابع عن ابن المكيّ، وقال أيضا: فيه للأبجر لحن آخر من الثّقيل الثاني. ولمعبد في الرابع والسادس ثاني ثقيل آخر عنه، وفيهما أيضا رمل لابن سريج عنه وعن حبش. ولإسحاق في الأوّل والثاني رمل من كتابه. ولعليّة بنت المهديّ في الثالث عشر والأوّل ثقيل أوّل. ولابن مسجح في الثاني عشر والأوّل رمل، ويقال إنه للرّطّاب، وذكر حبش أنه لابن سريج. وفي الخمسة الأبيات الأولى متوالية خفيف رمل بالوسطى ينسب إلى معبد وإلى يحيى المكيّ، وزعم حبش أنّ فيها رملا بالوسطى لابن محرز. والذي ذكره يونس في كتابه أنّ في:
تشطّ غدا دار جيراننا
خمسة ألحان: اثنان لمعبد، واثنان لمالك، وواحد ليونس. وذكر أحمد بن عبيد أنّ الذي عرف صحته من الغناء فيه سبعة ألحان: ثقيل أوّل، وثاني ثقيل، وخفيف ثقيل، ورمل، وخفيفه.
أخبرني بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه بن المرزبان أنّ الذي أحصي فيه إلى وقته ستة عشر لحنا. والذي وجدته فيه مما جمعته ها هنا - سوى ما لم يذكر يونس طريقته - تسعة عشر لحنا: منها في الثقيل الأوّل لحنان، وفي خفيف الثقيل لحنان، وفي الثّقيل الثاني ستة، وفي الرّمل سبعة، وفي خفيف الرّمل لحنان.
وهذا الشعر يقوله عمر بن أبي ربيعة في امرأة من ولد الأشعث بن قيس حجّت فهويها وراسلها، فواصلته ودخل إليها وتحدّث معها وخطبها، فقالت: أمّا ها هنا فلا سبيل إلى ذلك، ولكن إن قدمت إلى بلدي خاطبا تزوّجتك، فلم يفعل.
أخبرني بهذا الخبر الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا محمد بن الحسن المخزوميّ عن محرز بن جعفر مولى أبي هريرة عن أبيه قال: سمعت بديحا يقول: حجّت بنت محمد بن الأشعث الكنديّة، فراسلها عمر بن أبي ربيعة ووعدها أن يتلقّاها مساء الغد، وجعل الآية بينه وبينها أن تسمع ناشدا ينشد - إن لم يمكنه أن يرسل رسولا - يعلمها بمصيره إلى المكان الذي وعدها. قال بديح: فلم أشعر به إلا متلثّما، فقال لي: يا بديح، ائت بنت محمد بن الأشعث فأخبرها أنّي قد جئت لموعدها، فأبيت أن أذهب وقلت: مثلي لا يعين على مثل هذا.
فغيّب بغلته عنّي ثم جاءني فقال لي: قد أضللت بغلتي فانشدها لي في زقاق الحاجّ. فذهبت فنشدتها، فخرجت عليّ بنت محمد بن الأشعث وقد فهمت الآية، فأتته لموعده، وذلك قوله:
وآية ذلك أن تسمعيإذا جئتكم ناشدا ينشد
قال بديح: فلمّا رأيتها مقبلة عرفت أنه قد خدعني بنشدي البغلة، فقلت له: يا عمر، لقد صدقت الّتي قالت لك:
فهذا سحرك النّسوان، قد خبّرنني خبرك
قد سحرتني وأنا رجل! فكيف برقّة قلوب النساء وضعف رأيهنّ! وما آمنك بعدها، ولو دخلت الطّواف ظننت أنك دخلته لبليّة. قال: وحدّثها بحديثي، فما زالا ليلتهما يفصلان حديثهما بالضحك منّي.
قال الزّبير: فحدّثني أبو الهندام مولى الرّبعيّين عن أبي الحارث بن عبد اللّه الرّبعيّ قال: لقي ابن أبي عتيق بديحا فقال له: يا بديح، أخدعك ابن أبي ربيعة أنه قرشيّ؟ فقال بديح: نعم! وقد أخطأه ذلك عند القسريّ وصواحبه. فقال ابن أبي عتيق: ويحك يا بديح! أنّ من تغابى لك ليغبى عنك، فقد ضمّت عليه قبضتك إن كان لك ذهن، أما رأيت لمن كانت العاقبة؟ واللّه ما بالى ابن أبي ربيعة أوقع عليهنّ أم وقعن عليه!.
أخبرني عمّي قال حدّثنا محمد بن سعد الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن كعب بن بكر المحاربيّ: أنّ فاطمة بنت محمد بن الأشعث حجّت، فراسلها عمر بن أبي ربيعة فواعدته أن تزوره، فأعطى الرسول الذي بشّره بزيارتها مائة دينار.
أخبرني عليّ بن صالح عن أبي هفّان عن إسحاق عن رجاله المذكورين، قالوا: حجّت بنت لمحمد بن الأشعث - هكذا قال إسحاق وهو عندي الصحيح - وكانت معها أمّها وقد سمعت بعمر بن أبي ربيعة فأرسلت إليه، فجاءها فاستنشدته، فأنشدها:
تشطّ غدا دار جيرانناوللدّار بعد غد أبعد
وذكر القصة بطولها. قال: وقد كانت لمّا جاءها أرسلت بينها وبينه سترا رقيقا تراه من ورائه ولا يراها، فجعل يحدثها حتى استنشدته، فأنشدها هذه القصيدة، فاستخفّها الشعر فرفعت السّجف، فرأى وجها حسنا في جسم ناحل، فخطبها وأرسل إلى أمّها بخمسمائة دينار، فأبت وحجبته وقالت للرسول: تعود إلينا. فكأن الفتاة غمّها ذلك، فقالت لها أمّها: قد قتلك الوجد به فتزوّجيه. قالت: لا واللّه لا يتحدّث أهل العراق عنّي أنّي جئت ابن أبي ربيعة أخطبه، ولكن إن أتاني إلى العراق تزوّجته. قال: ويقال: إنها راسلته وواعدته أن تزوره، فأجمر بيته وأعطى المبشّر مائة دينار، فأتته وواعدته إذا صدر الناس أن يشيّعها، وجعلت علامة ما بينهما أن يأتيها رسوله ينشدها ناقة له. فلما صدر الناس فعل ذلك عمر. وفيه يقول وقد شيّعها:
صوت
قال الخليط غدا تصدّعناأو بعده، أفلا تشيّعنا
أمّا الرّحيل فدون بعد غدفمتى تقول الدار تجمعنا
لتشوقنا هند وقد علمتعلما بأنّ البين يفزعنا
عجبا لموقفنا وموقفهاوبسمع تربيها تراجعنا!
ومقالها سر ليلة معنانعهد فإنّ البين فاجعنا!
قلت العيون كثيرة معكموأظنّ أنّ السّير مانعنا
لا بل نزوركم بأرضكمفيطاع قائلكم وشافعنا
قالت أشيء أنت فاعلههذا لعمرك أم تخادعنا؟
باللّه حدّث ما تؤمّلهواصدق فإنّ الصّدق واسعنا
اضرب لنا أجلا نعدّ لهإخلاف موعده تقاطعنا
الغناء لابن سريج ثقيل أوّل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق، وذكر عمرو أنه للغريض بالوسطى. وفيه لابن سريج خفيف رمل عن الهشاميّ، وذكر حبش أنه لموسى شهوات.
ومنها ممّا لم ينسب أيضا
صوت
لقد أرسلت جاريتيوقلت لها: خذي حذرك
وقولي في ملاطفةلزينب: نوّلي عمرك
فهزّت رأسها عجباوقالت: من بذا أمرك
أهذا سحرك النّسوان، قد خبّرنني خبرك
غنّى فيها ابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن عمرو، وقال قوم: إنه للغريض. وفيها لمالك خفيف ثقيل عن ابن المكّيّ. وفي هذا الشعر الحان كثيرة، والشعر فيها على غير هذه القافية، لأنّ هذه الأبيات لعمر من قصيدة رائيّة موصولة الرّاءات بألف، إلّا أنّ المغنّين غيّروا هذه الأبيات في هذين الّلحنين، فجعلوا مكان الألف كافا، وأنّما هي:
لقد أرسلت جاريتيوقلت لها: خذي حذرا
صوت
تصابى القلب وادّكراصباه ولم يكن ظهرا
لزينب إذ تجدّلناصفاء لم يكن كدرا
أليست بالتي قالتلمولاة لها ظهرا
أشيري يالسّلام لهإذا هو نحونا خطرا
لقد أرسلت جاريتيوقلت لها: خذي حذرا
وقولي في ملاطفةلزينب: نوّلي عمرا
فهزّت رأسها عجبّاوقالت: من بذا أمرا!
أهذا سحرك النسوان، قد خبّرنني الخبرا
غنّى ابن سريج في الثالث والرابع والخامس والأوّل خفيف ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر من رواية إسحاق. وذكر عمرو بن بانة في نسخته الأولى أنه لابن سريج، وأبو إسحاق ينسبه في نسخته الثانية إلى دحمان. وللغريض في الأوّل من الأبيات لحن من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل بالوسطى في مجراها، وأضاف إليه بيتين ليسا من هذه القصيدة وهما:
طربت وردّ من تهوىجمال الحيّ فابتكروا
فقل للمالكيّة لاتلومي القلب إن جهرا
وذكر يونس أنّ لمعبد في هذا الشعر الذي أوّله:
تصابى القلب وادّكرا
لحنين لم يذكر جنسيهما، وذكر الهشاميّ: أنّ أحدهما خفيف ثقيل والآخر رمل. وفي الأبيات التي غنّى فيها الغريض رمل لدحمان عن الهشاميّ، قال: ويقال إنه لابنة الزّبير. وزينب التي ذكرها عمر بن أبي ربيعة ها هنا، يقال لها: زينب بنت موسى أخت قدامة بن موسى الجمحيّ.
أخبرني بذلك محمد بن خلف بن المرزبان عن أبي بكر العامريّ. وأخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد العزيز الزّهريّ قال حدّثني عمّي عمران بن عبد العزيز قال: شبّب عمر بن أبي ربيعة بزينب بنت موسى الجمحيّة في قصيدته التي يقول فيها:
صوت
يا خليليّ من ملام دعانيوألمّا الغداة بالأظعان
لا تلوما في آل زينب إنّ القلب رهن بآل زينب عاني
ما أرى ما بقيت أن أذكر الموقف منها بالخيف إلا شجاني
- غنّى في هذه الأبيات الغريض خفيف رمل بالبنصر عن عمرو -
لم تدع للنساء عندي حظّاغير ما قلت مازحا بلساني
هي أهل الصّفاء والودّ منّيوإليها الهوى فلا تعدلاني
حين قالت لأختها ولأخرىمن قطين مولّد: حدّثاني
كيف لي اليوم أن أرى عمر المرسل سرّا في القول أن يلقاني؟
قالتا: نبتغي رسولا إليهونميت الحديث بالكتمان
إنّ قلبي بعد الذي نلت منهاكالمعمّى عن سائر النّسوان
قال: وكان سبب ذكره لها أنّ ابن أبي عتيق ذكرها عنده يوما فأطراها، ووصف من عقلها وأدبها وجمالها ما شغل قلب عمر وأماله إليها، فقال فيها الشعر وشبّب بها، فبلغ ذلك ابن أبي عتيق، فلامه فيه وقال له: أتنطق الشعر في ابنة عمّي؟ فقال عمر:
صوت
لا تلمني عتيق حسبي الذي بيإنّ بي يا عتيق ما قد كفاني
لا تلمني وأنت زيّنتها ليأنت مثل الشيطان للإنسان
إنّ بي داخلا من الحبّ قد أبلى عظامي مكنونه وبراني
لو بعينيك يا عتيق نظرناليلة السّفح قرّت العينان
إذ بدا الكشح والوشاح من الدّرّ وفصل فيه من المرجان
قد قلى قلبي النساء سواهاغير ما قلت مازحا بلساني
وأوّل هذه القصيدة:
إنّني اليوم عاد لي أحزانيوتذكّرت ما مضى من زماني
وتذكّرت ظبية أمّ رئمهاج لي الشوق ذكرها فشجاني
غنّى أبو العبيس بن حمدون في «لا تلمني عتيق» لحنا من الثقيل الأوّل المطلق. وفيه رمل طنبوريّ مجهول.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال أخبرني عبد الملك بن عبد العزيز عن يوسف بن الماجشون قال: أنشد عمر بن أبي ربيعة قوله:
يا خليلّي من ملام دعانيوألمّا الغداة بالأظعان
لا تلوما في آل زينب إنّ القلب رهن بآل زينب عاني
القصيدة. قال: فبلغ ذلك أبا وداعة السّهميّ فأنكره وغضب. وبلغ ذلك ابن أبي عتيق وقيل له: إنّ أبا وداعة قد اعترض لابن أبي ربيعة من دون زينب بنت موسى، وقال: لا أقرّ لابن أبي ربيعة أن يذكر امرأة من بني هصيص في شعره. فقال ابن أبي عتيق: لا تلوموا أبا وداعة أن ينعظ من سمرقند على أهل عدن! قال الزّبير: وحدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد العزيز الزّهريّ قال حدّثني عمّي عمران بن عبد العزيز قال: شبّب عمر بن أبي ربيعة بزينب بنت موسى في أبياته التي يقول فيها:
لا تلوما في آل زينب إنّ القلب رهن بآل زينب عاني
فقال له ابن أبي عتيق: أمّا قلبك فقد غيّب عنّا، وأمّا لسانك فشاهد عليك.
قال عبد الرحمن بن عبد اللّه قال عمران بن عبد العزيز: عذل ابن أبي عتيق عمر في ذكره زينب في شعره، فقال عمر:
لا تلمني عتيق حسبي الذي بيإنّ بي يا عتيق ما قد كفاني
لا تلمني وأنت زيّنتها لي قال: فبدره ابن أبي عتيق، فقال:
أنت مثل الشيطان للإنسان
فقال ابن أبي ربيعة: هكذا وربّ البيت قلته. فقال ابن أبي عتيق: إنّ شيطانك وربّ القبر ربّما ألمّ بي، فيجد عندي من عصيانه خلاف ما يجد عندك من طاعته، فيصيب منّي وأصيب منه.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد الملك بن عبد العزيز قال حدّثني قدامة بن موسى قال: خرجت بأختي زينب إلى العمرة، فلما كنت بسرف لقيني عمر بن أبي ربيعة على فرس فسلّم عليّ.
فقلت له: إلى أين أراك متوجّها يا أبا الخطّاب؟ فقال: ذكرت لي امرأة من قومي برزة الجمال، فأردت الحديث معها. فقلت: هل علمت أنها أختي؟ فقال: لا! واستحيا وثنى عنق فرسه راجعا إلى مكة.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن الهيثم قال حدّثنا العمريّ عن لقيط بن بكر المحاربيّ قال: أنشدني ابن أبي عتيق قول عمر:
صوت
من لسقيم يكتم الناس ما بهلزينب نجوى صدره والوساوس
أقول لمن يبغي الشّفاء متى تجيءبزينب تدرك بعض ما أنت لامس
فإنّك إن لم تشف من سقمي بهافإنّي من طبّ الأطبّاء آيس
ولست بناس ليلة الدار مجلسالزينب حتى يعلو الرأس رامس
خلاء بدت قمراؤه وتكشّفتدجنّته وغاب من هو حارس
وما نلت منها محرما غير أنّناكلانا من الثوب المورّد لابس
نجيّين نقضي اللهو في غير مأثموإن رغمت م الكاشحين المعاطس
قال: فقال ابن أبي عتيق: أمنّا يسخر ابن أبي ربيعة! فأيّ محرم بقي! ثم أتى عمر فقال له: يا عمر، ألم تخبرني أنّك ما أتيت حراما قطّ؟ قال بلى! قال: فأخبرني عن قولك:
كلانا من الثّوب المورّد لابس
ما معناه؟ قال: واللّه لأخبرنّك! خرجت أريد المسجد وخرجت زينب تريده، فالتقينا فاتّعدنا لبعض الشّعاب، فلما توسّطنا الشّعب أخذتنا السماء، فكرهت أن يرى بثيابها بلل المطر، فيقال لها: ألا استترت بسقائف المسجد أن كنت فيه، فأمرت غلماني فسترونا بكساء خزّ كان عليّ؛ فذلك حين أقول:
كلانا من الثوب المطارف لابس
فقال له ابن أبي عتيق: يا عاهر! هذا البيت يحتاج إلى حاضنة! الغناء في هذه الأبيات التي أوّلها:
من لسقيم يكتم النّاس ما به
لرذاذ ثقيل أوّل، وكان بعض المحدثين ممن شاهدناه يدّعي أنه له، ولم يصدّق.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد الملك بن عبد العزيز عن يوسف بن الماجشون قال: قال عمر بن أبي ربيعة في زينب بنت موسى:
صوت
طال من آل زينب الإعراضللتعدّي وما بها الإبغاض
ووليدين كان علّقها القلب إلى أن علا الرءوس بياض
حبلها عندنا متين وحبليعندها واهن القوى أنقاض
الغناء في هذه الأبيات لابن محرز خفيف رمل بالبنصر عن عمرو. وقال الهشاميّ: فيه لابن جامع خفيف رمل آخر.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير قال قال عبد الرحمن بن عبد اللّه وحدّثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز عن أبيه قال: لمّا قال عمر بن أبي ربيعة في زينب:
لم تدع للنساء عندي نصيباغير ما قلت مازحا بلساني
قال له ابن أبي عتيق: رضيت لها بالمودّة، وللنساء بالدّهفشة. قال: والدّهفشة: التّجميش والخديعة بالشيء اليسير…
ومما قاله عمر في زينب وغنّي فيه قوله:
صوت
أيّها الكاشح المعيّر بالصّرم تزحزح فما لها الهجران
لا مطاع في آل زينب فارجعأو تكلّم حتّى يملّ اللّسان
نجعل الليل موعدا حين نمسيثم يخفي حديثنا الكتمان
كيف صبري عن بعض نفسي وهل يصبر عن بعض نفسه الإنسان!
ولقد أشهد المحدّث عند القصر فيه تعفّف وبيان
في زمان من المعيشة لدنقد مضى عصره وهذا زمان
الغناء في هذه الأبيات لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو ودنانير. وذكر يونس أنّ فيه لحنا لابن محرز ولحنا لابن عباد الكاتب، أوّل لحن ابن عبّاد الكاتب: لا مطاع في آل زينب…
وأوّل لحن ابن محرز: ولقد أشهد المحدّث…
ومما غنّي فيه لابن محرز من أشعار عمر بن أبي ربيعة في زينب بنت موسى قوله:
صوت
يا من لقلب متيّم كلفيهذي بخود مريضة النّظر
تمشي الهوينى إذا مشت فضلاوهي كمثل العسلوج في الشّجر
- للغريض في هذين البيتين خفيف رمل بالوسطى، ولابن سريج رمل بالبنصر عن الهشاميّ وحبش -
ما زال طرفي يحار إذ برزتحتى رأيت النقصان في بصري
أبصرتها ليلة ونسوتهايمشين بين المقام والحجر
ما إن طمعنا بها ولا طمعتحتّى التقينا ليلا على قدر
بيضا حسانا خرائدا قطفايمشين هونا كمشية البقر
قد فزن بالحسن والجمال معاوفزن رسلا بالدّلّ والخفر
ينصتن يوما لها إذا نطقتكيما يشرّفنها على البشر
قالت لثرب لها تحدّثهالنفسدنّ الطّواف في عمر
قومي تصدّي له ليعرفناثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها قد غمزته فأبىثم اسبطرّت تسعى على أثري
من يسق بعد المنام ريقتهايسق بمسك وبارد خصر
غنّى في هذا الشعر الغريض خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. وغنّ فيه ابن سريج رملا بالبنصر عن الهشاميّ وحبش.
ومنها:
صوت
ألا يا بكر قد طرقاخيال هاج لي الأرقا
لزينب إنها همّيفكيف بحبلها خلقا
خدلجّة إذا انصرفترأيت وشاحها قلقا
وساقا تملأ الخلخال فيه تراه مختنقا
إذا ما زينب ذكرتسكبت الدمع متّسقا
كأنّ سحابة تهميبماء حمّلت غدقا
الغناء لحنين رمل عن الهشاميّ. وفيه لابن عبّاد خفيف ثقيل، ويقال: إنه ليونس. ومما قاله فيها أيضا وغنّي فيه:
صوت
ألمم بزينب إنّ البين قد أفداقلّ الثّواء لئن كان الرّحيل غدا
قد حلفت ليلة الصّورين جاهدةوما على المرء إلا الحلف مجتهدا
لأختها ولأخرى من مناصفهالقد وجدت به فوق الذي وجدا
لو جمّع الناس ثم اختير صفوهمشخصا من الناس لم أعدل به أحدا
الغناء لابن سريج رمل بالسّبّابة والبنصر في الأوّل والثاني عن يحيى المكّيّ، وله فيه أيضا خفيف رمل بالوسطى في الثاني والثالث والرابع عن عمرو. ولمعبد ثقيل أوّل في الأوّل والثاني عن الهشاميّ. وفيه خفيف ثقيل ينسب إلى الغريض ومالك.
أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثنا أبو هفّان عن إسحاق عن مصعب الزّبيريّ قال: إجتمع نسوة فذكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه ومجلسه وحديثه، فتشوّقن إليه وتمنّينه. فقالت سكينة: أنا لكنّ به، فبعثت إليه رسولا أن يوافي الصّورين ليلة سمّتها، فوافاهنّ على رواحله، فحدّثهنّ حتى طلع الفجر وحان انصرافهنّ. فقال لهنّ: واللّه إني لمحتاج إلى زيارة قبر النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلّم والصلاة في مسجده، ولكنّي لا أخلط بزيارتكنّ شيئا. ثم انصرف إلى مكة وقال في ذلك:
ألمم بزينب إنّ البين قد أفدا
وذكر الأبيات المتقدّمة.
أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن لقيط قال: أنشد جرير قول عمر بن أبي ربيعة:
سائلا الربع بالبليّ وقولاهجت شوقا لي الغداة طويلا
أين حيّ حلّوك إذ أنت محفوف بهم آهل أراك جميلا؟
قال ساروا فأمعنوا واستقلّواوبرغمي لو استطعت سبيلا
سئمونا وما سئمنا مقاماوأحبّوا دماثة وسهولا
فقال جرير: إنّ هذا الذي كّنا ندور عليه فأخطأناه وأصابه هذا القرشيّ. وفي هذه الأبيات رملان: أحدهما لابن سريج بالسّبّابة في مجرى الوسطى، والآخر لإسحاق مطلق في مجرى البنصر جميعا من روايته. وذكر عمرو: أن فيها رملا ثالثا بالوسطى، لابن جامع. وقال الهشاميّ: فيها ثلاثة أرمال لابن سريج، وابن جامع، وإبراهيم.
ولأبي العبيس بن حمدون فيها ثاني ثقيل. وفيها هزج لإبراهيم الموصليّ من جامع أغانيه.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال: وجدت كتابا بخطّ محمد بن الحسن ذكر فيه أنّ فليح بن إسماعيل حدّثه عن معاذ صاحب الهرويّ أن النصيب قال: عمر بن أبي ربيعة أوصفنا لربّات الحجال.
أخبرني الطّوسيّ: قال حدّثنا الزّبير قال حدّثتني ظمياء مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب قالت: سمعت جدّك يقول - وقد أنشد قول عمر بن إبي ربيعه:
صوت
يا ليتني قد أجزت الحبل نحوكمحبل المعرّف أو جاوزت ذا عشر
إنّ الثّواء بإرض لا أراك بهافاستيقنيه ثواء حقّ ذي كدر
وما مللت ولكن زاد حبّكموما ذكرتك إلا ظلت كالسّدر
ولا جذلت بشيء كان بعدكمولا منحت سواك الحبّ من بشر
الغناء في هذه الأربعة الأبيات لسلّام بن الغسّانيّ رمل بالسّبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لابن جامع وقفا النجار لحنان من كتاب إبراهيم ولم يجنّسهما. وتمام الأبيات:
أذري الدموع كذى سقم يخامرهوما يخامرني سقم سوى الذّكر
كم قد ذكرتك لو أجدى تذكّركميا أشبه الناس كلّ الناس بالقمر
- قالت: فقال جدّك: إن لشعر عمر بن أبي ربيعة لموقعا في القلب، ومخالطة للنفس ليسا لغيره، ولو كان شعر يسحر لكان شعره سحرا.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمامة بن عمر قال: رأيت عامر بن صالح بن عبد اللّه بن عروة بن الزّبير يسأل المسور بن عبد الملك عن شعر عمر بن أبي ربيعة، فجعل يذكر له شيئا لا يعرفه، فيسأله أن يكتبه إيّاه فيفعل، فرأيته يكتب ويده ترعد من الفرح.
المفاضلة بين شعره وبين شعر الحارث بن خالد.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون عن عمّه يوسف قال: ذكر شعر الحارث بن خالد وشعر عمر بن أبي ربيعة عند ابن أبي عتيق في مجلس رجل من ولد خالد بن العاصي بن هشام، فقال: صاحبنا - يعني الحارث بن خالد - أشعرهما. فقال له ابن أبي عتيق: بعض قولك يا ابن أخي، لشعر عمر بن ربيعة نوطة في القلب، وعلوق بالنفس، ودرك للحاجة ليست لشعر، وما عصي اللّه جلّ وعزّ بشعر أكثر ممّا عصي بشعر ابن أبي ربيعة، فخذ عنّي ما أصف لك: أشعر قريش من دقّ معناه، ولطف مدخله، وسهل مخرجه، ومتن حشوه، وتعطّفت حواشيه، وأنارت معانيه، وأعرب عن حاجته. فقال المفضّل للحارث: أليس صاحبنا الذي يقول:
إنّي وما نحروا غداة منّىعند الجمار يؤدها العقل
لو بدّلت أعلى مساكنهاسفلا وأصبح سفلها يعلو
فيكاد يعرفها الخبير بهافيردّه الإقواء والمحل
لعرفت مغناها بما احتملتمنّي الضلوع لأهلها قبل
فقال له ابن أبي عتيق: يابن أخي، استر على نفسك، واكتم على صاحبك، ولا تشاهد المحافل بمثل هذا، أما تطيّر الحارث عليها حين قلب ربعها فجعل عاليه سافله! ما بقي إلا أن يسأل اللّه تبارك وتعالى لها حجارة من سجّيل. ابن أبي ربيعة كان أحسن صحبة للربع من صاحبك، وأجمل مخاطبة حيث يقول:
سائلا الربع بالبليّ وقولاهجت شوقا لي الغداة طويلا
وذكر الأبيات الماضية. قال: فانصرف الرجل خجلا مذعنا.
أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثني أبو هفّان عن إسحاق عن رجاله المسمّين، وأخبرني به الحرميّ عن الزّبير عن عمّه عن جدّه، قالوا: كان الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة أخو عمر بن أبي ربيعة رجلا صالحا ديّنا من سروات قريش، وأنما لقّب القباع لأن عبد اللّه بن الزّبير كان ولّاه البصرة، فرأى مكيالا. لهم فقال: إنّ مكيالكم هذا لقباع - قال: وهو الشيء الذي له قعر - فلقّب بالقباع.
وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان وأحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالوا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني عبد اللّه بن محمد الطائيّ قال حدّثنا خالد بن سعيد قال: استعمل ابن الزّبير الحارث بن عبد اللّه بن أبي ربيعة على البصرة، فأتوه بمكيال لهم، فقال لهم: إنّ مكيالكم هذا لقباع، فغلب عليه. وقال أبو الأسود الدّؤليّ - وقد عتب عليه - يهجوه ويخاطب ابن الزّبير:
أمير المؤمنين جزيت خيراأرحنا من قباع بني المغيرة
بلوناه ولمناه فأعياعلينا ما يمرّ لنا مريرة
على أنّ الفتى نكح أكولوولّاج مذاهبه كثيرة
قالوا: وكان الحارث ينهى أخاه عن قول الشعر فيأبى أن يقبل منه، فأعطاه ألف دينار على ألّا يقول شعرا، فأخذ المال وخرج إلى أخواله بلحج وأبين مخافة أن يهيجه مقامه بمكة على قول الشعر، فطرب يوما فقال:
صوت
هيهات من أمة الوهّاب منزلناإذا حللنا بسيف البحر من عدن
واحتلّ أهلك أجيادا وليس لناإلا التذكّر أو حظّ من الحزن
لو أنها أبصرت بالجزع عبرتهمن أن يغرّد قمريّ على فنن
إذا رأت غير ما ظنّت بصاحبهاوأيقنت أنّ لحجا ليس من وطني
ما أنس لا أنس يوم الخيف موقفهاوموقفي وكلانا ثمّ ذو شجن
وقولها للثّريّا وهي باكيةوالدمع منها على الخدّين ذو سنن
باللّه قولي له في غير معتبةماذا أردت بطول المكث في اليمن
إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بهافما أخذت بترك الحج من ثمن
قال: فسارت القصيدة حتى سمعها أخوه الحارث، فقال: هذا واللّه شعر عمر، قد فتك وغدر. قال: وقال ابن جريج: ما ظننت أنّ اللّه عزّ وجلّ ينفع أحدا بشعر عمر بن أبي ربيعة حتى سمعت وأنا باليمن منشدا ينشد قوله:
باللّه قولي له في غير معتبةماذا أردت بطول المكث في اليمن
إن كنت حاولت دنيا أو ظفرت بهافما أخذت بترك الحج من ثمن
فحرّكني ذلك على الرجوع إلى مكة، فخرجت مع الحاجّ وحججت.
غنّى في أبيات عمر هذه ابن سريج، ولحنه رمل بالبنصر في مجراها عن إسحاق. وفيها للغريض ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو.
أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثنا أبو هفّان قال حدّثني إسحاق عن السّعديّ قال: قدم الوليد بن عبد الملك مكة، فأراد أن يأتي الطائف فقال: هل لي في رجل علم بأموال الطائف فيخبرني عنها؟ فقالوا: عمر بن أبي ربيعة. قال: لا حاجة لي به. ثم عاد فسأل فذكروه له فردّه. ثم عاد فسأل فذكروه له ثم ردّه. ثم عاد فسأل فذكروه له، فقال: هاتوه. فركب معه يحدّثه، ثم حرّك عمر رداءه ليصلحه على كتفه، فرأى على منكبه أثرا.
فقال: ما هذا الأثر؟ فقال: كنت عند جارية إذ جاءتني جارية برسالة من عند جارية أخرى، فجعلت تسارّني، فغارت التي كنت أحدّثها فعضّت منكبي، فما وجدت ألم عضّها من لذّة ما كانت تلك تنفث في أذني، حتى بلغت ما ترى، والوليد يضحك. فلما رجع عمر قيل له: ما الذي كنت تضحك أمير المؤمنين به؟ فقال: ما زلنا في حديث الزّنا حتى رجعنا.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد بن عبد اللّه البكريّ وغيره عن عبد الجبّار بن سعيد المساحقيّ عن أبيه قال: دخلت مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم مع نوفل بن مساحق، فإنه لمعتمد على يدي، إذ مررنا بسعيد بن المسيّب في مجلسه وحوله جلساؤه، فسلّمنا عليه فردّ علينا، ثم قال لنوفل: يا أبا سعيد، من أشعر: صاحبنا أم صاحبكم؟ يريد: عبد اللّه بن قيس، أو عمر بن أبي ربيعة. فقال نوفل: حين يقولان ماذا يا أبا محمد؟ قال: حين يقول صاحبنا:
خليليّ ما بال المطايا كأنّمانراها على الأدبار بالقوم تنكص
وقد قطعت أعناقهن صبابةفأنفسنا مما يلاقين شخّص
وقد أتعب الحادي سراهنّ وانتحىبهنّ فما يألو عجول مقلّص
يزدن بنا قربا فيزداد شوقناإذا زاد طول العهد والبعد ينقص
ويقول صاحبك ما شئت. فقال له نوفل: صاحبكم أشعر في الغزل، وصاحبنا أكثر أفانين شعر. فقال سعيد: صدقت. فلما انقضى ما بينهما من ذكر الشعر، جعل سعيد يستغفر اللّه ويعقد بيده حتى وفّى مائة.
فقال البكريّ في حديثه عن عبد الجبّار: قال مسلم: فلما انصرفنا قلت لنوفل: أتراه استغفر اللّه من إنشاد الشعر في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم؟ فقال: كلا! هو كثير الإنشاد والاستنشاد للشعر فيه، ولكن أحسب ذلك للفخر بصاحبه.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال قال أبو عبيدة حدّثنا عوانة بن الحكم وأبو يعقوب الثّقفيّ: أنّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك قال لأصحابه ذات ليلة: أيّ بيت قالته العرب أغزل؟ فقال بعضهم: قول جميل:
يموت الهوى منّي إذا ما لقيتهاويحيا إذا فارقتها فيعود
وقال آخر: قول عمر بن أبي ربيعة:
كأنّني حين أمسي لا تكلّمنيذو بغية يبتغي ما ليس موجودا
فقال الوليد: حسبك واللّه بهذا! أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الحميد عن شيخ من أهله عن أبي الحارث مولى هشام بن الوليد بن المغيرة - قال: وهو الذي يقول فيه عمر بن أبي ربيعة:
يا أبا الحارث قلبي طائرفأتمر أمر رشيد مؤتمن -
قال: شهدت عمر بن أبي ربيعة، وجميل بن عبد اللّه بن معمر العذريّ، وقد اجتمعا بالأبطح، فأنشد جميل قصيدته التي يقول فيها:
لقد فرح الواشون أن صرمت حبليبثينة أو أبدت لنا جانب البخل
يقولون مهلا يا جميل وإنّنيلأقسم مالي عن بثينة من مهل
حتى أتى على آخرها، ثم قال لعمر: يا أبا الخطّاب، هل قلت في هذا الرّويّ شيئا؟ قال نعم.
قال: فأنشدنيه، فأنشده قوله:
جرى ناصح بالودّ بيني وبينهافقرّبني يوم الحصاب إلى قتلي
فطارت بحدّ من فؤادي وقارنتقرينتها حبل الصّفاء إلى حبلي
فلمّا تواقفنا عرفت الذي بهاكمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل
فقلن لها هذا عشاء وأهلناقريب ألمّا تسأمي مركب البغل
فقالت فما شئتنّ قلن لها انزليفللأرض خير من وقوف على رحل
نجوم دراريّ تكنّفن صورةمن البدر وافت غير هوج ولا عجل
فسلّمت واستأنست خيفة أن يرىعدوّ مقامي أو يرى كاشح فعلي
فقالت وأرخت جانب السّتر إنّمامعي فتكلّم غير ذي رقبة أهلي
فقلت لها ما بي لهم من ترقّبولكنّ سرّي ليس يحمله مثلي
فلمّا اقتصرنا دونهنّ حديثناوهنّ طبيبات بحاجة ذي الشّكل
عرفن الذي تهوى فقلن ائذني لنانطف ساعة في برد ليل وفي سهل
فقالت فلا تلبثن قلن تحدّثيأتيناك، وانسبن انسياب مها الرّمل
وقمن وقد أفهمن ذا اللّبّ أنّماأتين الذي يأتين من ذاك من أجلي
فقال جميل: هيهات يا أبا الخطّاب! لا أقول واللّه مثل هذا سجيس الليالي، واللّه ما يخاطب النساء مخاطبتك أحد. وقام مشمّرا.
قال أبو عبد اللّه الزّبير قال عمّي مصعب: كان عمر يعارض جميلا، فإذا قال هذا قصيدة قال هذا مثلها.
فيقال: إنه في الرائيّة والعينيّة أشعر من جميل، وإنّ جميلا أشعر منه في اللّاميّة، وكلاهما قد قال بيتا نادرا ظريفا، قال جميل:
خليليّ فيما عشتما هل رأيتماقتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي
وقال عمر:
فقالت وأرخت جانب السّتر إنّمامعي فتكلّم غير ذي رقبة أهلي
أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثنا أبو هفّان عن إسحاق عن المدائنيّ قال: سمع الفرزدق عمر بن أبي ربيعة ينشد قوله:
جرى ناصح بالودّ بيني وبينهافقرّ بني يوم الحصاب إلى قتلي
ولمّا بلغ قوله:
فقمن وقد أفهمن ذا اللبّ أنماأتين الذي يأتين من ذاك من أجلي
صاح الفرزدق: هذا واللّه الذي أرادته الشعراء فأخطأته، وبكت على الديار.
نسبة ما في هذه الأشعار من الغناء
منها في قصيدة جميل التي أنشدها عمر، واستنشده ما له في وزنها:
صوت
خليليّ فيما عشتما هل رأيتماقتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي
أبيت مع الهلّاك ضيفا لأهلهاوأهلي قريب موسعون ذو وفضل
أفق أيها القلب اللّجوج عن الجهلودع عنك «جملا» لا سبيل إلى جمل
فلو تركت عقلي معي ما طلبتهاولكن طلابيها لما فات من عقلي
الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو في الأوّل والثاني من الأبيات.
وذكر الهشاميّ الأبيات كلّها ووصف أنّ الثّقيل الثاني الذي يغنّى به فيها لمعبد. وذكر يحيى المكّيّ: أن لابن محرز في الثالث وما بعده من الأبيات ثاني ثقيل بالخنّصر والبنصر. وفي هذه الأبيات التي أوّلها الثالث هزج بالبنصر يمان عن عمرو. وفي الرابع والخامس لابن طنبورة خفيف رمل عن الهشاميّ. وفيها لإسحاق ثقيل أوّل عن الهشاميّ أيضا. وذكر حمّاد عن أبيه: أن لنافع الخير مولى عبد اللّه بن جعفر في هذه الأبيات لحنا، ولم يجنّسه.
وذكر حبش أنّ الثقيل الأوّل لابن طنبورة. ومنها في شعر جميل أيضا:
صوت
لقد فرح الواشون أن صرمت حبليبثينة أو أبدت لنا جانب البخل
فلو تركت عقلي معي ما طلبتهاولكن طلابيها لما فات من عقلي
الغناء لابن مسجح ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ.
ومنها في شعر عمر بن أبي ربيعة المذكور في أوّل الخبر:
صوت
فقالت وأرخت جانب السّتر إنّمامعي فتحدّث غير ذي رقبة أهلي
فقلت لها ما بي لهم من ترقّبولكنّ سرّي ليس يحمله مثلي
جرى ناصح بالودّ بيني وبينهافقرّ بني يوم الحصاب إلى قتلي
غنّى في هذه الأبيات ابن سريج، ولحنه رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق وعمرو. وذكر يونس: أنّ فيه لحنا لمالك لم يجنّسه، وذكر الهشاميّ: أنّ لحن مالك خفيف ثقيل. وذكر حبش: أنّ لمعبد فيه لحنا من الثّقيل الأوّل بالبنصر، ولابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى. وليس حبش ممن يعتمد في هذا على روايته.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال: أدركت مشيخة من قريش لا يزنون بعمر بن أبي ربيعة شاعرا من أهل دهره في النّسيب، ويستحسنون منه ما كانوا يستقبحونه من غيره من مدح نفسه، والتّحلّي بمودّته، والأبتيار في شعره والابتيار: أن يفعل الإنسان الشيء فيذكره ويفخر به. والابتهار: أن يقول ما لم يفعل.
أخبرني محمد بن خلف قال أخبرني عبد اللّه بن عمر وغيره عن إبراهيم بن المنذر الحزاميّ عن عبد العزيز بن عمران قال: قال ابن أبي عتيق لعمر وقد أنشده قوله:
صوت
بينما ينعتنني أبصرننيدون قيد الميل يعدو بي الأغر
قالت الكبرى أتعرفن الفتىقالت الوسطى نعم هذا عمر
قالت الصغرى وقد تيّمتهاقد عرفناه وهل يخفى القمر
- الغناء في هذه الأبيات لابن سريج خفيف رمل بالبنصر - فقال له ابن أبي عتيق: - وقد أنشدها - أنت لم تنسب بها، وإنما نسبت بنفسك، كان ينبغي أن تقول: قلت لها فقالت لي، فوضعت خدّي فوطئت عليه.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال: لم يذهب على أحد من الرّواة أنّ عمر كان عفيفا يصف ولا يقف، ويحوم ولا يرد.
أخبرني محمد بن خلف قال حدّثنا أحمد بن منصور عن ابن الأعرابيّ، وحدّثني عليّ بن صالح قال حدّثنا أبو هفّان عن إسحاق الموصليّ عن رجاله، قالوا: كان ابن أبي ربيعة قد حجّ في سنة من السنين. فلما انصرف من الحج ألفى الوليد بن عبد الملك وقد فرش له في ظهر الكعبة وجلس، فجاءه عمر فسلّم عليه وجلس إليه. فقال له: أنشدني شيئا من شعرك. فقال: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ كبير وقد تركت الشعر، ولي غلامان هما عندي بمنزلة الولد، وهما يرويان كلّ ما قلت وهما لك. قال: ائتني بهما ففعل، فأنشداه قوله:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر
فطرب الوليد واهتزّ لذلك، فلم يزالا ينشدانه حتى قام، فأجزل صلته وردّ الغلامين إليه.
حدّثني عليّ بن صالح بن الهيثم الأنباريّ الكاتب الملقّب «كيلجة» قال حدّثني أبو هفّان قال حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الموصليّ عن مصعب بن عبد اللّه الزّبيري، وأخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار عن عمه مصعب أنه قال: راق عمر بن أبي ربيعة الناس وفاق نظراءه وبرعهم بسهولة الشعر وشدّة الأسر، وحسن الوصف، ودقّة المعنى وصواب المصدر، والقصد للحاجة، واستنطاق الربع، وإنطاق القلب، وحسن العزاء، ومخاطبة النساء، وعفّة المقال، وقلّة الانتقال، وإثبات الحجّة، وترجيح الشكّ في موضع اليقين، وطلاوة الاعتذار، وفتح الغزل، ونهج العلل، وعطف المساءة على العذّال، وأحسن التفجّع، وبخّل المنازل، واختصر الخبر، وصدق الصّفاء، إن قدح أورى، وإن اعتذر أبرا، وإن تشكّى أشجى، وأقدم عن خبرة ولم يعتذر بغرّة، وأسر النوم، وغمّ الطّير، وأغدّ السّير، وحيّر ماء الشباب، وسهّل وقوّل، وقاس الهوى فأربى، وعصى وأخلى، وحالف بسمعه وطرفه، وأبرم نعت الرسل وحذّر، وأعلن الحبّ وأسرّ، وبطن به وأظهر، وألحّ وأسفّ، وأنكح النوم، وجنى الحديث، وضرب ظهره لبطنه، وأذلّ صعبه، وقنع بالرّجاء من الوفاء، وأعلى قاتله، واستبكى عاذله، ونفّض النوم، وأغلق رهن منّي وأهدر قتلاه، وكان بعد هذا كلّه فصيحا.
فمن سهولة شعره وشدّة أسره قوله:
صوت
فلمّا تواقفنا وسلّمت أشرقتوجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا
تبالهن بالعرفان لمّا رأيننيوقلن امرؤ باغ أكلّ وأوضعا
الغناء لابن عبّاد رمل عن الهشاميّ، وفيه لابن جامع لحن غير مجنّس عن إبراهيم.
ومن حسن وصفه قوله:
لها من الرّيم عيناه وسنّتهونخوة السابق المختال إذ صهلا
ومن دقة معناه وصواب مصدره قوله
صوت
عوجا نحيّ الطّلل المحولاوالرّبع من أسماء والمنزلا
بسابغ البوباة لم يعدهتقادم العهد بأن يؤهلا
الغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالسّبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. قال إسحاق بن إبراهيم: يعني أنه لم يؤهل فيعدوه تقادم العهد. وقال الزبير: قال بعض المدنيّين: يحيّيه بأن يؤهل، أي يدعو له بذلك.
ومن قصده للحاجة قوله:
صوت
أيّها المنكح الثّريّا سهيلاعمرك اللّه كيف يلتقيان
هي شاميّة إذا ما استقلّتوسهيل إذا استقلّ يماني
ويروى: «هي غوريّة». الغناء للغريض خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو وابن المكيّ.
ومن استنطاقه الربع قوله:
صوت
سائلا الرّبع بالبليّ وقولاهجت شوقا لي الغداة طويلا
أين حيّ حلّوك إذ أنت محفوف بهم آهل أراك جميلا
قال ساروا فأمعنوا واستقلّواوبرغمي لو قد وجدت سبيلا
ويروى:
وبكرهي لو استطعت سبيلا
سئمونا وما سئمنا جواراوأحبّوا دماثة وسهولا
فيه رملان: أحدهما لابن سريج بالسّبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، والآخر لإسحاق مطلق في مجرى البنصر، وفيه لأبي العبيس بن حمدون ثاني ثقيل. وقد شرحت نسبته مع خبره في موضع آخر. قال إسحاق: أنشد جرير هذه الأبيات فقال: إنّ هذا الذي كنّا ندور عليه فأخطأناه.
ومن إنطاقه القلب قوله:
قال لي فيها عتيق مقالافجرت مما يقول الدموع
قال لي ودّع سليمى ودعهافأجاب القلب: لا أستطيع
الغناء للهذليّ ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ. قال: وفيه ليحيى المكيّ ثقيل أوّل نسب إلى معبد وهو من منحوله.
ومن حسن عزائه قوله:
صوت
أألحقّ إن دار الرّباب تباعدتأو انبتّ حبل أنّ قلبك طائر
أفق قد أفاق العاشقون وفارقوا الهوى واستمرّت بالرّجال المرائر
زع النفس واستبق الحياء فإنّماتباعد أو تدني الرّباب المقادر
أمت حبّها واجعل قديم وصالهاوعشرتها كمثل من لا تعاشر
وهبها كشيء لم يكن أو كنازحبه الدار أو من غيّبته المقابر
وكالناس علّقت الرّباب فلا تكنأحاديث من يبدو ومن هو حاضر
الغناء في بعض هذه الأبيات وأوّله «زغ النفس» لابن سريج ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو. وفيه لعمر الواديّ رمل بالبنصر عن ابن المكّيّ. وفيه ل «قدار» لحن من كتاب إبراهيم غير مجنّس. وهذه الأبيات يرويها بعض أهل الحجاز لكثيّر، ويرويها الكوفيون للكميت بن معروف الأسديّ، وذكر بعضها الزّبير بن بكّار عن أبي عبيدة لكثيّر في أخباره.
ومن حسن غزله في مخاطبة النساء
- قال مصعب الزّبيريّ: وقد أجمع أهل بلدنا ممن له علم بالشعر أنّ هذه الأبيات أغزل ما سمعوا - قوله:
صوت
تقول غداة التقينا الرّبابأيا ذا أفلت أفول السّماك
وكفّت سوابق من عبرةكما ارفضّ نظم ضعيف السّلاك
فقلت لها من يطع في الصّديق أعداءه يجتنبه كذاك
أغرّك أنّي عصيت الملام فيك وأنّ هوانا هواك
وألّا أرى لذّة في الحياةتقرّ بها العين حتى أراك
فكان من الذلنب لي عندكممكارمتي واتّباعي رضاك
فليت الذي لام في حبّكموفي أن تزاري بقرن وقاك
هموم الحياة وأسقامهاوإن كان حتف جهيز فداك
الغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى. وذكر إبراهيم أنّ فيه لحنا لحكم. وقيل: إن فيه لحنا آخر لابن جامع.
ومن عفّة مقاله قوله:
صوت
طال ليلي واعتادني اليوم سقموأصابت مقاتل القلب نعم
حرّة الوجه والشمائل والجوهر تكليمها لمن نال غنم
وحديث بمثله تنزل العصم رخيم يشوب ذلك حلم
هكذا وصف ما بدا لي منهاليس لي بالذي تغيّب علم
إن تجودي أو تبخلي فبحمدلست يا نعم فيهما من يذمّ
الغناء لابن سريج رمل عن الهشاميّ.
ومن قلة انتقاله قوله:
صوت
أيها القائل غير الصوابأمسك النّصح وأقلل عتابي
واجتنبني واعلمن أن ستعصىولخير لك طول اجتنابي
إن تقل نصحا فعن ظهر غشّدائم الغمر بعيد الذّهاب
ليس بي عيّ بما قلت إنّيعالم أفقه رجع الجواب
إنّما قرّة عيني هواهافدع اللّوم وكلني لما بي
لا تلمني في الرّباب وأمستعدلت للنفس برد الشّراب
هي واللّه الذي هو ربّيصادقا أحلف غير الكذاب
أكرم الأحياء طرّا عليناعند قرب منهم واجتناب
خاطبتني ساعة وهي تبكيثم عزّت خلّتي في الخطاب
وكفى بي مدرهّا لخصوملسواها عند حدّ تبابي
الغناء لكردم ثقيل أوّل بالسّبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق في الأوّل والخامس ثم الثاني والثالث. وفيه لمعبد خفيف ثقيل بالبنصر عن يحيى المكيّ.
ومن إثباته الحجّة قوله:
خليليّ بعض اللوم لا ترحلا بهرفيقكما حتّى تقولا على علم
خليليّ من يكلف بآخر كالذيكلفت به يدمل فؤادا على سقم
خليليّ ما كانت تصاب مقاتليولا غرّتي حتى وقعت على نعم
خليليّ حتى لفّ حبلي بخادعموقّى إذا يرمى صيود إذا يرمي
خليليّ لو يرقى خليل من الهوىرقيت بما يدني النّوار منه العصم
خليليّ إن باعدت لانت وإن ألنتباعد فلم أنبل بحرب ولا سلّم
ومن ترجيحه الشكّ في موضع اليقين قوله:
صوت
نظرت إليها بالمحصّب من منىولي نظر لو لا التّحرّج عارم
فقلت: أشمس أم مصابيح بيعةبدت لك خلف السّجف أم أنت حالم
بعيدة مهوى القرط إمّا لنوفلأبوها وإمّا عبد شمس وهاشم
ومدّ عليها السّجف يوم لقيتهاعلى عجل تبّاعها والخوادم
فلم أستطعها غير أن قد بدا لناعشيّة راحت وجهها والمعاصم
معاصم لم تضرب على البهم بالضّحىعصاها ووجه لم تلحه السّمائم
نضار ترى فيه أساريع مائهصبيح تغاديه الأكفّ النّواعم
إذا ما دعت أترابها فاكتنفنهاتمايلن أو مالت بهنّ المآكم
طلبن الصّبا حتى إذا ما أصبنهنزعن وهنّ المسلمات الظّوالم
الغناء لمعبد ثقيل أوّل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق وابن المكيّ. وفيها لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق أيضا. وفيها للغريض خفيف ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ.
ومن طلاوة اعتذاره قوله:
صوت
عاود القلب بعض ما قد شجاهمن حبيب أمسى هوانا هواه
يا لقومي فكيف أصبر عمّنلا ترى النفس طيب عيش سواه
أرسلت إذ رأت بعادي ألّايقبلن بي محرّشا إن أتاه دون أن
يسمع المقالة منّاوليطعني فإنّ عندي رضاه
لا تطع بي فدتك نفسي عدوّالحديث على هواه افتراه
لا تطع بي من لو رآني وإيّاك أسيري ضرورة ما عناه
ما ضراري نفسي بهجري من ليس مسيئا ولا بعيدا ثراه
واجتنابي بيت الحبيب وما الخلد بأشهى إليّ من أن أراه
الغناء لمعبد خفيف ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. وقال عمرو، فيه خفيف ثقيل بالوسطى للهذليّ. وفيه لابن محرز ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو، وابتداؤه نشيد أوّله: «ما ضراري نفسي». وقال الهشاميّ: وفيه لعليّة بنت المهديّ وسعيد بن جابر لحنان من الثقيل الثاني
ومن نهجه العلل قوله:
وآية ذلك أن تسمعيإذا جئتكم ناشدا ينشد
فرحنا سراعا وراح الهوىدليلا إليها بنا يقصد
فلمّا دنونا لجرس النّباح والصوت، والحيّ لم يرقدوا
بعثنا لها باغيا ناشداوفي الحيّ بغية من ينشد
وقد نسبت هذه الأبيات إلى من غنّى فيها مع: تشطّ غدا دار جيراننا
ومن فتحه الغزل قوله:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوىفكنّ حجرا من يابس الصّخر جلمدا
ومن عطفه المساءة على العذّال قوله:
صوت
لا تلمني عتيق حسبي الذي بيإنّ بي يا عتيق ما قد كفاني
لا تلمني وأنت زيّنتها ليأنت مثل الشيطان للإنسان
الغناء لأبي العبيس بن حمدون ثقيل أوّل مطلق من مجموع أغانيه. وفيه رمل طنبريّ محدث، وفيه هزج لأبي عيسى بن المتوكّل.
ومن حسن تفجّعه قوله:
صوت
هجرت الحبيب اليوم من غير ما اجترموقطّعت من ذي ودّك الحبل فانصرم
أطعت الوشاة الكاشحين ومن يطعمقالة واش يقرع السّنّ من ندم
أتاني رسول كنت أحسب أنهشفيق علينا ناصح كالذي زعم
فلما تباثثنا الحديث وصرّحتسرائره عن بعض ما كان قد كتم
تبيّن لي أنّ المحرّش كاذبفعندي لك العتبى على رغم من رغم
فملآن لمت النفس بعد الذي مضىوبعد الذي آلت وآليت من قسم
ظلمت ولم تعتب وكان رسولهاإليك سريعا بالرّضا لك إذ ظلم
الغناء لابن سريج رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وقال يونس: فيه لابن سريج لحنان، وذكر الهشاميّ أنّ لحنه الآخر ثقيل أوّل، وأن لعلّوية فيه رملا آخر.
ومن تبخيله المنازل قوله:
صوت
عرفت مصيف الحيّ والمتربّعاببطن حليّات دوارس بلقعا
إلى السّرح من وادي المغمّس بدّلتمعالمها وبلا ونكباء زعزعا
فيبخلن أو يخبرن بالعلم بعد مانكأن فؤادا كان قدما مفجّعا
الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى.
ومن اختصاره الخبر قوله:
صوت
أمن آل نعم أنت غاد فمبكرغداة غد أم رائح فمهجّر
بحاجة نفس لم تقل في جوابهافتبلغ عذرا والمقالة تعذر
أشارت بمدراها وقالت لتربهاأهذا المغيريّ الذي كان يذكر
لئن كان إيّاه لقد حال بعدناعن العهد والإنسان قد يتغيّر
الغناء لابن سريج رمل بالسبّابة في مجرى البنصر، وله في بيتين آخرين من هذه القصيدة، وهما:
وليلة ذي دوران جشّمتني السّرىوقد يجشم الهول المحبّ المغرّر
فقلت أباديهم فإمّا أفوقهموإمّا ينال السّيف ثأرا فيثأر
رمل آخر بالوسطى عن عمرو. قال الزّبير حدّثني إسحاق الموصلي قال: قلت لأعرابيّ ما معنى قول ابن أبي ربيعة:
بحاجة نفس لم تقل في جوابهافتبلغ عذرا والمقالة تعذر
فقال: قام كما جلس.
ومن صدقه الصفاء قوله:
كلّ وصل أمسى لديك لأنثىغيرها وصلها إليها أداء
كلّ أنثى وإن دنت لوصالأو نأت فهى للرّباب الفداء
وقوله:
صوت
أحبّ لحبّك من لم يكنصفيّا لنفسي ولا صاحبا
وأبذل ما لي لمرضاتكموأعتب من جاءكم عاتبا
وأرغب في ودّ من لم أكنإلى ودّه قبلكم راغبا
ولو سلك الناس في جانبمن الأرض واعتزلت جانبا
ليمّمت طيّتها إنّنيأرى قربها العجب العاجبا
الغناء لابن القفّاص رمل عن الهشاميّ ويحيى المكّيّ، وفيه للرّبعيّ لحن من كتاب إبراهيم غير مجنّس.
ومما قدح فيه فأورى قوله:
صوت
طال ليلي وتعنّاني الطّربواعتراني طول همّ ووصب
أرسلت أسماء في معتبةعتبتها وهي أحلى من عتب
أن أتى منها رسول موهناوجد الحيّ نياما فانقلب
ضرب الباب فلم يشعر بهأحد يفتح بابا إذ ضرب
قال: أيقاظ ولكن حاجةعرضت تكتم منّا فاحتجب
ولعمدا ردّني، فاجتهدتبيمين حلفة عند الغضب يشهد
الرحمن لا يجمعناسقف بيت رجبا بعد رجب
قلت حلا فاقبلي معذرتيما كذا يجري محبّ من أحبّ
إنّ كفّيّ لك رهن بالرّضافاقبلي يا هند، قالت قد وجب
الغناء لمالك خفيف ثقيل بالسّبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لدحمان ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو. وفيه لمعبد لحن من كتاب يونس لم يجنّسه، وذكر الهشاميّ أنه خفيف ثقيل. وفيه لابن سريج رمل عن الهشاميّ.
قال من حكينا عنه في صدر أخبار عمر روايته التي رواها عليّ بن صالح عن أبي هفّان عن إسحاق عن رجاله والحرميّ عن الزّبير عن عمّه: كان عمر بن أبي ربيعة يهوى امرأة يقال لها «أسماء»، فكان الرسول يختلف بينهما زمانا وهو لا يقدر عليها. ثم وعدته أن تزوره، فتأهّب لذلك وانتظرها، فأبطأت عنه حتى غلبته عينه فنام، وكانت عنده جارية له تخدمه، فلم تلبث أن جاءت ومعها جارية لها، فوقفت حجرة وأمرت الجارية أن تضرب الباب، فضربته فلم يستيقظ. فقالت لها: تطلّعي فانظري ما الخبر؟ فقالت لها: هو مضطجع وإلى جنبه امرأة، فحلفت لا تزوره حولا، فقال في ذلك:
طال ليلي وتعنّاني الطّرب
قال أبو هفّان في حديثه: وبعث إليها امرأة كانت تختلف بينه وبين معارفه، وكانت جزلة من النساء، فصدقتها عن قصّته وحلفت لها أنه لم يكن عنده إلا جاريته، فرضيت. وإيّاها يعني عمر بقوله:
فأتتها طبّة عالمةتخلط الجدّ مرارا باللّعب
تغلظ القول إذا لانت لهاوتراخي عند سورات الغضب
لم تزل تصرفها عن رأيهاوتأنّاها برفق وأدب
قال إسحاق في خبره: وحدّثني ابن كناسة قال أخبرني حمّاد الرواية قال: استنشدني الوليد بن يزيد، فأنشدته نحوا من ألف قصيدة، فما استعادني إلا قصيدة عمر بن أبي ربيعة:
طال ليلي وتعنّاني الطرب
فلما أنشدته قوله:
فأتتها طبّة عالمةتخلط الجدّ مرارا باللّعب
إلى قوله:
إنّ كفّي لك رهن بالرّضافاقبلي يا هند قالت قد وجب
فقال الوليد: ويحك يا حمّاد! اطلب لي مثل هذه أرسلها إلى سلمى. يعني امرأته سلمى بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، وكان طلّقها ليتزوج أختها ثم تتبّعتها نفسه.
قال إسحاق وحدّثني جماعة منهم الحرميّ والزّبيريّ وغيرهما: أنّ عمر أنشد ابن أبي عتيق هذه القصيدة، فقال له ابن أبي عتيق: الناس يطلبون خليفة مذ قتل عثمان في صفة قوّادتك هذه يدبّر أمورهم فما يجدونه!.
رجع إلى خبر عمر الطويل
قالوا: ومن شعره الذي اعتذر فيه فأبرأ قوله:
فالتقينا فرحّبت حين سلّمت وكفّت دمعا من العين مارا
ثم قالت عند العتاب رأينامنك عنّا تجلّدا وازورارا
قلت كلّالاه ابن عمّك بل خفنا أمورا كنّا بها أغمارا
فجعلنا الصّدود لمّا خشيناقالة الناس للهوى أستارا
ليس كالعهد إذ عهدت ولكنأو قد الناس بالنميمة نارا
فلذاك الإعراض عنك وما آثر قلبي عليك أخرى اختيارا
ما أبالي إذا النّوى قرّبتكمفدنوتم من حلّ أو من سارا
فاللّيالي إذا نأيت طوالوأراها إذا قربت قصارا
ومن تشكّيه الذي أشجى فيه قوله:
صوت
لعمرك ما جاورت غمدان طائعاوقصر شعوب أن أكون به صبّا
ولكنّ حمّى أضرعتني ثلاثةمجرّمة ثم استمرّت بنا غبّا
وحتّى لو أن الخلد تعرض إن مشتإلى الباب رجلي ما نقلت لها إربا
فإنّك لو أبصرت يوم سويقةمناخي وحبسي العيس دامية جدبا
ومصرع إخوان كأنّ أنينهمأنين المكاكي صادفت بلدا خصبا
إذا لا قشعرّ الرّأس منك صبابةولا ستفرغت عيناك من سكبة غربا
غنّى في الأوّل والثاني من هذه الأبيات معبد ولحنه خفيف ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو. وفيهما لمالك ثقيل أوّل عن الهشاميّ، ونسبه يونس إلى مالك ولم يجنّسه.
ومن إقدامه عن خبرة ولم يعتذر بغرّة قوله:
صرمت وواصلت حتّى عرفت أين المصادر والمورد
وجرّبت من ذاك حتّى عرفت ما أتوقّى وما أعمد
ومن أسره النوم قوله:
نام صحبي وبات نومي أسيراأرقب النّجم موهنا أن يغورا
ومن غمّه الطير قوله:
فرحنا وقلنا للغلام اقض حاجةلنا ثم أدركنا ولا تتغبّر
سراعا نغمّ الطير إن سنحت لناوإن تلقنا الرّكبان لا نتخبّر
تتغبر، من قولهم: غبر فلان أي لبث.
ومن إغذاذه السير قوله:
قلت سيرا ولا تقيما ببصرىوحفير فما أحبّ حفيرا
وإذا ما مررتما بمعانفأقلّا به الثّواء وسيرا
إنّما قصرنا إذا حسّر السير بعيرا أن نستجدّ بعيرا
ومن تحييره ماء الشباب قوله:
صوت
أبرزوها مثل المهاة تهادىبين خمس كواعب أتراب
ثم قالوا تحبّها قلت بهراعدد القطر والحصى والتراب
وهي مكنونة تحيّر منهافي أديم الخدّين ماء الشباب
الغناء لمحمد بن عائشة خفيف ثقيل بالبنصر. وفيه لمالك خفيف ثقيل آخر عن الهشاميّ، وقيل: بل هو هذا.
ومن تقويله وتسهيله قوله:
قالت على رقبة يوما لجارتهاما تأمرين فإنّ القلب قد تبلا
وهل لي اليوم من أخت مواخيةمنكنّ أشكو إليها بعض ما فعلا
فراجعتها حصان غير فاحشةبرجع قول ولبّ لم يكن خطلا
لا تذكري حبّه حتى أراجعهإنّي سأكفيكه إن لم أمت عجلا
فاقني حياءك في ستر وفي كرمفلست أوّل أنثى علّقت رجلا
وأما ما قاس فيه الهوى فقوله:
وقرّبن أسباب الهوى لمتيّميقيس ذراعا كلّما قسن إصبعا
ومن عصيانه وإخلائه قوله:
وأنصّ المطيّ يتبعن بالرّكب سراعا نواعم الاظعان
فنصيد الغرير من بقر الوحش ونلهو بلذّة الفتيان
في زمان لو كنت فيه ضجيعيغير شكّ عرفت لي عصياني
وتقلّبت في الفراش ولا تدرين إلا الظّنون أين مكاني
ومن محالفته بسمعه وطرفه قوله:
سمعي وطرفي حليفاها على جسديفكيف أصبر عن سمعي وعن بصري
لو طاوعاني على ألّا أكلّمهاإذا لقضّيت من أوطارها وطري
ومن إبرامه نعت الرسل قوله:
فبعثت كاتمة الحديث رفيقة بجوابها
وحشيّة إنسيّةخرّاجة من بابها
فرقت فسهّلت المعارض من سبيل نقابها
ومن تحذيره قوله:
صوت
لقد أرسلت جاريتيوقلت لها خذي حذرك
وقولي في ملاطفةلزينب نوّلي عمرك
فإن داويت ذا سقمفأخزى اللّه من كفرك
فهزّت رأسها عجباوقالت من بذا أمرك
أهذا سحرك النّسوان، قد خبّرنني خبرك
وقلن إذا قضى وطراوأدرك حاجة هجرك
غنّى ابن سريج في هذه الأبيات، ولحنه خفيف ثقيل. ولابن المكّيّ فيها هزج بالوسطى. وفيها رمل ذكر ذكاء وجه الرّزّة عن أحمد بن أبي العلاء عن مخارق أنه لابن جامع، وذكر قمريّ أنه له وأنّ ذكاء أبطل في هذه الحكاية. قال الزّبير: حدّثني عمّي قال حدّثني أبي قال: قال شيخ من قريش: لا تروّوا نساءكم شعر عمر بن أبي ربيعة لا يتورّطن في الزّنا تورّطا، وأنشد:
لقد أرسلت جاريتيوقلت لها خذي حذرك
الأبيات.
ومن إعلانه الحبّ وإسراره قوله:
شكوت إليها الحبّ أعلن بعضهوأخفيت منه في الفؤاد غليلا
ومما بطن به وأظهر قوله:
حبّكم يا آل ليلى قاتليظهر الحبّ بجسمي وبطن
ليس حبّ فوق ما أحببتكمغير أن أقتل نفسي أو أجنّ
ومما ألحّ فيه وأسفّ قوله:
ليت حظّي كطرفة العين منهاوكثير منها القليل المهنّا
أو حديث على خلاء يسلّيما يجنّ الفؤاد منها ومنّا
كبرت ربّ نعمة منك يوماأن أراها قبل الممات ومنّا
ومن إنكاحه النوم قوله:
صوت
حتّى إذا ما الليل جنّ ظلامهونظرت غفلة كاشح أن يعقلا
واستنكح النوم الذين نخافهموسقى الكرى بوّابهم فاستثقلا
خرجت تاطّر في الثياب كأنّهاأيم يسيب على كثيب أهيلا
الغناء لمعبد خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه ألحان لغيره وقد نسبت في غير هذا الموضع مع قوله:
ودّع لبابة قبل أن تترحّلا
ومن جنيه الحديث قوله:
وجوار مساعفات على اللّهوو مسرّات باطن الأضغان
صيّد للرجال يرشقن بالمطّرف حسان كخذّل الغزلان
قد دعاني وقد دعاهنّ للّهوشجون مهمّة الأشجان
فاجتنينا من الحديث ثماراما جنى مثلها لعمرك جاني
ومن ضربه الحديث ظهره لبطنه قوله:
في خلاء من الأنيس وأمنفبثثنا غليلنا واشتفينا
وضربنا الحديث ظهرا لبطنوأتينا من أمرنا ما اشتهينا
فمكثنا بذاك عشر ليالفي قضاء لديننا واقتضينا
ومن إذلاله صعب الحديث قوله:
فلما أفضنا في الهوى نستبينهوعاد لنا صعب الحديث ذلولا
شكوت إليها الحبّ أظهر بعضهوأخفيت منه في الفؤاد غليلا
ومن قناعته بالرجاء من الوفاء قوله:
فعدي نائلا وإن لم تنيليإنه ينفع المحبّ الرجاء
قال الزّبير: هذا أحسن من قول كثيّر:
ولست براض من خليل بنائلقليل ولا أرضى له بقليل
ومن إعلائه قاتله قوله:
فبعثت جاريتي وقلت لها اذهبيفاشكي إليها ما علمت وسلّمي
قولي يقول تحرّجي في عاشقكلف بكم حتّى الممات متيّم
ويقول إنّك قد علمت بأنّكمأصبحتم يا بشر أوجه ذي دم
فكّي رهينته فإن لم تفعليفاعلي على قتل ابن عمّك واسلمي
فتضاحكت عجبا وقالت حقّهألّا يعلّمنا بما لم نعلم
علمي به - واللّه يغفر ذنبه -فيما بدا لي، ذو هوى متقسّم
طرف ينازعه إلى الأدنى الهوىويبتّ خلّة ذي الوصال الأقدم
ومن تنفيضه النوم قوله:
فلمّا فقدت الصوت منهم وأطفئتمصابيح شبّت بالعشاء وأنور
وغاب قمير كنت أرجو غيوبهوروّح رعيان ونوّم سمّر
ونفّضت عنّي أقبلت مشية الحباب وركني خشية القوم أزور
ومن إغلاقه رهن منى وإهداره قتلاه قوله:
فكم من قتيل ما يباء به دمومن غلق رهنا إذا لفّه منى
ومن مالىء عينيه من شيء غيرهإذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى
وكان بعد هذا كلّه فصيحا شاعرا مقولا.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير قال حدّثني عمّي، وأخبرنا به عليّ بن صالح عن أبي هفّان عن إسحاق عن رجاله: أنّ عمر بن أبي ربيعة نظر إلى رجل يكلّم امرأة في الطّواف، فعاب ذلك عليه وأنكره. فقال له: إنها ابنة عمّي. قال: ذاك أشنع لأمرك. فقال: إنّي خطبتها إلى عمّي، فأبى عليّ إلا بصداق أربعمائة دينار، وأنا غير مطيق ذلك، وشكا إليه من حبّها وكلفه بها أمرا عظيما، وتحمّل به على عمّه. فسار معه إليه فكلّمه. فقال له: هو مملق، وليس عندي ما أصلح به أمره. فقال له عمر: وكم الذي تريده منه؟ قال: أربعمائة دينار. فقال له: هي عليّ فزوّجه، ففعل ذلك.
وقد كان عمر حين أسنّ حلف ألّا يقول بيت شعر ألّا أعتق رقبة. فانصرف عمر إلى منزله يحدّث نفسه، فجعلت جارية له تكلّمه فلا يردّ عليها جوابا. فقالت له: إنّ لك لأمرا، وأراك تريد أن تقول شعرا، فقال:
صوت
تقول وليدتي لمّا رأتنيطربت وكنت قد أقصرت حينا
أراك اليوم قد أحدثت شوقاوهاج لك الهوى داء دفينا
وكنت زعمت أنّك ذو عزاءإذا ما شئت فارقت القرينا
بربّك هل أتاك لها رسولفشاقك أم لقيت لها خدينا
فقلت شكا إليّ أخ محبّكبعض زماننا إذ تعلمينا
فقصّ عليّ ما يلقى بهندفذكّر بعض ما كنّا نسينا
وذو الشّوق القديم وإن تعزّىمشوق حين يلقى العاشقينا
وكم من خلّة أعرضت عنهالغير قلى وكنت بها ضنينا
أردت بعادها فصددت عنهاولو جنّ الفؤاد بها جنونا
ثم دعا تسعة من رقيقه فأعتقهم لكلّ بيت واحد. الغناء لابن سريج رمل بالبنصر عن عمرو والهشاميّ.
وفيه ثقيل أوّل يقال: إنه للغريض. وذكر عبد اللّه بن موسى أنّ فيه لدحمان خفيف رمل.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا أحمد بن عبيد أبو عصيدة قال: ذكر ابن الكلبيّ أنّ عمر بن أبي ربيعة كان يساير عروة بن الزّبير ويحادثه، فقال له: وأين زين المواكب؟ يعني ابنه محمد بن عروة، وكان يسمّى بذلك لجماله.
فقال له عروة: هو أمامك، فركض يطلبه. فقال له عروة: يا أبا الخطّاب، أولسنا أكفاء كراما لمحادثتك ومسايرتك؟ فقال: بلى بأبي أنت وأمي! ولكنّي مغرى بهذا الجمال أتبعه حيث كان. ثم التفت إليه وقال:
إنّي امرؤ مولع بالحسن أتبعهلا حظّ لي فيه إلا لذّة النّظر
ثم مضى حتى لحقه فسار معه، وجعل عروة يضحك من كلامه تعجّبا منه.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا مصعب ابن عبد اللّه قال: رأى عمر بن أبي ربيعة رجلا يطوف بالبيت قد بهر الناس بجماله وتمامه، فسأل عنه فقيل له: هذا مالك بن أسماء بن خارجة. فجاءه فسلّم عليه وقال له: يابن أخي ما زلت أتشوّقك منذ بلغني قولك:
إنّ لي عند كلّ نفحة بستان من الورد أو من الياسمينا
نظرة والتفاتة أتمنّىأن تكوني حللت فيما يلينا
ويروى:
«... أترجّىأن تكوني حللت...»
عمر وأبو الأسود الدؤلي وقد عرض لامرأته في الطواف
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا عبد اللّه بن محمد قال حدّثنا العباس بن هشام عن أبيه قال أخبرني مولى لزياد قال: حجّ أبو الأسود الدّؤليّ ومعه آمرأته وكانت جميلة. فبينا هي تطوف بالبيت إذ عرض لها عمر بن أبي ربيعة، فأتت أبا الأسود فأخبرته، فأتاه أبو الأسود فعاتبه. فقال له عمر: ما فعلت شيئا. فلما عادت إلى المسجد عاد فكلّمها، فأخبرت أبا الأسود، فأتاه في المسجد وهو مع قوم جالس فقال له:
وإنّي ليثنيني عن الجهل والخناوعن شتم أقوام خلائق أربع
حياء وإسلام وبقيا وأنّنيكريم ومثلي قد يضرّ وينفع
فشتّان ما بيني وبينك إنّنيعلى كل حال أستقيم وتظلع
فقال له عمر: لست أعود يا عمّ لكلامها بعد هذا اليوم. ثم عاود فكلّمها، فأتت أبا الأسود فأخبرته، فجاء إليه فقال له:
أنت الفتى وابن الفتى وأخو الفتىوسيّدنا لو لا خلائق أربع
نكول عن الجلّى وقرب من الخناوبخل عن الجدوى وأنك تبّع
ثم خرجت وخرج معها أبو الأسود مشتملا على سيف. فلما رآهما عمر أعرض عنها، فتمثّل أبو الأسود:
تعدو الذّئاب على من لا كلاب لهوتتّقي صولة المستأسد الحامي
أخبرني ابن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن الهيثم الفراسيّ قال حدّثنا العمريّ قال أخبرنا الهيثم بن عديّ قال: قدم الفرزدق المدينة وبها رجلان يقال لأحدهما صريم، وللآخر ابن أسماء، وصفا له فقصدهما، وكان عندهما قيان، فسلّم عليهما وقال لهما: من أنتما؟ فقال أحدهما: أنا فرعون، وقال الآخر: أنا هامان.
قال: فأين منزلكما في النار حتى أقصدكما؟ فقالا: نحن جيران الفرزدق الشاعر! فضحك ونزل، فسلّم عليهما وسلّما عليه وتعاشروا مدّة. ثم سألهما أن يجمعا بينه وبين عمر بن أبي ربيعة ففعلا، واجتمعا وتحادثا وتناشدا إلى أن أنشد عمر قصيدته التي يقول فيها: فلمّا
التقينا واطمأنت بنا النّوىوغيّب عنّا من نخاف ونشفق
حتى انتهى إلى قوله:
فقمن لكي يخليننا فترقرقتمدامع عينيها وظلّت تدفّق
وقالت أما ترحمنني! لا تدعننيلدى غزل جمّ الصّبابة يخرق
فقلن اسكتي عنّا فلست مطاعةوخلّك منّا - فاعلمي - بك أرفق
فصاح الفرزدق: أنت واللّه يا أبا الخطّاب أغزل الناس! لا يحسن واللّه الشعراء أن يقولوا مثل هذا النّسيب ولا أن يرقوا مثل هذه الرّقية! وودّعه وانصرف.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد الجبّار بن سعيد المساحقيّ عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه: أنه حجّ مع أبيه الحارث بن عبد اللّه بن عيّاش بن أبي ربيعة، فأتى عمر بن أبي ربيعة وقد أسنّ وشاخ، فسلّم عليه وساء له ثم قال له: أيّ شيء أحدثت بعدي يا أبا الخطّاب؟ فأنشده:
يقولون: إنّي لست أصدقك الهوىوإنّي لا أرعاك حين أغيب
فما بال طرفي عفّ عما تساقطتله أعين من معشر وقلوب
عشيّة لا يستنكف القوم أن يرواسفاه امرىء ممن يقال لبيب
ولا فتنة من ناسك أو مضت لهبعين الصّبا كسلى القيام لعوب
تروّح يرجو أن تحطّ ذنوبهفآب وقد زيدت عليه ذنوب
وما النّسك أسلاني ولكنّ للهوىعلى العين منّي والفؤاد رقيب
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا عيسى بن إسماعيل عن القحذميّ قال: واعد عمر بن أبي ربيعة نسوة من قريش إلى العقيق ليتحدّثن معه، فخرج إليهنّ ومعه الغريض، فتحدّثوا مليّا ومطروا، فقال عمر والغريض وجاريتان للنسوة فأظلّوا عليهنّ بمطرفه وبردين له حتى استترن من المطر إلى أن سكن، ثم انصرفن. فقال له الغريض: قل في هذا شعرا حتى أغنّي فيه، فقال عمر:
صوت
ألم تسأل المنزل المقفرابيانا فيكتم أو يخبرا
ذكرت به بعض ما قد شجاكوحقّ لذي الشّجو أن يذكرا
مقام المحبّين قد ظاهراكساء وبردين أن يمطرا
وممشى الثلاث به موهناخرجن إلى زائر زوّرا
إلى مجلس من وراء القباب سهل الرّبا طيّب أعفرا
غفلن عن اللّيل حتّى بدتتباشير من واضح أسفرا
فقمن يعفّين آثارنابأكسية الخزّ أن تقفرا
مهاتان شيّعتا جؤذراأسيلا مقلّده أحورا
قمن وقلن لو انّ النهار مدّ له اللّيل فاستأخرا
قضينا به بعض أشجانناوكان الحديث به أجدرا
ذكر ابن المكيّ أنّ الغناء في الخمسة الأبيات الأولى لابن سريج ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر، وذكر الهشاميّ أنّ هذا اللحن للغريض، وأنّ لحن ابن سريج رمل بالوسطى. قال: ولدحمان فيه أيضا ثاني ثقيل آخر بالوسطى. وفيها لابن الهربذ خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى. وقال حبش: فيها لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى.
أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني أبو العبّاس المدينيّ قال أخبرنا ابن عائشة قال: حضر ابن أبي عتيق عمر بن أبي ربيعة وهو ينشد قوله:
ومن كان محزونا بإهراق عبرةوهي غربها فليأتنا نبكه غدا
نعنه على الإثكال إن كان ثاكلاوإن كان محروبا وإن كان مقصدا
قال: فلّما أصبح ابن أبي عتيق أخذ معه خالدا الخرّيت وقال له: قم بنا إلى عمر. فمضيا إليه، فقال له ابن أبي عتيق: قد جئناك لموعدك. قال: وأيّ موعد بيننا؟ قال: قولك: «فليأتنا نبكه غدا». قد جئناك، واللّه لا نبرح أو تبكي إن كنت صادقا في قولك، أو ننصرف على أنك غير صادق. ثم مضى وتركه. قال ابن عائشة: خالد الخرّيت هو خالد بن عبد اللّه القسري.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا دماذ عن الهيثم بن عديّ عن عبد اللّه بن عيّاش الهمدانيّ قال: لقيت عمر بن أبي ربيعة فقلت له: يا أبا الخطّاب، أكلّ ما قلته في شعرك فعلته؟ قال: نعم، وأستغفر اللّه.
أخبرني عليّ بن صالح عن أبي هفّان عن إسحاق عن عبد اللّه بن مصعب قال: قدم عمر بن أبي ربيعة الكوفة، فنزل على عبد اللّه بن هلال الذي كان يقال له صاحب إبليس، وكان له قينتان حاذقتان، وكان عمر يأتيهما فيسمع منهما، فقال في ذلك:
يأهل بابل ما نفست عليكممن عيشكم إلّا ثلاث خلال
ماء الفرات وطيب ليل باردوغناء مسمعتين لابن هلال
أخبرني عليّ بن صالح عن أبي هفّان عن إسحاق عن رجاله: أن عمر بن أبي ربيعة والحارث بن خالد وأبا ربيعة المصطلقيّ ورجلا من بني مخزوم وابن أخت الحارث بن خالد، خرجوا يشيّعون بعض خلفاء بني أمية. فلمّا انصرفوا نزلوا «بسرف» فلاح لهم برق؛ فقال الحارث: كلّنا شاعر، فهلمّوا نصف البرق. فقال أبو ربيعة:
أرقت لبرق آخر الليل لامعجرى من سناه ذو الرّبا فينابع
فقال الحارث:
أرقت له ليل التّمام ودونهمهامه موماة وأرض بلاقع
فقال المخزوميّ:
يضيء عضاه الشّوك حتّى كأنّهمصابيح أو فجر من الصّبح ساطع
فقال عمر:
أيا ربّ لا آلو المودّة جاهدالأسماء فاصنع بي الذي أنت صانع
ثم قال: مالي وللبرق والشوك!
أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال: كان عمر بن أبي ربيعة وخالد القسريّ معه - وهو خالد الخرّيت - ذات يوم يمشيان، فإذا هما بهند وأسماء اللتين كان يشبّب بهما عمر بن أبي ربيعة تتماشيان، فقصداهما وجلسا معهما مليّا، فأخذتهم السماء ومطروا. ثم ذكر مثل خبر تقدّم، ورويته آنفا عن هاشم بن محمد الخزاعيّ، وذكر الأبيات الماضية، ولم يذكر فيها خبر الغريض. وحكى أنه قال في ذلك:
صوت
أفي رسم دار دمعك المترقرقسفاها! وما استنطاق ما ليس ينطق!
بحيث التقى «جمع» ومفضى «محسّر»مغاني قد كادت على العهد تخلق
ذكرت به ما قد مضى من زمانناوذكرك رسم الدار ممّا يشوّق
مقاما لنا عند العشاء ومجلسابه لم يكدّره علينا معوّق
وممشى فتاة بالكساء تكنّنابه تحت عين برقها يتألّق
يبلّ أعالي الثوب قطر وتحتهشعاع بدا يعشي العيون ويشرق
فأحسن شيء بدء أوّل ليلناوآخره حزن إذا نتفرّق
ذكر يحيى بن المكيّ أنّ الغناء في ستة أبيات متوالية من هذا الشعر لمعبد خفيف ثقيل بالسبابة والوسطى، وذكر الهشاميّ أنه من منحول يحيى.
أخبرنا الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال أخبرني مصعب قال: لقي عمر بن أبي ربيعة ليلى بنت الحارث بن عمرو البكريّة وهي تسير على بغلة لها، وقد كان نسب بها، فقال: جعلني اللّه فداك! عرّجي ها هنا أسمعك بعض ما قلته فيك. قالت: أو قد فعلت؟ قال نعم! فوقفت وقالت: هات. فأنشدها:
صوت
ألا يا ليل إنّ شفاء نفسينوالك إن بخلت فنوّلينا
وقد حضر الرّحيل وحان منّافراقك فانظري ما تأمرينا
فقالت: آمرك بتقوى اللّه وإيثار طاعته وترك ما أنت عليه. ثم صاحت ببغلتها ومضت.
وفي هذين البيتين لابن سريج خفيق ثقيل بالوسطى عن يحيى المكيّ، وذكر الهشاميّ أنه من منحوله إلى ابن سريج. وفيهما رمل طنبوري لأحمد بن صدقة.
أخبرني بذلك جحظة عنه. وأخبرني بهذا الخبر عبد اللّه بن محمد الرّازيّ قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن ابن الأعرابيّ: أنّ ليلى هذه كانت جالسة في المسجد الحرام، فرأت عمر بن أبي ربيعة، فوجّهت إليه مولى لها فجاءها به. فقالت له: يابن أبي ربيعة، حتّى متى لا تزال سادرا في حرم اللّه تشبّب بالنساء وتشيد بذكرهنّ! أما تخاف اللّه! قال: دعيني من ذاك واسمعي ما قلت. قالت: وما قلت؟ فأنشدها الأبيات المذكورة.
فقالت له القول الذي تقدّم أنها أجابته به. قال: وقال لها: اسمعي أيضا ما قلت فيك، ثم أنشدها قوله:
أمن الرّسم وأطلال الدّمنعاد لي وجدي وعاودت الحزن
إنّ حبّي آل ليلى قاتليظهر الحبّ بجسمي وبطن
يا أبا الحارث قلبي طائرفأتمر أمر رشيد مؤتمن
التمس للقلب وصلا عندهاإنّ خير الوصل ما ليس يمنّ
علق القلب، وقد كان صحا،من بني بكر غزالا قد شدن
أحور المقلة كالبدر، إذاقلّد الدّرّ فقلبي ممتحن
ليس حبّ فوق ما أحببتكمغير أن أقتل نفسي أو أجنّ
خلقت للقلب منّي فتنةهكذا يخلق معروض الفتن
قال: وفيها يقول:
إنّ ليلى وقد بلغت المشيبالم تدع للنساء عندي نصيبا
هاجر بيتها لأنفي عنهاقول ذي العيب إن أراد عيوبا
نسبة ما في هذين الشعرين من الغناء
الغناء في الأبيات الأولى النونية لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيها لابن عائشة ثقيل أوّل، يقال: إنه أوّل ثقيل غنّاه، كان يغنّي الخفيف، فعيب بذلك فصنع هذا اللحن. وفيه لعبد اللّه بن يونس الأبلّي رمل عن الهشاميّ.
والغناء في:
إنّ ليلى وقد بلغت المشيبا
لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه لكردم ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو أيضا. وذكر إبراهيم أنّ فيه لحنا لعطرّد، ولم يجنّسه.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني محمد بن منصور الأزديّ قال حدثني أبي عن الهيثم بن عديّ قال: بينما عمر بن أبي ربيعة منصرف من المزدلفة يريد منى إذ بصر بامرأة في رحالة ففتن، وسمع عجوزا معها تناديها: يا نوار استتري لا يفضحك ابن أبي ربيعة. فاتّبعها عمر وقد شغلت قلبه حتى نزلت بمنى في مضرب قد ضرب لها، فنزل إلى جنب المضرب، ولم يزل يتلطّف حتى جلس معها وحادثها، وإذا أحسن الناس وجها وأحلاه منطقا، فزاد ذلك في إعجاب عمر بها. ثم أراد معاودتها فتعذّر ذلك عليه، وكان آخر عهده، فقال فيها:
صوت
علق النّوار فؤاده جهلاوصبا فلم تترك له عقلا
وتعرّضت لي في المسير فماأمسى الفؤاد يرى لها مثلا
ما نعجة من وحش ذي بقرتغذو بسقط صريمة طفلا
بألذّ منها إذ تقول لناوأردت كشف قناعها: مهلا
دعنا فإنك لا مكارمةتجزي ولست بواصل حبلا
وعليك من تبل الفؤاد وإنأمسى لقلبك ذكره شغلا
فأجبتها إنّ المحب مكلّففدعي العتاب وأحدثي بذلا
الغناء لابن محرز خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه ثاني ثقيل بالبنصر ينسب إلى ابن عائشة.
أخبرني محمد بن خلف قال حدّثني أبو عبد اللّه السّدوسي عن عيسى بن إسماعيل العتكيّ عن هشام بن الكلبيّ عن أبيه قال: حجّت امرأة من بني أمية يقال لها أمّ الحكم، فقدمت قبل أوان الحج معتمرة. فبينا هي تطوف على بغلة لها إذ مرّت على عمر بن أبي ربيعة في نفر من بني مخزوم وهم جلوس يتحدثون وقد فرعهم طولا وجهرهم جمالا وبهرهم شارة وعارضة وبيانا، فمالت إليهم ونزلت عندهم، فتحدّثت معهم طويلا ثم انصرفت. ولم يزل عمر يتردّد إليها إلى أن انقضت أيّام الحج، فرحلت إلى الشأم. وفيها يقول عمر:
تأوّب ليلى بنصب وهمّوعاودت ذكرى لأمّ الحكم
فبتّ أراقب ليل التّمام، من نام من عاشق لم أنم
فإما ترينني على ما عزاضعيف القيام شديد السّقم
كثير القلب قوق الفراش ما إن تقلّ قيامي قدم
بالمديحة طيّب نشرهاهضيم الحشا عذبة المبتسم
في أول الأبيات الثلاثة غناء. وقبلها وهو أوّل الصوت:
صوت
وفتيان صدق صباح الوجوه لا يجدون لشيء ألم
من آل المغيرة لا يشهدون عند المجازر لحسم الوضم
الغناء في هذه الأبيات لمالك خفيف ثقيل الثاني بالبنصر وهو الذي يقال له الماخوريّ، عن عمرو. وفيه ثاني ثقيل ينسب إلى ابن سريج والعريض ودحمان. وفيه لابن المكيّ خفيف رمل.
أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثنا أبو هفّان عن إسحاق عن أبي عبد اللّه الزّبيريّ قال: اجتمع نسوة من أهل المدينة من أهل الشرف، فتذاكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن حديثه، فتشوّقن إليه وتمنّينه، فقالت سكينة بنت الحسين عليهما السّلام: أنا لكنّ به. فأرسلت إليه رسولا وواعدته الصّورين، وسمّت له الليلة والوقت، وواعدت صواحباتها، فوافاهنّ عمر على راحلته، فحّدثهنّ حتى أضاء الفجر وحان انصرافهنّ. فقال لهنّ: واللّه إني لمحتاج إلى زيارة قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم والصلاة في مسجده، ولكن لا أخلط بزيارتكنّ شيئا. ثم انصرف إلى مكة وقال:
صوت
قالت سكينة والدموع ذوارفمنها على الخدّين والجلباب
ليت المغيريّ الذي لم أجزهفيما أطال تصيّدي وطلابي
كانت تردّ لنا المنى أيّامناإذ لا نلام على هوى وتصابي
خبّرت ما قالت فبتّ كأنّماترمي الحشا بنوافذ النّشّاب
أسكين ما ماء الفرات وطيبهمنّي على ظمأ وفقد شراب
بألذّ منك وإن نأيت وقلّماترعى النساء أمانة الغيّاب
الغناء للهذليّ رمل بالوسطى عن الهشاميّ. وفيه للغريض خفيف ثقيل بالوسطى عن حبش. قال وقال فيها:
صوت
أحبّ لحبّك من لم يكنصفيّا لنفسي ولا صاحبا
وأبذل نفسي لمرضاتكموأعتب من جاءكم عاتبا
وأرغب في ودّ من لم أكنإلى ودّه قبلكم راغبا
ولو سلك الناس في جانبمن الأرض واعتزلت جانبا
ليمّمت طيّتها، إنّنيأرى قربها العجب العاجبا
فما نعجة من ظباء الأراك تقرو دميث الرّبا عاشبا
بأحسن منها غداة الغميموقد أبدت الخدّ والحاجبا
غداة تقول على رقبةلخادمها: يا احبسي الراكبا
فقالت لها: فيم هذا الكلاموأبدت لها عابسا قاطبا
فقالت كريم أتى زائرايمرّ بكم هكذا جانبا
شريف أتى ربعنا زائرافأكره رجعته خائبا
غنّى في الأوّل والثاني والرابع والخامس من هذه الأبيات ابن القفّاص المكيّ، ولحنه رمل من رواية الهشاميّ.
وحدّثني وكيع وابن المرزبان وعمّي قالوا حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا إبراهيم بن المنذر الحزاميّ قال حدّثنا محمد بن معن الغفاريّ قال حدّثني سفيان بن عيينة قال: بينا أنا ومسعر بن كدام مع إسماعيل بن أميّة بفناء الكعبة إذا بعجوز قد صلعت علينا عوراء متكئة على عصا يصفّق أحد لحييها على الآخر، فوقفت على إسماعيل فسلّمت عليه، فردّ عليها السّلام، وساءلها فأحفى المسألة، ثم انصرفت. فقال إسماعيل: لا إله إلا اللّه! ماذا تفعل الدنيا بأهلها! ثم أقبل علينا فقال: أتعرفان هذه؟
قلنا: لا واللّه، ومن هي؟ قال: هذه «بغوم» ابن أبي ربيعة التي يقول فيها:
حبّذا أنت يا بغوم وأسماء وعيص يكنّنا وخلاء
انظرا كيف صارت، وما كان بمكة امرأة أجمل منها. قال: فقال له مسعر: لا وربّ هذه البنيّة، ما أرى أنه كان عند هذه خير قطّ. وفي هذه الأبيات يقول عمر:
صوت
صرمت حبلك البغوم وصدّتعنك في غير ريبة أسماء
والغواني إذا رأينك كهلاكان فيهنّ عن هواك التواء
حبّذا أنت يا بغوم وأسماء وعيص يكنّنا وخلاء
ولقد قلت ليلة الجزل لمّاأخضلت ريطتي عليّ السماء
ليت شعري -
وهل يردّنّ ليت -هل لهذا عند الرّباب جزاء
كلّ وصل أمسى لديّ لأنثىغيرها وصلها إليها أداء
كل خلق وإن دنا لوصالأو نأى فهو للرّباب الفداء
فعدي نائلا وإن لم تنيليإنّما ينفع المحب الرجاء
لمعبد في: «ولقد قلت ليلة الجزل» والذي بعده خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن يونس وإسحاق ودنانير، وهو من مشهور غنائه.
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني ظبية مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب عن ذهيبة مولاة محمد بن مصعب بن الزّبير قالت: كنت عند أمة الواحد أو أمة المجيد بنت عمر بن أبي ربيعة في الجنبذ الذي في بيت سكينة بنت خالد بن مصعب أنا وأبوها عمر وجاريتان له تغنّيان، يقال لأحداهما البغوم، والأخرى أسماء. وكانت أمة المجيد بنت عمر تحت محمد بن مصعب بن الزبير.
قالت: فقال عمر بن أبي ربيعة وهو معهم في الجنبذ هذه الأبيات. فلما انتهى إلى قوله:
ولقد قلت ليلة الجزل لمّاأخضلت ريطتي عليّ السماء
خرجت البغوم ثم رجعت إليه فقالت: ما رأيت أكذب منك يا عمر! تزعم أنك بالجزل وأنت في جنبذ محمد بن مصعب، وتزعم أنّ السماء أخضلت ريطتك وليس في السماء قزعة! قال: هكذا يستقيم هذا الشأن.
وأخبرني عليّ بن صالح عم أبي هفّان عن إسحاق عن المسيّبيّ ومحمد بن سلّام. أنّ عمر أنشد ابن أبي عتيق قوله:
حبّذا أنت يا بغوم وأسماء وعيص يكنّنا وخلاء
فقال له: ما أبقيت شيئا يتمنّى يا أبا الخطّاب إلا مرجلا يسخّن لكم فيه الماء للغسل.
أخبرني ابن المرزبان قال حدّثني إسماعيل بن جعفر عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ قال: حجّت أمّ محمد بنت مروان بن الحكم، فلمّا قضت نسكها أتت عمر بن أبي ربيعة وقد أخفت نفسها في نسوة، فحدّثها مليّا. فلما انصرفت أتبعها عمر رسولا عرف موضعها وسأل عنها حتى أثبتها، فعادت إليه بعد ذلك فأخبرها بمعرفته إيّاها.
فقالت: نشدتك اللّه أن تشهّرني بشعرك! وبعثت إليه بألف دينار، فقبلها وابتاع بها حللا وطيبا فأهداه إليها، فردّته. فقال لها: واللّه لئن لم تقبليه لأنهبنّه، فيكون مشهورا، فقبلته ورحلت. فقال فيها:
صوت
أيّها الراكب المجدّ ابتكاراقد قضى من تهامة الأوطارا
من يكن قلبه صحيحا سليماففؤادي بالخيف أمسى معارا
ليت ذا الدهر كان حتما عليناكلّ يومين حجّة واعتمارا
الغناء لابن محرز ولحنه من القدر الأوسط من الثّقيل الأوّل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق، وفيه أيضا له خفيف ثقيل بالوسطى عن ابن المكّيّ. وفيه لذكاء وجه الرّزّة المعتمديّ ثقيل أوّل من جيّد الغناء وفاخر الصّنعة ليس لأحد من طبقته وأهل صنعته مثله. وأنشد ابن أبي عتيق قول عمر هذا، فقال: اللّه أرحم بعباده أن يجعل عليهم ما سألته ليتمّ لك فسقك.
أخبرني ابن المرزبان قال أخبرني أحمد بن يحيى القرشيّ عن أبي الحسن الأزديّ عن جماعة من الرّواة: أنّ عمر كان يهوى حميدة جارية ابن تفّاحة، وفيها يقول:
صوت
حمّل القلب من حميدة ثقلاإنّ في ذاك للفؤاد لشغلا
إن فعلت الذي سألت فقوليحمد خيرا وأتبعي القول فعلا
وصليني فأشهد اللّه أنّيلست أصفي سواك ما عشت وصلا
الغناء لمعبد خفيف ثقيل بالوسطى عن يحيى المكيّ والهشاميّ. وفيها يقول:
صوت
يا قلب هل لك عن حميدة زاجرأم أنت مدّكر الحياء فصابر
فالقلب من ذكرى حميدة موجعوالدّمع منحدر وعظمي فاتر
قد كنت أحسب أنّني قبل الذيفعلت على ما عند حمدة قادر
حتّى بدا لي من حميدة خلّتيبين وكنت من الفراق أحاذر
الغناء لمعبد خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق.
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثني محمد بن القاسم بن مهروية قال حدّثني أبو مسلم المستملي عن ابن أخي زرقان عن أبيه قال: أدركت مولى لعمر بن أبي ربيعة شيخا كبيرا، فقلت له: حدّثني عن عمر بحديث غريب، فقال: نعم! كنت معه ذات يوم، فاجتاز به نسوة من جواري بني أمية قد حججن، فتعرّض لهنّ وحادثهنّ وناشدهنّ مدّة أيام حجّهنّ، ثم قالت له إحداهنّ: يا أبا الخطّاب، إنّا خارجات في غد فابعث مولاك هذا إلى منزلنا ندفع إليه تذكرة تكون عندك تذكرنا بها. فسرّ بذلك ووجّه بي إليهنّ في السّحر، فوجدتهنّ يركبن، فقلن لعجوز معهن: يا فلانة، ادفعي إلى مولى أبي الخطّاب التّذكرة التي أتحفناه بها. فأخرجت إليّ صندوقا لطيفا مقفلا مختوما، فقلن: ادفعه إليه وارتحلن.
فجئته به وأنا أظنّ أنه قد أودع طيبا أو جوهرا. ففتحه عمر فإذا هو مملوء من المضارب (وهي الكير نجات)، وإذا على كلّ واحد منها اسم رجل من مجّان مكّة، وفيها اثنان كبيران عظيمان، على أحدهما الحارث بن خالد وهو يومئذ أمير مكة. وعلى الآخر عمر بن أبي ربيعة. فضحك وقال: تماجنّ عليّ ونفذ لهنّ. ثم أصلح مأدبة.
ودعا كلّ واحد ممن له اسم في تلك المضارب. فلما أكلوا واطمأنوا للجلوس قال: هات يا غلام تلك الوديعة، فجئته بالصندوق، ففتحه ودفع إلى الحارث الكيرنج الذي عليه اسمه. فلما أخذه وكشف عنه غطغاءه فزع وقال: ما هذا أخزاك اللّه! فقال له: رويدا، اصبر حتّى ترى. ثم أخرج واحدا واحدا فدفعه إلى من عليه اسمه حتّى فرّقها فيهم ثم أخرج الذي باسمه وقال: هذا لي. فقالوا له: ويحك! ما هذا؟ فحدّثهم بالخبر فعجبوا منه، وما زالوا يتمازحون بذلك دهرا طويلا ويضحكون منه.
قال وحدّثني هذا المولى قال: كنت مع عمر وقد أسنّ وضعف، فخرج يوما يمشي متوكئا على يدي حتّى مرّ بعجوز جالسة، فقال لي: هذه فلانة وكانت إلفا لي، وعدل إليها فسلّم عليها وجلس عندها وجعل يحادثها، ثم قال: هذه التي أقول فيها:
صوت
أبصرتها ليلة ونسوتهايمشين بين المقام والحجر
بيضا حسانا نواعما قطفايمشين هونا كمشية البقر
قالت لترب لها تلاطفهالنفسدنّ الطّواف في عمر
قومي تصدّي له ليعرفناثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها قد غمزته فأبىثم اسبطرّت تشتدّ في أثري
بل يا خليليّ عادني ذكريبل اعترتني الهموم بالسّهر
- الغناء لابن سريج في السادس والأوّل والثاني خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيها لسنان الكاتب رمل بالوسطى عنه وعن يونس. وفيها للأبجر خفيف رمل بالوسطى عنه. وفي:
قالت لترب لها تلاطفها
لعبد اللّه بن العباس خفيف رمل بالبنصر عن الهشاميّ، وفيه للدّلال خفيف ثقيل عنه أيضا. ولأبي سعيد مولى فائد في الأوّل والثاني ثقيل أوّل عن الهشاميّ أيضا، ومن الناس من ينسب لحنه إلى سنان الكاتب وينسب لحن سنان إليه - قال: وجلس معها يحادثها، فأطلعت رأسها إلى البيت وقالت: يا بناتي، هذا أبو الخطّاب عمر بن أبي ربيعة عندي، فإن كنتنّ تشتهين أن ترينه فتعالين. فجئن إلى مضرب قد حجزن به دون بابها فجعلن يثقبنه ويضعن أعينهن عليه يبصرن. فاستسقاها عمر، فقالت له: أيّ الشراب أحبّ إليك؟ قال: الماء. فأتي بإناء فيه ماء، فشرب منه، ثم ملأ فمه فمجّه عليهنّ. في وجوههنّ من وراء الحاجز، فصاح الجواري وتهاربن وجعلن يضحكن. فقالت له العجوز: ويلك! لا تدع مجونك وسفهك مع هذه السنّ! فقال: لا تلوميني، فما ملكت نفسي لمّا سمعت من حركاتهن أن فعلت ما رأيت.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني أحمد بن منصور بن أبي العلاء الهمدانيّ قال حدّثني عليّ بن طريف الأسديّ قال: سمعت أبي يقول: بينما عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت إذ رأى امرأة من أهل العراق فأعجبه جمالها، فمشى معها حتّى عرف موضعها، ثم أتاها فحادثها وناشدها وناشدته وخطبها. فقالت: إنّ هذا لا يصلح ها هنا، ولكن إن جئتني إلى بلدي وخطبتني إلى أهلي تزوّجتك. فلما ارتحلوا جاء إلى صديق له من بني سهم وقال له: إنّ لي إليك حاجة أريد أن تساعدني عليها، فقال له نعم. فأخذ بيده ولم يذكر له ما هي، ثم أتى منزله فركب نجيبا له وأركبه نجيبا آخر، وأخذ معه ما يصلحه، وسارا لا يشكّ السّهميّ في أنه يريد سفر يوم أو يومين، فما زال يحفد حتّى لحق بالرّفقة، ثم سار بسيرهم يحادث المرأة طول طريقه ويسايرها وينزل عندها إذا نزلت حتّى ورد العراق. فأقام أيّاما، ثم راسلها يتنجّزها وعدها، فأعلمته أنها كانت متزوجة ابن عمّ لها وولدت منه أولادها ثم مات وأوصى بهم وبماله إليها ما لم تتزوج، وأنها تخاف فرقة أولادها وزوال النعمة، وبعثت إليه بخمسة آلاف درهم واعتذرت، فردّها عليها ورحل إلى مكة، وقال في ذلك قصيدته التي أوّلها:
صوت
نام صحبي ولم أنممن خيال بنا ألمّ
طاف بالركب موهنابين خاخ إلى إضم
ثم نبّهت صاحباطيّب الخيم والشّيم
أريحيّا مساعداغير نكس ولا برم
قلت يا عمرو شفّنيلا عج الحبّ والألم
ايت هندا فقل لهاليلة الخيف ذي السّلم
الغناء لمالك خفيف رمل بالسّبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق ويونس. وفيه لعبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ خفيف رمل من رواية عمرو بن بانة، وذكر حبش أنّ لحن عبد اللّه بن العباس رمل آخر عن الهشاميّ.
أخبرني محمد بن خلف قال حدّثنا الحسين بن إسماعيل عن ابن عائشة عن أبيه قال: كان جرير إذا أنشد شعر عمر بن أبي ربيعة قال: شعر تهاميّ إذا أنجد وجد البرد، حتّى أنشد قوله:
رأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضتفيضحى وأمّا بالعشيّ فيخصر
الأبيات. فقال: ما زال هذا يهذي حتى قال الشعر.
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي عن عثمان بن إبراهيم الخاطبيّ، وأخبرني به محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم عن محمد بن أبان قال أخبرني العتبيّ عن أبي زيد الزّبيريّ عن عثمان بن إبراهيم الخاطبيّ قال: أتيت عمر بن أبي ربيعة بعد أن نسك بسنين وهو في مجلس قومه من بني مخزوم، فانتظرت حتى تفرّق القوم، ثم دنوت منه ومعي صاحب لي ظريف وكان قد قال لي: تعال حتى نهيجه على ذكر الغزل، فننظر هل بقي في نفسه منه شيء. فقال له صاحبي: يا أبا الخطّاب، أكرمك اللّه! لقد أحسن العذريّ وأجاد فيما قال. فنظر عمر إليه ثم قال له: وماذا قال؟ قال: حيث يقول:
لو جدّ بالسّيف رأسي في مودّتهالمرّ يهوي سريعا نحوها راسي
قال: فارتاح عمر إلى قوله وقال: هاه! لقد أجاد وأحسن! فقلت: وللّه درّ جنادة العذريّ! فقال عمر حيث يقول ماذا ويحك؟ فقلت: حيث يقول:
سرت لعينك سلمى بعد مغفاهافبتّ مستنبها من بعد مسراها
وقلت أهلا وسهلا من هداك لناإن كنت تمثالها أو كنت إيّاها
من حبّها أتمنّى أن يلاقينيمن نحو بلدتها ناع فينعاها
كيما أقول فراق لا لقاء لهوتضمر النفس يأسا ثم تسلاها
ولو تموت لراعتني وقلت ألايا بؤس للموت ليت الموت أبقاها
قال: فضحك عمر ثم قال: وأبيك لقد أحسن وأجاد وما أبقى! ولقد هيّجتما عليّ ساكنا، وذكّرتماني ما كان عنّي غائبا، ولأحدّثنّكما حديثا حلوا:
قصة عمر مع هند بنت الحارث المرّيّة وما قاله فيها من الشعر
بينا أنا منذ أعوام جالس، إذ أتاني خالد الخرّيت، فقال لي: يا أبا الخطّاب، مرّت بي أربع نسوة قبيل العشاء يردن موضع كذا وكذا لم أر مثلهن في بدو ولا حضر، فيهنّ هند بنت الحارث المرّيّة، فهل لك أن تأتيهنّ متنكّرا فتسمع من حديثهنّ وتتمتّع بالنظر إليهنّ ولا يعلمن من أنت؟ فقلت له: ويحك! وكيف لي أن أخفي نفسي؟
قال: تلبس لبسة أعرابيّ ثم تجلس على قعود ثم ائتهنّ فسلّم عليهنّ، فلا يشعرن إلّا بك قد هجمت عليهنّ. ففعلت ما قال، وجلست على قعود، ثم أتيتهنّ فسلّمت عليهنّ ثم وقفت بقربهنّ. فسألنني أن أنشدهنّ وأحدّثهنّ، فأنشدتهنّ لكثيّر وجميل والأحوص ونصيب وغيرهم. فقلن لي: ويحك يا أعرابيّ! ما أملحك وأظرفك! لو نزلت فتحدّثت معنا يومنا هذا! فإذا أمسيت انصرفت في حفظ اللّه. قال: فأنخت بعيري ثم تحدّثت معهنّ وأنشدتهنّ، فسررن بي وجذلن بقربي وأعجبهنّ حديثي. قال: ثم أنهنّ تغامزن وجعل بعضهنّ يقول لبعض: كأنّا نعرف هذا الأعرابيّ! ما أشبهه بعمر بن أبي ربيعة! فقالت إحداهنّ: فهو واللّه عمر! فمدّت هند يدها فانتزعت عمامتي فألقتها عن رأسي ثم قالت لي: هيه يا عمر! أتراك خدعتنا منذ اليوم! بل نحن واللّه خدعناك واحتلنا عليك بخالد، فأرسلناه إليك لتأتينا في أسوأ هيئة ونحن كما ترى. قال عمر: ثم أخذنا في الحديث، فقالت هند: ويحك يا عمر! اسمع منّي، لو رأيتني منذ أيام وأصبحت عند أهلي، فأدخلت رأسي في جيبي، فنظرت إلى حري فإذا هو ملء الكفّ ومنية المتمنّي، فناديت يا عمراه يا عمراه! قال عمر: فصحت يا لبّيكاه يا لبّيكاه! ثلاثا ومددت في الثالثة صوتي، فضحكت. وحادثتهنّ ساعة، ثم ودّعتهنّ وانصرفت.
فذلك قولي:
صوت
عرفت مصيف الحيّ والمتربّعاببطن حليّات دوارس بلقعا
إلى السّفح من وادي المغمّس بدّلتمعالمه وبلا ونكباء زعزعا
لهند وأتراب لهند إذ الهوىجميع وإذ لم نخش أن يتصدّعا
وإذ نحن مثل الماء كان مزاجهكما صفّق الساقي الرحيق المشعشعا
وإذا لا نطيع الكاشحين ولا نرىلواش لدينا يطلب الصّرم موضعا
الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشاميّ ومن نسخة عمرو الثانية. وفيه لابن جامع وابن عبّاد لحنان من كتاب إبراهيم. وفيها يقول - وفيه غناء -:
صوت
فلمّا تواقفنا وسلّمت أشرقتوجوه زهاها الحسن أن تتقنّعا
تبالهن بالعرفان لمّا رأيننيوقلن امرؤ باغ أكلّ وأوضعا
وقرّبن أسباب الهوى لمتيّميقيس ذراعا كلّما قسن إصبعا
الغناء لابن عبّاد رمل عن الهشاميّ. وفيه لابن جامع لحن من كتاب إبراهيم غير مجنس. هذه الأبيات مقرونة بالأولى، والصنعة في جميعها مختلفة، يغنّي المغنّون بعض هذه وبعض تلك ويخلطونها، والصنعة لمن قدّمت ذكره. وهي قصيدة طويلة، ذكرت منها ما فيه صنعة.
ومما قاله في هند هذه وغنّي فيه قوله:
صوت
ألم تسأل الأطلال والمنزل الخلقببرقة ذي ضال فيخبر إن نطق؟
ذكرت به هندا فظلت كأنّنيأخو نشوة لاقى الحوانيت فاغتبق
الغناء لعطرّد ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لمعبد ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ. وذكر حبش أنّ فيه للغريض ثاني ثقيل بالوسطى. ومنها:
صوت
أسبح القلب مهيضاراجع الحبّ الغريضا
وأجدّ الشوق وهناأن رأى برقا وميضا
ثم بات الرّكب نوّاما ولم أطعم غموضا
ذاك من هند قديماتركها القلب مهيضا
وتبدّت ثم أبدتواضح اللّون نحيضا
وعذاب الطّعم غرّاكأقاحي الرّمل بيضا
الغناء لابن محرز خفيف ثقيل بالسبّابة في مجرى البنصر. وفيه لحكم هزج بالوسطى عن عمرو، وقيل: إنه يمان. ومن الناس من ينسب لحن ابن محرز إلى ابن مسجح. ومنها:
صوت
أربت إلى هند وتربين مرّةلها إذ تواقفنا بفرع المقطّع
لتعريج يوم أو لتعريس ليلةعلينا بجمع الشّمل قبل التّصدّع
فقلن لها لو لا ارتقاب صحابةلنا خلفنا عجنا ولم نتورّع
وقالت فتاة كنت أحسب أنّهامغفّلة في مئزر لم تدرّع
لهنّ - وما شاورنها - ليس ما أرىبحسن جزاء للحبيب المودّع
فقلن لها لا شبّ قرنك فافتحيلنا باب ما يخفى من الأمر نسمع
وهي أبيات. الغناء للغريض ولحنه من القدر الأوسط من الثّقيل الأوّل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق، وذكر ابن المكّيّ أنه لابن سريج. ومنها:
صوت
لمّا ألمّت بأصحابي وقد هجعواحسبت وسط رحال القوم عطّارا
فقلت من ذا المحيّى وانتبهت لهومن محدّثنا هذا الذي زارا؟
ألا انزلوا نعمت دار بقربكمأهلا وسهلا بكم من زائر زارا
فبدّل الرّبع ممّن كان يسكنهعفر الظّباء به يمشين أسطارا
الغناء لابن سريج رمل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه ليونس خفيف ثقيل. وفيه لأبي فارة هزج بالبنصر. وأوّل هذه القصيدة التي فيها ذكر هند قوله:
يا صاحبيّ قفا نستخبر الداراأقوت وهاجت لنا بالنّعف تذكارا
وقد أرى مرّة سربا بها حسنامثل الجآذر لم يمسسن أبكارا
فيهنّ هند وهند لا شبيه لهافيمن أقام من الأحياء أو سارا
تقول ليت أبا الخطّاب وافقناكي نلهو اليوم أو ننشد أشعارا
فلم يرعهنّ إلّا العيس طالعةبالقوم يحملن ركبانا وأكوارا
وفارس يحمل البازي فقلن لهاها هم أولاء وما أكثرن إكثارا
لما وقفنا وعنّنّا ركائبنابدّلن بالعرف بعد الرّجع إنكارا
ومنها:
صوت
ألم تربع على الطّللومغنى الحيّ كالخلل
لهند إنّ هندا حبّها قد كان من شغلي
فلمّا أن عرفت الدار عجت لرسمها جملي
وقلت لصحبتي عوجوافعاجوا هزّة الإبل
وقالوا قف ولا تعجلوإن كنّا على عجل
قليل في هواك اليوم ما نلقى من العمل
الغناء لابن سريج ثاني ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق، وفيه له أيضا رمل عن الهشاميّ وحبش. ومنها:
صوت
هاج ذا القلب منزلبالبليّين محول
غيّرت آيه الصّباوجنوب وشمأل
إنّ هندا قد ارسلتوأخو الشوق مرسل
أرسلت تستحثّنيوتفدّي وتعذل
أيّنا بات ليلهبين غصنين يوبل
تحت عين، يكنّنابرد عصب مهلهل
في هذه الأبيات خفيف ثقيل مطلق قي مجرى البنصر، ذكر إسحاق أنه لمالك، وذكر عمرو أنه لابن محرز.
وذكر يونس أنّ فيها لحنا لابن محرز ولحنا لمالك. وقال عمرو في نسخته الثانية: إنه لابن زرزر الطّائفيّ خفيف ثقيل بالوسطى، وروت مثل ذلك دنانير عن فليح. وفيها لابن سريج رمل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيها لعبد اللّه بن موسى الهادي ثاني ثقيل من مجموعه ورواية الهشاميّ وفيه لحكم هزج بالخنصر والبنصر عن ابن المكّيّ. وفيه للحجبيّ رمل عن الهشاميّ وفيه ثقيل أوّل نسبه ابن المكّي إلى ابن محرز، وذكر الهشاميّ أنه منحول. وفيه خفيف رمل ذكر الهشاميّ أنه لحن ابن محرز. ومنها:
صوت
يا صاح هل تدري وقد جمدتعيني بما ألقى من الوجد
لمّا رأيت ديارها درستوتبدّلت أعلامها بعدي
وذكرت مجلسها ومجلسناذات العشاء بمهبط النّجد
ورسالة منها تعاتبنيفرددت معتبة على هند
الغناء ليحيى المكّيّ رمل بالوسطى. وفيه لغيره ألحان أخر. ومنها:
صوت
ليت هندا أنجزتنا ما تعدوشفت أنفسنا مما تجد
واستبدّت مرّة واحدةإنّما العاجز من لا يستبدّ
ولقد قالت لجارات لهاذات يوم وتعرّت تبترد
- ويروى:
زعموها سألت جاراتها -
أكما ينعتني تبصرننيعمر كنّ اللّه أم لا يقتصد
فتضاحكن وقد قلن لهاحسن في كلّ عين من تودّ
حسدا حمّلنه من أجلهاوقديما كان في الناس الحسد
الغناء لابن سريج رمل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لحن لمالك من كتاب يونس غير
مجنّس. وفيه لابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن عمرو، وذكره إسحاق في خفيف الثقيل بالخنصر في مجرى البنصر ولم ينسبه إلى أحد. وفيه ثاني ثقيل يقال إنه لحن لمالك، ويقال إنه لمتيّم. ومنها:
صوت
هاج القريض الذّكرلمّا غدوا فانشمروا
على بغال شحّجقد ضمّهنّ السّفر
فيهنّ هند ليتنيما عمّرت أعمّر
حتّى إذا ما جاءهاحتف أتاني القدر
لابن سريج فيه لحنان: رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق، وخفيف رمل عن الهشاميّ. ومنها:
صوت
يا من لقلب دنف مغرمهام إلى هند ولم يظلم
هام إلى ريم هضيم الحشىعذب الثّنايا طيّب المبسم
لم أحسب الشمس بليل بدتقبلي لذي لحم ولا ذي دم
قالت ألا إنّك ذو ملّةيصرفك الأدنى عن الأقدم
قلت لها بل أنت معتلّةفي الوصل يا هند لكي تصرمي
الغناء لابن سريج رمل بالسّبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لبديح لحن قديم. وقيل: إن فيه رملا آخر لعمّارة مولاة عبد اللّه بن جعفر. ومنها:
صوت
تصابى وما بعض التّصابي بطائلوعاود من هند جوى غير زائل
عشيّة قالت صدّعت غربة النّوىفما من تلاق قد أرى دون قابل
وما أنس م الأشياء لا أنس مجلسالنا مرّة منها بقرن المنازل
بنخلة بين النّخلتين يكنّنامن العين عند العين برد المراجل
الغناء للغريض ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو. وفيه للعمانيّ خفيف ثقيل عن دنانير والهشاميّ. ومنها:
صوت
لجّ قلبي في التّصابيوازدهى عنّي شبابي
ودعاني لهوى هند فؤاد غير نابي
قلت لمّا فاضت العينان دمعا ذا انسكاب
إن جفتني اليوم هندبعد ودّ واقتراب
فسبيل الناس طرّالفناء وذهاب
الغناء لأهل مكة رمل بالوسطى.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني أبو عليّ الأسديّ - وهو بشر ابن موسى بن صالح - قال حدّثني أبي موسى بن صالح عن أبي بكر القرشيّ قال: كان عمر بن أبي ربيعة جالسا بمنى في فناء مضربه وغلمانه حوله، إذ أقبلت امرأة برزة عليها أثر النّعمة فسلّمت، فرد عليها عمر السّلام، فقالت له:؛ أنت عمر بن أبي ربيعة؟ فقال لها: أنا هو، فما حاجتك؟ قالت له: حيّاك اللّه وقرّبك! هل لك في محادثة أحسن الناس وجها، وأتمّهم خلقا، وأكملهم أدبا، وأشرفهم حسبا؟
قال: ما أحبّ إليّ ذلك! قالت: على شرط. قال: قولي. قالت: تمكنني من عينيك حتى أشدّهما وأقودك، حتى إذا توسّطت الموضع الذي أريد حللت الشّدّ، ثم أفعل ذلك بك عند إخراجك حتى أنتهى بك إلى مضربك.
قال: شأنك، ففعلت ذلك به. قال عمر: فلمّا انتهت بي إلى المضرب الذي أرادت كشفت عن وجهي، فإذا أنا بامرأة على كرسيّ لم أر مثلها قطّ جمالا وكمالا، فسلّمت وجلست. فقالت: أأنت عمر بن أبي ربيعة؟ قلت: أنا عمر. قالت: أنت الفاضح للحرائر؟ قلت: وما ذاك جعلني اللّه فداءك؟ قالت: ألست القائل:
صوت
قالت وعيش أخي ونعمة والديلأنبّهنّ الحيّ إن لم تخرج فخرجت خوف
يمينها فتبسّمتفعلمت أنّ يمينها لم تحرج
فتناولت رأسي لتعرف مسّهبمخضّب الأطراف غير مشنّج
فلثمت فاها آخذا بقرونهاشرب النّزيف ببرد ماء الحشرج
- الغناء لمعبد ثقيل أوّل بالبنصر عن يونس وعمرو -.
ثم قالت: قم فاخرج عنّي، ثم قامت من مجلسها. وجاءت المرأة فشدّت عينيّ، ثم أخرجتني حتى انتهت بي إلى مضربي، وانصرفت وتركتني. فحللت عينيّ وقد دخلني من الكآبة والحزن ما اللّه به أعلم. وبتّ ليلتي، فلما أصبحت إذا أنا بها، فقالت: هل لك في العود؟ فقلت: شأنك، ففعلت بي مثل فعلها بالأمس، حتى انتهت بي إلى الموضع. فلما دخلت إذا بتلك الفتاة على كرسيّ. فقالت: إيه يا فضّاح الحرائر! قلت: بماذا جعلني اللّه فداءك؟ قالت: بقولك:
صوت
وناهدة الثديين قلت لها اتّكيعلى الرمل من جبّانة لم توسّد
فقالت على اسم اللّه أمرك طاعةوإن كنت قد كلّفت ما لم أعوّد
فلمّا دنا الإصباح قالت فضحتنيفقم غير مطرود وإن شئت فازدد
- الغناء لأهل مكة ثقيل أوّل عن الهشاميّ - ثم قالت قم فاخرج عنّي، فقمت فخرجت ثم رددت. فقالت
لي: لو لا وشك الرّحيل، وخوف الفوت، ومحبّتي لمناجاتك والاستكثار من محادثتك، لأقصيتك، هات الآن كلّمني وحدّثني وأنشدني.
فكلّمت آدب الناس وأعلمهم بكلّ شيء. ثم نهضت وأبطأت العجوز وخلا لي البيت، فأخذت أنظر، فإذا أنا بتور فيه خلوق، فأدخلت يدي فيه ثم خبأتها في ردني. وجاءت تلك العجوز فشدّت عينيّ ونهضت بي تقودني، حتى إذا صرت على باب المضرب أخرجت يدي فضربت بها على المضرب، ثم صرت إلى مضربي، فدعوت غلماني فقلت: أيّكم يقفني على باب مضرب عليه خلوق كأنه أثر كفّ فهو حرّ وله خمسمائة درهم.
فلم ألبث أن جاء بعضهم فقال: قم. فنهضت معه، فإذا أنا بالكفّ طريّة، وإذا المضرب مضرب فاطمة بنت عبد الملك بن مروان. فأخذت في أهبة الرّحيل، فلمّا نفرت نفرت معها، فبصرت في طريقها بقباب ومضرب وهيئة جميلة، فسألت عن ذلك، فقيل لها: هذا عمر بن أبي ربيعة، فساءها أمره وقالت للعجوز التي كانت ترسلها إليه: قولي له نشدتك اللّه والرّحم أن تصحبني، ويحك! ما شأنك وما الذي تريد؟ انصرف ولا تفضحني وتشيط بدمك. فسارت العجوز إليه فأدّت إليه ما قالت لها فاطمة. فقال: لست بمنصرف أو توجّه إليّ بقميصها الذي يلي جلدها، فأخبرتها ففعلت وجّهت إليه بقميص من ثيابها، فزاده ذلك شغفا. ولم يزل يتبعهم لا يخالطهم، حتى إذا صاروا على أميال من دمشق انصرف وقال في ذلك:
ضاق الغداة بحاجتي صدريويئست بعد تقارب الأمر
وذكرت فاطمة التي علّقتهاعرضا فيا لحوادث الدّهر
وفي هذه القصيدة مما يغنّى فيه قوله:
صوت
ممكورة ردع العبير بهاجمّ العظام لطيفة الخصر
وكأنّ فاها عند رقدتهاتجري عليه سلافة الخمر
الغناء لإبراهيم بن المهديّ ثاني ثقيل من جامعه. وفيه لمتيّم رمل من جامعها أيضا. وتمام الأبيات وليست فيه صنعة:
فسبت فؤادي إذ عرضت لهايوم الرّحيل بساحة القصر
بمزيّن ودع العبير بهحسن التّرائب واضح النّحر
وبجيد آدم شادن خرقيرعى الرّياض ببلدة قفر
لمّا رأيت مطيّها حزقاخفق الفؤاد وكنت ذا صبر
وتبادرت عيناي بعدهموانهلّ دمعهما على الصّدر
ولقد عصيت ذوي القرابة فيكمطرّا وأهل الودّ والصّهر
حتى لقد قالوا وما كذبواأجننت أم بك داخل السّحر
أخبرنا محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني إسحاق عن محمد بن أبان قال حدّثني الوليد بن هشام القحذميّ عن أبي معاذ القرشيّ قال: لمّا قدمت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان مكة جعل عمر بن أبي ربيعة يدور حولها ويقول فيها الشعر ولا يذكرها باسمها فرقا من عبد الملك بن مروان ومن الحجّاج، لأنه كان كتب إليه يتوعّده إن ذكرها أو عرّض باسمها. فلما قضت حجّها وارتحلت أنشأ يقول:
صوت
كدت يوم الرّحيل أقضي حياتيليتني متّ قبل يوم الرّحيل
لا أطيق الكلام من شدّة الخوف ودمعي يسيل كلّ مسيل
ذرفت عينها وفاضت دموعيوكلانا يلقى بلبّ أصيل
لو خلت خلّتي أصبت نوالاأو حديثا يشفي من التّنويل
ولظلّ الخلخال فوق الحشايامثل أثناء حيّة مقتول
فلقد قالت الحبيبة لولاكثرة الناس جدت بالتّقبيل
غنّى فيه ابن محرز ولحنه ثقيل أوّل من أصوات قليلة الأشباه عن أسحاق وفيه لعبادل خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو، ويقال إنه للهذليّ. وفيه لعبيد اللّه بن أبي غسّان ثاني ثقيل عن الهشاميّ.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني أبو عليّ الحسن بن الصّبّاح عن محمد بن حبيب أنه أخبره: أن عمر بن أبي ربيعة قال في فاطمة بنت عبد الملك بن مروان:
صوت
يا خليلي شفّني الذّكروحمول الحيّ إذ صدروا
ضربوا حمر القباب لهاوأديرت حولها الحجر
سلكوا شعب النّقاب بهازمرا تحتثّها زمر
وطرقت الحيّ مكتتماومعي عضب به أثر
وأخ لم أخش نبوتهبنواحي أمرهم خبر
فإذا ريم على فرشفي حجال الخزّ مختدر
حوله الأحراس ترقبهنوّم من طول ما سهروا
شبه القتلى وما قتلواذاك إلّا أنهم سمروا
فدعت بالويل، ثم دعتحرّة من شأنها الخفر
ثم قالت للّتي معهاويح نفسي قد أتى عمر
ماله قد جاء يطرقناويرى الأعداء قد حضروا
لشقائي كان علّقناولحيني ساقه القدر
قلت عرضي دون عرضكمولمن ناواكم الحجر
هذا البيت الأخير مما فيه غناء مع:
وطرقت الحيّ مكتتما
للغريض وفي: يا خليلي شفّني الذّكر وفي: قلت عرضي دون عرضكم وفي: ثمّ قالت للتي معها وفي: ماله قد جاء يطرقنا ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو وفي: ضربوا حمر القباب لها وما بعده أربعة متوالية خفيف رمل بالوسطى للهذليّ وفي: «وطرقت» وبعده: «فإذا ريم» وبعده: «حوله الأحراس» والبيتين اللذين بعده لابن سريج خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيها بعينها ثقيل أوّل يقال إنه للأبجر، وينسب إلى غيره عن الهشاميّ.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال أخبرني عبد الملك بن عبد العزيز عن رجل من قريش قال: بينا عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت، إذ رأى عائشة بنت طلحة بن عبيد اللّه، وكانت من أجمل أهل دهرها، وهي تريد الرّكن تستلمه، فبهت لمّا رآها ورأته، وعلمت أنها قد وقعت في نفسه، فبعثت إليه بجارية لها وقالت: قولي له اتّق اللّه ولا تقل هجرا، فإنّ هذا مقام لا بدّ فيه مما رأيت. فقال للجارية: أقرئيها السّلام وقولي لها: ابن عمّك لا يقول إلا خيرا. وقال فيها:
صوت
لعائشة ابنة التّيميّ عنديحمى في القلب ما يرعى حماها
يذكّرني ابنة التّيميّ ظبييرود بروضة سهل رباها
فقلت له - وكاد يراع قلبي -فلم أر قطّ كاليوم اشتباها
سوى حمش بساقك مستبينوأن شواك لم يشبه شواها
وأنّك عاطل عار وليستبعارية ولا عطل يداها
وأنّك غير أفرغ وهي تدليعلى المتنين أسحم قد كساها
ولو قعدت ولم تكلف بودّسوى ما قد كلفت به كفاها
أظلّ إذا أكلّمها كأنّيأكلّم حية غلبت رقاها
تبيت إليّ بعد النوم تسريوقد أمسيت لا أخشى سراها
الغناء في البيتين الأوّلين من هذه الأبيات لأبي فارة ثقيل أوّل. وفيهما لعبد اللّه بن العبّاس الرّبيعيّ خفيف ثقيل جميعا عن الهشاميّ. وذكر إسحاق أنّ هذا الصوت مما ينسب إلى معبد، وهو يشبه غناءه إلا أنه لم يروه عن ثبت ولم يذكر طريقته. قال: وقال فيها أشعارا كثيرة، فبلغ ذلك فتيان بني تيم، أبلغهم إيّاه فتى منهم وقال لهم: يا بني تيم بن مرّة، هاللّه ليقذفنّ بنو مخزوم بناتنا بالعظائم وتغفلون! فمشى ولد أبي بكر وولد طلحة بن عبيد اللّه إلى عمر بن أبي ربيعة فأعلموه بذلك وأخبروه بما بلغهم. فقال لهم: واللّه لا أذكرها في شعر أبدا. ثم قال بعد ذلك فيها - وكنى عن اسمها - قصيدته التي أوّلها:
صوت
يا أمّ طلحة إنّ البين قد أفداقلّ الثّواء لئن كان الرّحيل غدا
أمسى العراقيّ لا يدري إذا برزتمن ذا تطوّف بالأركان أو سجدا
- الغناء لمعبد ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو ويونس - قال ولم يزل عمر ينسب بعائشة أيّام الحج ويطوف حولها ويتعرض لها وهي تكره أن يرى وجهها، حتى وافقها وهي ترمي الجمار سافرة، فنظر إليها فقالت: أما واللّه لقد كنت لهذا منك كارهة يا فاسق! فقال:
صوت
إنّي وأوّل ما كلفت بذكرهاعجب وهل في الحبّ من متعجّب
نعت النساء فقلت لست بمبصرشبها لها أبدا ولا بمقرّب
فمكثن حينا ثم قلن توجّهتللحجّ، موعدها لقاء الأخشب
أقبلت أنظر ما زعمن وقلن ليوالقلب بين مصدّق ومكذّب
فلقيتها تمشي تهادى موهناترمي الجمار عشيّة في موكب
غرّاء يعشي الناظرين بياضهاحوراء في غلواء عيش معجب
إنّ الّتي من أرضها وسمائهاجلبت لحينك ليتها لم تجلب
الغناء لمعبد في الأوّل والثاني والرابع والسابع ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو. وفيها للغريض خفيف ثقيل عن الهشاميّ، يبدأ فيه بالثالث.
أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثنا أبو هفّان عن إسحاق قال أخبرني مصعب الزّبيريّ: أن عمر بن أبي ربيعة لقي عائشة بنت طلحة بمكة وهي تسير على بغلة لها، فقال لها: قفي حتى أسمعك ما قلت فيك. قالت: أو قد قلت يا فاسق؟ قال: نعم! فوقفت فأنشدها:
صوت
يا ربّة البغلة الشّهباء هل لك فيأن تنشري ميّتا لا ترهقي حرجا
- ويروى هل لكمفي عاشق دنف -
قالت بدائك مت أو عش تعالجهفما نرى لك فيما عندنا فرجا
قد كنت حمّلتنا غيظا نعالجهفإن تقدنا فقد عنّيتنا حججا
حتّى لو اسطيع مما قد فعلت بناأكلت لحمك من غيظ وما نضجا
- الغناء لابن سريج ثقيل أوّل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لابن سريج ثلاثة ألحان ذكرها إسحاق ولم يجنّس منها إلا واحدا، وذكر الهشاميّ أنّ أحدها خفيف رمل بالوسطى، وذكر عمرو أنّ الثالث هزج بالوسطى. ولإسحاق فيها هزج من مجموع صنعته - فقالت: لا وربّ هذه البنيّة! ما عنّيتنا طرفة عين قطّ. ثم قالت لبغلتها: عدس، وسارت. وتمام هذه الأبيات:
فقلت لا والذي حجّ الحجيج لهما محّ حبّك من قلبي ولا نهجا
ولا رأى القلب من شيء يسرّ بهمذبان منزلكم منّا ولا ثلجا
ضنّت بنائلها عنه فقد تركتفي غير ذنب أبا الخطّاب مختلجا
قال: فلم تزل عائشة تداريه وترفق به خوفا من أن يتعرّض لها حتى قضت حجّها وانصرفت إلى المدينة. فقال في ذلك:
إنّ من تهوى مع الفجر ظعنللهوى والقلب متباع الوطن
بانت الشمس وكانت كلّماذكرت للقلب عاودت الدّدن
صوت
يا أبا الحارث قلبي طائرفأتمر أمر رشيد مؤتمن
نظرت عيني إليها نظرةتركت قلبي لديها مرتهن
ليس حبّ فوق ما أحببتهاغير أن أقتل نفسي أو أجنّ
فيها ثاني ثقيل بالوسطى نسبه عمرو بن بانة إلى ابن سريج، ونسبه ابن المكّي إلى الغريض. وفيها رمل لأهل مكة.
ومما يغنّي فيه من أشعاره في عائشة بنت طلحة قوله في قصيدته التي أوّلها:
صوت
من لقلب أمسى رهينا معنّىمستكينا قد شفّه ما أجنّا
إثر شخص نفسي فدت ذاك شخصانازح الدّار بالمدينة عنّا
ليت حظّي كطرفة العين منهاوكثير منها القليل المهنّا
الغناء لإبراهيم خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق.
أخبرني الحسن بن علىّ الخفّاف ومحمد بن خلف قالا حدّثنا محمد بن زكريّا الغلابيّ قال حدّثني محمد بن عبد الرحمن التّيميّ عن هشام بن سليمان بن عكرمة بن خالد المخزوميّ قال: كان عمر بن أبي ربيعة يهوى كلثم بنت سعد المخزوميّة، فأرسل إليها رسولا فضربتها وحلقتها وأحلفتها ألّا تعاود، ثم أعادها ثانية ففعلت بها مثل ذلك، فتحاماها رسله. فابتاع أمة سوداء لطيفة رقيقة وأتى بها منزله، فأحسن إليها وكساها وآنسها وعرّفها خبره وقال لها: إن أوصلت لي رقعة إلى كلثم فقرأتها فأنت حرّة ولك معيشتك ما بقيت. فقالت اكتب لي مكاتبة واكتب حاجتك في آخرها، ففعل ذلك. فأخذتها ومضت بها إلى باب كلثم فاستأذنت، فخرجت إليها أمة لها فسألتها عن أمرها؛ فقالت: مكاتبة لبعض أهل مولاتك جئت أستعينها في مكاتبتي، وحادثتها وناشدتها حتى ملأت قلبها؛ فدخلت إلى كلثم وقالت: إنّ بالباب مكاتبة لم أر قطّ أجمل منها ولا أكمل ولا آدب. فقالت: ائذني لها، فدخلت. فقالت: من كاتبك؟ قالت: عمر بن أبي ربيعة الفاسق! فاقرئي مكاتبتي. فمدّت يدها لتأخذها. فقالت لها: لي عليك عهد اللّه أن تقرئيها؛ فإن كان منك إليّ شيء مما أحبّه وإلّا لم يلحقني منك مكروه؛ فعاهدتها وفطنت. وأعطتها الكتاب، فإذا أوّله:
من عاشق صبّ يسرّ الهوىقد شفّه الوجد إلى كلثم
رأتك عيني فدعاني الهوىإليك للحين ولم أعلم
قتلتنا، يا حبّذا أنتم،في غير ما جرم ولا مأثم
واللّه قد أنزل في وحيهمبيّنا في آيه المحكم
من يقتل النفس كذا ظالماولم يقدها نفسه يظلم
وأنت ثأري فتلافى دميثم اجعليه نعمة تنعمي
وحكّمي عدلا يكن بينناأو أنت فيما بيننا فاحكمي
وجالسيني مجلسا واحدامن غير ما عار ولا محرم
وخبّريني ما الذي عندكمباللّه في قتل امرىء مسلم
قال: فلمّا قرأت الشعر قالت لها: إنّه خدّاع ملق، وليس لما شكاه أصل. قالت: يا مولاتي! فما عليك من امتحانه؟ قالت: قد أذنت له، وما زال حتى ظفر ببغيته؛ فقولي له: إذا كان المساء فليجلس في موضع كذا وكذا حتى يأتيه رسولي. فانصرفت الجارية فأخبرته؛ فتأهّب لها. فلمّا جاءه رسولها مضى معه حتّى دخل إليها وقد تهيّأت أجمل هيئة، وزيّنت نفسها ومجلسها وجلست له من وراء ستر، فسلّم وجلس. فتركته حتى سكن، ثم قالت له: أخبرني عنك يا فاسق! ألست القائل:
هلّا استحيت فترحمي صبّاصديان لم تدعي له قلبا
جشم الزيارة في مودّتكموأراد ألّا ترهقي ذنبا
ورجا مصالحة فكان لكمسلما وكنت ترينه حربا
يأيّها المعطي مودّتهمن لا يراك مساميا خطبا
لا تجعلن أحدا عليك إذاأحببته وهويته ربّا
وصل الحبيب إذا شغفت بهواطو الزيارة دونه غبّا
فلذاك أحسن من مواظبةليست تزيدك عنده قربا
لا بل يملّك عند دعوتهفيقول هاه وطالما لبّى
فقال لها: جعلت فداك! إنّ القلب إذا هوي نطق اللسان بما يهوى. فمكث عندها شهرا لا يدري أهله أين هو. ثم استأذنها في الخروج. فقالت له: بعد أن فضحتني! لا واللّه لا تخرج إلا بعد أن تتزوّجني. ففعل وتزوّجها؛ فولدت منه ابنين أحدهما جوان؛ وماتت عنده.
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عبد الجبّار بن سعيد قال حدّثني إبراهيم بن يعقوب بن أبي عبد اللّه عن أبيه عن جدّه: أنّ عمر رأى لبابة بنت عبد اللّه بن العباس امرأة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان تطوف بالبيت، فرأى أحسن خلق اللّه، فكاد عقله يذهب، فسأل عنها فأخبر بنسبها؛ فنسب بها وقال فيها:
صوت
ودّع لبابة قبل أن تترحّلاواسأل فإنّ قلاله أن تسألا
البث بعمرك ساعة وتأنّهافلعلّ ما بخلت به أن يبذلا
قال ائتمر ما شئت غير مخالففيما هويت فإنّنا لن نعجلا
لسنا نبالي حين تقضي حاجةما بات أو ظلّ المطيّ معقّلا
حتى إذا ما الّليل جنّ ظلامهورقبت غفلة كاشح أن يمحلا
خرجت تأطّر في الثياب كأنّهاأيم يسيب على كثيب أهيلا
رحّبت حين رأيتها فتبسّمتلتحيّتي لمّا رأتني مقبلا
وجلا القناع سحابة مشهورةغرّاء تعشي الطّرف أن يتأمّلا
فلبثت أرقيها بما لو عاقليرقى به ما استطاع ألّا ينزلا
غنّى في هذه الأبيات معبد خفيف ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق، ابتداؤه نشيد. وفيها لابن سريج ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها عن إسحاق أيضا. وفيها لابن سريج في الأوّل والرابع من الأبيات رمل عن ابن المكيّ، ولأبي دلف القاسم بن عيسى في هذين البيتين خفيف ثقيل بالسبابة والبنصر، وابتداؤه نشيد من رواية ابن المكيّ. وفيه لمحمد بن الحسن بن مصعب هزج.
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: لمّا حجّ الغمر بن يزيد بن عبد الملك دخل إليه معبد فغنّاه:
ودّع لبابة قبل أن تترحّلا
فلم يزل يردّده عليه، ثم أخرجه معه لمّا رحل عن المدينة، فغنّاه في المنزل به حتى أراد الرّحيل، فحمله على بغلة له وذهب غلام له يتبعه؛ فقال: إلى أين؟ فقال: أمضي معه حتى أجيء بالبغلة. فقال: هيهات! ارجع يا بنيّ، ذهبت واللّه لبابة ببغلة مولاك. وقد روي هذا الخبر لغير الغمر بن يزيد.
وهذه الأبيات التي فيها الغناء المختار وهو:
تشكّى الكميت الجري لمّا جهدته
يقولها عمر بن أبي ربيعة في الثّريّا بنت عليّ بن عبد اللّه بن الحارث بن أميّة الأصغر بن عبد شمس بن عبد مناف، وهم الذين يقال لهم العبلات؛ سمّوا بذلك لجدّة لهم يقال لها عبلة بنت عبيد بن خالد بن خازل بن قيس بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، وهي من بطن من تميم يقال لهم البراجم، غير براجم بني أسد.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّه قال: كانت عبلة بنت عبيد بن خالد بن خازل بن قيس بن حنظلة، عند رجل من بني جشم بن معاوية، فبعثها بأنحاء سمن تبيعها له بعكاظ، فباعت السمن وراحلتين كان عليهما، وشربت بثمنها الخمر. فلما نفذ ثمنها رهنت ابن أخيه وهربت، فطلّقها. وقالت في شربها الخمر:
شربت براحلتي محجنفيا ويلتي، محجن قاتلي
وبابن أخيه على لذّةولم أحتفل عذل العاذل
قال: فتزوّجها عبد شمس بن عبد مناف؛ فولدت له أميّة الأصغر وعبد أميّة ونوفلا، وهم العبلات.
وقد ذكر الزّبير بن بكّار عن عمّه: أنّ الثّريّا بنت عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن الحارث بن أمية الأصغر، وأنها أخت محمد بن عبد اللّه المعروف بأبي جراب العبليّ الذي قتله داود بن عليّ؛ وهو الذي يقول فيه ابن زياد المكّيّ:
ثلاث حوائج ولهنّ جئنافقم فيهنّ يا بن أبي جراب
فإنّك ماجد في بيت مجدبقيّة معشر تحت التراب
قال: وله يقول ابن زياد المكّي أيضا:
إذا متّ لم توصل بعرف قرابةولم يبق في الدنيا رجاء لسائل
قال الزبير: وهذا أشبه من أن تكون بنت عبد اللّه بن الحارث، وعبد اللّه إنما أدرك سلطان معاوية وهو شيخ كبير، وورث بقعدده في النّسب دار عبد شمس بن عبد مناف، وحجّ معاوية في خلافته، فجعل ينظر إلى الدار، فخرج إليه عبد اللّه بن الحارث بمحجن ليضربه به وقال: لا أشبع اللّه بطنك! أما تكفيك الخلافة حتى تطلب هذه الدار! فخرج معاوية يضحك.
قال مؤلّف هذا الكتاب: وهذا غلط من الزّبير عندي، والثّريّا أن تكون بنت عبد اللّه بن الحارث أشبه من أن تكون أخت الذي قتله داود بن عليّ؛ لأنها ربّت الغريض المغنّي وعلّمته النّوح بالمراثي على من قتله يزيد بن معاوية من أهلها يوم الحرّة. وإذا كانت قد ربّت الغريض حتى كبر وتعلّم النّوح على قتلى الحرّة وهو رجل - وهي وقعة كانت بعقب موت معاوية - فقد كانت في حياة معاوية امرأة كبيرة، وبين ذلك وبين من قتله داود بن عليّ من بني أميّة نحو ثمانين سنة، وقد شبّب بها عمر بن أبي ربيعة في حياة معاوية، وأنشد عبد اللّه بن عباس شعره فيها، فكيف تكون أخت الذي قتله داود بن عليّ وقد أدركت عبد اللّه بن عباس وهي امرأة كبيرة! وقد اعترف الزّبير أيضا في خبره بأن عبد اللّه بن الحارث أدرك خلافة معاوية وهو شيخ كبير؛ فقول من قال: إنها بنته، أصوب من قول من قرنها بمن قتله داود بن عليّ. وهذا القول الذي قلته قول ابن الكلبيّ وأبي اليقظان، أخبرني به الحسن بن عليّ عن أحمد بن الحارث عن المدائنيّ عن أبي اليقظان، قال وحدّثني به جماعة من أهل العلم بنسب قريش.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني مسلمة بن إبراهيم بن هشام المخزوميّ عن أيّوب بن مسلمة، أنه أخبره أنّ عمر بن أبي ربيعة كان مسهبا بالثّريّا بنت عليّ بن عبد اللّه بن الحارث بن أميّة الأصغر، وكانت عرضة ذلك جمالا وتماما، وكانت تصيف بالطّائف، وكان عمر يغدو عليها كلّ غداة إذا كانت بالطائف على فرسه، فيسأل الرّكبان الذين يحملون الفاكهة من الطائف عن الأخبار قبلهم. فلقي يوما بعضهم فسأله عن أخبارهم؛ فقال: ما استطرفنا خبرا؛ إلا أنّني سمعت عند رحيلنا صوتا وصياحا عاليا على امرأة من قريش اسمها اسم نجم في السماء وقد سقط عني اسمه. فقال عمر: الثّريّا؟ قال نعم. وقد كان بلغ عمر قبل ذلك أنها عليلة، فوجّه فرسه على وجهه إلى الطائف يركضه ملء فروجه وسلك طريق كداء - وهي أخشن الطّرق وأقربها - حتى انتهى إلى الثّريّا وقد توقّعته وهي تتشوّف له وتشرف، فوجدها سليمة عميمة ومعها أختاها رضيّا وأمّ عثمان، فأخبرها الخبر؛ فضحكت وقالت: أنا واللّه أمرتهم لأختبر مالي عندك. فقال عمر في ذلك هذا الشعر:
تشكّى الكميت الجري لمّا جهدتهوبيّن لو يسطيع أن يتكلّما
فقلت له إن ألق للعين قرّةفهان عليّ أن تكلّ وتسأما
لذلك أدني دون خيلي رباطهوأوصي به ألّا يهان ويكرما
عدمت إذا وفري وفارقت مهجتيلئن لم أقل قرنا إن اللّه سلّما
قال مسلمة بن إبراهيم: قلت لأيّوب بن مسلمة: أكانت الثريّا كما يصف عمر بن أبي ربيعة؟ فقال: وفوق الصّفة، كانت واللّه كما قال عبد اللّه بن قيس:
حبّذا الحجّ والثّريّا ومن بالخيف من أجلها وملقى الرّحال
يا سليمان إن تلاق الثريّاتلق عيش الخلود قبل الهلال
درّة من عقائل البحر بكرلم تشنها مثاقب اللألّ
تعقد المئزر السّخام من الخزّ على حقو بادن مكسال
قال إسحاق في خبره عمّن أسند إليه أخبار عمر بن أبي ربيعة، وذكر مثله الزّبير بن بكّار فيما حدّثنا عنه الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني مؤمن بن عمر بن أفلح مولى فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم قال حدّثني بلال مولى ابن أبي عتيق: أنّ الحارث بن عبد اللّه بن عيّاش بن أبي ربيعة قدم للحج، فأتاه ابن أبي عتيق فسلّم عليه وأنا معه.
فلمّا قضى سلامه ومساءلته عن حجّه وسفره، قال له: كيف تركت أبا الخطّاب عمر بن أبي ربيعة؟ قال: تركته في بلهنية من العيش. قال: وأنّى ذلك؟ قال. حجّت رملة بنت عبد اللّه بن خلف الخزاعيّة فقال فيها:
صوت
أصبح القلب في الحبال رهينامقصدا يوم فارق الظّاعنينا
قلت من أنتم فصدّت وقالتأمبدّ سؤالك العالمينا
نحن من ساكني العراق وكنّاقبله قاطنين مكة حينا
قد صدقناك إذ سألت فمن أنت عسى أن يجرّ شأن شؤونا
ونرى أننا عرفناك بالنّعت بظنّ وما قتلنا يقينا
بسواد الثّنيّتين ونعتقد نراه لناظر مستبينا
- غنّى معبد في البيتين الأوّلين خفيف ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها عن إسحاق. وغنّى في الثاني وما بعده ابن سريج خفيف ثقيل أوّل بالسّبّابة في مجرى البنصر عنه أيضا. وذكر حبش أن فيه للغريض أيضا لحنا من الثقيل الأوّل بالبنصر - قال: فبلغ ذلك الثّريّا، بلّغتها إيّاه أمّ نوفل، وكانت غضبى عليه، وقد كان انتشر خبره عن الثّريا حتى بلغها من جهة أمّ نوفل وأنشدتها قوله:
أصبح القلب في الحبال رهينامقصدا يوم فارق الظاعنينا
فقالت: إنه لوقاح صنع بلسانه، ولئن سلمت له لأردّنّ من شأوه، ولأثنينّ من عنانه، ولأعرّفنّه نفسه. فلمّا بلغت إلى قوله:
قلت من أنتم فصدّت وقالتأمبدّ سؤالك العالمينا
فقالت: إنه لسأّل ملحّ، قبحا له! ولقد أجابته إن وفت. فلمّا بلغت إلى قوله:
نحن من ساكني العراق وكنّاقبله قاطنين مكة حينا
قالت: غمزته الجهمة. فلمّا بلغت إلى قوله:
قد صدقناك إذ سألت فمن أنت عسى أن يجرّ شأن شؤونا
قالت: رمته الورهاء بآخر ما عندها في مقام واحد. وهجرت عمر.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب: أنّ رملة بنت عبد اللّه بن خلف حجّت، فتعرض لها عمر بن أبي ربيعة فقال فيها:
أصبح القلب في الحبال رهينامقصدا يوم فارق الظاعنينا
وقال في هذه القصيدة:
فرأت حرصي الفتاة فقالتخبّريه، من أجل من تكتمينا؟
نحن من ساكني العراق وكنّاقبله قاطنين مكة حينا
قد صدقناك إذ سألت فمن أنت عسى أن يجرّ شأن شؤونا
قال الزّبير: ورملة هذه أمّ طلحة بن عمر بن عبيد اللّه بن معمر التّيميّ، وهي أخت طلحة الطّلحات بن عبد اللّه بن خلف الخزاعيّ.
قال: فبلغت هذه الأبيات كثيّرا، فغضب لذلك وقال: وأنا واللّه لا أتمارى أن سيجرّ شأن شؤونا. ثم ذكر نسوة من قريش فساقهنّ في شعره من الحج حتى بلغ بهنّ إلى ملل، ثم أشفق فجاز، ولم يزد على ذلك، وهو قوله في قصيدته التي أوّلها:
ما عناك الغداة من أطلالدارسات المقام مذ أحوال
صوت
قم تأمّل فأنت أبصر منّيهل ترى بالغميم من أجمال
قاضيات لبانة من مناخوطواف وموقف بالجبال
قلن عسفان ثم رحن سراعاهابطات عشيّة من غزال
واردات الكديد مجترعاتجزن وادي الحجون بالأثقال
قصد لفت وهنّ متّسقاتكالعدوليّ لاحقات التّوالي
طالعات الغميس من عبّودسالكات الخويّ من أملال
فسقى اللّه منتوى أمّ عمروحيث أمّت بها صدور الرّحال
حبّذا هنّ من لبانة قلبيوجديد الشّباب من سربالي
ربّ يوم أتيتهنّ جميعاعند بيضاء رخصة مكسال
غير أنّي امرؤ تعمّمت حلمايكره الجهل والصّبا أمثالي
غنّى ابن سريج في الثلاثة الأبيات الأول خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو ويونس. وذكر الهشاميّ أنّ فيها للحجبيّ رملا بالبنصر.
قالوا: فلمّا هجرت الثّريّا عمر قال في ذلك:
من رسولي إلى الثّريّا فإنّيضقت ذرعا بهجرها والكتاب
فبلغ ابن أبي عتيق قوله، فمضى حتى أصلح بينهما. وهذه الأبيات تذكر مع ما فيها من الغناء ومع خبر إصلاح ابن أبي عتيق بينهما بعد انقضاء خبر رملة التي ذكرها عمر في شعره.
قال مصعب بن عبد اللّه في خبره: وكانت رملة جهمة الوجه، عظيمة الأنف، حسنة الجسم، وتزوّجها عمر بن عبيد اللّه بن معمر، وتزوّج عائشة بنت طلحة بن عبيد اللّه وجمع بينهما، فقال يوما لعائشة: فعلت في محاربة الخوارج مع أبي فديك كذا، وصنعت كذا، يذكر لها شجاعته وإقدامه. فقالت له عائشة: أنا أعلم أنّك أشجع الناس، وأعرف لك يوما هو أعظم من هذا اليوم الذي ذكرته. قال: وما هو؟ قالت: يوم اجتليت رملة وأقدمت على وجهها وأنفها.
قال مصعب وحدّثني يعقوب بن إسحاق قال: لمّا بلغ الثّريا قول عمر بن أبي ربيعة في رملة:
وجلا بردها وقد حسرتهنور بدر يضيء للناظرينا
قالت: أفّ له ما أكذبه! أو ترتفع حسناء بصفته لها بعد رملة! وذكر ابن أبي حسّان عن الرّياشيّ عن العبّاس بن بكّار عن ابن دأب: أن هذا الشعر قاله عمر في امرأة من بني جمح كان أبوها من أهل مكة، فولدت له جارية لم يولد مثلها بالحجاز حسنا. فقال أبوها: كأنّي بها وقد كبرت، فشبّب بها عمر بن أبي ربيعة وفضحها ونوّه باسمها كما فعل بنساء قريش، واللّه لا أقمت بمكة. فباع ضيعة له بالطائف ومكة ورحل بابنته إلى البصرة، فأقام بها وابتاع هناك ضيعة، ونشأت ابنته من أجمل نساء زمانها.
ومات أبوها فلم تر أحدا من بني جمح حضر جنازته، ولا وجدت لها مسعدا ولا عليها داخلا. فقالت لداية لها سوداء: من نحن؟ ومن أيّ البلاد نحن؟ فخبّرتها. فقالت: لا جرم واللّه لا أقمت في هذا البلد الذي أنا فيه غريبة! فباعت الضيعة والدار، وخرجت في أيام الحج. وكان عمر يقدم فيعتمر في ذي القعدة ويحلّ، ويلبس تلك الحلل والوشي، ويركب النّجائب المخضوبة بالحنّاء عليها القطوع والدّيباج، ويسبل لمّته، ويلقّى العراقيّات فيما بينه وبين ذات عرق محرمات، ويتلقّى المدنيّات إلى مرّ، ويتلقّى الشاميات إلى الكديد. فخرج يوما للعراقيّات فإذا قبّة مكشوفة فيها جارية كأنها القمر، تعادلها جارية سوداء كالسّبجة.
فقال للسوداء: من أنت؟ ومن أين أنت يا خالة؟ فقالت: لقد أطال اللّه تعبك، إن كنت تسأل هذا العالم من هم ومن أين هم. قال: فأخبريني عسى أن يكون لذلك شأن. قالت: نحن من أهل العراق، فأمّا الأصل والمنشأ فمكة، وقد رجعنا إلى الأصل ورحلنا إلى بلدنا، فضحك. فلما نظرت إلى سواد ثنيّتيه قالت: قد عرفناك.
قال: ومن أنا؟ قالت: عمر بن أبي ربيعة. قال: وبم عرفتني؟
قالت: بسواد ثنّيتيك وبهيئتك التي ليست إلّا لقريش، فأنشأ يقول:
قلت من أنتم فصدّت وقالتأمبدّ سؤالك العالمينا
وذكر الأبيات: فلما يزل عمر بها حتى تزوّجها وولدت له.
قال: فلما صرمت الثريّا عمر قال فيها:
صوت
من رسولي إلى الثريا فإنّيضقت ذرعا بهجرها والكتاب
سلبتني مجّاجة المسك عقليفسلوها ماذا أحلّ اغتصابي
وهي مكنونة تحيّر منهافي أديم الخدّين ماء الشباب
أبرزوها مثل المهاة تهادىبين خمس كواعب أتراب
ثم قالوا تحبّها قلت بهراعدد القطر والحصى والتراب
الغناء لابن عائشة خفيف ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو، وذكر حبش أنه لمالك.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني مؤمن بن عمر بن أفلح مولى فاطمة بنت الوليد قال أخبرني بلال مولى ابن أبي عتيق قال: أنشد ابن أبي عتيق قول عمر:
من رسولي إلى الثريّا فإنيضقت ذرعا بهجرها والكتاب
فقال ابن أبي عتيق: إيّاي أراد وبي نوّه! لا جرم واللّه لا أذوق أكلا حتى أشخص فأصلح بينهما، ونهض ونهضت معه، فجاء إلى قوم من بني الدّيل بن بكر لم تكن تفارقهم نجائب لهم فره يكرونها، فاكترى منهم راحلتين وأغلى لهم. فقلت له: استوضعهم أو دعني أماكسهم، فقد اشتطّوا عليك.
فقال: ويحك! أما علمت أنّ المكاس ليس من أخلاق الكرام! ثم ركب إحدهما وركبت الأخرى، فسار سيرا شديدا، فقلت: أبق على نفسك، فإنّ ما تريد ليس يفوتك. فقال: ويحك!
أبادر حبل الودّ أن يتقضّبا
وما حلاوة الدنيا إن تمّ الصّدع بين عمر والثريّا! فقدمنا ليلا غير محرمين، فدقّ على عمر بابه، فخرج إليه وسلّم عليه ولم ينزل عن راحلته، فقال له: اركب أصلح بينك وبين الثريّا، فأنا رسولك الذي سألت عنه. فركب معنا وقدمنا الطائف، وقد كان عمر أرضى أمّ نوفل فكانت تطلب له الحيل لإصلاحها فلا يمكنها. فقال ابن أبي عتيق للثريّا: هذا عمر قد جشّمني السفر من المدينة إليك، فجئتك به معترفا لك بذنب لم يجنه، معتذرا إليك من إساءته إليك، فدعيني من التّعداد والتّرداد، فإنه من الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون، فصالحته أحسن صلح وأتمّه وأجمله، وكررنا إلى مكة، فلم ينزلها ابن أبي عتيق حتى رحل. وزاد عمر في أبياته:
أزهقت أمّ نوفل إذ دعتهامهجتي، ما لقاتلي من متاب
حين قالت لها أجيبي فقالتمن دعاني؟ قالت أبو الخطّاب
فاستجابت عند الدعاء كما لبّى رجال يرجون حسن الثواب قال الزّبير: وما دعتها أمّ نوفل إلا لابن أبي عتيق، ولو دعتها لعمر ما أجابت. قال: وسألت عمّي عن أمّ نوفل، فقال: هي أمّ ولد عبد اللّه بن الحارث أبي الثريّا. وسألته عن قوله:
… كما لبّىرجال يرجون حسن الثواب
فقال: كرّرت في التلبية كما يفعل المحرم، فقالت: لبّيك لبيك.
وأخبرني حبيب بن نصر قال حدّثنا الزّبير بن بكّار عن عمّه أنّ بعض المكّيّين قال: كانت الثريّا تصبّ عليها جرّة ماء وهي قائمة فلا يصيب ظاهر فخذيها منه شيء من عظم عجيزتها.
وأخبرني حبيب بن نصر قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو غسّان محمد بن يحيى بخبر الثريّا هذا مع عمر، فذكر نحوا مما ذكره الزّبير، وقال فيه: لمّا أناخ ابن أبي عتيق بباب الثريّا أرسلت إليه: ما حاجتك؟ قال: أنا رسول عمر بن أبي ربيعة وأنشدها الشعر. فقالت: ابن أبي ربيعة فارغ ونحن في شغل، وقد تعبت فانزل بنا.
فقال: ما أنا إذا برسول. ثم كرّ راجعا إلى ابن أبي ربيعة بمكة فأخبره الخبر فأصلح بينهما.
حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار قال حدّثني يعقوب بن نعيم قال حدّثني إبراهيم بن إسحاق العنزيّ قال حدّثني عبد اللّه بن إبراهيم الجمحيّ، وأخبرني به الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن أيّوب بن عباية، وأخبرني به الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير عن مؤمن بن عمر بن أفلح عن عبد العزيز بن عمران، قالوا: قدم عمر بن أبي ربيعة المدينة، فنزل على ابن أبي عتيق - وهو عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي بكر - فلمّا استلقى قال: أوّه!.
من رسولي إلى الثريّا فإنّيضقت ذرعا بهجرها والكتاب
فقال ابن أبي عتيق: كلّ مملوك لي حرّ إن بلّغها ذاك غيري. فخرج، حتى إذا كان بالمصلّى مرّ بنصيب وهو واقف فقال: يا أبا محجن. قال لبّيك! قال: أتودع إلى سلمى شيئا؟ قال: نعم. قال: وما ذاك؟ قال: تقول لها يابن الصّدّيق: إنك مررت بي فقلت لي أتودع إليها شيئا، فقلت:
أتصبر عن سلمى وأنت صبوروأنت بحسن العزم منك جدير
وكدت ولم أخلق من الطير إن بداسنى بارق نحو الحجاز أطير
قال: فمرّ بسلمى وهي في قرية يقال لها «القسريّة»، فأبلغها الرّسالة، فزفرت زفرة كادت أن تفرّق أضلاعها. فقال ابن أبي عتيق: كلّ مملوك لي حرّ إن لم يكن جوابك أحسن من رسالته، ولو سمعك الآن لنعق وصار غرابا. ثم مضى إلى الثريّا فأبلغ الكتاب. فقالت له: أما وجد رسولا أصغر منك! انزل فأرح. فقال: لست إذا برسول! وسألها أن ترضى عنه، ففعلت. وقال الزّبير في خبره: فقال لها: أنا رسول ابن أبي ربيعة إليك، وأنشدها الأبيات، وقال لها: خشيت أن تضيع هذه الرسالة. قالت: أدّى اللّه عنك أمانتك. قال: فما جواب ما تجشّمته إليك؟ قالت: تنشده قوله في رملة:
وجلا بردها وقد حسرتهضوء بدر أضاء للناظرينا
فقال: أعيذك باللّه يابنة أخي أن تغلبيني بالمثل السائر. قالت: وما هو؟ قال: «حريص لا يرى عمله».
قالت: فما تشاء؟ قال: تكتبين إليه بالرضا عنه كتابا يصل على يدي، ففعلت. فأخذ الكتاب ورجع من فوره حتى قدم مكة، فأتى عمر. فقال له: من أين أقبلت؟ قال: من حيث أرسلتني. قال: وأنّى ذلك؟ قال: من عند الثريّا، أفرخ روعك! هذا كتابها بالرضا عنك إليك.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن أيّوب بن عباية قال: اجتمع ابن عائشة ويونس ومالك عند حسن بن حسن بن عليّ - عليهم السّلام - فقال الحسن لابن عائشة:
غنّني «من رسولي إلى الثريا»؛ فسكت عنه فلم يجبه. فقال له جليس له: أيقول لك غنّني فلا تجيبه! فسكت.
فقال له الحسن: مالك؟ ويحك! أبك خبال! كان واللّه ابن أبي عتيق أجود منك بما عنده؛ فإنّه لمّا سمع هذا الشعر قال لابن أبي ربيعة: أنا رسولك إليها، فمضى نحو الثريّا حتى أدّى رسالته، وأنت معنا في المجلس تبخل أن تغنّيه لنا! فقال له: لم أذهب حيث ظننت، إنما كنت أتخيّر لك أيّ الصوتين أغنّي: أقوله:
من رسولي إلى الثريّا فإنّيضافني الهمّ واعترتني الهموم
يعلم اللّه أنّني مستهامبهواكم وأنّني مرحوم
أم قوله:
من رسولي إلى الثريّا فإنّيضقت ذرعا بهجرها والكتاب
فقال له الحسن: أسأنا بك الظّنّ أبا جعفر، غنّ بهما جميعا، فغنّاهما. فقال له الحسن: لو لا أنّك تغضب إذا قلنا لك: أحسنت، لقلت لك: أحسنت واللّه! قال: ولم يزل يردّدهما بقيّة يومه.
أخبرنا الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني يعقوب بن إسحاق الرّبعيّ عن أبيه قال: أنشد عمر بن أبي ربيعة ابن أبي عتيق قوله:
لم تر العين للثريّا شبيهابمسيل التّلاع يوم التقينا
فلما بلغ إلى قوله:
ثم قالت لأختها قد ظلمناإن رددناه خائبا واعتدينا
قال: أحسنت والهدايا وأجادت. ثم أنشده ابن أبي عتيق متمثّلا قول الشاعر:
أريني جوادا مات هزلا لعلّنيأرى ما ترين أو بخيلا مخلّدا
فلمّا بلغ عمر إلى قوله في الشعر:
في خلاء من الأنيس وأمن
قال ابن أبي عتيق: أمكنت للشّارب الغدر «من عال بعدها فلا انجبر».
فلمّا بلغ إلى قوله:
فمكثنا كذاك عشرا تباعافي قضاء لديننا واقتضينا
قال: أما واللّه ما قضيتها ذهبا ولا فضة ولا اقتضيتها إيّاه، فلا عرّفكما اللّه قبيحا! فلمّا بلغ إلى قوله:
كان ذا في مسيرنا إذ حججناعلم اللّه فيه ما قد نوينا
قال: إنّ ظاهر أمرك ليدلّ على باطنه، فأرود التفسير، ولئن متّ لأموتنّ معك، أفّ للدنيا بعدك يا أبا الخطّاب! فقال له عمر: بل عليها بعدك العفاء يا أبا محمد! قال: فلقي الحارث بن خالد ابن أبي عتيق فقال: قد بلغني ما دار بينك وبين ابن أبي ربيعة، فكيف لم تتحلّلا منّي؟ فقال له ابن أبي عتيق: يغفر اللّه لك يا أبا عمرو، إن ابن أبي ربيعة يبرىء القرح، ويضع الهناء مواضع النّقب، وأنت جميل الخفض. فضحك الحارث بن خالد وقال: «حبّك الشيء يعمي ويصمّ». فقال: هيهات أنا بالحسن عالم نظّار!
وأمّا خبر السّواد في ثنيّتي عمر فإن الزبير بن بكّار ذكره عن عمّه مصعب في خبره: أنّ امرأة غارت عليه فاعترضته بمسواك كان في يدها فضربت به ثنيّتيه فاسودّتا.
وذكر إسحاق الموصليّ عن أبي عبد اللّه المسيّبيّ وأبي الحسن المدائنيّ: أنه أتى الثريّا يوما ومعه صديق له كان يصاحبه ويتوصّل بذكره في الشعر، فلمّا كشفت الثريّا السّتر وأرادت الخروج إليه، رأت صاحبه فرجعت. فقال لها: إنه ليس ممّن أحتشمه ولا أخفي عنه شيئا؛ واستلقى فضحك - وكان النساء إذ ذاك يتختّمن في أصابعهنّ العشر - فخرجت إليه فضربته بظاهر كفّها، فأصابت الخواتيم ثنيّتيه العليين فنغضتا وكادتا تسقطان، فقدم البصرة فعولجتا له، فثبتتا واسودّتا. فقال الحزين الكنانيّ يعيّره بذلك - وكان عدوّه وقد بلغه خبره -:
ما بال سنّيك أم ما بال كسرهماأهكذا كسرا في غير ما باس
أم نفحة من فتاة كنت تألفهاأم نالها وسط شرب صدمة الكاس
قال: ولقيه الحزين الكنانيّ يوما فأنشده هذين البيتين؛ فقال له عمر: اذهب اذهب، ويلك! فإنك لا تحسن أن تقول:
صوت
ليت هندا أنجزتنا ما تعدوشفت أنفسنا مما تجد
واستبدّت مرة واحدةإنّما العاجز من لا يستبدّ
لابن سريج في هذا الشعر رمل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق، وخفيف رمل أيضا في هذه الإصبع وهذا المجرى عن ابن المكيّ. ولمالك فيه ثقيل أوّل عن الهشاميّ. ولمتّيم ثاني ثقيل عن ابن المعتزّ. وذكر أحمد بن أبي العلاء عن مخارق أنّ خفيف الرّمل ليحيى المكيّ صنعه وحكى فيه لحن هذا الصوت: اسلمي يا دار من هند
حدّثني عليّ بن صالح قال حدّثني أبو هفّان عن إسحاق الموصليّ عن رجاله المذكورين: أنّ الثّريّا واعدت عمر بن أبي ربيعة أن تزوره، فجاءت في الوقت الذي ذكرته، فصادفت أخاه الحارث قد طرقه وأقام عنده، ووجّه به في حاجة له ونام مكانه وغطّى وجهه بثوبه، فلم يشعر إلا بالثريّا قد ألقت نفسها عليه تقبّله، فانتبه وجعل يقول: اعزبي عنّي فلست بالفاسق، أخزاكما اللّه! فلمّا علمت بالقصّة انصرفت. ورجع عمر فأخبره الحارث بخبرها؛ فاغتمّ لما فاته منها، وقال: أما واللّه لا تمسّك النار أبدا وقد ألقت نفسها عليك. فقال له الحارث: عليك وعليها لعنة اللّه.
وأخبرني بهذه القصّة الحرميّ بن أبي العلاء عن الزبير بن بكّار عن يعقوب بن إسحاق الربعيّ عن الثقة عنده عن ابن جريج عن عثمان بن حفص الثّقفيّ: أنّ الحارث بن عبد اللّه زار أخاه، ثم ذكر نحوا من الذي ذكره إسحاق، وقال فيه: فبلغ عمر خبرها، فجاء إلى أخيه الحارث وقال له: جعلت فداءك! مالك ولأمة الوهّاب ابنتك؟ أتتك مسلّمة عليك فلعنتها وزجرتها وتهدّدتها، وها هي تيك باكية. فقال: وإنها لهي! قال: ومن تراها تكون؟ قال: فانكسر الحارث عنه وعن لومه.
أخبرني عليّ بن صالح قال حدّثني أبو هفّان عن إسحاق بن إبراهيم عن جعفر بن سعيد عن أبي سعيد مولى فائد هكذا قال إسحاق، وأخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني جعفر بن سعيد عن أبي عبيدة بن محمد بن عمّار. ورواه أيضا حمّاد بن أسحاق عن أبيه عن جعفر بن سعيد فقال فيه: عن أبي عبيدة العمّاريّ، ولم يذكر أبا سعيد مولى فائد، قالوا: تزوّج سهيل بن عبد العزيز بن مروان الثريّا - وقال الزبير: بل تزوّجها أبو الأبيض سهيل بن عبد الرحمن بن عوف - فحملت إليه وهو بمصر. والصواب قول من قال: سهيل بن عبد العزيز؛ لأنه كان هناك منزله، ولم يكن لسهيل بن عبد الرحمن هناك موضع. فقال عمر:
صوت
أيّها المنكح الثريّا سهيلاعمرك اللّه كيف يلتقيان
هي شاميّة إذا ما استقلّتوسهيل إذا استقلّ يماني
الغناء للغريض خفيف ثقيل بالبنصر. وفيه لعبد اللّه بن العباس ثاني ثقيل بالبنصر. وأوّل هذه القصيدة:
أيّها الطارق الذي قد عنانيبعد ما نام سامر الرّكبان
زار من نازح بغير دليليتخطّى إليّ حتى أتاني
وذكر الرّياشيّ عن ابن زكريّا الغلابيّ عن محمد بن عبد الرحمن التّيميّ عن أبيه عن هشام بن سليمان بن عكرمة بن خالد المخزوميّ قال: كان عمر بن أبي ربيعة قد ألحّ على الثريّا بالهوى، فشقّ ذلك على أهلها، ثم إنّ مسعدة بن عمرو أخرج عمر إلى اليمن في أمر عرض له، وتزوّجت الثريّا وهو غائب، فبلغه تزويجها وخروجها إلى مصر، فقال:
أيّها المنكح الثريّا سهيلاعمرك اللّه كيف يلتقيان
وذكر الأبيات. وقال في خبره: ثم حمله الشوق على أن سار إلى المدينة فكتب إليها:
كتبت إليك من بلديكتاب مولّه كمد
كئيب واكف العينين بالحسرات منفرد
يؤرّقه لهيب الشّوق بين السّحر والكبد
فيمسك قلبه بيدويمسح عينه بيد
وكتبه في قوهيّة وشنفه وحسّنه وبعث به إليها. فلّما قرأته بكت بكاء شديدا، ثم تمثّلت:
بنفسي من لا يستقلّ بنفسهومن هو إن لم يحفظ اللّه ضائع
وكتبت إليه تقول:
أتاني كتاب لم ير الناس مثلهأمدّ بكافور ومسك وعنبر
وقرطاسه قوهيّة ورباطهبعقد من الياقوت صاف وجوهر
وفي صدره: منّي إليك تحيّةلقد طال تهيامي بكم وتذكّري
وعنوانه من مستهام فؤادهألى هائم صبّ من الحزن مسعر
قال مؤلف هذا الكتاب: وهذا الخبر عندي مصنوع، وشعره مضعّف يدلّ على ذلك، ولكنّي ذكرته كما وقع إليّ.
قال أبو سعيد مولى فائد ومن ذكر خبره مع الثّريّا: فمات عنها سهيل أو طلّقها، فخرجت إلى الوليد بن عبد الملك وهو خليفة بدمشق في دين عليها، فبينا هي عند أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان، إذ دخل عليها الوليد فقال: من هذه؟ فقالت: الثريّا جاءتني، تطلب إليك في قضاء دين عليها وحوائج لها. فأقبل عليها الوليد فقال: أتروين من شعر عمر بن أبي ربيعة شيئا؟ قالت: نعم، أما إنه يرحمه اللّه كان عفيفا عفيف الشّعر، أروي قوله:
صوت
ما على الرّسم بالبليّين لو بيّن رجع السّلام أو أجابا
فإلى قصر ذي العشيرة فالصّائف أمسى من الأنيس يبابا
وبما قد أرى به حيّ صدقظاهري العيش نعمة وشبابا
إذ فؤادي يهوى الرّباب وأنّي الدّهر حتّى الممات أنسى الرّبابا
وحسانا جواريا خفراتحافظات عند الهوى الأحسابا
لا يكثّرن في الحديث ولا يتبعن ينعقن بالبهام الظّرابا
فقضى حوائجها وانصرفت بما أرادت منه. فلمّا خلا الوليد بأمّ البنين قال لها: للّه درّ الثريّا! أتدرين ما أرادت بإنشادها ما أنشدتني من شعر عمر؟ قالت: لا.
قال: إني لمّا عرّضت لها به عرّضت لي بأن أمّي أعرابيّة. وأمّ الوليد وسليمان ولّادة بنت العبّاس بن جزيّ بن الحارث بن زهير بن جذيمة العبسيّ.
الغناء في الأبيات التي أنشدتها الثريّا الوليد بن عبد الملك لمالك بن أبي السّمح خفيف ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. وفيها لابن سريج رمل بالخنصر في مجرى البنصر. وفيها لإبراهيم خفيف ثقيل بالسّبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر حبش أيضا أنّ فيها لابن مسجح خفيف رمل بالوسطى. وذكر عمرو بن بانة أن لابن محرز فيها خفيف ثقيل بالوسطى.
ومما يغنّى فيه من أشعار عمر بن أبي ربيعة التي قالها في الثريّا من القصيدة التي أوّلها «من رسولي»:
صوت
وتبدّت حتّى إذا جنّ قلبيحال دوني ولائد بالثّياب
يا خليليّ فاعلما أنّ قلبيمستهام بربّة المحراب
الغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. ومنها:
صوت
أقتليني قتلا سريعا مريحالا تكوني عليّ سوط عذاب
شفّ عنها محقّق جنديّفهي كالشمس من خلال السّحاب
الغناء للغريض ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو. ومنها:
صوت
قال لي صاحبي ليعلم ما بيأتحبّ البتول أخت الرّباب
قلت وجدي بها كوجدك بالماء إذا منعت برد الشّراب
الغناء لمالك رمل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق. ومنها:
صوت
أذكرتني من بهجة الشمس لمّابرزت من دجنّة وسحاب
أزهقت أمّ نوفل إذ دعتهامهجتي، ما لقاتلي من متاب
حين قالت لها أجيبي فقالتمن دعاني؟ قالت أبو الخطّاب
الغناء للغريض خفيف رمل عن الهشاميّ وحمّاد بن إسحاق.
ومنها:
صوت
مرحبا ثم مرحبا بالّتي قالت غداة الوداع عند الرّحيل
للثّريّا قولي له أنت همّيومنى النّفس خاليا وخليلي
الغناء لابن محرز ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لابن سريج خفيف رمل بالوسطى عن عمرو.
ومنها:
صوت
زعموا بأنّ البين بعد غدفالقلب مما أزمعوا يجف
تشكو ونشكو ما أشتّ بناكلّ لوشك البين يعترف
حلفوا لقد قطعوا ببينهموحلفت ألفا مثل ما حلفوا
الغناء للغريض خفيف ثقيل بالوسطى.
ومنها:
صوت
فلوت رأسها ضرارا وقالتلا وعيشي ولو رأيتك متّا
حين آثرت بالمودّة غيريوتناسيت وصلنا ومللتا
قد وجدناك إذ خبرت ملولاطرفا لم تكن كما كنت قلتا
الغناء لمالك رمل ثقيل أوّل بالوسطى عن عمرو. وفيه لابن سريج خفيف ثقيل عن الهشاميّ، وكذا روته دنانير عن فليح، وقد نسب قوم لحن مالك إلى الغريض. ومنها:
صوت
يا خليليّ سائلا الأطلالاومحلّا بالرّوضتين أحالا
- ويروى:
بالبليّين إن أحرن سؤالا
وسفاه لو لا الصّبابة حبسيفي رسوم الدّيار ركبا عجالا
بعد ما أقفرت من آل الثريّاوأجدّت فيها النّعاج ظلالا
الغناء لابن سريج هزج خفيف مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لحكم الواديّ ثقيل أوّل من جامع أغانيه. وذكر ابن دينار أنّ فيه لابن عائشة لحنا لم يذكر طريقته. وذكر إبراهيم أنّ فيه لدحمان لحنا ولم يجنّسه.
وقال حبش: فيه لإسحاق ثقيل أوّل بالوسطى.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أبو عبد اللّه التّميميّ يعني أبا العيناء عن القحذميّ عن أبي صالح السّعديّ قال: لمّا تزوّج سهيل بن عبد العزيز الثّريّا ونقلها إلى الشأم، بلغ عمر بن أبي ربيعة الخبر، فأتى المنزل الذي كانت الثريّا تنزله، فوجدها قد رحلت منه يومئذ، فخرج في أثرها فلحقها على مرحلتين، وكانت قبل ذلك مهاجرته لأمر أنكرته عليه. فلما أدركهم نزل عن فرسه ودفعه إلى غلامه ومشى متنكّرا حتى مرّ بالخيمة، فعرفته الثريّا وأثبتت حركته ومشيته، فقالت لحاضنتها: كلّميه، فسلّمت عليه وسألته عن حاله وعاتبته على ما بلغ الثريّا عنه، فاعتذر وبكى، فبكت الثريّا، فقالت: ليس هذا وقت العتاب مع وشك الرّحيل. فحادثها إلى وقت طلوع الفجر ثم ودّعها وبكيا طويلا، وقام فركب فرسه ووقف ينظر إليهم وهم يرحلون، ثم أتبعهم بصره حتى غابوا، وأنشأ يقول:
يا صاحبيّ قفا نستخبر الطّللاعن حال من حلّه بالأمس ما فعلا
فقال لي الرّبع لمّا أن وقفت بهإنّ الخليط أجدّ البين فاحتملا
وخادعتك النّوى حتى رأيتهمفي الفجر يحتثّ حادي عيسهم زجلا
لمّا وقفنا نحيّيهم وقد صرختهواتف البين واستولت بهم أصلا
صدّت بعادا وقالت للّتي معهاباللّه لوميه في بعض الذي فعلا
وحدّثيه بما حدّثت واستمعيماذا يقول ولا تعيي به جدلا
حتى يرى أنّ ما قال الوشاة لهفينا لديه إلينا كلّه نقلا
وعرّفيه به كالهزل واحتفظيفي بعض معتبة أن تغضبي الرجلا
فإنّ عهدي به واللّه يحفظهوإن أتى الذنب ممن يكره العذلا
لو عندنا اغتيب أو نيلت نقيصتهما آب مغتابه من عندنا جذلا
قلت اسمعي فلقد أبلغت في لطفوليس يخفى على ذي اللّبّ من هزلا
هذا أرادت به بخلا لأعذرهاوقد أرى أنها لن تعدم العللا
ما سمّي القلب إلّا من تقلّبهولا الفؤاد فؤادا غير أن عقلا
أمّا الحديث الذي قالت أتيت بهفما عبأت به إذ جاءني حولا
ما إن أطعت بها بالغيب قد علمتمقالة الكاشح الواشي إذا محلا
إني لأرجعه فيها بسخطتهوقد يرى أنّه قد غرّني زللا
وهي قصيدة طويلة مذكورة في شعره.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر ومحمد بن خلف بن المرزبان قالوا حدّثنا عمر بن شبّة قال أخبرنا محمد بن يحيى قال زعم عبيد بن يعلى قال حدّثني كثير بن كثير السّهميّ قال: لمّا ماتت الثّريّا أتاني الغريض فقال لي: قل أبيات شعر أنح بها على الثّريّا فقلت:
صوت
ألا يا عين مالك تدمعيناأمن رمد بكيت فتكحلينا
أم انت حزينة تبكين شجوافشجوك مثله أبكى العيونا
غنّى الغريض في هذين البيتين لحنا من خفيف الثّقيل الأوّل بالوسطى عن عمرو ويحيى المكيّ والهشاميّ وغيرهم.
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عبد الجبّار بن سعيد المساحقيّ قال حدّثني إبراهيم بن يعقوب بن أبي عبد اللّه عن أبيه عن جدّه عن ثعلبة بن عبد اللّه بن صعير: أنّ عمر بن أبي ربيعة نظر في الطّواف إلى امرأة شريفة، فرأى أحسن خلق اللّه صورة، فذهب عقله عليها، وكلّمها فلم تجبه، فقال فيها:
الرّيح تسحب أذيالا وتنشرهايا ليتني كنت ممّن تسحب الريح
كيما تجرّبنا ذيلا فتطرحناعلى الّتي دونها مغبرّة سوح
أنّى بقربكم أم كيف لي بكمهيهات ذلك ما أمست لنا روح
فليت ضعف الذي ألقى يكون بهابل ليت ضعف الذي ألقى تباريح
إحدى بنيّات عمّي دون منزلهاأرض بقيعانها القيصوم والشّيح
فبلغها شعره فجزعت منه. فقيل لها: اذكريه لزوجك، فإنه سينكر عليه قوله. فقالت: كلّا واللّه لا أشكوه إلا إلى اللّه. ثم قالت: اللّهم إن كان نوّه باسمي ظالما فاجعله طعاما للريح. فضرب الدهر من ضربه، ثم إنه غدا يوما على فرس فهبّت ريح فنزل فاستتر بسلمة، فعصفت الريح فخدشه غصن منها فدمي وورم به ومات من ذلك.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع