تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

خبر أبي قطيفة ونسبه

ديوان أبو قطيفةفيه ٧١ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط. واسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب. هذا الذي عليه النسّابون.

وذكر الهيثم بن عديّ في «كتاب المثالب» أنّ أبا عمرو بن أميّة كان عبدا لأمية اسمه ذكوان فاستلحقه. وذكر أن دغفلا النّسّابة دخل على معاوية فقال له: من رأيت من علية قريش؟ فقال: رأيت عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس. فقال: صفهما لي. فقال: كان عبد المطلب أبيض مديد القامة حسن الوجه، في جبينه نور النبوّة وعزّ الملك، يطيف به عشرة من بنيه كأنهم أسد غاب. قال: فصف أميّة. فقال: رأيته شيخا قصيرا نحيف الجسم ضريرا يقوده عبده ذكوان. فقال: مه، ذاك ابنه أبو عمرو. فقال: هذا شيء قلتموه بعد وأحدثتموه، وأمّا الذي عرفت فهو الذي أخبرتك به. ثم نعود إلى سياقة النّسب من لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانة. والنضر عند أكثر النسّابين أصل قريش، فمن ولده النضر عدّ منهم، ومن لم يلده فليس منهم. وقال بعض نسّابي قريش: بل فهر بن مالك أصل قريش، فمن لم يلده فليس من قريش. ثم نعود للنسب إلى النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار. وولد إلياس يقال لهم خندف، سمّوا بأمّهم خندف وهو لقبها، واسمها ليلى بنت حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وهي أمّ مدركة وطابخة وقمعة بني إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان بن أدّ بن أدد بن الهميسع بن يشجب - وقيل: أشجب - بن نبت بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم، هذا النسب الذي رواه نسّابو العرب وروي عن ابن شهاب الزّهريّ وهو من علماء قريش وفقهائها.

وقال قوم آخرون من النسّابين ممن أخذ - فيما يزعم - عن دغفل وغيره: معدّ بن عدنان بن أدد بن آمين بن شاجيب بن نبت بن ثعلبة بن عنز بن سرائج بن ملحم بن العوّام بن المحتمل بن رائمة بن العقيان بن علّة ابن شحدود بن الضرب بن عيفر بن إبراهيم بن إسماعيل بن رزين بن أعوج بن المطعم بن الطمح بن القسور ابن عتود بن دعدع بن محمود بن الرائد بن بدوان بن أمامة بن دوس بن حصين بن النّزّال بن الغمير بن محشر بن معذر بن صيفيّ بن نبت بن قيدار بن إسماعيل ذبيح اللّه ابن إبراهيم خليل اللّه صلّى اللّه عليهما وعلى أنبيائه أجمعين وسلّم تسليما. ثم أجمعوا أن إبراهيم بن آزر وهو اسمه بالعربية كما ذكره اللّه تعالى في كتابه، وهو في التوراة بالعبرانية تارح بن ناحور، وقيل: النّاحر بن الشّارع وهو شاروع بن أرغو وهو الرامح بن فالغ- وهو قاسم الأرض الذي قسمها بين أهلها - بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ وهو الرافد بن سام بن نوح صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ابن لامك وهو في لغة العرب ملكان ابن المتّوشلخ وهو المنوف بن أخنخ وهو إدريس نبيّ اللّه عليه السّلام بن يارد وهو الرائد بن مهلايل بن قينان وهو قنان بن أنوش وهو الطاهر بن شيث وهو هبة اللّه. يقال له أيضا: شاث بن آدم أبي البشر صلى اللّه عليه وعلى سائر الأنبياء وعلى نبينا محمد خاصة وسلّم تسليما. هذا الذي في أيدي الناس من النّسب على اختلافهم فيه.

وقد روي عن النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلّم تكذيب للنسّابين ودفع لهم. وروي أيضا خلاف لأسماء بعض الآباء. وقد شرحت ذلك في «كتاب النسب» شرحا يستغنى به عن غيره.

وأبو قطيفة وأهله من العنابس من بني أمية. وكان لأمية من الولد أحد عشر ذكرا، كلّ واحد منهم يكنى باسم صاحبه، وهم العاص وأبو العاص، والعيص وأبو العيص، وعمرو وأبو عمرو، وحرب وأبو حرب، وسفيان وأبو سفيان، والعويص لا كنى له. فمنهم الأعياص فيما أخبرنا حرميّ بن أبي العلاء - واسمه أحمد بن محمد بن إسحاق.، والطّوسيّ - واسمه أحمد بن سليمان - قالا: حدّثنا الزّبير بن بكّار عن محمد بن الضّحّاك الحزاميّ عن أبيه قال: الأعياص: العاص وأبو العاص والعيص وأبو العيص والعويص. ومنهم العنابس وهم حرب وأبو حرب وسفيان وأبو سفيان وأبو عمرو. وإنما سمّوا العنابس لأنهم ثبتوا مع أخيهم حرب بن أمية بعكاظ وعقلوا أنفسهم وقاتلوا قتالا شديدا فشبّهوا بالأسد، والأسد يقال لها العنابس، واحدها عنبسة. وفي الأعياص يقول عبد اللّه بن فضالة الأسديّ:

من الأعياص أو من آل حربأغرّ كغرة الفرس الجواد
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة

والسبب في قوله هذا الشعر ما أخبرنا به أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال: حدّثنا عمر بن شبّة، وحدّثنا محمد بن العباس اليزيديّ قال: حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز، قال: حدّثنا المدائنيّ وابن غزالة، قالوا:

أتى عبد اللّه بن فضالة بن شريك الوالبيّ ثم الأسديّ من بني أسد بن خزيمة عبد اللّه بن الزّبير، فقال له: نفدت نفقتي ونقبت راحلتي. قال: أحضرها، فأحضرها. فقال: أقبل بها، أدبر بها، ففعل. فقال: ارقعها بسبت واخصفها بهلب وأنجد بها يبرد خفّها وسر البردين تصحّ. فقال ابن فضالة: إنيّ أتيتك مستحملا ولم آتك مستوصفا، فلعن اللّه ناقة حملتني إليك! قال ابن الزبير: إنّ وراكبها. فانصرف عنه ابن فضالة وقال:

أقول لغلمتي شدّوا ركابيأجاوز بطن مكة في سواد
فما لي حين أقطع ذات عرقإلى ابن الكاهليّة من معاد
سيبعد بيننا نصّ المطاياوتعليق الأداوى والمزاد
وكلّ معبّد قد أعلمتهمناسمهن طلّاع النّجاد
أرى الحاجات عند أبي خبيبنكدن ولا أميّة بالبلاد
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة
من الأعياص أو من آل حربأغرّ كغرّة الفرس الجواد
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة

أبو خبيب: عبد اللّه بن الزّبير، كان يكنى أبا بكر. وخبيب: ابن له هو أكبر ولده، ولم يكن يكنيه به إلا من ذمّه، يجعله كاللقب له. قال: فقال ابن الزبير لمّا بلغه هذا الشعر: علم أنها شرّ أمّهاتي فعيّرني بها وهي خير عمّاته. قال اليزيديّ: «إنّ» ها هنا بمعنى نعم، كأنه إقرار بما قال. ومثله قول ابن قيس الرّقيّات:

ويقلن شيب قد علاك وقد كبرت فقلت إنّه
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

وأمّ أبي معيط آمنة بنت أبان بن كليب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، ولها يقول نابغة بني جعدة:

وشاركنا قريشا في تقاهاوفي أنسابها شرك العنان
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «فمن يك سائلا عني فإني»
بما ولدت نساء بني هلالوما ولدت نساء بني أبان
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «فمن يك سائلا عني فإني»

وكانت آمنة هذه تحت أميّة بن عب شمس، فولدت له العاص وأبا العاص وأبا العيص والعويص وصفيّة وتوبة وأروى بني أميّة. فلما مات أميّة تزوّجها بعده ابنه أبو عمرو - وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، يتزوّج الرجل امرأة أبيه بعده - فولدت له أبا معيط، فكان بنو أميّة من آمنة إخوة أبي معيط وعمومته، أخبرني بذلك كلّه الطوسيّ عن الزّبير بن بكّار.

قال الزّبير: وحدّثني عمّي مصعب قال: زعموا أنّ ابنها أبا العاص زوّجها أخاه أبا عمرو، وكان هذا نكاحا تنكحه الجاهلية. فأنزل اللّه تعالى تحريمه، قال اللّه تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا)

، فسمّي نكاح المقت.

وأسر عقبة بن أبي معيط في يوم بدر، فقتله رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم صبرا. حدّثنا بذلك محمد بن جرير الطّبريّ قال حدّثنا محمد بن حميد الرّازيّ قال حدّثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق في خبر ذكره طويل، وحدّثني به أحمد بن محمد بن الجعد قال حدّثنا محمد بن إسحاق المسيّبي قال حدّثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزّهريّ، قالوا جميعا.

قتله رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم صبرا. فقال له - وقد أمر بذلك فيه -: يا محمد، أأنا خاصّة من قريش؟ قال نعم. قال: فمن للصّبية بعدي؟ قال: النار. فلذلك يسمّى بنو أبي معيط صبية النار. واختلف في قاتله، فقيل: إنّ عليّ بن أبي طالب - صلوات اللّه عليه - تولّى قتله. وهذا من رواية بعض الكوفيين، حدّثني به أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة قال: أخبرني المنذر بن محمد اللّخميّ قال حدّثنا سليمان بن عبّاد قال حدّثني عبد العزيز بن أبي ثابت المدنيّ عن أبيه عن محمد بن عبد اللّه بن حسن بن حسن عن أبيه عن جدّه عن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام: أنّ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم أمر عليّا يوم بدر فضرب عنق عقبة بن أبي معيط والنّضر بن الحارث. وروى ابن إسحاق أن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاريّ قتله، وأنّ الذي قتله عليّ بن أبي طالب عليه السّلام النضر بن الحارث بن كلدة.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني الحسن بن عثمان قال حدّثني ابن أبي زائدة عن محمد بن إسحاق عن أصحابه، وحدّثنا محمد بن جرير قال حدّثنا أحمد بن حميد قال حدّثنا سلمة عن ابن إسحاق عن أصحابه، قالوا: قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم يوم بدر عقبة بن أبي معيط صبرا: أمر عاصم بن ثابت فضرب عنقه، ثم أقبل من بدر حتى إذا كان ب «الصّفراء» قتل النّضر بن الحارث بن كلدة أحد بني عبد الدار، أمر عليّا عليه السّلام أن يضرب عنقه، قال عمر بن شبّة في حديثه ب «الأثيل»، فقالت أخته قتيلة بنت الحارث ترثيه:

يا راكبا إنّ الأثيل مظنّةمن صبح خامسة وأنت موفّق
للشاعر قتيلة بنت النضر، اقرأ القصيدة
أبلغ به ميتا بأنّ تحيّةما إن تزال بها النجائب تخفق
منّي إليك وعبرة مسفوحةجادت بدرّتها وأخرى تخنق
هل يسمعنّ النمضر إن ناديتهإن كان يسمع هالك لا ينطق
ظلّت سيوف بني أبيه تنوشهللّه أرحام هناك تشقّق
للشاعر قتيلة بنت النضر، اقرأ القصيدة
صبرا يقاد إلى المنيّة متعبارسف المقيّد وهو عان موثق
أمحمد ولأنت نسل نجيبةفي قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرّك لو مننت وربّمامنّ الفتى وهو المغيظ المحنق
للشاعر قتيلة بنت النضر، اقرأ القصيدة
أو كنت قابل فدية فليأتينبأعزّ ما يغلو لديك وينفق
والنضر أقرب من أخذت بزلّةوأحقّهم إن كان عتق يعتق

فبلغنا أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلّم قال: «لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته». فيقال: إن شعرها أكرم شعر موتورة وأعفّه وأكفّه وأحلمه. قال ابن إسحاق: وحدّثني أبو عبيدة بن محمد بن عمّار بن ياسر أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم لمّا كان بعرق الظّبية قتل عقبة بن أبي معيط. قال حين أمر به أن يقتل: فمن للصّبية يا محمد؟ قال: النار. فقلته عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أحد بني عمرو بن عوف.

حدّثني أحمد بن الجعد قال حدّثنا عبد اللّه بن محمد بن إسحاق الأدميّ قال حدّثنا الوليد بن مسلم قال حدّثني الأوزاعيّ قال حدّثني يحيى بن أبي كثير عن محمد بن إبراهيم التّيميّ قال حدّثني عروة بن الزّبير قال: سألت عبد اللّه بن عمرو فقلت: أخبرني بأشدّ شيء صنعه المشركون برسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم، فقال: بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم يصلّي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنق رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم فخنقه به خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر - رحمة اللّه عليه - حتى أخذ بمنكبه فدفعه عن رسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربّي اللّه!

وكان الوليد بن عقبة أخا عثمان بن عفّان لأمّه، أمّهما أروى بنت عامر بن كريز، وأمّها أمّ حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. والبيضاء وعبد اللّه أبو رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم توءمان. وكان عقبة بن أبي معيط تزوّج أروى بعد وفاة عفّان، فولدت له الوليد وخالدا وعمارة وأمّ كلثوم، كلّ هؤلاء إخوة عثمان لأمّه. ووليّ عثمان الوليد بن عقبة في خلافته الكوفة، فشرب الخمر وصلّى بالناس وهو سكران فزاد في الصلاة، وشهد عليه بذلك عند عثمان فجلده الحدّ. وسيأتي خبره بعد هذا في موضعه.

وأبو قطيفة عمرو بن الوليد يكنى أبا الوليد. وأبو قطيفة لقب لقّب به. وأمّه بنت الرّبيع بن ذي الخمار من بني أسد بن خزيمة.

وقال أبو قطيفة هذا الشعر حين نفاه ابن الزّبير مع بني أميّة عن المدينة، مع نظائر له تشوّقا إليها. حدّثني بالسبب في ذلك أحمد بن محمد بن شبيب بن أبي شيبة البزّار، قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ، وأخبرني ببعضه أحمد بن محمد بن الجعد قال حدّثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدّثني أبي قال حدّثني وهب بن جرير عن أبيه في كتابه المسمّى «كتاب الأزارقة»، ونسخت بعضه من كتاب منسوب إلى الهيثم بن عديّ. واللفظ للمدائنيّ في الخبر ما اتّسق، فإذا انقطع أو اختلف نسبت الخلاف إلى راويه. قال الهيثم بن عديّ أخبرنا ابن عيّاش عن مجالد عن الشّعبيّ وعن ابن أبي الجهم ومحمد بن المنتشر:

أنّ الحسين بن عليّ بن أبي طالب - عليه وعلى أبيه السّلام - لمّا سار إلى العراق، شمّر ابن الزبير للأمر الذي أراده ولبس المعافريّ وشبر بطنه وقال: إنما بطني شبر، وما عسى أن يسع الشبر! وجعل يظهر عيب بني أميّة ويدعو إلى خلافهم. فأمهله يزيد سنة، ثم بعث إليه عشرة من أهل الشام عليهم النّعمان بن بشير. وكان أهل الشام يسمّون أولئك العشرة النّفر الرّكب، منهم عبد اللّه بن عضاه الأشعريّ، وروح بن زنباع الجذاميّ، وسعد بن حمزة الهمدانيّ، ومالك بن هبيرة السّكوني، وأبو كبشة السّكسكي، وزمل بن عمرو العذريّ، وعبد اللّه بن مسعود، وقيل: ابن مسعدة الفزايّ، وأخوه عبد الرحمن، وشريك بن عبد اللّه الكنانيّ، وعبد اللّه بن عامر الهمدانيّ، وجعل عليهم، النعمان بن بشير، فأقبلوا حتى قدموا مكة على عبد اللّه ابن الزّبير، وكان النعمان يخلو به في الحجر كثيرا. فقال له عبد اللّه بن عضاة يوما: يابن الزّبير، إنّ هذا الأنصاريّ واللّه ما أمر بشيء إلا وقد أمرنا بمثله إلا أنه قد أمّر علينا، إني واللّه ما أدري ما بين المهاجرين والأنصار. فقال ابن الزّبير: يابن عضاه، مالي ولك! إنما أنا بمنزلة حمامة من حمام مكة، أفكنت قاتلا حماما من حمام مكة؟ قال: نعم، وما حرمة حمام مكة! يا غلام، ائتني بقوسي وأسهمي، فأتاه بقوسه وأسهمه، فأخذ سهما فوضعه في كبد القوس ثم سدّده نحو حمامة من حمام المسجد وقال: يا حمامة، أيشرب يزيد بن معاوية الخمر؟ قولي نعم، فو اللّه: لئن فعلت لأرمينّك. يا حمامة، أتخلعين يزيد بن معاوية وتفارقين أمّة محمد صلى اللّه عليه وآله وسلّم، وتقيمين في الحرم حتى يستحلّ بك؟ واللّه لئن فعلت لأرمينّك. فقال ابن الزّبير: ويحك! أو يتكلم الطائر؟ قال: لا! ولكنك يابن الزبير تتكلم. أقسم باللّه لتبايعنّ طائعا أو مكرها أو لتتعرّفنّ راية الأشعريّين في هذه البطحاء، ثم لا أعظّم من حقّها ما تعظّم. فقال ابن الزبير: أو تستحلّ الحرم! قال: إنما يستحلّه من ألحد فيه. فحبسهم شهرا ثم ردّهم إلى يزيد بن معاوية ولم يجبه إلى شيء. وفي رواية أحمد بن الجعد: وقال بعض الشعراء - وهو أبو العباس الأعمى، واسمه السائب بن فرّوخ يذكر ذلك وشبر ابن الزبير بطنه -:

ما زال في سورة الأعراف يدرسهاحتى بدا لي مثل الخزّ في اللّين
لو كان بطنك شبرا قد شبعت وقدأفضلت فضلا كثيرا للمساكين
للشاعر أبو العباس الأعمى، اقرأ القصيدة

قال الهيثم: ثم إنّ ابن الزّبير مضى إلى صفيّة بنت أبي عبيد زوجة عبد اللّه بن عمر، فذكر لها أنّ خروجه كان غضبا للّه تعالى ورسوله - عليه السّلام - والمهاجرين والأنصار من أثرة معاوية وابنه وأهله بالفيء، وسألها مسألته أن يبايعه. فلما قدّمت له عشاءه ذكرت له أمر ابن الزبير واجتهاده، وأثنت عليه وقالت: ما يدعو إلّا إلى طاعة اللّه جلّ وعزّ، وأكثرت القول في ذلك. فقال لها: أما رأيت بغلات معاوية اللواتي كان يحجّ عليهنّ الشّهب، فإنّ ابن الزبير ما يريد غيرهنّ! قال المدائنيّ في خبره: وأقام ابن الزبير على خلع يزيد ومالأه على ذلك أكثر الناس. فدخل عليه عبد اللّه بن مطيع وعبد اللّه بن حنظلة وأهل المدينة المسجد وأتوا المنبر فخلعوا يزيد.

فقال عبد اللّه بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزوميّ: خلعت يزيد كما خلعت عمامتي، ونزعها عن رأسه وقال: إني لأقول هذا وقد وصلني وأحسن جائزتي، ولكنّ عدوّ اللّه سكّير خمّير. وقال آخر: خلعته كما خلعت نعلي. وقال آخر: خلعته كما خلعت ثوبي. وقال آخر: قد خلعته كما خلعت خفّي، حتى كثرت العمائم والنّعال والخفاف، وأظهروا البراءة منه وأجمعوا على ذلك، وامتنع منه عبد اللّه بن عمر ومحمد بن عليّ بن أبي طالب - عليهما السّلام - وجرى بين محمد خاصّة وبين أصحاب ابن الزبير فيه قول كثير، حتى أرادوا إكراهه على ذلك، فخرج إلى مكة، وكان هذا أوّل ما هاج الشرّبينه وبين ابن الزبير.

قال المدائنيّ: واجتمع أهل المدينة لإخراج بني أمية عنها، فأخذوا عليهم العهود ألّا يعينوا عليهم الجيش، وأن يردّوهم عنهم، فإن لم يقدروا على ردّهم لا يرجعوا إلى المدينة معهم. فقال لهم عثمان بن محمد بن أبي سفيان: أنشدكم اللّه في دمائكم وطاعتكم! فإنّ الجنود تأتيكم وتطؤكم، وأعذر لكم ألّا تخرجوا أميركم، إنكم إن ظفرتم وأنا مقيم بين أظهركم فما أيسر شأني وأقدركم على إخراجي! وما أقول هذا إلّا نظرا لكم أريد به حقن دمائكم. فشتموه وشتموا يزيد، وقالوا: لا نبدأ إلّا بك، ثم نخرجهم بعدك. فأتى مروان عبد اللّه بن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنّ هؤلاء القوم قد ركبونا بما ترى، فضمّ عيالنا. فقال: لست من أمركم وأمر هؤلاء في شيء.

فقام مروان وهو يقول: قبح اللّه هذا أمرا وهذا دينا. ثم أتى عليّ بن الحسين - عليهما السّلام - فسأله أن يضمّ أهله وثقله ففعل، ووجّههم وامرأته أمّ أبان بنت عثمان إلى الطائف ومعها ابناه: عبد اللّه ومحمد. فعرض حريث رقّاصة - وهو مولى لبني بهز من سليم كان بعض عمّال المدينة قطع رجله فكان إذا مشى كأنه يرقص، فسمّي رقاّصة - لثقل مروان وفيه أمّ عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، فضربته بعضا فكادت تدقّ عنقه، فولّى ومضى. ومضوا إلى الطائف وأخرجوا بني أميّة. فحسّ بهم سليمان بن أبي الجهم العدويّ وحريث رقّاصة، فأراد مروان أن يصلّي بمن معه فمنعوه، وقالوا: لا يصلّي واللّه بالناس أبدا، ولكن إن أراد أن يصلّي بأهله فليصلّ، فصلّى بهم ومضى. فمرّ مروان بعبد الرحمن بن أزهر الزّهريّ، فقال له: هلمّ إليّ يا أبا عبد الملك، فلا يصل إليك مكروه ما بقي رجل من بني زهرة. فقال له: وصلتك رحم، قومنا على أمر فأكره أن أعرّضك لهم.

وقال ابن عمر بعد ذلك - لمّا أخرجوا وندم على ما كان قاله لمروان -: لو وجدت سبيلا الى نصر هؤلاء لفعلت، فقد ظلموا وبغي عليهم. فقال ابنه سالم: لو كلّمت هؤلاء القوم! فقال: يا بنيّ، لا ينزع هؤلاء القوم عمّا هم عليه، وهم بعين اللّه، إن أراد أن يغيّر غيّر. قال: فمضوا «إلى ذي خشب»، وفيهم عثمان بن محمد بن أبي سفيان والوليد بن عتبة بن أبي سفيان، واتّبعهم العبيد والصّبيان والسّفلة يرمونهم. ثم رجع حريث رقّاصة وأصحابه إلى المدينة، وأقامت بنو أميّة ب «ذي خشب» عشرة أيام، وسرّحوا حبيب بن كرة إلى يزيد بن معاوية يعلمونه، وكتبوا اليه يسألونه الغوث. وبلغ أهل المدينة أنهم وجّهوا رجلا إلى يزيد، فخرج محمد بن عمرو بن حزم ورجل من بني سليم من بهز وحريث رقّاصة وخمسون راكبا فأزعجوا بني أميّة منها، فنخس حريث بمروان فكاد يسقط عن ناقته، فتأخّر عنها وزجرها وقال: اعلي واسلمي. فلما كانوا «بالسّويداء» عرض لهم مولى لمروان، فقال: جعلت فداك! لو نزلت فأرحت وتغدّيت! فالغّداء حاضر كثير قد أدرك. فقال: لا يدعني رقّاصة وأشباهه، وعسى أن يمكّن اللّه منه فتقطع يده. ونظر مروان إلى ماله ب «ذي خشب» فقال: لا مال إلا ما أحرزته العياب.

فمضوا فنزلوا «حقيلا» أو «وادي القرى»، وفي ذلك يقول الأحوص:

لا ترثينّ لحزميّ رأيت بهضراّ ولو سقط الحزميّ في النار
الناخسين بمروان بذي خشبوالمقحمين على عثمان في الدار
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أهوى أمية إن شطت وإن قربت»

قال المدائنيّ: فدخل حبيب بن كرة على يزيد - وهو واضع رجله في طست لوجع كان يجده - بكتاب بني أميّة وأخبره الخبر. فقال: أما كان بنو أميّة ومواليهم ألف رجل؟ قال: بلى! وثلاثة آلاف. قال: أفعجزوا أن يقاتلوا ساعة من نهار؟ قال: كثرهم الناس ولم تكن لهم بهم طاقة. فندب الناس وأمّر عليهم صخر بن أبي الجهم القينيّ، فمات قبل أن يخرج الجيش، فأمّر مسلم بن عقبة الذي يسمّى مسرفا. قال: وقال ليزيد: ما كنت مرسلا إلى المدينة أحدا إلا قصّر وما صاحبهم غيري، إنّي رأيت في منامي شجرة غرقد تصيح: على يدى مسلم، فأقبلت نحو الصوت فسمعت قائلا يقول: أدرك ثأرك أهل المدينة قتلة عثمان فخرج مسلم وكان من قصّة الحرّة ما كان على يده، وليس هذا موضعه. فقال أبو قطيفة في ذلك - لما أخرجوا عن المدينة -:

صوت من غير المائة فيه لحنان

بكى أحد لما تحمّل أهلهفكيف بذي وجد من القوم آلف
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
من اجل أبي بكر جلت عن بلادهاأميّة، والأيام ذات تصارف
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة

عروضه من الطويل، وفيه ثقيل أوّل. والغناء لسائب خاثر، خفيف ثقيل أوّل بالوسطى، ذكر ذلك حمّاد عن أبيه، وذكر أن فيه لحنا آخر لأهل المدينة لا يعرف صاحبه. قال الهيثم في خبره: وقال أبو العباس الأعمى في ذلك:

قد حلّ في دار البلاط مجوّعودار أبي العاص التّميميّ حنتف
للشاعر أبو العباس الأعمى، اقرأ القصيدة
فلم أر مثل الحيّ حين تحمّلواولا مثلنا عن مثلهم يتنكّف
للشاعر أبو العباس الأعمى، اقرأ القصيدة

وقال أبو قطيفة أيضا:

صوت من غير المائة فيه ثلاثة ألحان

بكى أحد لمّا تحمّل أهلهفسلع فدار المال أمست تصدّع
وبالشأم إخواني وجلّ عشيرتيفقد جعلت نفسي إليهم تطلّع
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة

عروضه من الطويل. غنّى فيه دحمان، ولحنه ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر من رواية إسحاق.

وفيه لمعبد ثقيل أوّل بالوسطى من رواية حبش. وذكر إسحاق أن فيه لحنا في خفيف الثّقيل الأوّل بالخنصر في مجرى البنصر مجهول الصّانع. وقال أبو قطيفة أيضا:

صوت من غير المائة المختارة

ليت شعري: هل البلاط كعهديوالمصلّى إلى قصور العقيق؟
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
لا مني في هواك يا أمّ يحيىمن مبين بغشّه أو صديق

عروضه من الخفيف. غنّاه معبد ويقال دحمان، ولحنه ثقيل أوّل بالسّبّابة في مجرى الوسطى، وذكر إسحاق أنه لا يعرف صاحبه.

حدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني محمد بن يونس بن الوليد قال: كان ابن الزّبير قد نفى أبا قطيفة مع من نفاه من بني أميّة عن المدينة إلى الشأم، فلما طال مقامه بها قال:

ألا ليت شعري هل تغيّر بعدناقباء وهل زال العقيق وحاضره؟
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
وهل برحت بطحاء قبر محمدأراهط غرّ من قريش تباكره
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
لهم منتهى حبّي وصفو مودّتيومحض الهوى منّي وللناس سائره
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة

قال وقال أيضا:

صوت من غير المائة المختارة

ليت شعري وأين منّي ليتأعلى العهد يلبن فبرام؟
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
أم كعهدي العقيق أم غيّرتهبعدي الحادثات والأيام؟
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
وبأهلي بدّلت عكّا ولخماوجذاما، وأين منّي جذام!
وتبدّلت من مساكن قوميوالقصور التي بها الآطام
كلّ قصر مشيّد ذي أواسيتغنّى على ذراه الحمام
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
إقر منّي السّلام إن جئت قوميوقليل لهم لديّ السّلام

عروضه من الخفيف، غنّاه معبد، ولحنه ثقيل أوّل بالخنصر في مجرى البنصر. و «يلبن» و «برام»: موضعان. والآطام: جمع أطم، وهي القصور والحصون. وقال الأصمعيّ: الآطام: الدّور المسطّحة السّقوف.

وفي رواية ابن عمار: «ذي أواش» بالشين معجمة، كأنه أراد به أنّ هذه القصور موشيّة أي منقوشة. ورواه إسحاق: «أواس» بالسين غير معجمة، وقال: واحدها آسيّ، وهو الأصل. قال ويقال: فلان في آسيّه، أي في أصله. والآسيّ والأساس واحد. وذرا كلّ شي ء: أعاليه، وهو جمع، واحدته ذروة. ويروى:

أبلغنّ السّلام إن جئت قومي

وروى الزّبير بن بكّار هذه الأبيات لأبي قطيفة، وزاد فيها:

أقطع الليل كلّه باكتئابوزفير فما أكاد أنام
نحو قومي إذ فرّقت بيننا الداروحادت عن قصدها الأحلام
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
خشية أن يصيبهم عنت الدّهر وحرب يشيب منها الغلام

فلقد حان أن يكون لهذا الدّهر عنّا تباعد وانصرام

رجع الخبر إلى سياقته من رواية ابن عمّار. وأخبرنا بمثله من هذا الموضع الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الحزاميّ، وهو إبراهيم بن المنذر، عن مطرّف بن عبد اللّه

المدنيّ قالا: إن ابن الزّبير لمّا بلغه شعر أبي قطيفة هذا قال: حنّ واللّه أبو قطيفة وعليه السّلام ورحمة اللّه، من لقيه فليخبره أنه آمن فليرجع. فأخبر بذلك فانكفأ إلى المدينة راجعا، فلم يصل إليها حتى مات. قال ابن عمّار: فحدّثت عن المدائنيّ أنّ امرأة من أهل المدينة تزوّجها رجل من أهل الشأم، فخرج بها إلى بلده على كره منها، فسمعت منشدا ينشد شعر أبي قطيفة هذا، فشهقت شهقة وخرّت على وجهها ميّتة، هكذا ذكر ابن عمّار في خبره.

وأخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد: قرأت على أبي عن أيّوب بن عباية قال قال حدثني سعيد بن عائشة مولى آل المطّلب بن عبد مناف قال: خرجت امرأة من بني زهرة في خفّ، فرآها رجل من بني عبد شمس من أهل الشأم فأعجبته، فسأل عنها فنسبت له، فخطبها إلى أهلها فزوّجوه إياها بكره منها، فخرج بها إلى الشأم. وخرجت مخرجا، فسمعت متمثّلا يقول:

صوت من غير المائة المختارة

ألا ليت شعري هل تغيّر بعدناجبوب المصلّى أم كعهدي القرائن؟
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
وهل أدؤر حول البلاط عوامرمن الحيّ أم هل بالمدينة ساكن؟
إذا برقت نحو الحجاز سحابةدعا الشوق منّي برقها المتيامن
فلم أتركنها رغبة عن بلادهاولكنّه ما قدّر اللّه كائن

- عروضه من الطويل، يقال: إن لمعبد فيه لحنا - قال: فتنفّست بين النساء فوقعت ميّتة. قال أيّوب:

فحدّثت بهذا الحديث عبد العزيز بن أبي ثابت الأعرج فقال: أتعرفها؟ قلت لا. قال: هي واللّه عمّتي حميدة بنت عمر بن عبد الرحمن بن عوف.

أخبرنا محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا الرّياشيّ قال أخبرني ابن عائشة قال: لمّا أجلى ابن الزّبير بني أميّة عن الحجاز قال أيمن بن خريم الأسديّ:

كأنّ بني أميّة يوم راحواوعرّي عن منازلهم صرار
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة
شماريخ الجبال إذا تردّتبزينتها وجادتها القطار
للشاعر أيمن بن خريم الأسدي، اقرأ القصيدة

وأخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا محمد بن سعد الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن العتبىّ قال: كتب أبو قطيفة عمرو بن الوليد بن عقبة إلى أبيه وهو متولّي الكوفة لعثمان بن عفّان:

من مبلغ عنّي الأمير بأننيأرق بلا داء سوى الإنعاظ
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
إن لم تغثني خفت إثمك أو أرىفي الدار محدودا بزرق لحاظ
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة

يعني دار عثمان التي تقام فيها الحدود. فابتاع له جارية بالكوفة وبعث بها إليه. أخبرني عبد اللّه بن محمد الرّازي قال حدّثنا الخرّاز عن المدائنيّ قال: كان أبو قطيفة من شعراء قريش، وكان ممن نفاه ابن الزبير مع بني أمية إلى الشأم، فقال في ذلك:

وما أخرجتنا رغبة عن بلادناولكنّه ما قدّر اللّه كائن
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
أحنّ إلى تلك الوجوه صبابةكأنّي أسير في السّلاسل راهن

وكان يتحرّق على المدينة، فأتى عبّاد بن زياد ذات يوم عبد الملك فقال له: إنّ خاله أخبره أن العراقين قد فتحا. فقال عبد الملك لأبي قطيفة لما يعلمه من حبّه المدينة: أما تسمع ما يقوله عبّاد عن خاله؟ قد طابت لك المدينة الآن. فقال أبو قطيفة:

إنّي لأحمق من يمشي على قدمإن غرّني من حياتي خال عبّاد
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
أنشا يقول لنا المصران قد فتحاودون ذلك يوم شرّه بادي
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة

قال: وأذن له ابن الزّبير في الرجوع، فرجع فمات في طريقه.

وأمّا خبر القصر الذي تقدّم ذكره وبيعه من معاوية، فأخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال ذكر مصعب بن عمّار بن مصعب بن عروة بن الزّبير: أنّ سعيد بن العاص لمّا حضرته الوفاة وهو في قصره هذا، قال له ابنه عمرو: لو نزلت الى المدينة! فقال: يا بنيّ، إنّ قومي لن يضنّوا عليّ بأن يحملوني على رقابهم ساعة من نهار، وإذا أنا مت فآذنهم، فإذا واريتني فانطلق الى معاوية فانعني له، وانظر في ديني، واعلم أنه سيعرض عليك قضاءه فلا تفعل، واعرض عليه قصري هذا، فإنّي إنما اتخذته نزهة وليس بمال. فلما مات آذن به الناس، فحملوه من قصره حتى دفن بالبقيع، ورواحل عمرو بن سعيد مناخة، فعزّاه الناس على قبره وودّعوه، فكان هو أوّل من نعاه لمعاوية، فتوجّع له وترحّم عليه، ثم قال: هل ترك دينا؟ قال نعم. قال: كم هو؟ قال ثلاثمائة ألف درهم. قال: هي عليّ. قال: قد ظنّ ذلك وأمرني ألّا أقبله منك، وأن أعرض عليك بعض ماله فتبتاعه فيكون قضاء دينه منه. قال: فاعرض عليّ.

قال: قصره بالعرصة. قال: قد أخذته بدينه. قال: هو لك على أن تحملها إلى المدينة وتجعلها بالوافية. قال: نعم. فحملها له إلى المدينة وفرّقها في غرمائه، وكان أكثرها عدات. فأتاه شابّ من قريش بصكّ فيه عشرون ألف درهم بشهادة سعيد على نفسه وشهادة مولى له عليه. فأرسل إلى المولى فأقرأه الصّكّ، فلما قرأه بكى وقال: نعم هذا خطّه وهذه شهادتي عليه. فقال له عمرو: من أين يكون لهذا الفتى عليه عشرون ألف درهم وإنما هو صعلوك من صعاليك قريش؟

قال: أخبرك عنه، مرّ سعيد بعد عزله، فاعترض له هذا الفتى ومشى معه حتى صار إلى منزله، فوقف له سعيد فقال: ألك حاجة؟ قال: لا، إلّا أنّي رأيتك تمشي وحدك فأحببت أن أصل جناحك. فقال لي: ائتني بصحيفة، فأتيته بهذه، فكتب له على نفسه هذا الدّين وقال: إنك لم تصادف عندنا شيئا فخذ هذا، فإذا جاءنا شيء فأتنا.

فقال عمرو: لا جرم واللّه لا يأخذها إلا بالوافية، أعطيه إيّاها، فدفع إليه عشرين ألف درهم وافية.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا الصّلت بن مسعود قال حدّثنا سفيان بن عيينة قال حدّثنا هارون المدائنيّ قال: كان الرجل يأتي سعيد بن العاص يسأله فلا يكون عنده، فيقول: ما عندي، ولكن اكتب عليّ به، فيكتب عليه كتابا، فيقول: تروني أخذت منه ثمن هذا؟ لا، ولكنه يجيء فيسألني فينزو دم وجهه في وجهي فأكره ردّه.

فأتاه مولى لقريش بابن مولاه وهو غلام فقال: إنّ أبا هذا قد هلك وقد أردنا تزويجه. فقال: ما عندي، ولكن خذ ما شئت في أمانتي. فلما مات سعيد بن العاص جاء الرجل إلى عمرو بن سعيد فقال: إنّي أتيت أباك بابن فلان، وأخبره بالقصّة. فقال له عمرو: فكم أخذت؟ قال: عشرة آلاف. فأقبل عمرو على القوم فقال: من رأى أعجز من هذا! يقول له سعيد: خذ ما شئت في أمانتي فيأخذ عشرة آلاف! لو أخذت مائة ألف لأدّيتها عنك.

أخبرني عمّي قال: حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن ابن الكلبيّ قال: قال أبو قطيفة - وكانت أمّه وأمّ خالد بن الوليد بن عقبة عمّة أروى بنت أبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتّب -

أنا ابن أبي معيط حين أنمىلأكرم ضئضىء وأعزّ جيل
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
وأنمي للعقائل من قصيّومخزوم فما أنا بالضّئيل
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
وأروى من كريز قد نمتنيوأروى الخير بنت أبي عقيل
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
كلا الحيّين من هذا وهذالعمر أبيك في الشّرف الطويل
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
فعدّد مثلهن أبا ذبابليعلم ما تقول ذوو العقول
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
فما الزّرقاء لي أمّا فأخزىولا لي في الأزارق من سبيل
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة

قال: يعني بأبي الذّباب عبد الملك. والزّرقاء: إحدى أمهاته من كندة، وكان يعيّر بها.

أخبرني الحسن بن عليّ قال أخبرني محمد بن زكريا قال حدّثنا قعنب بن المحرز قال حدّثنا المدائنيّ قال: بلغ أبا قطيفة أنّ عبد الملك بن مروان يتنقّصه، فقال:

نبّئت أنّ ابن العملّس عابنيومن ذا من الناس البريء المسلّم؟
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
من انتم من انتم خبّرونا من انتمفقد جعلت أشياء تبدو وتكتم!
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة

فبلغ ذلك عبد الملك فقال: ما ظننت أنّا نجهل، واللّه لو لا رعايتي لحرمته لألحقته بما يعلم، ولقطّعت جلده بالسّياط.

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن العتبيّ قال: طلّق أبو قطيفة امرأته، فتزوّجها رجل من أهل العراق، ثم ندم بعد أن رحل بها الرجل وصارت له، فقال:

فيا أسفا لفرقة أمّ عمروورحلة أهلها نحو العراق
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
فليس إلى زيارتها سبيلولا حتّى القيامة من تلاقي
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
وعلّ اللّه يرجعها إلينابموت من حليل أو طلاق
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
فأرجع شامتا وتقرّ عينيويجمع شملنا بعد افتراق
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة

أخبرني عمّي ومحمد بن جعفر قالا حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثنا محمد بن عليّ بن أبي حسّان عن هشام بن محمد عن خالد بن سعيد عن أبيه قال: استعمل معاوية سعيد بن عثمان على خراسان، فلمّا عزله قدم المدينة بمال وسلاح وثلاثين عبدا من السّغد، فأمرهم أن يبنوا له دارا. فبينا هو جالس فيها ومعه ابن سيحان وابن زينة وخالد بن عقبة وأبو قطيفة إذ تآمروا بينهم فقتلوه، فقال أبو قطيفة يرثيه - وقيل إنها لخالد بن عقبة -:

يا عين جودي بدمع منك تهتاناوابكي سعيد بن عثمان بن عفّانا
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
إن ابن زينة لم تصدق مودّتهوفرّ عنه ابن أرطاة بن سيحانا
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»