تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر المائة الصوت المختارة

فيه ١٢ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أخبرنا أبو أحمد يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم قال حدّثني أبي قال: حدّثني إسحاق بن إبراهيم الموصليّ أنّ أباه أخبره أنّ الرشيد - رحمة اللّه عليه - أمر المغنّين، وهم يومئذ متوافرون، أن يختاروا له ثلاثة أصوات من جميع الغناء، فأجمعوا على ثلاثة أصوات أنا أذكرها بعد هذا إن شاء اللّه.

قال إسحاق: فجرى هذا الحديث يوما وأنا عند أمير المؤمنين الواثق باللّه، فأمرني باختيار أصوات من الغناء القديم، فاخترت له من غناء أهل كل عصر ما اجتمع علماؤهم على براعته وإحكام صنعته، ونسبته إلى من شدا به، ثم نظرت إلى ما أحدث الناس بعد ممّن شاهدناه في عصرنا وقبيل ذلك، فاجتبيت منه ما كان مشبها لما تقدّم أو سالكا طريقه، فذكرته ولم أبخسه ما يجب له وإن كان قريب العهد؛ لأن الناس قد يتنازعون الصوت في كلّ حين وزمان، وإن كان السّبق للقدماء إلى كل إحسان.

وأخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني هارون بن الحسن بن سهل وأبو العبيس بن حمدون وابن دقاق وهو محمد بن أحمد بن يحيى المعروف بابن دقاق بهذا الخبر، فزعم: أن الرشيد أمر هؤلاء المغنّين أن يختاروا له مائة صوت فاختاروها، ثم أمرهم باختيار عشرة منها فاختاروها، ثم أمرهم أن يختاروا منها ثلاثة ففعلوا. وذكر نحو ما ذكره يحيى بن عليّ، ووافقه في صوت من الثلاثة الأصوات، وخالفه في صوتين. وذكر يحيى بن عليّ بإسناده المذكور أنّ منها لحن معبد في شعر أبي قطيفة وهو من خفيف الثّقيل الأوّل:

القصر فالنّخل فالجمّاء بينهماأشهى إلى القلب من أبواب جيرون
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة

ولحن ابن سريج في شعر عمر بن أبي ربيعة، ولحنه من الثّقيل الثاني:

تشكّى الكميت الجري لمّا جهدتهوبيّن لو يسطيع أن يتكلّما
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «تشكى الكميت الجري لما جهدته»

ولحن ابن محرز في شعر نصيب، وهو من الثّقيل الثاني أيضا:

أهاج هواك المنزل المتقادم؟نعم، وبه ممّن شجاك معالم
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «اهاج هواك المنزل المتقادم»

وذكر جحظة عمن روى عنه أن من الثلاثة الأصوات لحن ابن محرز في شعر المجنون، وهو من الثقيل الثاني:

إذا ما طواك الدهر يا أمّ مالكفشأن المنايا القاضيات وشانيا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تذكرت ليلى والسنين الخواليا»

ولحن إبراهيم الموصليّ في شعر العرجيّ، وهو من خفيف الثقيل الثاني:

إلى جيداء قد بعثوا رسولاليحزنها، فلا صحب الرسول

ولحن ابن محرز في شعر نصيب، وهو على ما ذكر هزج:

أهاج هواك المنزل المتقادم؟نعم، وبه ممن شجاك معالم
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «اهاج هواك المنزل المتقادم»

وحكى عن أصحابه أنّ هذه الثلاثة الأصوات على هذه الطرائق لا تبقى نغمة في الغناء إلّا وهي فيها.

أخبرني الحسن بن عليّ الأدميّ قال حدّثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد الورّاق قال حدّثني أبو توبة صالح بن محمد قال حدّثني محمد بن جبر المغنّي قال حدّثني إبراهيم بن المهديّ:

أهاج هواك المنزل المتقادم؟

قال: وفيه دور كثير، أي صنعة كثيرة. والذي ذكره أبو أحمد يحيى بن عليّ أصحّ عندي. ويدّل على ذلك تباين ما بين الأصوات التي ذكرها والأصوات الأخر في جودة الصنعة وإتقانها وإحكام مباديها ومقاطعها وما فيها من العمل، وأن الأخرى ليست مثلها ولا قريبة منها. وأخرى هي أن جحظة حكى عمن روى عنه أنّ فيها صوتا لإبراهيم الموصليّ، وهو أحد من كان اختار هذه الأصوات للرشيد، وكان معه في اختيارها إسماعيل بن جامع وفليح بن العوراء، وليس أحد منهما دونه إن لم يفقه، فكيف يمكن أن يقال: إنهما ساعدا إبراهيم على اختيار لحن من صنعته في ثلاثة أصوات اختيرت من سائر الأغاني وفضّلت عليها! ألم يكونا لو فعلا ذلك قد حكما لإبراهيم على أنفسهما بالتقدّم والحذق والرّياسة وليس هو كذلك عندهما؟

ولقد أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى المنجّم عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه: أنه أتى أباه إبراهيم بن ميمون يوما مسلّما، فقال له أبوه: يا بنيّ، ما أعلم أحدا بلغ من برّ ولده ما بلغته من برّك، وإني لأستقلّ ذلك لك، فهل من حاجة أصير فيها إلى محبّتك؟ قلت: قد كان - جعلت فداك - كلّ ما ذكرت فأطال اللّه لي بقاءك، ولكنّي أسألك واحدة: يموت هذا الشيخ غدا أو بعد غد ولم أسمعه، فيقول الناس لي ماذا وأنا أحلّ منك هذا المحلّ. قال لي: ومن هو؟ قلت: ابن جامع. قال: صدقت يا بنيّ، أسرجوا لنا. فجئنا ابن جامع، فدخل عليه أبي وأنا معه، فقال: يا أبا القاسم، قد جئتك في حاجة، فإن شئت فاشتمني، وإن شئت فاقذفني، غير أنه لا بدّ لك من قضائها. هذا عبدك وابن أخيك أسحاق قال لي كذا وكذا، فركبت معه أسألك أن تسعفه فيما سأل. فقال: نعم، على شريطة: تقيمان عندي أطعمكما مشوشة وقليّة وأسقيكما من نبيذي التّمريّ وأغنّيكما، فإن جاءنا رسول الخليفة مضينا إليه وإلّا أقمنا يومنا. فقال أبي: السمع والطاعة، وأمر بالدوابّ فردّت. فجاءنا ابن جامع بالمشوشة والقليّة ونبيذه التمريّ فأكلنا وشربنا، ثم اندفع فغنّانا، فنظرت إلى أبي يقلّ في عيني ويعظم ابن جامع حتى صار أبي في عيني كلا شيء. فلما طربنا غاية الطّرب جاء رسول الخليفة فركبا وركبت معهما. فلما كنا في بعض الطريق قال لي أبي: كيف رأيت ابن جامع يا بنيّ؟ قلت له: أو تعفيني جعلت فداك! قال: لست أعفيك فقل. فقلت له: رأيتك ولا شيء أكبر عندي منك قد صغرت عندي في الغناء معه حتى صرت كلا شيء. ثم مضيا إلى الرشيد، وانصرفت إلى منزلي؛ وذلك لأني لم أكن بعد وصلت إلى الرشيد. فلما أصبحت أرسل إليّ أبي فقال: يا بنيّ، هذا الشتاء قد هجم عليك وأنت تحتاج فيه إلى مؤنة، وإذا مال عظيم بين يديه، فاصرف هذا المال في حوائجك. فقمت فقبّلت يده ورأسه وأمرت بحمل المال واتّبعته، فصوّت بي: يا إسحاق ارجع، فرجعت. فقال لي: أتدري لم وهبت لك هذا المال؟ قلت: نعم، جعلت فداك! قال: لم؟ قلت: لصدقي فيك وفي ابن جامع. قال: صدقت يا بنيّ، امض راشدا. ولهما في هذا الجنس أخبار كثيرة تأتي في غير هذا الموضع متفرقة في أماكن تحسن فيها ولا يستغني بما ذكر ها هنا عنها. فإبراهيم يحلّ ابن جامع هذا المحلّ مع ما كان بينهما من المنافسة والمفاخرة ثم يقدم على أن يختار فيما هو معه فيه صوتا لنفسه يكون مقدّما على سائر الغناء، ويطابقه هو وفليح عليه! هذا خطأ لا يتخيّل. وعلى ما به فإنّا نذكر الصوتين اللذين رويناهما عن جحظة المخالفين لرواية يحيى بن عليّ، بعد ذكرنا ما رواه يحيى، ثم نتبعهما باقي الاختيار. فأوّل ذلك من رواية أبي الحسن عليّ بن يحيى.

الكلام على أحد هذه الأصوات الثلاثة صوت فيه لحنان

القصر فالنّخل فالجمّاء بينهماأشهى إلى القلب من أبواب جيرون
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
إلى البلاط فما حازت قرائنهدور نزحن عن الفحشاء والهون
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة
قد يكتم الناس أسرارا فأعلمهاولا ينالون حتى الموت مكنوني
للشاعر أبو قطيفة، اقرأ القصيدة

عروضه من أوّل البسيط. القصر الذي عناه ها هنا: قصر سعيد بن العاص بالعرصة. والنخل الذي عناه: نخل كان لسعيد هناك بين قصره وبين الجمّاء وهي أرض كانت له، فصار جميع ذلك لمعاوية بن أبي سفيان بعد وفاة سعيد، ابتاعه من ابنه عمر وباحتمال دينه عنه؛ ولذلك خبر يذكر بعد. وأبواب جيرون بدمشق. ويروى: «حاذت قرائنه» من المحاذاة. والقرائن: دور كانت لبني سعيد بن العاص متلاصقة؛ سمّيت بذلك لاقترانها. ونزحن: بعدن، والنازح: البعيد؛ يقال: نزح نزوحا. والهون: الهوان. قال الراجز:

لم يبتذل مثل كريم مكنونأبيض ماض كالسّنان المسنون
كان يوقّى نفسه من الهون

والمكنون: المستور الخفيّ، وهو مأخوذ من الكنّ. الشعر لأبي قطيفة المعيطيّ، والغناء لمعبد، وله فيه لحنان: أحدهما خفيف ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها من رواية إسحاق وهو اللحن المختار، والآخر ثقيل أوّل بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»