تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار ابن ميادة ونسبه

ديوان ابن ميادةفيه ٤٠٧ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

اسمه الرّمّاح بن أبرد بن ثوبان بن سراقة بن حرملة، هكذا قال الزبير بن بكّار في نسبه. وقال ابن الكلبيّ: ثوبان بن سراقة بن سلمى بن ظالم ويقال سراقة بن قيس بن سلمى بن ظالم بن جذيمة بن يربوع بن غيظ بن مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر.

وأمه ميّادة أم ولد بربريّة، وروي أنها كانت صقلبيّة. ويكنى أبا شرحبيل، وقيل بل يكنى أبا شراحيل.

وكان ابن ميّادة يزعم أن أمّه فارسيّة، وذكر ذلك في شعره فقال:

أنا ابن سلمى وجدّي ظالموأمّي حصان أخلصتها الأعاجم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
أليس غلام بين كسرى وظالمبأكرم من نيطت عليه التمائم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

أخبرني بذلك الحرميّ بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكّار قال حدثني أبو مسلمة مرهوب بن سيد وأخبرني الحرميّ قال حدثنا الزبير قال حدثني موسى بن زهير الفزاريّ قال أخبرني موسى بن سيّار بن نجيح المزنيّ قال: أنشدني ابن ميّادة أبياته التي يقول فيها:

أليس غلام بين كسرى وظالمبأكرم من نيطت عليه التمائم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

فقلت له: لقد أشحطت بدار العجوز وأبعدت بها النّجعة، فهلّا غرّبت (يريد أنها صقلبيّة ومحلها بناحية المغرب) فقال: إي بأبي أنت، إنه من جاع انتجع، فدعها تسر في الناس فإنه «من يسمع يخل». قال الزبير قال ابن مسلمة: ولمّا قال ابن ميّادة هذه الأبيات قال الحكم الخضريّ يردّ عليه: رد عليه الحكم الخضري فخره بأمه وهجاه

ومالك فيهم من أب ذي دسيعةولا ولدتك المحصنات الكرائم
وما أنت إلّا عبدهم إن تربهممن الدهر يوما تستربك المقاسم
رمى نهبل في فرج أمّك رميةبحوقاء تسقيها العروق الثّواجم

قال أبو مسلمة: ونهبل عبد لبني مرّة كانت ميّادة تزوّجته بعد سيّدها، وكانت صقلبيّة. وابن ميّادة شاعر فصيح مقدّم مخضرم من شعراء الدولتين. وجعله ابن سلّام في الطبقة السابعة، وقرن به عمر بن لجأ والعجيف العقيلي والعجير السّلوليّ.

أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدثنا الحسن بن الحسين السّكّري قال حدّثنا محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ قال: كان ابن ميّادة عرّيضا للشرّ، طالبا مهاجاة الشعراء ومسابّة الناس. وكان يضرب بيده على جنب أمه ويقول:

اعرنزمي ميّاد للقوافي

أي إني سأهجو الناس فيهجونك.

وأخبرنا يحيى بن عليّ عن أبي هفّان بهذه الحكاية مثله، وزاد فيها:

اعرنزمي ميّاد للقوافيواستسمعيهنّ ولا تخافي
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا داود بن علّفة الأسديّ قال: جاورت امرأة من الخضر: (رهط الحكم الخضريّ) أبيات ابن ميّادة، فجاءت ذات يوم تطلب رحى وثفالا لتطحن، فأعاروها إيّاهما فقال لها ابن ميّادة: يا أخت الخضر، أتروين شيئا مما قاله الحكم الخضريّ لنا، يريد بذلك أن تسمع أمّه، فجعلت تأبى، فلم يزل حتى أنشدته:

أميّاد قد أفسدت سيف ابن ظالمببظرك حتى عاد أثلم باليا

قال: وميّادة جالسة تسمع. فضحك الرّماح، وثارت ميّادة إليها بالعمود تضربها به وتقول: أي زانية! هيا زانية! أإيّاي تعنين! وقام ابن ميّادة يخلّصها، فبعد لأي مّا أنقذها، وقد انتزعت منها الرّحى والثّفال.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني أبو حرملة منظور بن أبي عديّ الفزاريّ قال حدّثني شماطيط - وهو الذي يقول:

أنا شماطيط الذي حدّثت بهمتى أنبّه للغداء أنتبه
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
حتى يقال شره ولست به

- قال: كنت جالسا مع ابن ميّادة فوردت عليه أبيات للحكم الخضريّ يقول فيها:

أأنت ابن أشبانيّة أدلجت بهإلى اللؤم مقلات لئيم جنينها

- أشبانية: صقلبيّة - قال: وأمه ميّادة تسمع فضرب جنبها وقال:

اعرنزمي ميّاد للقوافي

فقالت: هذه جنايتك يابن من خبث وشرّ، وأهوت إلى عصا تريد ضربه بها؛ ففرّ منها وهو يقول:

يا صدقها ولم تكن صدوقا

فصحت به: أيّهما المعنيّ؟ فقال: أضرعهما خدّين وألأمهما جدّين؛ فضربت جنبها الآخر وقلت: فهي إذا ميّادة، وخرجت أعدو في أثر الرّمّاح، وتبعتنا ترمينا بالحجارة وتفتري علينا حتى فتناها.

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني أبو داود الفزاريّ: أنّ ميّادة كانت أمة لرجل من كلب زوجة لعبد له يقال له نهبل، فاشتراها بنو ثوبان بن سراقة فأقبلوا بها من الشأم، فلما قدموا وصبّحوا بها المليحة (وهي ماءة لبني سلمى ورحل بن ظالم بن جذيمة) نظر رجل من بني سلمى إليها وهي ناعسة تمايل على بعيرها، فقال: ما هذه؟ قالوا: اشتراها بنو ثوبان؛ فقال: وأبيكم إنّها لميادة تميد وتميل على بعيرها، فغلب عليها «ميّادة». وكان أبرد ضلّة من الضلل ورثّة من الرّثث جلفا لا تخلص إحدى يديه من الأخرى، يرعى على إخوته وأهله، وكانت إخوته كلهم ظرفاء غيره. فأرسلوا ميّادة ترعى الإبل معه فوقع عليها، فلم يشعروا بها إلّا قد أقعسها بطنها، فقالوا لها: لمن ما في بطنك؟ قالت: لأبرد، وسألوه فجعل يسكت ولا يجيبهم، حتّى رمت بالرّمّاح فرأوا غلاما فدغما نجيبا، فأقرّ به أبرد. وقالت بنو سلمى: ويلكم يا بني ثوبان! ابتطنوه فلعله ينجب؛ فقالوا: واللّه ما له غير ميّادة، فبنوا لها بيتا وأقعدوها فيه، فجاءت بعد الرمّاح بثوبان وخليل وبشير بني أبرد، وكانت أوّل نسائه وآخرهنّ، وكانت امرأة صدق، ما رميت بشيء ولا سبّت إلا بنهبل. قال عبد الرحمن بن جهيم الأسديّ في هجائه ابن ميّادة:

لعمري لئن شابت حليلة نهبللبئس شباب المرء كان شبابها
ولم تدر حمراء العجان انهبلأبوه أم المرّيّ تبّ تبابها

قال أبو داود: وكان ابن ميّادة هجا بني مازن وفزارة بن ذبيان، وذلك أنهم ظلموا بني الصارد - والصارد من مرّة - فأخذوا مالهم وغلبوهم عليه حتّى الساعة؛ فقال ابن ميّادة:

فلأوردنّ على جماعة مازنخيلا مقلّصة الحصى ورجالا
ظلّوا بذي أرك كأنّ رءوسهمشجر تخطّاه الربيع فحالا

فقال رجل من بني مازن يردّ عليه:

يا بن الخبيثة يابن طلّة نهبلهلّا جمعت كما زعمت رجالا
أببظر ميدة أم بخصيي نهبلأم بالفساة تنازل الأبطالا
ولئن وردت على جماعة مازنتبغي القتال لتلقينّ قتالا

قال: وبنو مرّة يسمّون الفساة لكثرة امتيارهم التمر، وكانت منازلهم بين فدك وخيبر فلقبوا بذلك لأكلهم التمر. وقال يحيى بن عليّ في خبره - ولم يذكره عن أحد -: وقال ابن ميّادة يفتخر بأمّه:

أنا ابن ميّادة تهوي نجبيصلت الجبين حسن مركّبي
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ترفعني أمي وينميني أبيفوق السحاب ودوين الكوكب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال يحيى بن عليّ في خبره عن حمّاد عن أبيه عن أبي داود الفزاريّ: إنّ ابن ميّادة قال يفخر بنسب أبيه في العرب ونسب أمّه في العجم:

أليس غلام بين كسرى وظالمبأكرم من نيطت عليه التمائم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
لو انّ جميع الناس كانوا بتعلةوجئت بجدّي ظالم وابن ظالم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
لظلّت رقاب الناس خاضعة لناسجودا على أقدامنا بالجماجم

فأخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة قال: كان ابن ميّادة واقفا في الموسم ينشد:

لو انّ جميع الناس كانوا بتلعة

وذكر تمام البيت والذي بعده. قال: والفرزدق واقف عليه في جماعة وهو متلثّم، فلما سمع هذين البيتين أقبل عليه ثم قال: أنت يابن أبرد صاحب هذه الصفة! كذبت واللّه وكذب من سمع ذلك منك فلم يكذّبك؛ فأقبل عليه فقال: فمه يا أبا فراس؛ فقال: أنا واللّه أولى بهما منك، ثم أقبل على راويته فقال: اضممهما إليك:

لو انّ جميع الناس كانوا بتلعةوجئت بجدّي دارم وابن دارم
لظلّت رقاب الناس خاضعة لناسجودا على أقدامنا بالجماجم

قال: فأطرق ابن ميّادة فما أجابه بحرف، ومضى الفرزدق فانتحلهما.

أمّ بني ثوبان - وهو أبرد أبو ابن ميّادة والعوثبان وقريض وناعضة، وكان العوثبان وقريض شاعرين - أمّهم جميعا سلمى بنت كعب بن زهير بن أبي سلمى.

ويقال: إن الشعر أتى ابن ميادة عن أعمامه من قبل جدّهم زهير. قال إسحاق في خبره هذا: وحدّثني حميد بن الحارث أن عقبة بن كعب بن زهير نزل المليحة على بني سلمى بن ظالم فأكلوا له بعيرا، وبلغ ابن ميّادة أن عقبة قال في ذلك شعرا، فقال ابن ميّادة يردّ عليه:

ولقد حلفت بربّ مكة صادقالو لا قرابة نسوة بالحاجر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
لكسوت عقبة كسوة مشهورةترد المناهل من كلام عائر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وهي قصيدة؛ فقال له عقبة:

ألوما أنني أصبحت خالاوذكر الخال ينقص أو يزيد
للشاعر عقبة المضرب، اقرأ القصيدة
لقد قلّدت من سلمى رجالاعليهم مسحة وهم العبيد
للشاعر عقبة المضرب، اقرأ القصيدة

فقال ابن ميّادة:

أن تك خالنا فقبحت خالافأنت الخال تنقص لا تزيد
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فيوما في مزينة أنت حرّويوما أنت محتدك العبيد
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
أحقّ الناس أن يلقى هواناويؤكل ماله العبد الطّريد
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال إسحاق فحدّثني عجرمة قال: كان ابن ميّادة أحمر سبطا عظيم الخلق طويل اللّحية، وكان لبّاسا عطرا، ما دنوت من رجل كان أطيب عرفا منه.

قال إسحاق: وحدّثني أبو داود قال: سمعت شيخا عالما من غطفان يقول: كان الرّمّاح أشعر غطفان في الجاهلية والإسلام، وكان خيرا لقومه من النابغة، لم يمدح غير قريش وقيس، وكان النابغة إنما يهذي باليمن مضلّلا حتى مات.

قال إسحاق: وحدّثني أبو داود أن بني ذبيان تزعم أن الرّمّاح بن ميّادة كان آخر الشعراء. قال إسحاق: وحدّثني أبو صالح الفزاريّ أن القاسم بن جندب الفزاريّ، وكان عالما، قال لابن ميّادة: واللّه لو أصلحت شعرك لذكرت به، فإنّي لأراه كثير السّقط؛ فقال له ابن ميادة: يابن جندب، إنما الشعر كنبل في جفيرك ترمى به الغرض، فطالع وواقع وعاصد وقاصد.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال: كان ابن ميّادة حديث العهد لم يدرك زمان قتيبة بن مسلم، ولا دخل فيمن عناه حين قال: «أشعر قيس الملقّبون من بني عامر والمنسوبون إلى أمهاتهم من غطفان»، ولكنه شاعر مجيد كان في أيام هشام بن عبد الملك وبقي إلى زمن المنصور.

أخبرنا يحيى بن عليّ قال: كان ابن ميّادة فصيحا يحتجّ بشعره، وقد مدح بني أمية وبني هاشم: مدح من بني أمية الوليد بن يزيد وعبد الواحد بن سليمان، ومدح من بني هاشم المنصور وجعفر بن سليمان.

وأخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا الرّياشيّ عن الأصمعيّ قال أخبرني طمّاح ابن أخي الرّمّاح ابن ميّادة قال: قال لي عمّي الرّمّاح: ما علمت أنّي شاعر حتى واطأت الحطيئة، فإنه قال:

عفا مسحلان من سليمى فحامرهتمشّى به ظلمانه وجآذره
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «عفا مسحلان من سليمى فحامره»

فو اللّه ما سمعته ولا رويته فواطأته بطبعي فقلت:

فذو العشّ والممدور أصبح قاوياتمشّى به ظلمانه وجآذره
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

فلما أنشدتها قيل لي: قد قال الحطيئة:

تمشّى به ظلمانه وجآذره

فعلمت أني شاعر حينئذ.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني موسى بن زهير بن مضرّس قال: كان الرّمّاح بن أبرد المعروف بابن ميّادة ينسب بأمّ جحدر بنت حسّان المرّيّة إحدى نساء بني جذيمة، فحلف أبوها ليخرجنّها إلى رجل من غير عشيرته ولا يزوّجها بنجد؛ فقدم عليه رجل من الشام فزوّجه إياها؛ فلقي عليها ابن ميّادة شدّة، فرأيته وما لقي عليها، فأتاها نساؤها ينظرن إليها عند خروج الشاميّ بها. قال: فو اللّه ما ذكرن منها جمالا بارعا ولا حسنا مشهورا، ولكنّها كانت أكسب الناس لعجب. فلمّا خرج بها زوجها إلى بلاده اندفع ابن ميّادة يقول:

ألا ليت شعري هل إلى أمّ جحدرسبيل فأما الصبر عنها فلا صبرا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «خليلي من غيظ بن مرة بلغا»
إذا نزلت بصرى تراخى مزارهاوأغلق بوّابان من دونها قصرا
فهل تأتينّي الريح تدرج موهنابريّاك تعروري بها جرعا عفرا

قال الزبير: وزادني عمّي مصعب فيها:

فلو كان نذر مدنيا أمّ جحدرإليّ لقد أوجبت في عنقي نذرا
ألا لا تلطّي السّتر يا أمّ جحدركفى بذرا الأعلام من دوننا سترا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
لعمري لئن أمسيت يا أمّ جحدرنأيت لقد أبليت في طلب عذرا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فبهرا لقومي إذ يبيعون مهجتيبغانية بهرا لهم بعدها بهرا

قال الزبير: بهرا ها هنا: يدعو عليهم أن ينزل بهم من الأمور ما يبهرهم، كما تقول: جدعا وعقرا. وفي أوّل هذه القصيدة - على ما رواه يحيى بن عليّ عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن حميد بن الحارث - يقول:

ألا لا تعدلي لوعة مثل لوعتيعليك بأدمى والهوى يرجع الذّكرا
عشيّة ألوي بالرّداء على الحشاكأنّ ردائي مشعل دونه جمرا

قال حميد بن الحارث: وأمّ جحدر امرأة من بني رحل بن ظالم بن جذيمة بن يربوع بن غيظ بن مرّة.

أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه وأخبرني الحرميّ بن أبي العلاء عن الزبير عن موهوب بن رشيد عن جبر بن رباط النّعاميّ: أن أمّ جحدر كانت امرأة من بني مرّة ثم من بني رحل، وأنّ أباها بلغه مصير ابن ميّادة إليها، فحلف ليزوّجنّها رجلا من غير ذلك البلد، فزوّجها رجلا من أهل الشام فاهتداها وخرج بها إلى الشام، فتبعها ابن ميّادة، حتى أدركه أهل بيته فردّوه مصمتا لا يتكلم من الوجد بها؛ فقال قصيدة أوّلها:

خليليّ من أبناء عذرة بلّغارسائل منّا لا تزيدكما وقرا
ألمّا على تيماء نسأل يهودهافإنّ لدى تيماء من ركبها خبرا
وبالغمر قد جازت وجاز مطيّهاعليه فسل عن ذاك نيّان فالغمرا
ويا ليت شعري هل يحلّنّ أهلهاوأهلك روضات ببطن اللّوى خضرا

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني أبو سعيد (يعني عبد اللّه بن شبيب) قال حدّثني أبو العالية الحسن بن مالك وأخبرني به الأخفش عن ثعلب عن عبد اللّه بن شبيب عن أبي العالية الحسن بن مالك الرّياحيّ العذريّ قال حدّثني عمر بن وهب العبسيّ قال حدّثني زياد بن عثمان الغطفانيّ من بني عبد اللّه بن غطفان قال: كنّا بباب بعض ولاة المدينة فغرضنا من طول الثّواء، فإذا أعرابيّ يقول: يا معشر العرب، أما منكم رجل يأتيني أعلّله إذ غرضنا من هذا المكان فأخبره عن أمّ جحدر وعنّي؟ فجئت إليه فقلت: من أنت؟ فقال: أنا الرّمّاح بن أبرد، قلت: فأخبرني ببدء أمركما؛ قال: كانت أمّ جحدر من عشيرتي فأعجبتني، وكانت بيني وبينها خلّة، ثم إني عتبت عليها في شيء بلغني عنها، فأتيتها فقلت: يا أمّ جحدر إنّ الوصل عليك مردود؛ فقالت: ما قضى اللّه فهو خير.

فلبثت على تلك الحال سنة، وذهبت بهم نجعة فتباعدوا، واشتقت إليها شوقا شديدا، فقلت لأمرأة أخ لي: واللّه لئن دنت دارنا من أمّ جحدر لآتينّها ولا طلبنّ إليها أن تردّ الوصل بيني وبينها، ولئن ردّته لا نقضته أبدا، ولم يكن يومان حتى رجعوا، فلمّا أصبحت غدوت عليهم فإذا أنا ببيتين نازلين إلى سند أبرق طويل، وإذا امرأتان جالستان في كساء واحد بين البيتين، فجئت فسلّمت، فردّت إحداهما ولم تردّ الأخرى، فقالت: ما جاء بك يا رمّاح إلينا؟ ما كنّا حسبنا إلّا أنه قد انقطع ما بيننا وبينك؛ فقلت: إني جعلت عليّ نذرا لئن دنت بأمّ جحدر دار لآتينّها ولأطلبنّ منها أن تردّ الوصل بيني وبينها، ولئن هي فعلت لا نقضته أبدا، وإذا التي تكلّمني امرأة أخيها وإذا الساكتة أمّ جحدر؛ فقالت امرأة أخيها: فادخل مقدّم البيت فدخلت، وجاءت فدخلت من مؤخّره فدنت قليلا، ثم إذا هي قد برزت، فساعة برزت جاء غراب فنعب على رأس الأبرق فنظرت إليه وشهقت وتغيّر وجهها؛ فقلت: ما شأنك؟

قالت: لا شيء، قلت: باللّه إلّا أخبرتني؛ قالت: أرى هذا الغراب يخبرني أنّا لا نجتمع بعد هذا اليوم إلّا ببلد غير هذا البلد، فتقبضّت نفسي، ثم قلت: جارية واللّه ما هي في بيت عيافة ولا قيافة، فأقمت عندها، ثم تروّحت إلى أهلي فمكنت عندهم يومين، ثم أصبحت غاديا إليها، فقالت لي امرأة أخيها: ويحك يا رمّاح! أين تذهب؟ فقلت: إليكم؛ فقالت: وماتريد؟ قد واللّه زوّجت أمّ جحدر البارحة، فقلت: بمن ويحك؟ قالت: برجل من أهل الشأم من أهل بيتها، جاءهم من الشام فخطبها فزوّجها وقد حملت إليه، فمضيت إليهم فإذا هو قد ضرب سرادقات، فجلست إليه فأنشدته وحدّثته وعدت إليه أياما، ثم إنه احتملها فذهب بها فقلت:

أجارتنا إنّ الخطوب تنوبعلينا وبعض الآمنين تصيب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
أجارتنا لست الغداة ببارحولكن مقيم ما أقام عسيب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فإن تسأليني هل صبرت فإننيصبور على ريب الزمان صليب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال عليّ بن الحسين: هذه الأبيات الثلاثة أغار عليها ابن ميّادة فأخذها بأعيانها، أما البيتان الأوّلان فهما لامرىء القيس قالهما لمّا احتضر بأنقرة في بيت واحد وهو:

أجارتنا إن الخطوب تنوبوإنّي مقيم ما أقام عسيب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أجارتنا ان الخطوب تنوب»

والبيت الثالث لشاعر من شعراء الجاهلية، وتمثل به أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام في رسالة كتب بها إلى أخيه عقيل بن أبي طالب، فنقله ابن ميّادة نقلا. ونرجع إلى باقي شعر ابن ميّادة:

جرى بانبتات الحبل من أمّ جحدرظباء وطير بالفراق نعوب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
نظرت فلم أعتف وعافت فبيّنتلها الطير قبلي واللبيب لبيب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فقالت حرام أن نرى بعد هذهجميعين إلا أن يلمّ غريب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
أجارتنا صبرا فيا ربّ هالكتقطّع من وجد عليه قلوب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال: ثم انحدرت في طلبها، وطمعت في كلمتها: «إلّا أن نجتمع في بلد غير هذا البلد». قال: فجئت فدرت الشأم زمانا فتلقّاني زوجها فقال: مالك لا تغسل ثيابك هذه! أرسل بها إلى الدار تغسل، فأرسلت بها؛ ثم إنّي وقفت أنتظر خروج الجارية بالثياب، فقالت أمّ جحدر لجاريتها: إذا جاء فأعلميني؛ فلما جئت إذا أمّ جحدر وراء الباب فقالت: ويحك يا رمّاح! قد كنت أحسب أن لك عقلا! أما ترى أمرا قد حيل دونه وطابت أنفسنا عنه؟ انصرف إلى عشيرتك فإنّي أستحيى لك من هذا المقام؛ فانصرفت وأنا أقول:

صوت

عسى إن حججنا أن نرى أمّ جحدرويجمعنا من نخلتين طريق
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وتصطكّ أعضاد المطيّ وبينناحديث مسرّ دون كلّ رفيق
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

في هذين البيتين لحن من الثقيل الثاني ذكر الهشاميّ أنه للحجبيّ.

شعره فيها

وقال حين خرج إلى الشام - هذه رواية ابن شبيب -:

ألا حيّيا رسما بذي العشّ مقفراوربعا بذي الممدور مستعجما قفرا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فأعجب دار دارها غير أننيإذا ما أتيت الدار ترجعني صفرا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
عشية أثني بالرّداء على الحشىكأنّ الحشى من دونه أسعرت جمرا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
يميل بنا شحط النّوى ثم نلتقيعداد الثّريّا صادفت ليلة بدرا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وبالغمر قد جازت وجاز مطيّهافأسقى الغوادي بطن نيّان فالغمرا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
خليليّ من غيظ بن مرّة بلّغارسائل منّي لا تزيد كما وقرا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ألا ليت شعري هل إلى أمّ جحدرسبيل، فأما الصبر عنها فلا صبرا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «خليلي من غيظ بن مرة بلغا»
فإن يك نذر راجعا أمّ جحدرعليّ لقد أوذمت في عنقي نذرا
وإني لاستنشي الحديث من اجلهالأسمع منها وهي نازحة ذكرا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وإني لأستحيى من اللّه أن أرىإذا غدر الخلّان أنوي لها غدرا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حمّاد عن أبيه قال أنشدني أبو داود لابن ميّادة وهو يضحك منذ أنشدني إلى أن سكت:

ألم تر أن الصارديّة جاورتليالي بالممدور غير كثير
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ثلاثا فلمّا أن أصابت فؤادهبسهمين من كحل دعت بهجير
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
بأصهب يرمي للزّمام برأسهكأنّ على ذفراه نضخ عبير
جلت إذ جلت عن أهل نجد حميدةجلاء غنى لا جلاء فقير
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وقالت وما زادت على أن تبسمتعذيرك من ذي شيبة وعذيري
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
عدمت الهوى ما يبرح الدهر مقصدالقلبي بسهم في اليدين طرير
وقد كان قلبي مات للوجد موتةفقد همّ قلبي بعدها بنشور

قال: فقلت: ما أضحكك؟ فقال: كذب ابن ميّادة، واللّه ما جلت إلّا على حمار وهو يذكر بعيرا ويصفه وأنها جلت جلاء غنى لا جلاء فقير، فأنطقه الشيطان بهذا كلّه كما سمعت.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني موسى بن زهير قال: مكثت أمّ جحدر عند زوجها زمانا ثم مات زوجها عنها ومات ولدها منه، فقدمت نجدا على إخوتها وقد مات أبوها.

أخبرني سيّار بن نجيح المزنيّ قال: لقيت ابن ميّادة وهو يبكي فقلت له: ويحك! مالك؟ قال: أخرجتني أمّ جحدر وآلت يمينا ألّا تكلّمني، فانطلق فاشفع لي عندها؛ فخرجت حتى غشيت رواق بيتها فوجدتها وهي تدمك جريرا لها بين الصّلاية والمدقّ تريد أن تخطم به بعيرا تحجّ عليه؛ فقالت: إن كنت جئت شفيعا لابن ميّادة فبيتي حرام عليك أن تلقي فيه قدمك. قال: فحجّت، ولا واللّه ما كلّمته ولا رآها ولا رأته. قال موسى قال سيّار: فقلت له: اذكر لي يوما ما رأيته منها؛ فقال لي: أما واللّه لأخبرنّك يا سيّار بذلك: بعثت إليها عجوزا منهم فقلت: هل ترين من رجال؟ فقالت: لا واللّه، ما رأيت من رجل؛ فألقيت رحلي على ناقتي ثم أرسلتها حتى أنختها بين أطناب بيتهم؛ ثم جعلت أقيّد الناقة، فما كان الإ ذاك حتى دخلت وقد ألقت لي فراشا مرقوما مطموما، وطرحت لي وسادتين على عجز الفراش وأخريين على مقدّمه؛ قال: ثم تحدّثنا ساعة وكأنما تلعقني بحديثها الرّبّ من حلاوته، ثم إذا هي تصبّ في عسّ مخضوب بالحنّاء والزعفران من ألبان اللّقاح، فأخذت منها ذلك العسّ وكأنه قناة فراوحته بين يديّ، ما ألقمته فمي ولا دريت أنه معي حتى قالت لي عجوز: ألا تصلّي يابن ميادة لا صلّى اللّه عليك فقد أظلّك صدر النهار! ولا أحسب إلا أنّني في أوّل البكرة؛ قال: فكان ذلك اليوم آخر يوم كلّمتها فيه حتّى زوّجها أبوها، وهو أظرف ما كان بيني وبينها.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني حكم بن طلحة الفزاريّ ثم المنظوريّ قال: قال ابن ميّادة: إنّي لأعلم أقصر يوم مرّ بي من الدهر، قيل له: وأيّ يوم هو يا أبا الشّرحبيل؟ قال: يوم جئت فيه أمّ جحدر باكرا فجلست بفناء بيتها فدعت لي بعسّ من لبن فأتيت به وهي تحدّثني، فوضعته على يدي وكرهت أن أقطع حديثها إن شربت، فما زال القدح على راحتي وأنا أنظر إليها حتى فاتتني صلاة الظهر وما شربت.

قال الزبير: وحدّثني أبو مسلمة موهوب بن رشيد بمثل هذا، وزاد في خبره: وقال ابن ميّادة فيها أيضا:

ألم تر أن الصارديّة جاورتليالي بالممدور غير كثير
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ثلاثا فلما أن أصابت فؤادهبسهمين من كحل دعت بهجير
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
بأحمر ذيّال العسيب مفرّجكأنّ على ذفراه نضخ عبير
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
حلفت بربّ الراقصات إلى منىزفيف القطا يقطعن بطن هبير
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
لقد كان حبّ الصارديّة بعد ماعلا في سواد الرأس نبذ قتير
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
يكون سفاها أو يكون ضمانةعلى ما مضى من نعمة وعصور
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
عدمت الهوى لا يبرح الدهر مقصدالقلبي بسهم في الفؤاد طرير
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وقد كان قلبي مات للحبّ موتةفقد همّ قلبي بعدها بنشور
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
جلت إذ جلت عن أهل نجد حميدةجلاء غنّى لا جلاء فقير
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

ومما يغنّى فيه من أشعار ابن ميّادة في النّسيب بأمّ جحدر قوله:

صوت

ألا يا لقومي للهوى والتذكّروعين قذى إنسانها أمّ جحدر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فلم تر عيني مثل قلبي لم يطرولا كضلوع فوقه لم تكسّر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

الغناء لإسحاق ثقيل أوّل بالوسطى.

أخبرنا الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثنا حكيم بن طلحة الفزاري عن رجل من كلب قال: جنيت جناية فغرمت فيها، فنهضت إلى أخوالي بني مرّة فاستعنتهم فأعانوني، فأتيت سيّار بن نجيح أحد بني سلمى بن ظالم فأعانني، ثم قال: انهض بنا إلى الرمّاح بن أبرد - يعني ابن ميّادة - حتى يعينك، فدفعنا إلى بيتين له، فسألنا عنه فقيل: ذهب أمس؛ فقال سيّار: ذهب إلى أمة لبني سهيل، فخرجنا في طلبه فوقعنا عليه في قرارة بيضاء بين حرّتين، وفي القرارة غنم من الضأن سود وبيض، وإذا حمار مقيّد مع الغنم وإذا به معها، فجلسنا فإذا شابّة حلوة صفراء في درّاعة مورّسة، فسلّمنا وجلسنا؛ فقال: أنشديهم مما قلت فيك شيئا؛ فأنشدتنا:

يمنّونني منك اللقاء وإننيلأعلم لا ألقاك من دون قابل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
إلى ذاك ما حارت أمورك وانجلتغياية حبّيك انجلاء المخايل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
إذا حلّ أهلي بالجناب وأهلهابحيث التقى الغلّان من ذي أرائل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
أقل خلّة بانت وأدبر وصلهاتقطّع منها باقيات الحبائل
وحالت شهور الصيف بين وبينهاورفع الأعادي كلّ حقّ وباطل
أقول لعذّاليّ لما تقابلاعليّ بلوم مثل طعن المعابل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
لا تكثرا عنها السؤال فإنهامصلصلة من بعض تلك الصّلاصل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
من الصّفر لا ورهاء سمج دلالهاوليست من السّود القصار الحوائل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ولكنّها ريحانة طاب نشرهاوردت عليها بالضّحى والأصائل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

ثم قال لها: قومي فاطرحي عنك درّاعتك، فقالت: لا حتى يقول لي سيّار بن نجيح ذلك، فأبى سيّار؛ فقال له ابن ميادة: لئن لم تفعل لافضيت حاجتكما، فقال لها فقامت فطرحتها، فما رأيت أحلى منها. فقال له سيّار: فمالك يا أبا الشّرحبيل لا تشتريها؟ فقال: إذا يفسد حبّها.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثتني مغيرة بنت أبي عديّ بن عبد الجبّار بن منظور بن زبّان ابن سيّار الفزازيّة قالت أخبرني أبي قال: جمعني وابن ميّادة وصخر بن الجعد الخضريّ، مجلس، فأنشدنا ابن ميّادة قوله:

يمنّونني منك اللقاء وإننيلأعلم لا ألقاك من دون قابل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

فأقبل عليه صخر فقال له: المحبّ المكبّ يرجو الفائت ويغمّ الطير، وأراك حسن العزاء يا أبا الشّرحبيل؛ فأعرض عنه ابن ميّادة. قال أبو عديّ فقلت:

صادف درء السّيل سيلا يردعهبهضبة تردّه وتدفعه

- ويروي: درء السيل سيل - فقال لي: يا أبا عديّ، واللّه لا أتلطّخ بالخضر مرّتين وقد قال أخو عذرة:

هو العبد أقصى همّه أن تسبّهوكان سباب الحرّ أقصى مدى العبد

قال الزبير: قوله يغمّ الطير يقول: إذا رأى طيرا لم يزجرها مخافة أن يقع ما يكره.

قال: فلم يحر إليه صخر بن الجعد جوابا. يعني بقوله: «لا أتلطّخ بالخضر مرّتين» مهاجاته الحكم الخضريّ، وكانا تهاجيا زمانا ثم كفّ ابن ميّادة وسأله الصلح فصالحه الحكم.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدثني أبو مسلمة موهوب بن رشيد عن عبد الرحمن بن الأحول التغلبيّ ثم الخولانيّ قال: كان أوّل ما بدأ الهجاء بين ابن ميّادة وحكم بن معمر الخضريّ أن ابن ميّادة مرّ بالحكم بن معمر وهو ينشد في مصلّى النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلّم في جماعة من الناس قوله:

لمن الديار كأنّها لم تعمربين الكناس وبين برق محجّر

حتى انتهى إلى قوله:

يا صاحبيّ ألم تشيما بارقانضح الصّراد به فهضب المنحر
قد بتّ أرقبه وبات مصعّدانهض المقيّد في الدّهاس الموقر

فقال له ابن ميّادة: ارفع إليّ رأسك أيها المنشد، فرفع حكم إليه رأسه؛ فقال له: من أنت؟ قال: أنا حكم بن معمر الخضريّ؛ قال: فو اللّه ما أنت في بيت حسب، ولا في أرومة شعر؛ فقال له حكم: وماذا عبت من شعري؟ قال: عبت أنك أدهست وأوقرت؛ قال له حكم: ومن أنت؟ قال أنا ابن ميّادة؛ قال: ويحك! فلم رغبت عن أبيك وانتسبت إلى أمك؟ قبّح اللّه والدين خيرهما ميّادة، أما واللّه لو وجدت في أبيك خيرا ما انتسبت إلى أمك راعية الضأن. وأما إدهاسي وإيقاري فإني لم آت خيبر إلّا ممتارا لا متحاملا، وما عدوت أن حكيت حالك وحال قومك، فلو كنت سكتّ عن هذا لكان خيرا لك وأبقى عليك. فلم يفترقا إلا عن هجاء.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا عبد اللّه بن إبراهيم الجمحيّ قال حدّثني عمير بن ضمرة الخضريّ قال: أوّل ما هاج الهجاء بين ابن ميّادة وبين حكم بن معمر بن قنبر بن جحاش بن سلمة بن ثعلبة بن مالك بن طريف بن محارب - قال: والخضر ولد مالك بن طريف، سمّوا بذلك لأن مالكا كان شديد الأدمة، وكذلك خرج ولده فسمّوا الخضر - أن حكما نزل بسمير بن سلمة بن عوسجة بن أنس بن يزيد بن معاوية بن ساعدة بن عمرو وهو خصيلة بن مرّة. فأقبل ابن ميّادة إلى حكم ليعرض عليه شعره وليسمع من شعره، وكان حكم أسنّهما، فأنشدا جميعا جماعة القوم، ثم قال ابن ميّادة: واللّه لقد أعجبني بيتان قلتهما يا حكم؛ قال: أو ما أعجبك من شعري إلا بيتان! فقال: واللّه لقد أعجباني، يردّد ذلك مرارا لا يزيده عليه؛ فقال له حكم: فأيّ بيتين هما؟ قال: حين تساهم بين ثوبيها وتقول:

فو اللّه ما أدري أزيدت ملاحةوحسنا على النّسوان أم ليس لي عقل
تساهم ثوباها ففي الدّرع غادةوفي المرط لفّاوان ردفهما عبل

فقال له حكم: أو ما أعجبك غير هذين البيتين؟ فقال له ابن ميّادة: قد أعجباني، فقال: أو ما في شعري ما أعجبك غيرهما؟ فقال: لقد أعجباني؛ فقال له حكم: فإنّي سوف أعيب عليك قولك:

ولا برح الممدور ريّان مخصباوجيد أعالي شعبه وأسافله

فاستسقيت لأعلاه وأسفله وتركت وسطه وهو خير موضع فيه؛ فقال: وأيّ شيء تريد! تركته لا يزال ريّان مخصبا. وتهاترا فغضب حكم فارتحل ناقته وهدر ثم قال:

فإنّه يوم قريض ورجز

فقال رجل من بني مرّة لابن ميّادة: اهدركما هدر يا رمّاح، فقال: إنّما يغطّ البكر. ثم قال الرّمّاح:

فإنّه يوم قريض ورجزمن كان منكم ناكزا فقد نكر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وبيّن الطّرف النّجيب فبرز

قال الزّبير: يريد بقوله ناكزا: غائضا قد نزف. قال الزّبير: وسمعت رجلا من أهل البادية ينزع على أبل له كثيرة من قليب ويرتجز:

قد نكزت أن لم تكن خسيفاأو يكن البحر لها حليفا

قال الزّبير قال الجمحيّ قال عمير بن ضمرة: فهذا أوّل ما هاج التهاجي بينهما. قال الزّبير قال الجمحيّ: وحدّثني عبد الرحمن بن ضبعان المحاربيّ قال: كان ابن ميّادة وحكم الخضريّ وعملّس بن عقيل بن علّفة متجاورين متحالّين، وكانوا جميعا يتحدّثون إلى أمّ جحدر بنت حسّان المرّيّة، وكانت أمّها مولاة، ففضّلت ابن ميّادة على الحكم وعملّس فغضبا. وكان ابن ميّادة قال في أم حجدر:

ألا ليت شعري هل إلى أمّ جحدرسبيل فأمّا الصّبر عنها فلا صبرا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «خليلي من غيظ بن مرة بلغا»
ويا ليت شعري هل يحلّنّ أهلهاوأهلك روضات ببطن اللّوى خضرا

وقال فيها أيضا:

إذا ركدت شمس النهار ووضّعتطنافسها ولّينها الأعين الخزرا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

الأبيات؛ فقال عملّس بن عقيل وحكم الخضريّ يهجوانها - وهي تنسب إلى حكم -:

لا عوفيت في قبرها أمّ جحدرولا لقيت إلّا الكلاليب والجمرا
كما حادثت عبدا لئيما وخلتهمن الزاد إلّا حشو ريطاته صفرا
فيا ليت شعري هل رأت أمّ جحدرأكشّك أو ذاقت مغابنك القشرا
وهل أبصرت أرساغ أبرد أو رأتقفا أمّ رمّاح إذا ما استقت دفرا
وبالغمر قد صرّت لقاحا وحادثتعبيدا فسل عن ذاك نيّان فالغمرا

وقال عملّس بن عقيل بن علّفة ويقال: بل قالها علّفة بن عقيل:

فلا تضعا عنها الطنافس إنّمايقصّر بالمرماة من لم يكن صقرا

وزاد يحيى بن عليّ مع هذا البيت عن حمّاد عن أبيه عن جرير بن ربّاط وأبي داود قال: يعرّض بقوله: «من لم يكن صقرا» بابن ميّادة أي إنّه هجين ليس من أبوين متشابهين كما الصقر. وبعده بيت آخر من رواية يحيى ولم يروه الزّبير معه:

منعّمة لم تلق بؤسا وشفوةبنجد ولم يكشف هجين لها سترا

قالوا جميعا: فقال ابن ميّادة يهجو علّفة:

أعلّف إنّ الصقر ليس بمدلجولكنّه بالليل متّخذ وكرا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ومفترش بين الجناحين سلحهإذا الليل ألقى فوق خرطومه كسرا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فإن يك صقرا بعد ليلة أمّهوليلة جحّاف فأفّ له صقرا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
تشدّ بكفّيها على جذل أيرهإذا هي خافت من مطيّها نفرا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

يريد أنّ أمّ علّفة من بني أنمار، وكان أبوه عقيل بن علّفة ضربها، فأرسلت إلى رجل من بني أنمار يقال له جحّاف، فأتاها ليلا فاحتملها على جمل فذهب بها. وقال يحيى بن عليّ خاصّة في خبره عن حمّاد عن أبيه عن أبي داود: إنّ جحّاف بن إياد كان رجلا من بني قتال بن يربوع بن غيظ بن مرّة، وكان يتحدّث إلى امرأة عقيل بن علّفة - وهي أمّ ابنه علّفة بن عقيل - ويتّهم بها، وهي امرأة من بني أنمار بن بغيض بن ريث بن غطفان يقال لها سلافة، وكانت من أحسن الناس وجها، وكان عقيل من أغير الناس، فربطها بين أربعة أوتاد ودهنها بإهالة، وجعلها في قرية نمل، فمرّ بها جحّاف بن إياد ليلا فسمع أنينها، فأتاها فاحتملها حتى طرحها بفدك، فاستعدت واليها على عقيل. وقال عقيل من جوف الليل فأوقد عشوة ونظرها فلم يجدها ووجد أثر جحّاف فعرفه وتبعه حتّى صبّح القرية، وخنس جحّاف عنها؛ فأتى الوالي فقال: إنّ هذه رأتني قد كبرت سنّي وذهب بصري فاجترأت عليّ، وكان عقيل رجلا مهيبا فلم يعاقبه الوالي بما صنعه لموضعه من صهر بني مروان. قال: فعيّر ابن ميّادة علّفة بن عقيل بأمر جحّاف هذا في قوله:

فإن يك صقرا بعد ليلة أمّهوليلة جحّاف فأفّ له صقرا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال: ولجّ الهجاء بينهما. وقال فيه ابن ميّادة وفي حكم الخضريّ وقد عاون علّفة:

لقد ركب الخضريّ منّي وتربهعلى مركب من نابيات المراكب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وقال لعلّفة:

يابن عقيل لا تكن كذوباأأن شربت الحزر والحليبا
من شول زيد وشممت الطّيباجهلا تجنّيت لي الذنوبا

قال: ثم لم يلبثه ابن ميّادة أن غلبه، وهاج التهاجي بينه وبين حكم الخضريّ، وانقطع عنه علّفة مفضوحا.

قال: وماتت أمّ جحدر التي كان ينسب بها ابن ميّادة على تفيئة ما كان بينه وبين علّفة من المهاجاة، ونعيت له فلم يصدّق حتّى أتاه رجل من بني رحل يقال له عمّار فنعاها له؛ فقال:

ما كنت أحسب أنّ القوم قد صدقواحتّى نعاها لي الرّحليّ عمّار
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وقال يرثيها:

خلت شعب الممدور لست بواجدبه غير بال من عضاه وحرمل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
تمنّيت أن تلقي به أمّ جحدروماذا تمنّى من صدى تحت جندل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فللموت خير من حياة ذميمةوللبخل خير من عناء مطوّل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عبد اللّه بن إبراهيم عن ساعدة ابن مرمىء، وذكره إسحاق أيضا عن أصحابه: أن ابن ميّادة وحكما الخضريّ تواعدا المدينة ليتواقفا بها، وجاء نفر من قريش - أمهاتهم من مرّة - إلى ابن ميّادة فمنعوه من مواقفة حكم، وقالوا: أتتعرض له ولست بكفئه فيشتم أمهاتنا وأخوالنا وخالاتنا وهو رجل خبيث اللسان! - قال: وكان حكم يسجع سجعا كثيرا - فقال: واللّه لئن واقفته لأسجعنّ به قبل المقارضة سجعا أفضحه به فلم يلقه. وذكر الزّبير له سجعا طويلا غثّا لا فائدة فيه، لأنه ليس برجز منظوم ولا كلام فصيح ولا مسجّع سجعا مؤتلفا كائتلاف القوافي، إلا أن من أسلمه قوله: واللّه لئن ساجعتني سجاعا، لتجدنّي شجاعا، للجار منّاعا، ولأجدنّك هيّاعا، للحسب مضياعا، ولئن باطشتك بطاشا، لأدهشّنك إدهاشا، ولأدقّنّ منك مشاشا، حتى يجيء بولك رشاشا. وهذا من غثّ السّجع ورذله، وإنما ذكرته ليستدلّ به على ما هو دونه مما ألغيت ذكره. قال: ورجز به فقال:

يا معدن اللؤم وأنت جبلهوآخر اللؤم وأنت أوّله
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
جاريت سبّاقا بعيدا مهلهكان إذا جارى أباك يفشله
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فكيف ترجوه وكيف تأملهوأنت شرّ رجل وأنذله
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ألأمه في مأزق وأجهلهأدخله بيت المخازي مدخله
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فاللؤم سربال له يسربلهثوبا إذا أنهجه يبدّله
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

فأجابه حكم:

يا بن التي جيرانها كانت تضرّوتتبع الشّول وكانت تمتصر
كيف إذا مارست حرّا تنتصر

ولهما أراجيز كثيرة طويلة جدّا أسقطتها لكثرتها وقلة فائدتها.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير عن عبد اللّه بن إبراهيم قال: أخبرني بعض من لقيت من الخضر: أن حكما الخضريّ خرج يريد لقاء ابن ميّادة بالرّقم من غير موعد فلم يلفه، إمّا لأنه تغيّب عنه وإمّا لأنه لم يصادفه، فقال حكم:

فرّ ابن ميّادة الرّقطاء من حكمبالصّغر مثل الأعقد الدّهم
أصبحت في أقر تعلو أطاولهتفرّ منّي وقد أصبحت بالرّقم

وقال إسحاق في روايته عن أصحابه: قال ابن ميّادة يهجو حكما وينسب بأمّ جحدر:

يمنّونني منك اللقاء وإننيلأعلم لا ألقاك من دون قابل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وقد مضى أكثر هذه الأبيات متقدّما، فذكرت ها هنا منها ما لم يمض وهو قوله:

فيا ليت رثّ الوصل من أمّ جحدرلنا بجديد من أولاك البدائل
ولم يبق مما كان بيني وبينهامن الودّ إلا مخفيات الرسائل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وإني إذا استنبهت من حلو رقدةرميت بحبّيها كرمي المناضل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

صوت

فما أنس م الأشياء لا أنس قولهاوأدمعها يذرين حشو المكاحل
تمتّع بذا اليوم القصير فإنهرهين بأيام الدهور الأطاول
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «وما أنس من الأشياء لا أنس قولها»

الغناء في هذين البيتين لعليّ بن يحيى المنجّم، ولحنه من الثقيل الثاني.

وكنت امرأ أرمي الزوائل مرّةفأصبحت قد ودّعت رمي الزوائل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وعطّلت قوس اللهو من سرعانهاوعادت سهامي بين رثّ وناصل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

السّرعان: وتر يعمل من عقب المتن، وهو أطول العقب.

إذا حلّ بيتي بين بدر ومازنومرّة نلت الشمس كاهلي
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

يعني بدر بن عمرو بمن جؤيّة بن لوذان بن ثعلبة بن عديّ بن فزارة بن ذبيان، ومرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان، ومرّة بن فزارة، ومازن بن فزارة. وهي طويلة.

قال أبو الفرج الأصبهانيّ: أخذ إسحاق الموصليّ معنى بيت ابن ميّادة في قوله: «نلت الشمس واشتدّ كاهلي» فقال:

عطست بأنف شامخ وتناولتيداي الثريّا قاعدا غير قائم
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

ولعمري لئن كان استعار معناه لقد اضطلع به وزاد فأحسن وأجاد.

وفي هذه القصيدة يقول:

فضلنا قريشا غير رهط محمدوغير بني مروان أهل الفضائل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال يحيى بن عليّ وأخبرني عليّ بن سليمان بن أيوب عن مصعب، وأخبرني به الحسن بن علي عن أحمد بن زهير عن مصعب قال: قال إبراهيم بن هشام بن إسماعيل لابن ميّادة: أنت فضلت قريشا! وجرّده فضربه أسواطا.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال: لما قال ابن ميّادة:

فضلنا قريشا غير رهط محمدوغير بني مروان أهل الفضائل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال له الوليد بن يزيد: قدّمت آل محمد قبلنا، فقال: ما كنت يا أمير المؤمنين أظنّه يمكن غير ذلك. فلما أفضت الخلافة إلى بني هاشم وفد ابن ميّادة إلى المنصور ومدحه؛ فقال له أو جعفر لما دخل إليه: كيف قال لك الوليد؟ فأخبره بما قال، فجعل المنصور يتعجّب.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزبير قال حدّثني عبد اللّه بن إبراهيم الجمحيّ قال: حدّثني العباس بن سمرة بن عبّاد بن شمّاخ بن سمرة عن ريحان بن سويد الخضريّ، وكان رواية حكم بن معمر الخضريّ، قال: تواعد حكم وابن ميّادة عريجاء - وهي ماءة - يتواقفان عليها، فخرج كلّ واحد منهما في نفر من قومه، وأقبل صخر بن الجعد الخضريّ يؤمّ حكما، وهو يومئذ عدوّ لحكم لما فرط بينهما من الهجاء في أركوب من بني مازن بن مالك بن طريف بن خلف بن محارب؛ فلما لقيه قال له: يا حكم، أهؤلاء الذين عرّضت للموت! وهم وجوه قومك! فو اللّه ما دماؤهم على بني مرّة إلا كدماء جداية، فعرف حكم أن قول صخر هو الحقّ فردّ قومه، وقال لصخر: قد وعدني ابن ميّادة أن يواقفني غدا بعريجاء لأن أناشده، فقال له صخر: أنا كثير الإبل - وكان حكم مقلّا - فإذا وردت إبلي فارتجز، فإن القوم لا يشجعون عليك وأنت وحدك، فإن لقيت الرجل نحر وأطعم فانحر وأطعم وإن أتيت على مالي كلّه. قال ريحان راويته: فورد يومئذ عريجاء وأنا معه فظلّ على عريجاء ولم يلق رمّاحا ولم يواف لموعده، وظلّ ينشد يومئذ حتّى أمسى، ثم صرف وجوه إبل صخر وردّها. وبلغ الخبر ابن ميّادة وموافاة حكم لموعده، فأصبح على الماء وهو يرتجز ويقول:

أنا ابن ميّادة عقّار الجزركلّ صفيّ ذات ناب منفطر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وظلّ على الماء فنحر وأطعم. فلما بلغ حكما ما صنع ابن ميّادة من نحره وإطعامه شقّ عليه مشقّة شديدة. ثم إنهما بعد توافيا بحمى ضريّة. قال ريحان بن سويد: وكان ذلك العام عام جدب وسنة إلّا بقية كلإ بضريّة. قال: فسبقنا ابن ميادة يومئذ فنزلنا على مولاة لعكّاشة بن مصعب بن الزّبير ذات مال ومنزلة من السلطان.

قال: وكان حكم كريما على الولاة هناك يتّقى لسانه. قال ريحان: فبينا نحن عند المولاة وقد حططنا براذع دوابّنا إذا راكبان قد أقبلا، وإذا نحن برمّاح وأخيه ثوبان - ولم يكن لثوبان ضريب في الشجاعة والجمال - فأقبلا يتسايران، فلما رآهما حكم عرفهما، فقال: يا ريحان، هذان ابنا أبرد، فما رأيك؟ أتكفيني ثوبان أم لا؟

قال: فأقبلا نحونا ورمّاح يتضاحك حتى قبض على يد حكم وقال: مرحبا برجل سكتّ عنه ولم يسكت عنّي، وأصبحت الغداة أطلب سلمه يسوقني الذّئب والسنة، وأرجو أن أرعى الحمى بجاهه وبركته، ثم جلس إلى جنب حكم وجاء ثوبان فقعد إلى جنبي، فقال له حكم: أما وربّ المرسلين يا رمّاح لو لا أبيات جعلت تعتصم بهنّ وترجع إليهنّ - يعني أبيات ابن ظالم - لاستوسقت كما استوسق من كان قبلك. قال ريحان: وأخذا في حديث أسمع بعضه ويخفى عليّ بعضه، فظللنا عند المرأة وذبح لنا وهما في ذلك يتحادثان، مقبل كلّ واحد منهما على صاحبه لا ينظران شدّنا، حتى كان العشاء فشددنا للرّواح نؤمّ أهلنا، فقال رمّاح لحكم: يا أبا منيع - وكانت كنية حكم -: قد قضيت حاجتك وحاجة من طلبت له من هذا العامل، وإن لنا إليه حاجة في أن يرعينا؛ فقال له حكم: قد واللّه قضيت حاجتي منه وإني لأكره الرجوع إليه، وما من حاجتك بدّ، ثم رجع معه إلى العامل، فقال له بعد الحديث معه: إن هذا الرجل من قد عرفت ما بيني وبينه، وقد سأل الصلح وأناب إليه، فأحببت أن يكون ذلك على يدك وبمحضرك. قال: فدعا به عامل ضريّة وقال: هل لك حاجة غير ذلك؟ قال: لا واللّه، ونسي حاجة رمّاح، فأذكرته إياها، فرجع فطلبها واعتذر بالنسيان. فقال العامل لابن ميّادة: ما حاجتك؟ فقال: ترعيني عريجاء لا يعرض لي فيها أحد، فأرعاه إيّاها. فأقبل رمّاح على حكم فقال: جزاك اللّه خيرا يا أبا منيع، فو اللّه لقد كان ورائي من قومي من يتمنّى أن يرعى عريجاء بنصف ماله. قال فلمّا عزما على الانصراف ودّع كلّ واحد منهما صاحبه وانصرفا راضيين.

وانصرف ابن ميّادة إلى قومه فوجد بعضهم قد ركب إلى ابن هشام فاستغضبه على حكم في قوله:

وما ولدت مرّيّة ذات ليلةمن الدهر إلا زاد لؤما جنينها

فأطرده وأقسم: لئن ظفر به ليسرجنّه وليحملنّ عليه أحدهم. فقال رمّاح - وساءه ما صنعوا -: عمدتم إلى رجل قد صلح ما بيني وبينه وأرعيت بوجهه فاستعديتم عليه وجئتم بإطراده! وبلغ الحكم الخبر فطار إلى الشام فلم يبرحها حتى مات.

قال العباس بن سمرة: مات بالشام غرقا، وكان لا يحسن العوم فمات في بعض أنهارها. قال: وهو وجهه الذي مدح فيه أسود بن بلال المحاربيّ ثم السّوائيّ في قصيدته التي يقول فيها:

واستيقنت أن لا براح من السّرىحتى تناخ بأسود بن بلال
قرم إذا نزل الوفود ببابهسمت العيون إلى أشمّ طوال

ولحكم الخضريّ وابن ميّادة مناقضات كثيرة وأراجيز طوال طويت ذكر أكثرها وألغيته، وذكرت منها لمعا من جيّد ما قالاه لئلا يخلو هذا الكتاب من ذكر بعض ما دار بينهما ولا يستوعب سائره فيطول. فما قاله حكم في ابن ميّادة قوله:

خليليّ عوجا حيّيا الدار بالجفروقولا لها سقيا لعصرك من عصر
وماذا تحيّ من رسوم تلاعبتبها حرجف تذري بأذيالها الكدر

ومن جيّد قوله فيها يفتخر:

إذا يبست عيدان قوم وجدتناوعيداننا تغشى على الورق الخضر
إذا الناس جاءوا بالقروم أتيتهمبقرم يساوي رأسه غرّة البدر
لنا الغور والأنجاد والخيل والقناعليكم وأيام المكارم والفخر

ومن جيّد هجائه قوله:

فيا مرّ قد أخزاك في كلّ موطنمن اللؤم خلّات يزدن على العشر
فمنهنّ أنّ العبد حامي ذماركموبئس المحامي العبد عن حوزة الثّغر
ومنهنّ أن لم تمسحوا وجه سابقجواد ولم تأتوا حصانا على طهر
ومنهنّ أن الميت يدفن منكمفيفسو على دفّانه وهو في القبر
ومنهنّ أن الجار يسكن وسطكمبريئا فيلقى بالخيانة والغدر
ومنهنّ أن عدتم بأرقط كودنوبئس المحامي أنت يا ضرطة الجفر
ومنهنّ أن الشيخ يوجد منكميدبّ إلى الجارات محدودب الظهر
تبيت ضباب الضّغن تخشى احتراشهاوإن هي أمست دونها ساحل البحر

فأجابه ابن ميّادة بقصيدة طويلة، منها قوله مجيبا له عن هذه الخصال التي سبّهم بها:

لقد سبقت بالمخزيات محاربوفازت بخلّات على قومها عشر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فمنهنّ أن لم تعقروا ذات ذروةلحقّ إذا ما احتيج يوما إلى العقر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ومنهنّ أن لم تمسحوا عربيّةمن الخيل يوما تحت جلّ على مهر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ومنهنّ أن لم تضربوا بسيوفكمجماجم إلا فيشل القرّح الحمر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ومنهنّ أن كانت شيوخ محاربكما قد علمتم لا تريش ولا تبري
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ومنهنّ أخزى سوءة لو ذكرتهالكنتم عبيدا تخدمون بني وبر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ومنهنّ أن الضأن كانت نساءكمإذا اخضرّ أطراف الثّمام من القطر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ومنهنّ أن كانت عجوز محاربتريغ الصّبا تحت الصّفيح من القبر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ومنهنّ أن لو كان في البحر بعضكملخبّث ضاحي جلده حومة البجر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

ومما قاله ابن ميّادة في حكم قوله من قصيدة أوّلها:

ألا حيّيا الأطلال طالت سنينهابحيث التقت ربد الجناب وعينها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

ويقول فيها:

فلمّا أتاني ما تقول محاربتغنّت شياطيني وجنّ جنونها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ألم تر أنّ اللّه غشّى محارباإذا اجتمع الأقوام لونا يشينها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ترى بوجوه الخضر خضر محاربطوابع لؤم ليس ينفتّ طينها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
لقد ساهمتناكم سليم وعامرفضمناهم إنّا كذلك ندينها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فصارت لنا أهل الضّئين محاربوصارت لهم جسر وذاك ثمينها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
إذا أخذت خضريّة قائم الرحىتحرّك قنباها فطار طحينها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وما حملت خضريّة ذات ليلةمن الدهر إلّا ازداد لؤما جنينها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

فقال حكم يجيبه عن هذه بقصيدته:

لأنت ابن أشبانيّة أدلجت بهإلى اللّؤم مقلات لئيم جنينها
فجاءت بروّاث كأنّ جبينهإذا صغا في خرقتيها جبينها
فما حملت مرّيّة قطّ ليلةمن الدهر إلّا ازداد لؤما جنينها
وما حملت إلا لألأم من مشىولا ذكرت إلّا بأمر يشينها
تزوّج عثوان الضّئين وتبتغيبها الدّرّ لا درّت بخير لبونها
أظنّت بنو عثوان أن لست شاتمابشتمي وبعض القوم حمقى ظنونها
مدانيس أبرام كأنّ لحاهملحى مستهبّات طوال قرونها

قال الزبير: فحدّثني موهوب بن رشيد قال: فسمع هذه القصيدة أحد بني قتّال بن مرّة فقال: ما له أخزاه اللّه يهجو صبيتنا! قال: وهم أجفى قوم غضبا لصبيتهم وقد هجاهم بما هجاهم به.

قال: وبلغ إبراهيم بن هشام قوله في نساء بني مرّة إذ يقول:

وما حملت إلا لألأم من مشى

فغضب ثم نذر دمه فهرب من الحجاز إلى الشأم فمات بها.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير قال حدّثني عبد الرحمن بن ضبعان الخضريّ قال: لقي ابن ميّادة صخر بن الجعد الخضريّ فقال له: يا صخر، أعنت عليّ ابن عمّك الحكم بن معمر! فقال له صخر: لا واللّه يا أبا الشّر حبيل ما أعنته عليك، ولكن خيّل إليك ما كان يخيّل إليّ، ولقد هاجيته فكنت أظنّ أنّ شجر الوادي يعينه عليّ.

ومن جيّد قول ابن ميّادة في حكم قصيدته التي أوّلها:

صوت

لقد سبقتك اليوم عيناك سبقةوأبكاك من عهد الشباب ملاعبه
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فو اللّه ما أدري أيغلبني الهوىإذا جدّ جدّ البين أم أنا غالبه
فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوىفمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

- في هذه الأبيات غناء ينسب - يقول فيها في هجاء حكم:

لقد طال حبس الوفد وفد محاربعن المجد لم يأذن لهم بعد حاجبه
وقال لهم كرّوا فلست بآذنلكم أبدا أو يحصي التّرب حاسبه
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وهي قصيدة طويلة:

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني جلال بن عبد العزيز المرّيّ ثم الصادريّ عن أبيه:

- قال جلال: وقد رأيت ابن ميّادة في بيت أبي، قال: قال لي ابن ميّادة: وصلت أنا والشعراء إلى الوليد بن يزيد وهو خليفة. وكان مولى من موالي خرشة يقال له شقران يعيب ابن ميّادة ويحسده على مكانه من الوليد، فلما اجتمعت الشعراء قال الوليد بن يزيد لشقران: يا شقران، ما علمك في ابن ميّادة؟ قال علمي فيه يا أمير المؤمنين أنّه:

لئيم يباري فيه أبرد نهبلالئيم أتاه اللؤم من كلّ جانب

فقال الوليد: يا بن ميّادة، ما علمك في شقران؟ قال: علمي يا أمير المؤمنين أنّه عبد لعجوز من خرشة كاتبته على أربعين درهما ووعدها - أو قال: وعدته - أن تجيزه بعشرين درهما فقبّضته إيّاها، فأغنه عنّي يا أمير المؤمنين، فليس له أصل فأحتفره ولا فرع فأهتصره، فقال له الوليد: اجتنبه يا شقران فقد أبلغ إليك في الشّتيمة، فقصر شقران صاغرا، ثم أنشدته، فأقيمت الشعراء جميعا غيري، وأمر لي بمائة لقحة وفحلها وراعيها وجارية بكر وفرس عتيق فاختلت ذلك اليوم وقلت:

أعطيتني مائة صفرا مدامعهاكالنخل زيّن أعلى نبته الشّرب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

ويروى:

كأنها النخل روّى نبتها الشّرب
يسوقها يافع جعد مفارقهمثل الغراب غذاه الصّرّ والحلب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وذا سبيب صهيبيّا له عرفوهامة ذات فرق نابها صخب

ولم يذكر الزّبير في خبره غير هذه الأبيات الثلاثة، وهي من قصيدة للرّمّاح طويلة يمدح فيها الوليد بن يزيد، وقد أجاد فيها وأحسن؛ وذكرت من مختارها هاهنا طرفا، وأوّلها:

هل تعرف الدار بالعلياء غيّرهاسافي الرّياح ومستنّ له طنب
دار لبيضاء مسودّ مسائحهاكأنّها ظبية ترعى وتنتصب

المسائح: ما بين الأذن إلى الحاجب من الشّعر: تقف إذا ارتاعت منتصبة تتوجّس.

تحنو لأكحل ألقته بمضيعةفقلبها شفقا من حوله يجب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

يقول فيها:

يا أطيب الناس ريقا بعد هجعتهاوأملح الناس عينا حين تنتقب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ليست تجود بنيل حين أسألهاولست عند خلاء اللّهو أغتصب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
في مرفقيها إذا ما عونقت جممعلى الضّجيع وفي أنيابها شنب
وليلة ذات أهوال كواكبهامثل القناديل فيها الزّيت والعطب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
قد جبتها جوب ذي المقراض ممطرةإذا استوى مغفلات البيد والحدب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
بعنتريس كأن الدّبر يلسعهاإذا ترنّم حاد خلفها طرب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
إلى الوليد أبي العبّاس ما عجلتودونه المعط من لبنان والكثب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وبعد هذا البيت قوله:

أعطيتني مائة صفرا مدامعها

الخ.

لمّا أتيتك من نجد وساكنهنفحت لي نفحة طارت بها العرب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
إنّي امرؤ أعتفي الحاجات أطلبهاكما اعتفى سنق يلقى له العشب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

السّنق: الذي قد شبع حتّى بشم، يقول: أطلب الحاجة بغير حرص ولا كلب، كما يعتفي هذا البعير البشم من غير شره ولا شدّة طلب.

ولا ألحّ على الخلّان أسألهمكما يلحّ بعظم الغارب القتب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ولا أخادع ندماني لأخدعهعن ماله حين يسترخي به اللّبب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وأنت وابناك لم يوجد لكم مثلثلاثة كلّهم بالتاج معتصب
الطّيبون إذا طابت نفوسهمشوس الحواجب والأبصار إن غضبوا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
قسني إلى شعراء الناس كلّهموادع الرّواة إذا ما غبّ ما اجتلبوا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
إنّي وإن قال أقوام مديحهمفأحسنوه وما حابوا وما كذبوا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
أجري أمامهم جري امرىء فلجعنانه حين يجري ليس يضطرب

أخبرني يحيى بن عليّ قال أخبرنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال أخبرني أبو الحسن - أظنّه المدائنيّ - قال أخبرني أبو صالح الفزاريّ قال: أقبل شقران مولى بني سلامان بن سعد هذيم أخي عذرة بن سعدا بن هذيم، قال: وهذيم عبد حبشيّ كان حضن سعدا فغلب عليه، وهو ابن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة من اليمامة ومعه تمر قد امتاره - فلقيه ابن ميّادة فقال له: ما هذا معك؟ قال: تمر امترته لأهلي يقال له: زبّ ربّاح، فقال له ابن ميّادة يمازحه:

كأنّك لم تقفل لأهلك تمرةإذا أنت لم تقفل بزبّ رباح
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

فقال له شقران:

فإن كان هذا زبّه فانطلق بهإلى نسوة سود الوجوه قباح

فغضب ابن ميّادة وأمضّه وأنحى عليه بالسوط فضربه ضربات وانصرف مغضبا؛ فكان ذلك سبب الهجاء بينهما.

قال حمّاد عن أبيه وحدّثني أبو عليّ الكلبيّ قال: اجتمع ابن ميّادة وشقران مولى بني سلامان عند الوليد بن يزيد، فقال ابن ميّادة: يا أمير المؤمنين، أتجمع بيني وبين هذا العبد وليس بمثلي في حسبي ولا نسبي ولا لساني ولا منصبي! فقال شقران:

لعمري لئن كنت ابن شيخي عشيرتيهرقل وكسرى ما أراني مقصّرا
وما أتمنّى أن أكون ابن نزوةنزاها ابن أرض لم تجد متمهّرا
على حائل تلوي الصّرار بكفّهافجاءت بخوّار إذا عضّ جرجرا

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير بن بكّار وأخبرنا يحيى بن عليّ عن أبي أيّوب المدينيّ، عن زبير قال حدّثني جلال بن عبد العزيز وقال يحيى بن خلّاد عن أبي أيّوب ابن عبد العزيز قال: استأذن ابن ميّادة على الوليد بن يزيد وعنده شقران مولى قضاعة فأدخله في صندوق وأذن لابن ميّادة؛ فلمّا دخل أجلسه على الصّندوق واستنشده هجاء شقران فجعل ينشده، ثم أمر بفتح الصّندوق فخرج عليه شقران وجعل يهدر كما يهدر الفحل ويقول:

سأكعم عن قضاعة كلب قيسعلى حجر فينصت للكعام
أسير أمام قيس كلّ يوموما قيس بسائرة أمامي

وقال أيضا وهو يسمع:

إنّي إذا الشعراء لاقى بعضهمبعضا ببلقعة يريد نضالها
وقفوا لمرتجز الهدير إذا دنتمنه البكارة قطّعت أبو الها
فتركتهم زمرا ترمّز باللّحىمنها عنافق قد حلقت سبالها

فقال له ابن ميّادة: يا أمير المؤمنين اكفف عنّي هذا الذي ليس له أصل فأحفره، ولا فرع فأهصره؛ فقال الوليد: أشهد أنّك قد جرجرت كما قال شقران: فجاءت بخوّار إذا عضّ جرجرا

قال يحيى في خبره: واجتمع ابن ميّادة وعقال بن هاشم بباب الوليد بن يزيد، وكان عقال شديد الرأي في اليمن، فغمز عقال ابن ميّادة واعتلاه؛ فقال ابن ميّادة:

فجرنا ينابيع الكلام وبحرهفأصبح فيه ذو الرّواية يسبح
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وما الشّعر إلّا شعر قيس وخندفوقول سواهم كلفة وتملّح
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

فقال عقال يجيبه:

ألا أبلغ الرّمّاح نقض مقالةبها خطل الرّمّاح أو كان يمزح
لئن كان في قيس وخندف ألسنطوال وشعر سائر ليس يقدح
لقد خرق الحيّ اليمانون قبلهمبحور الكلام تستقى وهي تطفح
وهم علّموا من بعدهم فتعلّمواوهم أعربوا هذا الكلام وأوضحوا
فللسابقين الفضل لا يجحدونهوليس لمخلوق عليهم تبجّح

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا جلال بن عبد العزيز عن أبيه قال حدّثني ابن ميّادة قال: قلت وأنا عند الوليد بن يزيد بأباين - وهو موضع كان الوليد ينزله في الربيع -:

لعمرك إني نازل بأباينلصوءر مشتاق وإن كنت مكرما
أبيت كأنّي أرمد العين ساهرإذا بات أصحابي من الليل نوّما
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال: فقال لي الوليد: يابن ميّادة كأنّك غرضت من قربنا، فقلت: ما مثلك يا أمير المؤمنين يغرض من قربه، ولكن:

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةبحرّة ليلى حيث ربّتني أهلي
وهل أسمعنّ الدهر أصوات هجمةتطالع من هجل خصيب إلى هجل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
بلادبها نيطت عليّ تمائميوقطّعن عنّي حين أدركني عقلي
فإن كنت عن تلك المواطن حابسيفأيسر عليّ الرزق واجمع إذا شملي
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

فقال: كم الهجمة؟ قلت: مائة ناقة؛ فقال: قد صدرت بها كلّها عشراء. قال ابن ميّادة: فذكرت ولدانا لي بنجد إذا استطعموا اللّه عزّ وجلّ أطعمهم وأنا، وإذا استسقوه سقاهم اللّه وأنا، وإذا استكسوه كساهم اللّه وأنا، فقال: يابن ميّادة، وكم ولدانك؟ فقلت: سبعة عشر، منهم عشرة نفر وسبع نسوة، فذكرت ذلك منهم فأخذ بقلبي؛ فقال: يابن ميّادة، قد أطعمهم اللّه وأمير المؤمنين، وسقاهم اللّه وأمير المؤمنين، وكساهم اللّه وأمير المؤمنين؛ أمّا النساء فأربع حلل مختلفات الألوان، وأمّا الرجال فثلاث حلل مختلفات الألوان، وأمّا السّقي فلا أرى مائة لقحة إلّا سترويهم، فإن لم تروهم زدتهم عينين من الحجاز؛ قلت: يا أمير المؤمنين، لسنا بأصحاب عيون يأكلنا بها البعوض، وتأخذنا بها الحمّيات؛ قال: فقد أخلفها اللّه عليك؛ كلّ عام لك فيه مثل ما أعطيتك العام: مائة لقحة وفحلها وجاريه بكر وفرس عتيق.

وأخبرنا يحيى بن عليّ قال حدثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال حدّثني شدّاد بن عقبة عن عبد السلام ابن القتّال قال: عارضني ابن ميّادة فقال: أنشدني يابن القتّال، فأنشدته:

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةبصحراء ما بين التّنوفة والرّمل
وهل أزجرنّ العيس شاكية الوجىكما عسل السّرحان بالبلد المحل
وهل أسمعنّ الدهر صوت حمامةتغنّي حمامات على فنن جثل
وهل أشربنّ الدهر مزن سحابةعلى ثمد الأفعاة حاضره أهلي
بلاد بها نيطت عليّ تمائميوقطّعن عنّي حين أدركني عقلي
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال: فأتاني الرّواة بهذا البيت وقد اصطرفه ابن ميّادة وحده.

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم قال حدّثني رجل من كلب وأخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن أبي عليّ الكلبيّ قال: أمر الوليد بن يزيد لابن ميّادة بمائة من الأبل من صدقات بني كلب، فلمّا أتى الحول أرادوا أن يبتاعوها له من الطرائد، وهي الغرائب، وأن يمسكوا التّلاد؛ فقال ابن ميّادة:

ألم يبلغك أنّ الحيّ كلباأرادوا في عطيّتك ارتدادا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وقالوا إنّها صهب وورقوقد أعطيتها دهما جعادا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

فعلموا أنّ الشعر سيبلغ الوليد فيغضبه؛ فقالوا له: انطلق فخذها صفرا جعادا.

وقال يحيى بن عليّ في روايته: لما قتل الوليد بن يزيد قال ابن ميّادة يرثيه: ألا يا لهفتيّ على وليد

غداة أصابه القدر المتاحألا أبكي الوليد فتى قريش
وأسمحها إذا عدّ السّماحوأجبرها لذي عظم مهيض
إذا ضنّت بدرّتها اللّقاحلقد فعلت بنو مروان فعلا
وأمرا ما يسوغ به القراح

قال يحيى: وغنّى فيه عمر الوادي ولم يذكر طريقة غنائه.

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا محمد بن زهير بن مضرّس الفزاريّ عن أبيه قال: أخصب جناب الحجاز الشاميّ فمالت لذلك الخصب بنو فزارة وبنو مرّة، فتحالّوا جميعا به. قال: فبينا ذات يوم أنا وابن ميّادة جالسان على قارعة الطريق عشاء إذا راكبان يوجفان راحلتين حتّى وقفا علينا، فإذا أحدهما بحر الريح وهو عثمان بن عمرو بن عثمان بن عفان معه مولى له، فنسبنا وانتسب لنا، وقد كان ابن ميّادة يعلّلني بشعره، فلمّا انقضى كلامنا مع القرشيّ ومولاه استعدت ابن ميّادة ما كنّا فيه، فأنشدني فخرا له يقول فيه:

وعلى المليحة من جذيمة فتيةيتمارضون تمارض الأسد
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وترى الملوك الغتر تحت قبابهميمشون في الحلقات والقدّ

قال: فقال له القرشيّ: كذبت؛ قال ابن ميّادة: أفي هذا وحده! أنا واللّه في غيره أكذب؛ فقال له القرشيّ: إن كنت تريد في مديحك قريشا فقد كفرت بربّك ودفعت قوله، ثم قرأ عليه: (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ)

حتّى أتى على آخرها، ونهض هو ومولاه وركبا راحلتيهما؛ فلمّا فاتا أبصارنا قال ابن ميّادة:

سمين قريش مانع منك نفسهوغثّ قريش حيث كان سمين
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

أخبرنا يحيى بن عليّ عن حمّاد عن أبيه عن أبي الحارث المرّي قال: كان ابن ميّادة قد هاجى سنان بن جابر أحد بني حميس بن عامر بن جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم؛ فقال ابن ميّادة له فيما قال من هجائه:

لقد طالما علّلت حجرا وأهلهبأعراض قيس يا سنان بن جابر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
أأهجو قريشا ثم تكره ريبتيويسرقني عرضي حميس بن عامر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال: وقال فيهم أيضا:

قصار الخطى فرق الخصى زمر اللّحىكأنهم ظربى اهترشن على لحم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ذكرت حمام القيظ لما رأيتهميمشّون حولي في ثيابهم الدّسم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وتبدي الحميسيّات في كلّ زينةفروجا كآثار الصّغار من البهم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال: ثم إنّ ابن ميّادة خرج يبغي إبلا له حتى ورد جبارا - وهو ماء لحميس بن عامر - فأتى بيتا فوجد فيه عجوزا قد أسنّت، فنشدها إبله فذكرتها له وقالت: ممن أنت؟ قال: رجل من سليم بن منصور؛ فأذنت له وقالت: ادخل حتى نقريك وقد عرفته وهو لا يدري؛ فلمّا قرته قال ابن ميّادة: وجدت ريح الطّيب قد نفح عليّ من البيت، فإذا بنت لها قد هتكت السّتر، ثم استقبلتني وعليها إزار أحمر وهي مؤتزرة به، فأطلقته وقالت: انظر يابن ميّادة الزانية! أهذا كما نعتّ! فلم أر امرأة أضخم قبلا منها؛ فقالت: أهذا كما قلت!:

وتبدي الحميسيّات في كلّ زينةفروجا كآثار الصّغار من البهم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال: قلت: لا واللّه يا سيّدتي، ما هكذا قلت ولكن قلت:

وتبدي الحميسيّات في كلّ زينةفروجا كآثار المقيسرة الدّهم

وانصرف يتشبّب بها، فذلك حين يقول:

نظرنا فهاجتنا على الشّوق والهوىلزينب نار أوقدت بجبار
للشاعر ابن ميادة، من قصيدة «نَظَرنا فَهاجَتنا عَلى الشَوقِ وَالهَوى»
كأنّ سناها لاح لي من خصاصةعلى غير قصد والمطيّ سواري
للشاعر ابن ميادة، من قصيدة «نَظَرنا فَهاجَتنا عَلى الشَوقِ وَالهَوى»
حميسيّة بالرملتين محلّهاتمدّ بحلف بيننا وجوار
للشاعر ابن ميادة، من قصيدة «نَظَرنا فَهاجَتنا عَلى الشَوقِ وَالهَوى»

قال أبو داود: وكانت بنو حميس حلفاء لبني سهم بن مرّة، ثم للحصين بن الحمام. وتمدّ وتمتّ واحد.

رجع إلى الشعر

تجاور من سهم بن مرّة نسوةبمجتمع النقبين غير عواري
نواعم أبكارا كأنّ عيونهاعيون ظباء أو عيون صوار
للشاعر ابن ميادة، من قصيدة «نَظَرنا فَهاجَتنا عَلى الشَوقِ وَالهَوى»
كأنّا نراها وهي منّا قريبةعلى متن عصماء اليدين نوار
للشاعر ابن ميادة، من قصيدة «نَظَرنا فَهاجَتنا عَلى الشَوقِ وَالهَوى»
تتبّع من حجر ذرا متمنّعلها معقل في رأس كلّ طمار
للشاعر ابن ميادة، من قصيدة «نَظَرنا فَهاجَتنا عَلى الشَوقِ وَالهَوى»
يدور بها ذو أسهم لا ينالهاوذو كلبات كالقسيّ ضواري
للشاعر ابن ميادة، من قصيدة «نَظَرنا فَهاجَتنا عَلى الشَوقِ وَالهَوى»
كأنّ على المتنين منها وديّةسقتها السواقي من وديّ دوار
للشاعر ابن ميادة، من قصيدة «نَظَرنا فَهاجَتنا عَلى الشَوقِ وَالهَوى»
يظلّ سحيق المسك يقطر حولهاإذا الماشطات احتفنه بمداري
للشاعر ابن ميادة، من قصيدة «نَظَرنا فَهاجَتنا عَلى الشَوقِ وَالهَوى»
وما روضة خضراء يضربها الندىبها قنّة من حنوة وعرار
للشاعر ابن ميادة، من قصيدة «نَظَرنا فَهاجَتنا عَلى الشَوقِ وَالهَوى»
بأطيب من ريح القرنفل ساطعابما التفّ من درع لها وخمار
للشاعر ابن ميادة، من قصيدة «نَظَرنا فَهاجَتنا عَلى الشَوقِ وَالهَوى»
وما ظبية ساقت لها الريح نغمةعلى غفلة فاستسمعت لخوار
للشاعر ابن ميادة، من قصيدة «نَظَرنا فَهاجَتنا عَلى الشَوقِ وَالهَوى»
بأحسن منها يوم قامت فأتلعتعلى شرك من روعة ونفار
للشاعر ابن ميادة، من قصيدة «نَظَرنا فَهاجَتنا عَلى الشَوقِ وَالهَوى»
فليتك يا حسناء يابنة مالكيبيع لنا منك المودّة شاري

وأخبرني بهذا الخبر الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني أبو حرملة منظور بن أبي عديّ الفزاري ثم المنظوريّ عن أبيه قال حدّثني رمّاح بن أبرد قال: خرجت قافلا من السّلع إلى نجد حتى إذا كنت ببعض أهضام الحرّة (هكذا في نسختي، وأظنّه هضاب الحرّة) رفع لي بيت كالطّراف العظيم، وإذا بفنائه غنم لم تسرح، فقلت: بيت من بيوت بني مرّة وبي من العيمة إلى اللبن ما ليس بأحد، فقلت: آتيهم فأسلّم عليهم وأشرب من لبنهم، فلما كنت غير بعيد سلّمت فردّت عليّ امرأة برزة بفناء البيت، وحيّت ورحّبت واستنزلتني فنزلت، فدعت بلبن ولبأ ورسل من رسل تلك الغنم، ثم قالت: هيا فلانة البسي شفّا واخرجي، فخرجت عليّ جارية كأنّها ثمعة ما رأيت في الخلق لها نظيرا قبل ولا بعد، فإذا شفّها ذاك ليس يواري منها شيئا وقد نبا عن ركبها ما وقع عليه من الثوب فكأنّه قعب مكفأ، ثم قالت: يابن ميّادة الخبيثة، أأنت القائل:

وتبدي الحميسيّات في كلّ زينةفروجا كآثار الصّغار من البهم؟
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

فقلت: لا واللّه جعلني اللّه فداك يا سيّدتي - ما قلت هذا قط، وإنمّا قلت:

وتبدي الحميسيّات في كلّ زينةفروجا كآثار المقيسرة الدهم

قال: وكان يقال للجارية الحميسيّة: زينب بنت مالك، وفيها قال ابن ميّادة قصيدته: ألمّا فزورا اليوم خير مزار

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكار قال حدّثني موهوب ابن رشيد الكلابيّ قال: أعطى الوليد بن يزيد ابن ميّادة جارية طبريّة أعجميّة لا تفصح، حسناء جميلة كاملة لو لا العجمة، فعشقها وقال فيها:

جزاك اللّه خيرا من أميرفقد أعطيت مبرادا سخونا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
بأهلي ما ألذّك عند نفسيلو انّك بالكلام تعرّبينا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
كأنّك ظبية مضغت أراكابوادي الجزع حين تبغّمينا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني إسحاق بن شعيب بن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: وردت على بني فزارة ساعيا، فأتاني ابن ميّادة مسلّما عليّ، وجاءتني بنو فزارة ومعها رجل من بني جعفر بن كلاب كان لهم جارا وكان مخطّطا موسوما بجمال، فلمّا رأيته أعجبني، فأقبلت على بني فزارة وقلت لهم: أي أخوالي هذا؟ فو اللّه إنّه ليسرّني أن أرى فيكم مثله؛ فقالوا: هذا - أمتع اللّه بك - رجل من بني جعفر بن كلاب وهو لنا جار. قال: فأصغى إليّ ابن ميّادة، وكان قريبا منّي، وقال: لا يغرنّك - بأبي أنت - ما ترى من جسمه فإنّه أجوف لا عقل له؛ فسمعه الجعفريّ فقال: أفيّ تقع يابن ميّادة وأنت لا تقري ضيفك؟ فقال له ابن ميّادة: إن لم أقره قراه ابن عمّي وأنت لا تقري ولا ابن عمّك. قال ابن عمران: فضحكت مما شهد به ابن ميّادة على نفسه.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني محمد بن إسماعيل الجعفريّ عن المعلّى بن نوح الفزاريّ قال حدّثني خال لي كان شريفا من سادات بني فزارة قال: ضفت ابن ميّادة فأكرمني وتحفّى بي وفرّغ لي بيتا فكنت فيه ليس معي أحد، ثم جاءني بقدح ضخم من لبن إبله فشربته ثم ولّى، فلم ينشب أن جاءني بآخر فتناولت منه شيئا يسيرا، فما لبثت حتّى عاد بآخر فقلت: حسبك يا رمّاح فلا حاجة لي بشي ء؛ فقال: اشرب بأبي أنت، فو اللّه لربّما بات الضيف عندنا مدحورا.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي مصعب عن جدّي عبد اللّه بن مصعب قال: أتينا ابن ميّادة نتلقّى منه الشعر؛ فقال لنا: هل لكم في فضل شنّة؟ فظنّناها تمرا، فقلنا له: هات، لنبسطه بذلك، فإذا شنّة فيها فضلة من خمر قد شرب بعضها وبقي بعض، فلمّا رأيناها قمنا وتركناه.

أخبرنا الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني إبراهيم بن عبد الرحمن الكثيريّ قال حدّثني نعمة الغفاريّ قال: قدم ابن ميّادة المدينة فدعي في وليمة فجاء فوجد على باب الدار التي فيها الوليمة حرسا يضربون الزّلّالين بالسّياط يمنعونهم من الدخول، فرجع وهو يقول:

ولمّا رأيت الأصبحيّة قنّعتمفارق شمط حيث تلوى العمائم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
تركت دفاع الباب عمّا وراءهوقلت صحيح من نجا وهو سالم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

أخبرني يحيى بن عليّ عن أبيه عن إسحاق قال: قال الوليد بن يزيد لابن ميّادة في بعض وفاداته عليه: من تركت عند نسائك؟ قال: رقيبين لا يخالفاني طرفة عين: الجوع والعري. وهذا القول والجواب يروى أنّ عمر بن عبد العزيز وعقيل بن علّفة تراجعاهما، وقد ذكرا في أخبار عقيل.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب وأخبرني محمّد بن مزيد قال: حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الزّبير وأخبرنا يحيى بن عليّ قال: حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ عن مصعب: أنّ ابن ميّادة مدح أبا جعفر المنصور بقصيدته التي يقول فيها:

طلعت علينا العيس بالرّمّاح

ثم خرج من عند أهله يريده، فمرّ على إبله فحلبت له ناقة من إبله، وراح عليه راعيه بلبنها فشربه ثم مسح على بطنه ثم قال: سبحان اللّه! إنّ هذا لهو الشّره! يكفيني لبن بكرة وأنا شيخ كبير، ثم أخرج وأغترب في طلب المال! ثم رجع فلم يخرج. هذه القصيدة من جيّد شعر ابن ميّادة، أوّلها:

وكواعب قد قلن يوم تواعدقول المجدّ وهنّ كالمزّاح
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
يا ليتنا في غير أمر فادحطلعت علينا العيس بالرّمّاح
بينا كذاك رأينني متعصّبابالخزّ فوق جلالة سرداح
فيهنّ صفراء المعاصم طفلةبيضاء مثل غريضة التّفّاح
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فنظرن من خلل الحجال بأعينمرضى مخالطها السّقام صحاح
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وارتشن حين أردن أن يرميننيتبلا بلا ريش ولا بقداح

يقول فيها في مدح المنصور وبني هاشم:

فلئن بقيت لألحقنّ بأبحرينمين لا قطع ولا أنزاح
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ولآتينّ بني عليّ إنّهممن يأتهم يتلقّ بالإفلاح
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
قوم إذا جلب الثناء إليهمبيع الثناء هناك بالأرباح
ولأجلسنّ إلى الخليفة إنّهرحب الفناء بواسع نجباح
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

وهي قصيدة طويلة.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثنا إسحاق بن أيّوب بن سلمة قال: اعتمرت في رجب سنة خمس ومائة، فصادفني ابن ميّادة بمكة وقدمها معتمرا، فأصابنا مطر شديد تهدّمت منه البيوت وتوالت فيه الصواعق، فجلس إليّ ابن ميّادة الغد من ذلك اليوم، فجعل يأتيني قوم من قومي وغيرهم فأستخبرهم عن ذلك الغيث فيقولون: صعق فلان وانهدم منزل فلان؛ فقال ابن ميّادة: هذا العيث لا الغيث؛ فقلت: فما الغيث عندك؟

فقال:

سحائب لا من صيّب ذي صواعقولا محرقات ماؤهنّ حميم
إذا ما هبطن الأرض قد مات عودهايكين بها حتّى يعيش هشيم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني موسى بن زهير عن أبيه قال: جلست أنا وعيسى بن عميلة وابن ميّادة ذات يوم، فأنشدنا ابن ميّادة شعره مليّا، ثم أنشدنا قوله:

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةبحرّة ليلى حيث ربّتني أهلي
بلاد بها نيطت عليّ تمائميوقطّعن عنّي حين أدركني عقلي
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وهل أسمعنّ الدهر أصوات هجمةتطالع من هجل خصيب إلى هجل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
صهيبيّة صفراء تلقي رباعهابمنعرج الصّمّان والجرع السهل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

تلقى رباعها: تطرح أولادها. وواحد الرباع ربع.

وهل أجمعنّ الدهر كفّيّ جمعةبمهضومة الكشحين ذات شوى عبل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
محللّة لي لا حراما أتيتهامن الطيبات حين تركض في الحجل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
تميل إذا مال الضجيع بعطفهاكما مال دعص من ذرا عقد الرمل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

فقال له عيسى بن عميلة: فأين قولك يا أبا الشّرحبيل:

لقد حرّمت أمّي عليّ عدمتهاكرائم قومي ثمّ قلّة ماليا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

فقلت له: فاعطف إذا إلى أمة بني سهيل فهي أعند وأنكد، وقد كنت أظنّ أن ميّادة قد ضربت جأشك على اليأس من الحرائر، وأنا أداعبه وأضاحكه؛ فضحك وقال:

ألم تر قوما ينكحون بمالهمولو خطبت أنسابهم لم تزوّج

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي مصعب وغيره: أنّ حسينة اليساريّة كانت جميلة - وآل يسار من موالي عثمان رضوان اللّه عليه يسكنون تيماء، ولهم هناك عدد وجلد، وقد انتسبوا في كلب إلى يسار بن أبي هند فقبلهم بنو كلب - قال: وكانت عند رجل من قومها يقال له: عيسى بن إبراهيم بن يسار، وكان ابن ميّادة يزورها؛ وفيها يقول:

ستأتينا حسينة حيث شئناوإن رغمت أنوف بني يسار
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال: فدخل عليها زوجها يوما فوجد ابن ميّادة عندها، فهمّ به هو وأهلها؛ فقاتلهم وعاونته عليهم حسينة حتى أفلت ابن ميّادة؛ فقال في ذلك:

لقد ظلّت تعاونني عليهمصموت الحجل كاظمة السّوار
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وقد غادرت عيسى وهو كلبيقطّع سلحه خلف الجدار
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى قال حدّثني إبراهيم بن سعد بن شاهين قال حدّثني عبد اللّه بن خالد بن دفيف التّغلبيّ عن عثمان بن عبد الرحمن بن نميرة العدويّ عن أبي العلاء بن وثّاب قال:

قدم ابن ميّادة المدينة زائرا لعبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك وهو أميرها وكان يسمر عنده في الليل، فقال عبد الواحد لأصحابه: إنّي أهمّ أن أتزوّج، فابغوني أيّما؛ فقال له ابن ميّادة: أنا أدلّك، أصلحك اللّه أيها الأمير؛ قال: على من يا أبا الشّرحبيل؟ قال: قدمت عليك أيها الأمير فدخلت مسجدكم فإذا أشبه شيء به وبمن فيه الجنة وأهلها، فو الله لبينا أنا أمشي فيه إذ قادتني رائحة عطر رجل حتى وقفت بي عليه، فلمّا وقع بصري عليه استلهاني حسنه فما أقلعت عنه حتّى تكلّم، فخلته لمّا تكلّم يتلو زبورا ويدرس إنجيلا أو يقرأ قرآنا حتّى سكت فلو لا معرفتي بالأمير لشككت أنّه هو، ثم خرج من مصلّاه إلى داره، فسألت: من هو؟ فأخبرت أنّه للحيّين وبين الخليفتين، وأن قد نالته ولادة من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم لها نور ساطع من غرّته وذؤابته، فنعم المنكح ونعم حشو الرحل وابن العشيرة، فإن اجتمعت أنت وهو على ولد ساد العباد وجاب ذكره البلاد. فلمّا قضى ابن ميّادة كلامه قال عبد الواحد ومن حضره: ذاك محمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان، وأمّه فاطمة بنت الحسين، فقال ابن ميّادة:

لهم نبوة لم يعطها اللّه غيرهموكلّ قضاء اللّه فهو مقسّم
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال يحيى بن عليّ: وممّا مدح به عبد الواحد لمّا قدم عليه قوله:

من كان أخطأه الربيع فإنمانصر الحجاز بغيث عبد الواحد
إنّ المدينة أصبحت معمورةبمتوّج حلو الشمائل ماجد
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ولقد بلغت بغير أمر تكلّفأعلى الحظوظ برغم أنف الحاسد
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وملكت ما بين العراق ويثربملكا أجار لمسلم ومعاهد
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ماليهما ودميهما من بعد ماغشّى الضعيف شعاع سيف المارد
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزبير قال حدّثني سعيد بن زيد السّلمي قال: إنّا لنزول أنا وأصحاب لي قبل الفطر بثلاث ليال على ماء لنا، فإذا راكب يسير على جمل ملتفّ بثوب والسماء تغسله حتى أناخ إلى أجم عرفته، فلمّا رأيناه لثقا قمنا إليه فوضعنا رحله وقيّدنا جمله، فلمّا أقلعت السماء عنّا وهو معنا قاعد قام غلمة منّا يرتجزون والرّجل لم ينتسب لنا ولا عرفناه، فارتجز أحدهم فقال:

أنا ابن ميّادة لبّاس الحللأمرّ من مرّ وأحلى من عسل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

حتى قال له الرّجل: يابن أخي، أتدري، من قال هذا الشعر؟ قال: نعم، ابن ميادة قال: فأنا هو ابن ميّادة الرّمّاح بن أبرد، وبات يعلّلنا من شعره، ويقطع عنّا الليل بنشيده، وسرينا راحلين فصبّحنا مكة فقضينا نسكنا، ولقيه رجلان من قومه من بني مرّة فعرفهما وعرفاه، وأفطرنا بمكة، فلما انصرفنا من المسجد يوم الفطر إذا نحن بفارسين مسوّدين وراجلين مع المرّيّين يقولون: أين ابن ميّادة؟ فقلنا: ها هو وقد برزنا من خيمة كنّا فيها، فقلنا لابن ميّادة: ابرز؛ فلما نظر إلى المرّيّين قال:

إحدى عشيّاتك يا شميرج

- قال: وهذا رجز لبعض بني سليم يقوله لفرسه:

أقول والرّكبة فوق المنسجإحدى عشيّاتك يا شميرج

ويروى: مشمرج - فقالوا لابن ميّادة: أجب الأمير عبد الصمد بن عليّ، وخذ معك من أصحابك من أحببت؛ فخرج وخرج معه منّا أربعة نفر أنا أحدهم حتى وقفنا على باب دار النّدوة، فدخل أحد المسوّدين، ثم خرج فقال: ادخل يا أبا شجرة، فدخلت على عبد الصمد بن عليّ فوجدته جالسا متوشّحا بملحفة مورّدة؛ فقال لي: من أنت؟ قلت: رجل من بني سليم؛ فقال: مالك تصاحب المرّيّ وقد قتلوا معاوية بن عمرو! وقالت الخنساء:

ألا ما لعيني ألا ما لهالقد أخضل الدمع سربالها
فآليت آسى على هالكوأسأل نائحة مالها
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا ما لعينك أم ما لها»
أبعد ابن عمرو من ال الشّريد حلّت به الأرض أثقالها
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا ما لعينك أم ما لها»
فإن تك مرّة أودت بهفقد كان يكثر تقتالها
للشاعر الخنساء، من قصيدة «ألا ما لعينك أم ما لها»

أترويها؟ قلت: نعم أصلح اللّه الأمير، وما زال من المعركة حتى قتل به خفاف بن عمرو المعروف بابن ندبة كبش القوم مالك بن حمار الفزاريّ ثم الشّمخيّ، أما سمع الأمير قول خفاف بن ندبة في ذلك:

فإن تك خيلي قد أصيب صميمهافعمدا على عين تيمّمت مالكا
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «أقول له والرمح يأطر متنه»
تيمّمت كبش القوم حين رأيتهوجانبت شبّان الرّجال الصّعالكا
أقول له والرمح يأطر متنهتأمّل خفافا إنّني أنا ذلكا
للشاعر خفاف بن ندبة السلمي، من قصيدة «أقول له والرمح يأطر متنه»

وقد توسّط معاوية بن عمرو خيلهم فأكثر فيهم القتل، وقتل كبش القوم الذي أصيب بأيديهم؛ فقال: للّه درّك! إذا ولدت النساء فليلدن مثلك! وأمر لي بألف درهم، فدفعت إليّ وخلع عليّ. وأدخل ابن ميّادة فسلّم عليه بالإمرة؛ فقال له: لا سلّم اللّه عليك يا ماصّ كذا من أمه: فقال ابن ميّادة: ما أكثر الماصّين! فضحك عبد الصّمد، ودعا بدفتر فيه قصيدة ابن ميّادة التي يقول فيها:

لنا الملك إلّا أنّ شيئا تعدّهقريش ولو شئنا لداخت رقابها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

ثم قال لابن ميّادة: أعتق ما أملك إن غادرت منها شيئا إن لم أبلغ غيظك، فقال ابن ميّادة: أعتق ما أملك إن أنكرت منها بيتا قلته أو أقررت ببيت لم أقله؛ فقرأها عبد الصّمد ثم قال له: أأنت قلت هذا؟ قال نعم؛ قال: أفكنت أمنت يابن ميّادة أن ينقضّ عليك باز من قريش فيضرب رأسك! فقال: ما أكثر البازين! أفكان ذلك البازي آمنا أن يلقاه باز من قيس وهو يسير فيرميه فتشول رجلاه! فضحك عبد الصمد ثم دعا بكسوة فكساهم.

أخبرني حبيب بن نصر المهلبيّ قال حدّثنا عبد الصمد بن شبيب قال قال أبو حذافة السّهميّ: سبّ رجل من قريش في أيام بني أميّة بعض ولد الحسن بن عليّ عليهما السلام، فأغلظ له وهو ساكت، والناس يعجبون من صبره عليه، فلما أطال أقبل الحسنيّ عليه متمثّلا بقول ابن ميّادة:

أظنّت سفاها من سفاهة رأيهاأنّ اهجوها لمّا هجتني محارب
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فلا وأبيها إنّني بعشيرتيونفسي عن ذاك المقام لراغب

فقام القرشيّ خجلا وما ردّ عليه جوابا.

أخبرني أبو خليفة إجازة عن محمد بن سلّام قال: مدح ابن ميّادة جعفر بن سليمان وهو على المدينة، فأخبرني مسمع بن عبد الملك أنه قام له بحاجته عند جعفر وأوصلها إليه. قال فقال له: جزاك اللّه خيرا! ممّن أنت رحمك اللّه؟ قلت: أحد بني مسمع؛ قال: ممّن؟ قلت: من قيس بن ثعلبة؛ قال: ممّن؟ عافاك اللّه! قلت: من بكر بن وائل؛ قال: واللّه لو كنت سمعت ببكر بن وائل قط أو عرفتهم لمدحتك، ولكني ما سمعت ببكر قطّ ولا عرفتهم، ثم مدح جعفرا فقال:

لعمرك ما سيوف بني عليّبنابية الظّباة ولا كلال
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
هم القوم الألى ورثوا أباهمتراث محمّد غير انتحال
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وهم تركوا المقال لهم رفيعاوما تركوا عليهم من مقال
حذوتم قومكم ما قد حذوتمكما يحذى المثال على المثال
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فردّوا في جراحكم أساكمفقد أبلغتم مرّ النّكال
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

يشير عليه بالعفو عن بني أميّة ويذكّره بأرحامهم.

أخبرنا بهذا الخبر يحيى بن عليّ عن سليمان المديني عن محمد بن سلّام، قال يحيى قال أبو الحارث المرّيّ فيما ذكره إسحاق من أخباره: قال جعفر بن سليمان لابن ميّادة: أتحبّ أن أعطيك مثل ما أعطاك ابن عمّك رياح بن عثمان؟ فقال: لا، أيّها الأمير، ولكن أعطني كما أعطاني ابن عمّك الوليد بن يزيد.

قال يحيى وأخبرنا حماد عن أبيه عن أبي الحارث قال قال جعفر بن سليمان لابن ميّادة: أأنت الذي تقول:

بني أسد أن تغضوا ثمّ تغضبواوتغضب قريش تحم قيسا غضابها

قال: لا واللّه! ما هكذا قلت؛ قال: فكيف قلت؟ قال: قلت:

بني أسد إن تغضبوا ثمّ تغضبواوتعدل قريش تحم قيسا غضابها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال: صدقت هكذا قلت. وهذه القصيدة يهجو بها ابن ميّادة بني أسد وبني تميم، وفيها يقول بعد هذا البيت الذي ذكره له جعفر بن سليمان:

وأحقر محقور تميم أخوكموإن غضبت يربوعها وربابها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ألا ما أبالي أن تخندف خندفولست أبالي أن يطنّ ذبابها
ولو أنّ قيسا قيس عيلان أقسمتعلى الشمس لم يطلع عليكم حجابها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
ولو حاربتنا الجنّ لم نرفع القناعن الجنّ حتى لا تهرّ كلابها
لنا الملك إلّا أنّ شيئا تعدّهقريش ولو شئنا لذلّت رقابها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وإن غضبت من ذا قريش فقل لهامعاذ الإله أن أكون أهابها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وإن لقوّال الجواب وإننيلمفتجر أشياء يعيي جوابها
إذا غضبت قيس عليك تقاصرتيداك وفات الرّجل منك ركابها
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال إسحاق في خبره فحدّثني جبر بن رباط بن عامر بن نصر قال: فقال سماعة بن أشول النعامي يعارض ابن ميّادة:

لعلّ ابن أشبانيّة عارضت بهرعاء الشّويّ من مريح وعازب
للشاعر سماعة بن أشول، اقرأ القصيدة
يسامي فروعا من خزيمة أحرزتعليه ثنايا المجد من كل جانب
للشاعر سماعة بن أشول، اقرأ القصيدة

فقال ابن ميّادة: من هذا؟ لقد أغلق عليّ أغلق اللّه عليه! قالوا: سماعة بن أشول؛ فقال: سماعة يسمّع بي، وأشول يشول بي، واللّه لا أهاجيه أبدا، وسكت عنه.

وقال عبد الرحمن بن جهيم الأسديّ أحد بني الحارث بن سعد بن ثعلبة بن دودان بن أسد يردّ على ابن ميّادة، وهي قصيدة طويلة ذكرت منها أبياتا:

لقد كذب العبد ابن ميادة الذيربا وهي وسط الشّول تدمى كعابها
شرنبثة الأطراف لم يقن كفّهاخضاب ولم تشرق بعطر ثيابها
أرمّاح إن تغضب صناديد خندفيهج لك حربا قصبها واعتيابها

ويروى «اغتيابها» من الغيبة. و «اعتيابها» من العيب.

ولو أغضبت قيس قريشا لجدّعتمسامع قيس وهي خضع رقابها
لقد جرّ رمّاح ابن واهصة الخصىعلى قومه حربا عظيما عذابها
وقد علم المملوح بالشؤم رأسهقتيبة أن لم تحم قيسا غضابها
ولم تحمها أيام قتل ابن حازموأيام قتلى كان خزيا مصابها
ولا يوم لا قينا نميرا فقتّلتنمير وفرّت كعبها وكلابها
وإن تدع قيسا لا تجبك وحولهاخيول تميم سعدها وربابها
ولو أنّ قيسا قيس عيلان أصحرتلأنواء غنم غرّقتها شعابها
ولو أنّ قرن الشمس كان لمعشرلكان لنا إشراقها واحتجابها
ولكنّها للّه يملك أمرهابقدرته إصعادها وانصبابها
لعمري لئن شابت حليلة نهبللبئس شباب المرء كان شبابها
ولم تدر حمراء العجان أنهبلأبوه أم المرّيّ تبّ تبابها
فإن يك رمّاح بن ميّادة التييصنّ إذا باتت بأرض ترابها
جرى جري موهون القوى قصّرت بهلئيمة أعراق إليه انتسابها
فلن تسبق المضمار في كلّ موطنمن الخيل عند الجدّ إلّا عرابها
وواللّه لو لا أنّ قيسا أذلّةلئام فلا يرضى لحرّ سبابها
لالحقتها بالزّنج ثم رميتهابشنعاء يعيي القائلين جوابها

أخبرني يحيى بن علي عن حمّاد عن أبيه قال: وجدت في كتاب أبي عمرو الشّيباني فعرضته على أبي داود فعرفه أو عامّته، قال: إنّا لجلوس على الهجم في ظلّ القصر عشيّة، إذ أقبل إلينا ثلاثة نفر يقودون ناقة حتى جلسوا إلى أبان بن سعيد بن عيينة بن حصن وهو في جماعة من بني عيينة، قال: فرأيت أجلّة ثلاثة ما رأيتهم قطّ، فقلنا: من القوم؟

فقال أحدهم: أنا ابن ميّادة وهذان من عشيرتي؛ فقال أبان لأحد بنيه: اذهب بهذه الناقة فأطلق عنها عند بيت أمّك؛ فقال له ابن ميّادة: هذه يا أبا جعفر السّعلاة، أفلا أنشدك ما قلت فيها؟ قال: بلى فهات؛ فقال:

قعدت على السّعلاة تنفض مسحهاوتجذب مثل الأيم في برة الصّفر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
تيمّم خير الناس ماء وحاضرا وتحمل حاجات تضمّنها صدري
فإني على رغم الأعادي لقائلوجدت خيار الناس حيّ بني بدر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
لهم حاضر بالهجم لم أر مثلهممن الناس حيّا أهل بدو ولا حضر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
وخير معدّ مجلسا مجلس لهميفيء عليه الظلّ من جانب القصر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
أخصّ بها روقي عيينة إنهكذاك ضحاح الماء يأوي إلى الغمر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فأنتم أحقّ الناس أن تتخيّروا المياه وأن ترعوا ذرى البلد القفر
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال: فكان أوّل قائم من القوم ركضة بن عليّ بن عيينة، وهو ابن عمّ أبان وعبدة بنت أبان، وكانت إبله في العطن وهي أكرم نعم بني عيينة وأكثره، فقال: ما سمعت كاليوم مديح قوم قطّ، حكمك ماض في هذه الإبل؛ ثم قام آخر فقال مثل ذلك، وقام آخر وآخر؛ فقال ابن ميّادة: يا بني عيينة، إني لم آتكم لتتبارى لي شياطينكم في أموالكم، إنما كان عليّ دين فأردت أن تعطوني أبكرا أبيعها في ديني. فأقام عند أبان بن سعيد خمسة عشر يوما، ثم راح بتسع عشرة ناقة، فيها ناقة لابن أبان عشراء أو رباعية. قال يحيى في خبره: وقال يعقوب بن جعفر بن أبان بن سعيد بن عيينة: إنّي على الهجم يوما إذا أقبل رجل فجعل يصرّف راحلته في الحياض فيردّه الرجل بعد الرجل، فدعوته فقلت: اشرع في هذا الحوض؛ فلما شرع فسقى قال: من هذا الفتى؟ فقيل: هذا جعفر بن أبان بن سعيد بن عيينة؛ فقال:

بنو الصالحين الصالحون ومن يكنلآباء سوء يلقهم حيث سيّرا
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أبوك حباب سارق الضيف برده»
فما العود إلا نابت في أرومهأبي شجر العيدان أن يتغيّرا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال إسحاق: سألت أبا داود عن قوله:

كذاك ضحاح الماء يجري إلى الغمر

فقال: أراد أنّ الأمر كلّه والسؤدد يصير إليه، كما يصير الماء إلى الغمرة حيث كانت.

أخبرنا يحيى بن عليّ قال حدثنا أبو أيوب المدينيّ قال أخبرني مصعب بن الزبير قال: ضاف ابن ميّادة أيّوب بن سلمة فلم يقره، وابن ميّادة من أخوال أيوب بن سلمة، فقال فيه:

ظللنا وقوفا عند باب ابن أختناوظلّ عن المعروف والمجد في شغل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
صفا صلد عند الندى ونعامةإذا الحرب أبدت عن نواجذها العصل
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال أبو أيوب وأخبرني مصعب قال: قدم ابن ميّادة على رياح بن عثمان، وقد ولي المدينة وهو جادّ في طلب محمد بن عبد اللّه بن حسن وإبراهيم أخيه، فقال له: اتخذ حرسا وجندا من غطفان واترك هؤلاء العبيد الذين تعطيهم دراهمك، وحذار من قريش؛ فاستخفّ بقوله ولم يقبل رأيه؛ فلمّا قتل رياح قال ابن ميّادة:

أمرتك يا رياح بأمر حزمفقلت هشيمة من أهل نجد
وقلت له تحفّظ من قريشورقّع كلّ حاشية وبرد
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فوجدا ما وجدت على رياحوما أغنيت شيئا غير وجدي

أخبرني عمّي قال حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال حدّثني أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل قال حدّثني أكثم بن صيفيّ المرّيّ ثم الصارديّ عن أبيه قال: كان ابن ميّادة رأى امرأة من بني جشم بن معاوية ثم من بني حرام يقال لها: أمّ الوليد، وكانوا ساروا عليه، فأعجب بها وقال فيها:

ألا حبّذا أمّ الوليد ومربعلنا ولها نشتو به ونصيف
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

ويروي:

… ومربعلنا ولها بالمشتوى ومصيف
حراميّة أمّا ملاث إزارهافوعث وأمّا خصرها فلطيف
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
كأنّ القرون السّود مقذّهاإذا زال عنها برقع ونصيف
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
بها زرجونات بقفر تنسّمتلها الريح حتى بينهنّ رفيف
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال: فلما سمع زوجها هذه الأبيات أتاها فحلف بطلاقها: لئن وجد ابن ميّادة عندها ليدقنّ فخذها، ثم أعرض عنها واغترّها، حتى وجده يوما عند بيتها فدّق فخذها، واحتمل فرحل ورحل بها معه؛ فقال ابن ميّادة:

أتانا عام سار بنو كلابحراميّون ليس لهم حرام
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
كأنّ بيوتهم شجر صغاربقيعان تقيل بها النّعام
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
حراميّون لا يقرون ضيفاولا يدرون ما خلق الكرام
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال: ثم سارت عليهم بعد ذلك بنو جعفر بن كلاب، فأعجب بامرأة منهم يقال لها أمّ البختريّ، وكان يتحدّث إليها مدّة مقامهم، ثم ارتحلوا فقال فيها:

أرقت لبرق لا يفتّر لامعهبشهب الرّبى والليل قد نام هاجعه
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
أرقت له من بعد ما نام صحبتيوأعجبني إيماضه وتتابعه
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
يضيىء صبيرا من سحاب كأنّههجان أرنّت للحنين نوازعه
هنيئا لأمّ البختريّ الرّوي بهوإن أنهج الحبل الذي النأي قاطعه
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
لقد جعل المستبضع الغشّ بينناليصرم حبلينا تجوز بضائعه
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
فما سرحة تجري الجداول تحتهابمطّرد القيعان عذب ينابعه
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
بأحسن منها يوم قالت بذي الغضاأترعى جديد الحبل أم أنت قاطعه
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

أخبرني عمّي قال حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال حدّثني أحمد بن إبراهيم قال: وذكر أبو الأشعث أنّ ابن ميّادة خطب امرأة من بني سلمى بن مالك بن جعفر ثم من بني البهثة - وهم بطن يقال لهم البهثاء - فأبوا أن يزوّجوه وقالوا: أنت هجين ونحن أشرف منك؛ فقال:

فلو طاوعتني آل سلمى بن مالكلأعطيت مهرا من مسرّة غاليا
وسرب كسرب العين من آل جعفريغادين بالكحل العيون السواجيا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة
إذا ما هبطن النّيل أو كنّ دونهبسرو الحمى ألقين ثمّ المراسيا
للشاعر ابن ميادة، اقرأ القصيدة

قال أحمد بن إبراهيم: مات ابن ميّادة في صدر من خلافة المنصور، وقد كان مدحه ثم لم يفد إليه ولا مدحه، لما بلغه من قلّة رغبته في مدائح الشعراء وقلّة ثوابه لهم.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»