من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار حنين الحيري ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
حنين بن بلوع الحيريّ مختلف في نسبه، فقيل: إنه من العباديّين من تميم، وقيل: إنه من بني الحارث بن كعب، وقيل من قوم بقوا من جديس وطسم فنزلوا في بني الحارث بن كعب فعدّوا فيهم، ويكنى أبا كعب، وكان شاعرا مغنّيا فحلا من فحول المغنّين، وله صنعة فاضلة متقدّمة، وكان يسكن الحيرة ويكري الجمال إلى الشأم وغيرها، وكان نصرانيّا. وهو القائل يصف الحيرة ومنزله بها:
صوت
أنا حنين ومنزلي النّجفوما نديمي إلّا الفتى القصف
أقرع بالكأس ثغر باطيةمترعة، تارة وأغترف
من قهوة باكر التّجار بهابيت يهود قرارها الخزف
والعيش غضّ ومنزلي خصبلم تغذني شقوة ولا عنف
الغناء والشعر لحنين، ولحنه خفيف رمل بالبنصر. وفيه لابن المكّيّ خفيف ثقيل قديم. ولعريب فيه خفيف ثقيل آخر عن الهشاميّ.
أخبرنا وكيع قال قال حماد حدّثني أبي عن أبي الخطّاب قال وحدّثني ابن كناسة عن سليمان بن داود: مولى ليحيى، وأخبرني بهذا الخبر الحسن بن عليّ عن ابن مهرويه عن قعنب بن المحرز الباهليّ عن المدائنيّ قالوا جميعا: حجّ هشام بن عبد الملك وعديله الأبرش الكلبيّ، فوقف له حنين بظهر الكوفة ومعه عوده وزامر له، وعليه قلنسية طويلة، فلمّا مرّ هشام عرض له، فقال: من هذا؟ فقيل: حنين، فأمر به فحمل في محمل على جمل وعديله زامره، وسير به أمامه وهو يتغنّى:
صوت
أمن سلمى بظهر الكوفة الآيات والطّلل
يلوح كما تلوح علىجفون الصّيقل والخلل
- الصنعة في هذا الصوت لحنين ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو. وفيه خفيف ثقيل ينسب إلى حنين أيضا وإلى غيره - قال: فأمر له هشام بمائتي دينار، وللزامر بمائة. وذكر إسحاق في خبره عن أبي الخطّاب أنه غنّى هشاما:
صوت
صاح هل أبصرت بالخبتين من أسماء نارا
موهنا شبّت لعينيك ولم توقد نهارا
كتلالي البرق في المزن إذا البرق استطارا
أذكرتني الوصل من سعدى وأيّاما قصارا
- الشعر للأحوص، والغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالسّبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. ونسبه ابن المكّيّ إلى الغريض. وقال يونس: فيه لحنان لمالك ولم يجنّسهما. وقال الهشاميّ: فيه لمالك خفيف رمل - قال: فلم يزل هشام يستعيده حتى نزل من النجف، فأمر له بمائتي دينار.
وقال إسحاق: قيل لحنين: أنت تغنّي منذ خمسين سنة ما تركت لكريم مالا ولا دارا ولا عقارا إلّا أتيت عليه! فقال: بأبي أنتم، إنّما هي أنفاسي أقسمها بين الناس، أفتلومونني أن أغلي بها الثمن!.
أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد قالا حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه ومصعب بن الزّبير عن بعض المكيّين، وأخبرني به الحرميّ بن أبي العلاء وحبيب بن نصر قالا حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي مصعب قال حدّثني شيخ من المكّيّين يقال له شريس قال: إنّا لبالأبطح أيام الموسم نشتري ونبيع إذ أقبل شيخ أبيض الرأس واللحية على بغلة شهباء ما ندري أهو أشدّ بياضا أم بغلته أم ثيابه؛ فقال: أين بيت أبي موسى؟ فأشرنا له إلى الحائط؛ فمضى حتى انتهى إلى الظلّ من بيت أبي موسى، ثم استقبلنا ببغلته ووجهه ثم اندفع يغنّي:
صوت
أسعديني بدمعة أسرابمن دموع كثيرة التّسكاب
إنّ أهل الحصاب قد تركونيمغرما مولعا بأهل الحصاب
فارقوني وقد علمت يقيناما لمن ذاق ميتة من إياب
سكنوا الجزع جزع بيت أبي موسى إلى النخل من صفيّ السّباب
كم بذاك الحجون من حيّ صدقوكهول أعفّة وشباب
أهل بيت تتايعوا للمناياما على الموت بعد هم من عتاب
فلي الويل بعدهم وعليهمصرت فردا وملّني أصحابي
- الشعر لكثير بن كثير بن المطّلب بن أبي وداعة السّهميّ. والغناء لمعبد ثقيل أوّل بالسّبابة في مجرى الوسطى. وفيه لابن أبي دباكل الخزاعيّ ثاني ثقيل بالوسطى عن ابن خرداذبة - قال: ثم صرف الرجل بغلته وذهب، فتبعناه حتى أدركناه، فسألناه من هو، فقال: أنا حنين بن بلوع وأنا رجل جمّال أكري الأبل ثم مضى.
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد على أبي عن المدائنيّ، قال: كان حنين غلاما يحمل الفاكهة بالحيرة، وكان لطيفا في عمل التحيّات، فكان إذا حمل الرياحين إلى بيوت الفتيان ومياسير أهل الكوفة وأصحاب القيان والمتطرّبين إلى الحيرة ورأوا رشاقته وحسن قدّه وحلاوته وخفّة روحه استحلوه، وأقام عندهم وخفّ لهم، فكان يسمع الغناء ويشتهيه ويصغي إليه ويستمعه ويطيل الإصغاء إليه، فلا يكاد ينتفع به في شيء إذا سمعه، حتى شدا منه أصواتا فأسمعها الناس - وكان مطبوعا حسن الصوت - واشتهوا غناءه والاستماع منه وعشرته، وشهر بالغناء ومهر فيه، وبلغ منه مبلغا كبيرا، ثم رحل إلى عمر بن داود الواديّ وإلى حكم الواديّ، وأخذ منهما، وغنّى لنفسه في أشعار الناس، فأجاد الصّنعة وأحكمها، ولم يكن بالعراق غيره فاستولى عليه في عصره. وقدم ابن محرز حينئذ إلى الكوفة فبلغ خبره حنينا، وقد كان يعرفه، فخشي أن يعرفه الناس فيستحلوه ويستولي على البلد فيسقط هو، قال له: كم منّتك نفسك من العراق؟
قال: ألف دينار، قال: فهذه خمسمائة دينار عاجلة فخذها وانصرف واحلف لي أنك لا تعود إلى العراق؛ فأخذها وانصرف.
أخبرني عميّ وعيسى بن الحسين قالا حدّثنا أبو أيوب المدائنيّ عن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل قال: كان ابن محرز قدم الكوفة وبها بشر بن مروان، وقد بلغه أنه يشرب الشراب ويسمع الغناء، فصادفه وقد خرج إلى البصرة؛ وبلغ خبره حنين بن بلوع فتلطّف له حتى دعاه؛ فغنّاه ابن محرز لحنه - قال أحمد بن إبراهيم وهو من الثقيل الثاني من جيّد الأغاني -:
صوت
وحرّ الزّبرجد في نظمهعلى واضح اللّيت زان العقودا
يفصّل ياقوته درّهوكالجمر أبصرت فيه الفريدا
قال: فسمع شيئا هاله وحيّره، فقال له حنين: كم منّتك نفسك من العراق؟ قال: ألف دينار، فقال: هذه خمسمائة دينار حاصلة عاجلة ونفقتك في عودتك وبدأتك ودع العراق لي وامض مصاحبا حيث شئت - قال: وكان ابن محرز صغير الهمّة لا يحبّ عشرة الملوك ولا يؤثر على الخلوة شيئا - فأخذها وانصرف.
وقال حمّاد في خبره قال أبي حدّثني بعض أهل العلم بالغناء عن حنين قال: خرجت إلى حمص ألتمس الكسب بها وأرتاد من أستفيد منه شيئا، فسألت عن الفتيان بها وأين يجتمعون، فقيل لي: عليك بالحمّامات فإنهم يجتمعون بها إذا أصبحوا فجئت إلى أحدها فدخلته، فإذا فيه جماعة منهم، فأنست وانبسطت، وأخبرتهم أني غريب، ثم خرجوا وخرجت معهم، فذهبوا بي إلى منزل أحدهم، فلما قعدنا أتينا بالطّعام فأكلنا وأتينا بالشراب فشربنا، فقلت لهم: هل لكم في مغنّ يغنّيكم؟ قالوا: ومن لنا بذلك؟
قلت: أنا لكم به، هاتوا عودا فأتيت به، فابتدأت في هنيّات أبي عبّاد معبد، فكأنّما غنّيت للحيطان لا فكهوا لغنائي ولا سرّوا به، فقلت: ثقل عليهم غناء معبد لكثرة عمله وشدّته وصعوبة مذهبه، فأخذت في غناء الغريض فإذا هو عندهم كلا شيء، وغنّيت خفائف ابن سريج، وأهزاج حكم، والأغاني التي لي، واجتهدت في أن يفهموا، فلم يتحرّك من القوم أحد، وجعلوا يقولون: ليت أبا منبّه قد جاءنا، فقلت في نفسي: أرى أنّي سأفتضح اليوم بأبي منبّه فضيحة لم يفتضح أحد قطّ مثلها. فبينا نحن كذلك إذ جاء أبو منبّه، وإذا هو شيخ عليه خفّان أحمران كأنه جمّال، فوثبوا جميعا إليه وسلّموا عليه وقالوا: يا أبا منبّه أبطأت علينا، وقدّموا له الطّعام وسقوه أقداحا، وخنست أنا حتى صرت كلا شيء خوفا منه، فأخذ العود ثم اندفع يغنّي:
طرب البحر فاعبري يا سفينهلا تشقّي على رجال المدينه
فأقبل القوم يصفّقون ويطربون ويشربون، ثم أخذ في نحو هذا من الغناء؛ فقلت في نفسي: أنتم ها هنا! لئن أصبحت سالما لا أمسيت في هذه البلدة. فلمّا أصبحت شددت رحلي على ناقتي واحتقبت ركوة من شراب ورحلت متوجّها إلى الحيرة، وقلت:
ليت شعري متى تخبّ بي الناقة بين السّدير والصّنّين
محقبا ركوة وخبز رقاقوبقولا وقطعة من نون
لست أبغي زادا سواها من الشام وحسبي علالة تكفيني
فإذا أبت سالما قلت سحقاوبعادا لمعشر فارقوني
أخبرني محمد بن مزيد والحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه، وأخبرنا به وكيع في عقب أخبار رواها عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه فقال: وقال لي إسحاق، فلا أدري أأدرج الإسناد وهو سماعه أم ذكره مرسلا، قال إسحاق وذكر ابن كناسة: أن خالد بن عبد اللّه القسريّ حرّم الغناء بالعراق في أيامه، ثم أذن للناس يوما في الدخول عليه عامّة، فدخل إليه حنين ومعه عود تحت ثيابه، فقال: أصلح اللّه الأمير، كانت لي صناعة أعود بها على عيالي فحرّمها الأمير فأضرّ ذلك بي وبهم، فقال: وما صناعتك؟ فكشف عن عوده وقال: هذا؛ فقال له خالد: غنّ، فحرّك أوتاره وغنّى:
صوت
أيها الشامت المعيّر بالدهر أأنت المبرّأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيّام بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلّدن أم منذا عليه من أن يضام خفير
قال: فبكى خالد وقال: قد أذنت لك وحدك خاصّة فلا تجالسنّ سفيها ولا معربدا. فكان إذا دعي قال: أفيكم سفيه أو معربد؟ فإذا قيل له: لا، دخل.
شعر هذا الصوت المذكور لعديّ بن زيد، والغناء لحنين رمل بالوسطى عن عمرو. وقوله: المبرأ، يعني المبرأ من المصائب. والموفور: الذي لم يذهب من ماله ولا من حاله شيء، يقال: وفر الرجل يوفر. ولديك بمعنى عندك ها هنا.
أخبرني أبو صالح محمد بن عبد الواحد الصّحّاف الكوفيّ قال حدّثنا قعنب بن المحرز الباهليّ قال أخبرنا الهيثم بن عديّ عن عبد اللّه بن عيّاش وعن مجالد عن الشّعبيّ جميعا، وأخبرني محمد بن مزيد وحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن الهيثم بن عديّ عن عبد اللّه بن عيّاش عن الشّعبيّ قال: لما ولي بشر بن مروان الكوفة كنت على مظالمه، فأتيته عشيّة وحاجبه أعين (صاحب حمّام أعين) جالس، فقلت له: استأذن لي على الأمير! فقال لي: يا أبا عمرو، هو على حال ما أظنّك تصل إليه معها؛ فقلت: أعلمه - وخلاك ذمّ - فقد حدث أمر لا بدّ لي من إنهائه إليه - وكان لا يجلس بالعشيّ - فقال: لا، ولكن اكتب حاجتك في رقعة حتى أوصّلها إليه؛ فكتبت رقعة، فما لبث أن خرج التوقيع على ظهرها: ليس الشعبيّ ممن يحتشم منه فأذن له، فأذن لي فقال: ادخل، فدخلت فإذا بشر بن مروان عليه غلالة رقيقة صفراء وملاءة تقوم قياما من شدّة الصّقال، وعلى رأسه إكليل من ريحان، وعلى يمينه عكرمة بن ربعىّ، وعلى يساره خالد بن عتّاب بن ورقاء، وإذا بين يديه حنين بن بلوع معه عوده، فسلمت فردّ عليّ السلام ورحّب وقرّب، ثم قال: يا أبا عمرو، لو كان غيرك لم آذن له على هذه الحال، فقلت: أصلح اللّه الأمير، عندي لك الستر لكل ما أرى منك والدخول معك فيما لا يجمل، والشكر على ما توليني؛ فقال: كذلك الظنّ بك، ثم التفتّ إلى حنين وعوده في حجره وعليه قباء خشك شوي - وقال إسحاق: خشكون - ومستقة حمراء وخفّان مكعّبان، فسلم عليّ؛ فقلت له: كيف أنت أبا كعب، فقال: بخير أبا عمرو؛ فقلت: احزق الزّير وأرخ البمّ ففعل؛ وضرب فأجاد؛ فقال بشر لأصحابه: تلومونني على أن آذن له في كل حال! ثم أقبل عليّ فقال: أبا عمرو، من أين وقع لك حزق الزير؟
فقلت: ظننت أن الأمر هناك، فقال: فإن الأمر كما ظننت هناك كلّه. ثم قال: فمن أين تعرف حنينا؟ فقلت: هذا بطّة أعراسنا فكيف لا أعرفه! فضحك، وغنّى حنين فأجاد فطرب وأمر له بجائزة، ثم ودّعته وقمت بعد أن ذكرت له ما جئت فيه، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وعشرة أثواب، فقمت مع الخادم حتى قبضت ذلك منه وانصرفت. وقد وجدت هذا الخبر بخط أبي سعيد السّكّريّ يأثره عن محمد بن عثمان المخزوميّ عن أبيه عن جدّه: أنه كان عند بشر بن مروان يوم دخل عليه الشّعبيّ هذا المدخل وأن حنين بن بلوع غنّاه:
هم كتموني سيرهم حين أزمعواوقالوا اتّعدنا للرّواح وبكّروا
وهذا القول خطأ قبيح، لأن هذا الشعر للعبّاس بن الأحنف، والغناء لعلّويه رمل بالوسطى، وغنّي للمأمون فيه فقال: سخروا من أبي الفضل أعزّه اللّه.
أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حمّاد بن إسحاق: قرأت على أبي، وقال أبو عبيد اللّه الكاتب حدّثني سليمان بن بشر بن عبد الملك بن بشر بن مروان قال: وكان بعض ولاة الكوفة يذمّ الحيرة في أيام بني أميّة، فقال له رجل من أهلها - وكان عاقلا ظريفا -: أتعيب بلدة يضرب بها المثل في الجاهليّة والإسلام! قال: وبماذا تمدح؟ قال: بصحّة هوائها، وطيب مائها، ونزهة ظاهرها، تصلح للخفّ والظّلف، سهل وجبل، وبادية وبستان، وبرّ وبحر، محلّ الملوك ومزارهم، ومسكنهم ومثواهم، وقد قدمتها - أصلحك اللّه - مخفّا فرجعت مثقلا ووردتها مقلّا فأصارتك مكثرا، قال: فكيف نعرف ما وصفتها به من الفضل؟ قال: بأن تصير إليّ، ثم ادع ما شئت من لذّات العيش، فو اللّه لا أجوز بك الحيرة فيه؛ قال: فاصنع لنا صنيعا واخرج من قولك؛ قال: أفعل، فصنع لهم طعاما وأطعمهم من خبزها وسمكها وما صيد من وحشها: من ظباء ونعام وأرانب وحبارى، وسقاهم ماءها في قلالها، وخمرها في آنيتها، وأجلسهم على رقمها - وكان يتّخذ بها من الفرش أشياء ظريفة - ولم يستخدم لهم حرّا ولا عبدا إلّا من مولّديها ومولّداتها من خدم ووصائف ووصفاء كأنهم اللؤلؤ، لغتهم لغة أهلها، ثم غنّاهم حنين وأصحابه في شعر عديّ بن زيد شاعرهم وأعشى همدان لم يتجاوزهما، وحيّاهم برياحينها، ونقّلهم على خمرها، وقد شربوا بفواكهها؛ ثم قال له: هل رأيتني استعنت على شيء مما رأيت وأكلت وشربت وافترشت وشممت وسمعت بغير ما في الحيرة؟ قال: لا واللّه، لقد أحسنت صفة بلدك ونصرته فأحسنت نصرته والخروج ممّا تضمّنته، فبارك اللّه لكم في بلدكم.
قال إسحاق: ولم يكن بالحيرة مذكور في الغناء سوى حنين إلّا نفرا من السّدريّين يقال لهم: عباديس، وزيد بن الطّليس، وزيد بن كعب، ومالك بن حممة، وكانوا يغنّون غناء الحيرة بين الهزج والنّصب وهو إلى النصب أقرب ولم يدوّن منه شيء لسقوطه وأنه ليس من أغاني الفحول. وما سمعنا نحن لأحد من هؤلاء خبرا إلا لمالك بن حممة، أخبرني به عمّي عن عبد اللّه بن أبي سعد.
وقال وكيع في خبره عن إسحاق حدّثني أبو بشر الفزاريّ قال حدّثني بشر بن الحسين بن سليمان بن سمرة بن جندب قال: عاش حنين بن بلوع مائة سنة وسبع سنين، وكان يقال أنه من جديس؛ قال وقيل أيضا: إنه من لخم، وكان هو يزعم أنه عباديّ وأخواله من بني الحارث بن كعب.
أخبرني رضوان بن أحمد الصّيدلانيّ قال حدّثنا يوسف بن إبراهيم قال حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن المهديّ قال: كنت مع الرشيد في السنة التي نزل فيها على عون العباديّ، فأتاني عون بابن ابن حنين بن بلوع، وهو شيخ، فغنّاني عدّة أصوات لجدّه، فما استحسنتها، لأنّ الشيخ كان مشوّه الخلق، طنّ الغناء، قليل الحلاوة، إلا أنه كان لا يفارق عمود الصوت أبدا حتى يفرغ منه، فغنّاني صوت ابن سريج:
فتركته جزر السّباع ينشنهما بين قلّة رأسه والمعصم
فما أذكر أني سمعته من أحد قطّ أحسن مما سمعته منه، فقلت له: لقد أحسنت في هذا الصوت، وما هو من أغاني جدّك، وإني لأعجب من ذلك! فقال لي الشيخ: والصليب والقربان ما صنع هذا الصوت إلا في منزلنا وفي سرداب لجدّي، ولقد كاد أن يأتي على نفس عمتي؛ فسألته عن الخبر في ذلك فقال:
حدّثني أبي أن عبيد بن سريج قدم الحيرة ومعه ثلاثمائة دينار. فأتى بها منزلنا في ولاية بشر بن مروان الكوفة، وقال: أنا رجل من أهل الحجاز من أهل مكة، بلغني طيب الحيرة وجودة خمرها وحسن غنائك في هذا الشعر:
حنتني حانيات الدهر حتّىكأنّي خاتل يدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من رآنيولست مقيّدا أنّي بقيد
فخرجت بهذه الدنانير لأنفقها معك وعندك ونتعاشر حتى تنفد وأنصرف إلى منزلي. فسأله جدّي عن اسمه ونسبه فغيّرهما وانتمى إلى بني مخزوم، فأخذ جدّي المال منه وقال: موفّر مالك عليك ولك عندنا كلّ ما يحتاج إليه مثلك ما نشطت للمقام عندنا، فإذا دعتك نفسك إلى بلدك جهّزناك إليه ورددنا عليك مالك وأخلفنا ما أنفقته عليك إلى أن جئتنا، وأسكنه دارا كان ينفرد فيها، فمكث عندنا شهرين لا يعلم جدّي ولا أحد من أهلنا أنه يغنّي، حتى انصرف جدّي من دار بشر بن مروان في يوم صائف مع قيام الظّهيرة، فصار إلى باب الدار التي كان أنزل ابن سريج فيها فوجده مغلقا فارتاب بذلك، ودقّ الباب فلم يفتح له ولم يجبه أحد، فصار إلى منازل الحرم فلم يجد فيها ابنته ولا جواريه، ورأى ما بين الدار التي فيها الحرم ودار ابن سريج مفتوحا، فانتضى سيفه ودخل الدار ليقتل ابنته؛ فلمّا دخلها رأى ابنته وجواريه وقوفا على باب السّرداب، وهنّ يومئن إليه بالسكوت وتخفيف الوطء، فلم يلتفت إلى إشارتهنّ لما تداخله، إلى أن سمع ترنّم ابن سريج بهذا الصوت، فألقى السيف من يده وصاح به - وقد عرفه من غير أن يكون رآه، ولكن بالنعت والحذق -: أبا يحيى، جعلت فداءك، أتيتنا بثلاثمائة دينار سوى ما جئت به معك، ثم دخل إليه فعانقه ورحّب به ولقيه بخلاف ما كان يلقاه به، وسأله عن هذا الصوت، فأخبره أنه صاغه في ذلك الوقت. فصار معه إلى بشر بن مروان فوصله بعشرة آلاف درهم أوّل مرّة، ثم وصله بعد ذلك بمثلها؛ فلمّا أراد الخروج ردّ عليه جدّي ماله وجهّزه ووصله بمقدار نفقته التي أنفقها من مكة إلى الحيرة، ورجع ابن سريج إلى أهله وقد أخذ جميع من كان في دارنا منه هذا الصوت.
أخبرني عمّي قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني حسّان بن محمد الحارثيّ قال حدّثنا عبد اللّه قال حدّثنا عبيد بن حنين الحيريّ قال: كان المغنّون في عصر جدّي أربعة نفر ثلاثة بالحجاز وهو وحده بالعراق، والذين بالحجاز: ابن سريج والغريض ومعبد، فكان يبلغهم أنّ جدّي حنينا قد غنّى في هذا الشعر:
هلّا بكيت على الشباب الذاهبوكففت عن ذمّ المشيب الآئب
هذا وربّ مسوّفين سقيتهممن خمر بابل لذة للشارب
بكروا عليّ بسحرة فصبحتهممن ذات كوب مثل قعب الحالب
بزجاجة ملء اليدين كأنّهاقنديل فصح في كنيسة راهب
قال: فاجتمعوا فتذاكروا أمر جدّي وقالوا: ما في الدنيا أهل صناعة شرّ منّا، لنا أخ بالعراق ونحن بالحجاز، لا نزوره ولا نستزيره. فكتبوا إليه ووجّهوا إليه نفقة وكتبوا يقولون: نحن ثلاثة وأنت وحدك فأنت أولى بزيارتنا، فشخص إليهم، فلمّا كان على مرحلة من المدينة بلغهم خبره فخرجوا يتلقّونه، فلم ير يوم كان أكثر حشرا ولا جمعا من يومئذ، ودخلوا، فلمّا صاروا في بعض الطريق قال لهم معبد: صيروا إليّ؛ فقال له ابن سريج: إن كان لك من الشرف والمروءة مثل ما لمولاتي سكينة بنت الحسين عطفنا إليك؛ فقال: ما لي من ذلك شيء، وعدلوا إلى منزل سكينة. فلمّا دخلوا إليها أذنت للناس إذنا فغصّت الدار بهم وصعدوا فوق السطح، وأمرت لهم بالأطعمة فأكلوا منها، ثم إنهم سألوا جدّي حنينا أن يغنّيهم صوته الذي أوّله:
هلّا بكيت على الشباب الذاهب
فغنّاهم إيّاه بعد أن قال لهم: ابدءوا أنتم؛ فقالوا: ما كنّا لنتقدّمك ولا نغنّي قبلك حتى نسمع هذا الصوت؛ فغنّاهم إياه، وكان من أحسن الناس صوتا، فازدحم الناس على السطح وكثروا ليسمعوه، فسقط الرّواق على من تحته فسلموا جميعا وأخرجوا أصحّاء، ومات حنين تحت الهدم؛ فقالت سكينة عليها السلام: لقد كدّر علينا حنين سرورنا، انتظرناه مدّة طويلة كأنّا واللّه كنّا نسوقه إلى منيّته.
نسبة ما في الخبر الأول من الغناء
صوت
وتركته جزر السّباع ينشنهما بين قلّة رأسه والمعصم
إن تغدفي دوني القناع فإنّنيطبّ بأخذ الفارس المستلئم
الشعر لعنترة بن شدّاد العبسيّ، والغناء فيه لحنين ثاني ثقيل.
ومنها:
صوت
حنتني حانيات الدهر حتّىكأنّي خاتل يدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من رآنيولست مقيّدا أنّي بقيد
الغناء لحنين الحيريّ ثقيل أوّل. وفيه لابراهيم الموصليّ ما خوريّ جميعا عن ابن المكّيّ، ووافقه عمرو بن بانة في لحن إبراهيم الموصلي. ونسبة الشعر الذي غنّاه حنين في منزل سكينة - عليها السلام - يقال: إنه لعديّ بن زيد، وقيل: إنّ بعضه له وقد أضافه المغنّون إليه. ولحنه خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق.
صوت من المائة المختارة
راع الفؤاد تفرّق الأحبابيوم الرحيل فهاج لي أطرابي
فظللت مكتئبا أكفكف عبرةسحّا تفيض كواشل الأسراب
لمّا تنادوا للرحيل وقرّبوابزل الجمال لطيّة وذهاب
كاد الأسى يقضي عليك صبابةوالوجه منك لبين إلفك كابي
عروضه من الكامل. والشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء للغريض، ولحنه المختار من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وقال حبش: وفيه لأبي كامل ثاني ثقيل بالوسطى. وذكر حبش: أنّ للغريض أيضا فيه خفيف ثقيل بالوسطى. ولمالك ثقيل أوّل بالوسطى. وهذه الأبيات قالها عمر بن أبي ربيعة في بنت لعبد الملك بن مروان كانت حجّت في خلافته.
أخبرني عليّ بن صالح بن الهيثم قال أخبرني أبو هفّان عن إسحاق بن إبراهيم عن الزّبيريّ والمدائنيّ ومحمد بن سلّام والمسيّبيّ: أنّ بنتا لعبد الملك بن مروان حجّت، فكتب الحجاج إلى عمر بن أبي ربيعة يتوعّده إن ذكرها في شعره بكلّ مكروه؛ وكانت تحبّ أن يقول فيها شيئا وتتعرّض لذلك، فلم يفعل خوفا من الحجّاج. فلمّا قضت حجّها خرجت فمرّ بها رجل فقالت له: من أين أنت؟ قال: من أهل مكّة؛ قالت: عليك وعلى أهل بلدك لعنة اللّه! قال: ولم ذاك؟ قالت: حججت فدخلت مكة ومعي من الجواري ما لم تر الأعين مثلهنّ، فلم يستطع الفاسق ابن أبي ربيعة أن يزوّدنا من شعره أبياتا نلهو بها في الطريق في سفرنا! قال: فإني لا أراه إلا قد فعل؛ قالت: فأتنا بشيء إن كان قاله ولك بكل بيت عشرة دنانير؛ فمضى إليه فأخبره؛ فقال: لقد فعلت، ولكن أحبّ أن تكتم عليّ؛ قال: أفعل؛ فأنشده:
راع الفؤاد تفرّق الأحبابيوم الرحيل فهاج لي أطرابي
وهي طويلة. وأنشده:
هاج قلبي تذكّر الأحبابواعترتني نوائب الأطراب
وهي طويلة أيضا، يقول فيها:
اقتليني قتلا سريعا مريحالا تكوني عليّ سوط عذاب
شفّ عنها محقّق جنديّفهي كالشمس من خلال سحاب
- ذكر حبش: أنّ في هذه الثلاثة الأبيات للهذليّ ثاني ثقيل بالبنصر - قال: فعاد إليها الرجل فأنشدها هاتين القصيدتين فدفعت إليه ما وعدته به.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع