تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر الدارميّ وخبره ونسبه

فيه ١٢ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيّات قال حدّثني أبو أيّوب المدينيّ قال حدّثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ عن عمه قال: الدارميّ من ولد سويد بن زيد الذي كان جدّه قتل أسعد بن عمرو بن هند، ثم هربوا إلى مكة فحالفوا بني نوفل بن عبد مناف.

وكان الدارميّ في أيّام عمر بن عبد العزيز، وكانت له أشعار ونوادر، وكان من ظرفاء أهل مكّة، وله أصوات يسيرة. وهو الذي يقول:

ولما رأيتك أوليتني القبيح وأبعدت عنّي الجميلا
تركت وصالك في جانبوصادفت في الناس خلّا بديلا

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزبير بن بكّار قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم عن الأصمعيّ، وأخبرني عمّي قال حدّثنا فضل اليزيديّ عن إسحاق بن إبراهيم عن الأصمعيّ، وأخبرني عمّي قال حدّثنا أبو الفضل الرّياشيّ عن الأصمعيّ، قال وحدّثني به النّوشجانيّ عن شيخ له من البصريّين عن الأصمعيّ عن ابن أبي الزّناد، ولم يقل عن ابن أبي الزناد غيره: أنّ تاجرا من أهل الكوفة قدم المدينة بخمر فباعها كلها وبقيت السود منها فلم تنفق، وكان صديقا للدارميّ، فشكا ذاك إليه، وقد كان نسك وترك الغناء وقول الشعر؛ فقال له: لا تهتمّ بذلك فإني سأنفقها لك حتى تبيعها أجمع؛ ثم قال:

صوت

قل للمليحة في الخمار الأسودماذا صنعت براهب متعبّد
للشاعر محمد بن مخلد بن قيراط، اقرأ القصيدة
قد كان شمّر للصلاة ثيابهحتى وقفت له بباب المسجد
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «قل للمليحة في الخمار الأسود»

وغنّى فيه، وغنّى فيه أيضا سنان الكاتب، وشاع في الناس وقالوا: قد فتك الدارميّ ورجع عن نسكه؛ فلم تبق في المدينة ظريفة إلا ابتاعت خمارا أسود حتى نفد ما كان مع العراقيّ منها؛ فلما علم بذلك الدارميّ رجع إلى نسكه ولزم المسجد.

فأما نسبة هذا الصوت فإنّ الشعر فيه للدارميّ والغناء أيضا، وهو خفيف ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لسنان الكاتب رمل بالوسطى عن حبش. وذكر حبش أن فيه لابن سريج هزجا بالبنصر.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثني أبو هفّان قال: حضرت يوما مجلس بعض قوّاد الأتراك وكانت له ستارة فنصبت، فقال لها: غنّي صوت الخمار الأسود المليح، فلم ندر ما أراد حتى غنّت:

قل للمليحة في الخمار الأسود

ثم أمسك ساعة ثم قال لها غنّي:

إني خريت وجئت أنتقله

فضحكت ثم قالت: هذا يشبهك! فلم ندر أيضا ما أراد حتى غنّت: إنّ الخليط أجدّ منتقله

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا هارون بن محمد قال حدّثني محمد بن أخي سلّم الخزاعيّ قال حدّثني الحرمازيّ قال زعم لي ابن مودود قال: كان الدارميّ المكيّ شاعرا ظريفا وكانت متفتّيات أهل مكة لا يطيب لهن متنزّه إلّا بالدارمي، فاجتمع جماعة منهنّ في متنزّه لهنّ، وفيهنّ صديقة له، وكلّ واحدة منهنّ قد واعدت هواها، فخرجن حتى أتين الجحفة وهو معهنّ؛ فقال بعضهنّ لبعض: كيف لنا أن نخلو مع هؤلاء الرجال من الدارميّ؟ فإنّا إن فعلنا قطّعنا في الأرض! قالت لهنّ صاحبته: أنا أكفيكنّه؛ قلن: إنا نريد ألّا يلومنا؛ قالت: عليّ أن ينصرف حامدا، وكان أبخل الناس، فأتته فقالت: يا دارميّ، إنّا قد تفلنا فاجلب لنا طيبا؛ قال نعم هو ذا، آتي سوق الجحفة آتيكنّ منها بطيب؛ فأتى المكارين فاكترى حمارا فصار عليه إلى مكة وهو يقول:

أنّا باللّه ذي العزّوبالّركن وبالصّخره
من اللائي يردن الطّيب في اليسر وفي العسره
وما أقوى على هذاولو كنت على البصره

فمكث النسوة ما شئن. ثم قدم من مكة فلقيته صاحبته ليلة في الطّواف، فأخرجته إلى ناحية المسجد وجعلت تعاتبه على ذهابه ويعاتبها، إلى أن قالت له: يا دارميّ، بحقّ هذه البنيّة أتحبّني؟ فقال نعم، فبربّها أتحبّيني؟ قالت نعم؛ قال: فيا لك الخير فأنت تحبّيني وأنا أحبّك، فما مدخل الدراهم بيننا!.

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي قال: كان الدارميّ عند عبد الصمد بن عليّ يحدّثه، فأغفى عبد الصمد فعطس الدارميّ عطسة هائلة، ففزع عبد الصمد فزعا شديدا وغضب غضبا شديدا، ثم استوى جالسا وقال: يا عاضّ كذا من أمه أتفزّعني! قال: لا واللّه ولكن هكذا عطاسي! قال: واللّه لأنقعنّك في دمك أو تأتينّي ببيّنة على ذلك؛ قال: فخرج ومعه حرسيّ لا يدري أين يذهب به، فلقيه ابن الريّان المكيّ فسأله؛ فقال: أنا أشهد لك؛ فمضى حتى دخل على عبد الصمد؛ فقال له: بم تشهد لهذا؟ قال: أشهد أني رأيته مرّة عطس عطسة فسقط ضرسه؛ فضحك عبد الصمد وخلّى سبيله.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا هارون بن محمد قال حدّثنا الزبير قال: قال محمد بن إبراهيم الإمام للدارميّ: لو صلحت عليك ثيابي لكسوتك؛ قال: فديتك! إن لم تصلح عليّ ثيابك صلحت عليّ دنانيرك.

أخبرنا محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزبير، ونسخت من كتاب هارون بن محمد: حدّثنا الزبير قال حدّثني يونس بن عبد اللّه الخيّاط قال: خرج الدارميّ مع السّعاة، فصادف جماعة منهم قد نزلوا على الماء فسألهم فأعطوه دراهم، فأتى بها في ثوبه، وأحاط به أعرابيّات فجعلن يسألنه وألححن عليه وهو يردّهن؛ فعرفته صبيّة منهنّ فقالت: يا أخواتي، أتدرين من تسألن منذ اليوم؟ هذا الدارميّ السأل. ثم أنشدت:

إذا كنت لا بدّ مستطعمافدع عنك من كان يستطعم

فولّى الدارميّ هاربا منهنّ وهنّ يتضاحكن به.

أخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ قال أخبرني أحمد بن أبي خيثمة قال حدّثنا مصعب الزبيريّ قال: أتى الدارميّ الأوقص القاضي بمكّة في شيء فأبطأ عليه فيه، وحاكمه إليه خصم له في حقّ، فحبسه به حتى أدّاه إليه. فبينا الأوقص يوما في المسجد الحرام يصلّي ويدعو ويقول: يا ربّ أعتق رقبتي من النار، إذ قال له الدارميّ والناس يسمعون: أولك رقبة تعتق! لا واللّه ما جعل اللّه، وله الحمد، لك من عتق ولا رقبة! فقال له الأوقص: ويلك! ومن أنت؟ قال: أنا الدارميّ، حبستني وقتلتني؛ قال: لا تقل ذلك وأتني فإني أعوّضك؛ فأتاه ففعل ذلك به.

أخبرني الحرميّ أحمد بن محمد بن إسحاق قال حدّثني الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمّي قال: مدح الدارميّ عبد الصمد بن عليّ بقصيدة واستأذنه في الإنشاد فأذن له؛ فلما فرغ أدخل إليه رجل من الشّراة؛ فقال لغلامه: أعط هذا مائة دينار واضرب عنق هذا؛ فوثب الدارميّ فقال: بأبي أنت وأمي! برّك وعقوبتك جميعا نقد! فإن رأيت أن تبدأ بقتل هذا، فإذا فرغ منه أمرته فأعطاني! فإني لن أريم من حضرتك حتى يفعل ذلك؛ قال: ولم ويلك؟ قال: أخشى أن يغلط فيما بيننا، والغلط في هذا لا يستقال؛ فضحك وأجابه إلى ما سأل.

أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي قال: أصابت الدارميّ قرحة في صدره، فدخل إليه بعض أصدقائه يعوده. فرآه قد نفث من فيه نفثا أخضر، فقال له: أبشر، قد اخضرّت القرحة وعوفيت؛ فقال: هيهات! واللّه لو نفثت كلّ زمرّدة في الدنيا ما أفلتّ منها.

صوت من المائة المختارة

يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربازدت الفؤاد على علّاته وصبا
ربع تبدّل ممّن كان يسكنهعفر الظّباء وظلمانا به عصبا

الشعر لهلال بن الأسعر المازنيّ، أخبرني بذلك وكيع عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه. وهكذا هو في رواية عمرو بن أبي عمرو الشّيبانيّ. ومن لا يعلم ينسبه إلى عمر ابن أبي ربيعة وإلى الحارث بن خالد ونصيب، وليس

كذلك. والغناء في اللحن المختار لعزّور الكوفيّ، ومن الناس من يقول عزّون بالنون وتشديد الزاي، وهو رجل من أهل الكوفة غير مشهور ولا كثير الصنعة، ولا أعلم أنّي سمعت له بخبر ولا صنعة غير هذا الصوت. ولحن هذا المختار ثقيل أول بالبنصر في مجراها عن إسحاق، وهكذا نسبه في الاختيار الواثقيّ. وذكر عمرو بن بانة أنّ فيه لابن عائشة لحنا من الثقيل الأول بالبنصر. وفي أخبار الغريض عن حمّاد أنّ له فيه ثقيلا أول. وقال الهشاميّ: فيه لعبد اللّه بن العبّاس لحن من الثقيل الثاني. وذكر حبش أنّ فيه لحسين بن محرز خفيف رمل بالبنصر.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»