من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار هلال ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو، فيما ذكر خالد بن كلثوم، هلال بن الأسعر بن خالد بن الأرقم بن قسيم بن ناشرة بن سيّار بن رزام بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم. شاعر إسلاميّ من شعراء الدولة الأموية، وأظنه قد أدرك الدولة العباسية، وكان رجلا شديدا عظيم الخلق أكولا معدودا من الأكلة. قال أبو عمرو: وكان هلال فارسا شجاعا شديد البأس والبطش أكثر الناس أكلا وأعظمهم في حرب غناء. هذا لفظ أبي عمرو. وقال أبو عمرو: وعمّر هلال بن أسعر عمرا طويلا ومات بعد بلايا عظام مرّت على رأسه. قال: وكان رجل من قومه من بني رزام بن مالك يقال له المغيرة بن قنبر يعوله ويفضل عليه ويحتمل ثقله وثقل عياله فهلك، فقال هلال يرثيه:
ألا ليت المغيرة كان حيّاوأفنى قبله الناس الفناء
ليبك على المغيرة كلّ خيلإذا أفنى عرائكها اللّقاء
ويبك على المغيرة كلّ كلّفقير كان ينعشه العطاء
ويبك على المغيرة كلّ جيشتمور لدى معاركه الدّماء
فتى الفتيان فارس كلّ حربإذا شالت وقد رفع اللّواء
لقد وارى جديد الأرض منهخصالا عقد عصمتها الوفاء
فصبرا للنوائب إن ألمّتإذا ما ضاق بالحدث الفضاء
هزبر تنجلي الغمرات عنهنقيّ العرض همّته العلاء
إذا شهد الكريهة خاض منهابحورا لا تكدّرها الدّلاء
جسور لا يروّع عند روعولا يثني عزيمته اتّقاء
سحليم في مشاهده إذا ماحبا الحلماء أطلقها المراء
حميد في عشيرته فقيديطيب عليه في الملأ الثناء
فإن تكن المنية أقصدتهوحمّ عليه بالتلف القضاء
فقد أودى به كرم وخيروعود بالفضائل وابتداء
وجود لا يضمّ إليه جودامراهنه إذا جدّ الجراء
وقال خالد بن كلثوم: كان هلال بن الأسعر، فيما ذكروا، يرد مع الإبل فيأكل ما وجد عند أهله ثم يرجع إليها ولا يتزوّد طعاما ولا شرابا حتى يرجع يوم ورودها، لا يذوق فيما بين ذلك طعاما ولا شرابا، وكان عاديّ الخلق لا توصف صفته.
قال خالد بن كلثوم فحدّثنا عنه من أدركه: أنه كان يوما في إبل له، وذلك عند الظّهيرة في يوم شديد وقع الشمس محتدم الهاجرة وقد عمد إلى عصاه فطرح عليها كساءه ثم أدخل رأسه تحت كسائه من الشمس، فبينا هو كذلك إذ مرّ به رجلان أحدهما من بني نهشل والآخر من بني فقيم، كانا أشدّ تميميّين في ذلك الزمان بطشا، يقال لأحدهما الهيّاج، وقد أقبلا من البحرين ومعهما أنواط من تمر هجر، وكان هلال بناحية الصّعاب؛ فلما انتهيا إلى الإبل، ولا يعرفان هلالا بوجهه ولا يعرفان أن الإبل له، ناديا: يا راعي، أعندك شراب تسقينا؟ وهما يظنّانه عبدا لبعضهم؛ فناداهما هلال ورأسه تحت كسائه: عليكما الناقة التي صفتها كذا في موضع كذا فأنيخاها فإنّ عليها وطبين من لبن، فاشربا منهما ما بدا لكما. قال فقال له أحدهما: ويحك! انهض يا غلام فأت بذلك اللبن! فقال لهما: إن تك لكما حاجة فستأتيانها فتجدان الوطبين فتشربان؛ قال فقال أحدهما: إنك يابن اللّخناء لغليظ الكلام، قم فاسقنا، ثم دنا من هلال وهو على تلك الحال. وقال لهما، حيث قال له أحدهما: «إنك يابن اللخناء لغليظ الكلام»، أراكما واللّه ستلقيان هوانا وصغارا؛ وسمعا ذلك منه، فدنا أحدهما فأهوى له ضربا بالسّوط على عجزه وهو مضطجع، فتناول هلال يده فاجتذبه إليه ورماه تحت فخذه ثم ضغطه ضغطة؛ فنادى صاحبه: ويحك أغثني قد قتلني! فدنا صاحبه منه، فتناوله هلال أيضا فاجتذبه فرمى به تحت فخذه الأخرى، ثم أخذ برقابهما فجعل يصكّ برؤوسهما بعضا ببعض لا يستطيعان أن يمتنعا منه؛ فقال أحدهما: كن هلالا ولا نبالي ما صنعت؛ فقال لهما: أنا واللّه هلال، ولا واللّه لا تفلتان منّي حتى تعطياني عهدا وميثاقا لا تخيسان به: لتأتيانّ المربد إذا قدمتما البصرة، ثم لتناديانّ بأعلى أصواتكما بما كان منّي ومنكما؛ فعاهداه وأعطياه نوطا من التمر الذي معهما، وقدما البصرة فأتيا المربد فناديا بما كان منه ومنهما.
وحدّث خالد عن كنيف بن عبد اللّه المازنيّ قال: كنت يوما مع هلال ونحن نبغي إبلا لنا، فدفعنا إلى قوم من بكر بن وائل وقد لغبنا وعطشنا، وإذا نحن بفتية شباب عند ركيّة لهم وقد وردت إبلهم، فلما رأوا هلالا استهولوا خلقه وقامته، فقام رجلان منهم إليه فقال له أحدهما: يا عبد اللّه، هل لك في الصّراع؟ فقال له هلال: أنا إلى غير ذلك أحوج؛ قال: وما هو؟ قال: إلى لبن وماء فإنّني لغب ظمآن؛ قال: ما أنت بذائق من ذلك شيئا حتى تعطينا عهدا لتجيبنّنا إلى الصّراع إذا أرحت ورويت؛ فقال لهما هلال: إنني لكم ضيف، والضيف لا يصارع آهله وربّ منزله، وأنتم مكتفون من ذلك بما أقول لكم: اعمدوا إلى أشدّ فحل في إبلكم وأهيبه صولة وإلى أشدّ رجل منكم ذراعا، فإن لم أقبض على هامة البعير وعلى يد صاحبكم فلا يمتنع الرجل ولا البعير حتى أدخل يد الرجل في فم البعير، فإن لم أفعل ذلك فقد صرعتموني، وإن فعلته علمتم أن صراع أحدكم أيسر من ذلك. قال: فعجبوا من مقالته تلك، وأومئوا إلى فحل في إبلهم هائج صائل قطم؛ فأتاه هلال ومعه نفر من أولئك القوم وشيخ لهم، فأخذ بهامة الفحل مما فوق مشفره فضغطها ضغطة جرجر الفحل واستخذى ورغا، وقال: ليعطني من أحببتم يده أولجها في فم هذا الفحل. قال فقال الشيخ: يا قوم تنكّبوا هذا الشيطان، فو اللّه ما سمعت فلانا (يعني الفحل) جرجر منذ بزل قبل اليوم، فلا تعرضوا لهذا الشيطان. وجعلوا يتبعونه وينظرون إلى خطوه ويعجبون من طول أعضائه حتى جازهم.
قال وحدّثنا من سمع هلالا يقول: قدمت المدينة وعليها رجل من آل مروان، فلم أزل أضع عن إبلي وعليها أحمال للتجار حتى أخذ بيدي وقيل لي: أجب الأمير. قال: قلت لهم: ويلكم! إبلي وأحمالي! فقيل: لا بأس على إبلك وأحمالك. قال: فانطلق بي حتى أدخلت على الأمير، فسلّمت عليه ثم قلت: جعلت فداك! إبلي وأمانتي! قال فقال: نحن ضامنون لإبلك وأمانتك حتى نؤدّيها إليك. قال فقلت عند ذلك: فما حاجة الأمير إليّ جعلني اللّه فداه؟ قال فقال لي - وإلى جنبه رجل أصفر، لا واللّه ما رأيت رجلا قطّ أشدّ خلقا منه ولا أغلظ عنقا، ما أدري أطوله أكثر أم عرضه -: إن هذا العبد الذي ترى لا واللّه ما ترك بالمدينة عربيّا يصارع إلا صرعه، وبلغني عنك قوّة، فأردت أن يجري اللّه صرع هذا العبد على يديك فتدرك ما عنده من أوتار العرب. قال فقلت: جعلني اللّه فداء الأمير، إني لغب نصب جائع، فإن رأى الأمير أن يدعني اليوم حتى أضع عن إبلي وأؤدّي أمانتي وأريح يومي هذا وأجيئه غدا فليفعل. قال فقال لأعوانه: انطلقوا معه فأعينوه على الوضع عن إبله وأداء أمانته وانطلقوا به إلى المطبخ فأشبعوه؛ ففعلوا جميع ما أمرهم به. قال: فظللت بقية يومي ذلك وبتّ ليلتي تلك بأحسن حال شبعا وراحة وصلاح أمر، فلما كان من الغد غدوت عليه وعليّ جبّة لي صوف وبتّ وليس عليّ إزار إلا أني قد شددت بعمامتي وسطي، فسلّمت عليه فردّ عليّ السلام، وقال للأصفر: قم إليه، فقد أرى أنه أتاك اللّه بما يخزيك؛ فقال العبد: اتّزر يا أعرابيّ؛ فأخذت بتّي فاتّزرت به على جبّتي؛ فقال: هيهات! هذا لا يثبت، إذا قبضت عليه جاء في يدي؛ قال فقلت: واللّه ما لي من إزار؛ قال: فدعا الأمير بملحفة ما رأيت قبلها ولا علا جلدي مثلها، فشددت بها على حقوي وخلعت الجبّة؛ قال: وجعل العبد يدور حولي ويريد ختلي وأنا منه وجل ولا أدري كيف أصنع به، ثم دنا مني دنوة فنقد جبهتي بظفرة نقدة حتى ظننت أنه قد شجّني وأوجعني، فغاظني ذلك، فجعلت أنظر في خلقه بم أقبض منه، فما وجدت في خلقه شيئا أصغر من رأسه، فوضعت إبهاميّ في صدغيه وأصابعي الأخر في أصل أذنيه، ثم غمزته غمزة صاح منها: قتلتني! قتلتني! فقال الأمير: اغمس رأس العبد في التراب؛ قال فقلت له: ذلك لك عليّ؛ قال: فغمست واللّه رأسه في التراب ووقع شبيها بالمغشيّ عليه، فضحك الأمير حتى استلقى وأمر لي بجائزة وكسوة وانصرفت.
قال أبو الفرج: ولهلال أحاديث كثيرة من أعاجيب شدّته. وقد ذكره حاجب بن ذبيان فقال لقوم من بني رباب من بني حنيفة في شيء كان بينهم فيه أربع ضربات بالسيف، فقال حاجب:
وقائلة وباكية بشجولبئس السيف سيف بني رباب
ولو لاقى هلال بني رزاملعجّله إلى يوم الحساب
وكان هلال بن الأسعر ضربه رجل من بني عنزة ثم من بني جلّان يقال له عبيد بن جريّ في شيء كان بينهما، فشجّه وخمشه خماشة، فأتى هلال بني جلّان فقال: إن صاحبكم قد فعل بي ما ترون فخذوا لي بحقّي، فأوعدوه وزجروه؛ فخرج من عندهم وهو يقول: عسى أن يكون لهذا جزاء حتى أتى بلاد قومه؛ فمضى لذلك زمن طويل حتى درس ذكره؛ ثم إن عبيد بن جريّ قدم الوقبي - وهو موضع من بلاد بني مالك - فلما قدمها ذكر هلالا وما كان بينه وبينه فتخوّفه؛ فسأل عن أعزّ أهل الماء، فقيل له: معاذ بن جعدة بن ثابت بن زرارة بن ربيعة بن سيّار بن رزام بن مازن؛ فأتاه فوجده غائبا عن الماء، فعقد عبيد بن جريّ طرف ثيابه إلى جانب طنب بيت معاذ - وكانت العرب إذا فعلت ذلك وجب على المعقود بطنب بيته للمستجير به أن يجيره وأن يطلب له بظلامته - وكان يوم فعل ذلك غائبا عن الماء، فقيل: رجل استجار بآل معاذ بن جعدة. ثم خرج عبيد بن جريّ ليستقي، فوافق قدوم هلال بإبله يوم وروده، وكان إنما يقدمها في الأيام، فلما نظر هلال إلى ابن جريّ ذكر ما كان بينه وبينه، ولم يعلم باستجارته بمعاذ بن جعدة، فطلب شيئا يضربه به فلم يجده، فانتزع المحور من السّانية فعلاه به ضربة على رأسه فصرع وقيذا، وقيل: قتل هلال بن الأسعر جار معاذ بن جعدة! فلما سمع ذلك هلال تخوّف بني جعدة الرّزاميّين، وهم بنو عمه، فأتى راحلته ليركبها. قال هلال: فأتتني خولة بنت يزيد بن ثابت أخي بني جعدة بن ثابت، وهي جدّة أبي السّفّاح زهيد بن عبد اللّه بن مالك أمّ أبيه، فتعلّقت بثوب هلال، ثم قالت: أي عدوّ اللّه قتلت جارنا! واللّه لا تفارقني حتى يأتيك رجالنا! قال هلال: والمحور في يدي لم أضعه؛ قال: فهممت أن أعلو به رأس خولة، ثم قلت في نفسي: عجوز لها سنّ وقرابة! قال: فضربتها برجلي ضربة رميت بها من بعيد، ثم أتيت ناقتي فأركبها ثم أضربها هاربا. وجاء معاذ بن جعدة وإخوته - وهم يومئذ تسعة إخوة - وعبد اللّه بن مالك زوج لبنت معاذ ويقال لها جبيلة، وهو مع ذلك ابن عمتهم خولة بنت يزيد بن ثابت، فهو معهم كأنه بعضهم؛ فجاؤوا من آخر النهار فسمعوا الواعية على الجلّانيّ وهو دنف لم يمت، فسألوا عن تلك الواعية فأخبروا بما كان من استجارة الجلّانيّ بمعاذ بن جعدة وضرب هلال له من بعد ذلك؛ فركب الاخوة التسعة وعبد اللّه بن مالك عاشرهم، وكانوا أمثال الجبال في شدّة خلقهم مع نجدتهم، وركبوا معهم بعشرة غلمة لهم أشدّ منهم خلقا لا يقع لأحد منهم سهم في غير موضع يريده من رميّته، حتى تبعوا هلالا؛ وقد نسل هلال من الهرب يومه ذلك كلّه وليلته، فلما أصبح أمنهم وظنّ أن قد أبعد في الأرض ونجا منهم؛ وتبعوه، فلما أصبحوا من تلك الليلة قصّوا أثره، وكان لا يخفى أثره على أحد لعظم قدمه، فلحقوه من بعد الغد، فلما أدركوه وهم عشرون ومعهم النّبل والقسيّ والسيوف والتّرسة، ناداهم: يا بني جعدة، إني أنشدكم اللّه! أن أكون قتلت رجلا غريبا طلبته بترة تقتلوني وأنا ابن عمّكم! وظنّ أنّ الجلّانيّ قد مات، ولم يكن مات إلى أن تبعوه وأخذوه؛ فقال معاذ: واللّه لو أيقنّا أنه قد مات ما ناظرنا بك القتل من ساعتنا ولكنّا تركناه ولم يمت، ولسنا نحبّ قتلك إلّا أن تمتنع منا، ولا نقدم عليك حتى نعلم ما يصنع جارنا؛ فقاتلهم وامتنع منهم، فجعل معاذ يقول لأصحابه وغلمانه: لا ترموه بالنبل ولا تضربوه بالسيوف، ولكن ارموه بالحجارة واضربوه بالعصيّ حتى تأخذوه؛ ففعلوا ذلك، فما قدروا على أخذه حتى كسروا من إحدى يديه ثلاث أصابع ومن الأخرى إصبعين، ودقّوا ضلعين من أضلاعه وأكثروا الشّجاج في رأسه، ثم أخذوه وما كادوا يقدرون على أخذه، فوضعوا في رجله أدهم، ثم جاءوا به وهو معروض على بعير حتى انتهوا به إلى الوقبى فدفعوه إلى الجلّاني ولم يمت بعد، فقالوا: انطلقوا به معكم إلى بلادكم ولا تحدثوا في أمره شيئا حتى تنظروا ما يصنع بصاحبكم، فإن مات فاقتلوه وإن حيي فأعلمونا حتى نحمل لكم أرش الجناية. فقال الجلّانيّون: وفت ذمّتكم يا بني جعدة، وجزاكم اللّه أفضل ما يجزي به خيار الجيران، إنّا نتخوّف أن ينزعه منّا قومكم إن خلّيتم عنّا وعنهم وهو في أيدينا؛ فقال لهم معاذ: فإني أحمله معكم وأشيّعكم حتى تردوا بلادكم، ففعلوا ذلك، فحمل معروضا على بعير وركبت أخته جماء بنت الأسعر معه، وجعل يقول: قتلتني بنو جعدة! وتأتيه أخته بمغرة فيشربها فيقال: يمشي بالدّم، لأن بني جعدة فرثوا كبده في جوفه. فلمّا بلغوا أدنى بلاد بكر بن وائل قال الجلّانيّون لمعاذ وأصحابه: أدام اللّه عزّكم، وقد وفيتم فانصرفوا. وجعل هلال يريهم أنّه يمشي في اللّيلة عشرين مرّة. فلمّا ثقل الجلّانيّ وتخوّف هلال أن يموت من ليلته أو يصبح ميّتا، تبرّز هلال كما كان يصنع وفي رجله الأدهم كأنه يقضي حاجة، ووضع كساءه على عصاه في ليلة ظلماء، ثم اعتمد على الأدهم فحطمه، ثم طار تحت ليلته على رجليه، وكان أدلّ الناس فتنكّب الطّريق التي تعرف ويطلب فيها وجعل يسلك المسالك التي لا يطمع فيها. حتّى انتهى إلى رجل من بني أثاثة بن مازن يقال له السّعر بن يزيد بن طلق بن جبيلة بن أثاثة بن مازن، فحمله السّعر على ناقة له يقال لها ملوة، فركبها ثمّ تجنّب بها الطريق فأخذ نحو بلاد قيس بن عيلان، تخوّفا من بني مازن أن يتبعوه أيضا فيأخذوه، فسار ثلاث ليال وأيّامها حتّى نزل اليوم الرّابع، فنحر الناقة فأكل لحمها كلّه إلا فضلة فضلت منها فاحتملها، ثم أتى بلاد اليمن فوقع بها، فلبث زمانا وذلك عند مقام الحجاج بالعراق، فبلغ إفلاته من بالبصرة من بكر بن وائل، فانطلقوا إلى الحجّاج فاستعدوه وأخبروه بقتله صاحبهم؛ فبعث الحجاج إلى عبد اللّه بن شعبة بن العلقم، وهو يومئذ عريف بني مازن حاضرتهم وباديتهم، فقال له: لتأتينّي بهلال أو لأفعلنّ بك ولأفعلن؛ فقال له عبد اللّه بن شعبة: إن أصحاب هلال وبني عمّه قد صنعوا كذا وكذا: فاقتصّ عليه ما صنعوا في طلبه وأخذه ودفعه إلى الجلّانيّين وتشييعهم إيّاه حتّى وردوا بلاد بكر بن وائل؛ فقال له الحجّاج: ويلك! ما تقول؟
قال فقال بعض البكريّين: صدق، أصلح اللّه الأمير؛ قال فقال الحجّاج: فلا يرغم اللّه إلّا أنوفكم، اشهدوا أنّي قد آمنت كلّ قريب لهلال وحميم وعريف ومنعت من أخذ أحد به ومن طلبه حتّى يظفر به البكريّون أو يموت قبل ذلك.
فلمّا وقع هلال إلى بلاد اليمن بعث إلى بني رزام بن مازن بشعر يعاتبهم فيه ويعظّم عليهم حقّه ويذكر قرابته، وذلك أنّ سائر بني مازن قاموا ليحملوا ذلك الدّم، فقال معاذ: لا أرضى واللّه أن يحمل لجاري دم واحد حتى يحمل له دم ولجواري دم آخر، وإن أراد هلال الأمان وسطنا حمل له دم ثالث؛ فقال هلال في ذلك:
بني مازن لا تطردوني فإنّنيأخوكم وإن جرّت جرائرها يدي
ولا تثلجوا أكباد بكر بن وائلبترك أخيكم كالخليع المطرّد
ولا تجعلوا حفظي بظهر وتحفظوابعيدا ببغضاء يروح ويغتدي
فإنّ القريب حيث كان قريبكموكيف بقطع الكفّ من سائر اليد
وإن البعيد إن دنا فهو جاركموإن شطّ عنكم فهو أبعد أبعد
وإنّي وإن أوجدتموني لحافظلكم حفظ راض عنكم غير موجد
سيحمي حماكم بي وإن كنت غائباأغرّ إذا ما ريع لم يتبلّد
وتعلم بكر أنّكم حيث كنتموكنت من الأرض الغريبة محتدي
وأنّي ثقيل حيث كنت على العداوأنّي وإن أوحدت لست بأوحد
وأنهم لمّا أرادوا هضيمتيمنوا بجميع القلب عضب مهنّد
حسام متى يعزم على الأمر يأتهولم يتوقّف للعواقب في غد
وهم بدءوا بالبغي حتّى إذا جزوابأفعالهم قالوا لجازيهم قد
فلم يك منهم في البديهة منصفولم يك فيهم في العواقب مهتدي
ولم يفعلوا فعل الحليم فيجملواولم يفعلوا فعل العزيز المؤيّد
فإن يسر لي إيعاد بكر فربّمامنعت الكرى بالغيظ من متوعّد
وربّ حمى قوم أبحت وموردوردت بفتيان الصباح ومورد
وسجف دجوجيّ من الليل حالكرفعت بعجلي الرّجل موّارة اليد
سفينة خوّاض بحور همومهقليل التياث العزم عند التردّد
جسور على الأمر المهيب إذا ونىأخو الفتك ركّاب قرى المتهدّد
وقال وهو بأرض اليمن:
أقول وقد جاوزت نعمى وناقتيتحنّ إلى جنبي فليج مع الفجر
سقى اللّه يا ناق البلاد التي بهاهواك، وإن عنّا نأت، سبل القطر فما
عن قلى منّا لها خفّت النّوىبنا عن مراعيها وكثبانها العفر
ولكنّ صرف الدّهر فرّق بينناوبين الأداني، والفتى غرض الدهر
فسقيا لصحراء الإهالة مربعاوللوقبى من منزل دمث مثري
وسقيا ورعيا حيث حلّت لمازنوأيّامها الغرّ المحجّلة الزّهر
قال خالد بن كلثوم: ولما دفع هلال إلى أولياء الجلّانيّ ليقتلوه بصاحبهم جاء رجل يقال له: حفيد كان هلال قد وتره فقال: واللّه لأؤنّبنّه ولأصغّرنّ إليه نفسه وهو في القيود مصبور للقتل، فأتاه فلم يدع له شيئا مما يكره إلا عدّة عليه. قال: وإلى جنب هلال حجر يملأ الكفّ، فأخذه هلال فأهوى به للرجل فأصاب جبينه فاجتلف جلفة من وجهه ورأسه، ثم رمى بها وقال: خذ القصاص منّي الآن، وأنشأ يقول:
أنا ضربت كربا وزيداوثابتا مشّيتهم رويدا
كما أفدت حينه عبيداوقد ضربت بعده حفيدا
قال: وهؤلاء كلّهم من بني رزام بن مازن، وكلّهم كان هلال قد نكأ فيهم.
قال خالد بن كلثوم: ولما طال مقام هلال باليمن نهضت بنو مازن بأجمعهم إلى بني رزام بن مازن رهط هلال ورهط معاذ بن جعدة جار الجلّانيّ المقتول، فقالوا: إنكم قد أسأتم بابن عمّكم وجزتم الحدّ في الطلب بدم جاركم، فنحن نحمل لكم ما أردتم، فحمل ديسم بن المنهال بن خزيمة بن شهاب بن أثاثة بن ضباب بن حجيّة بن كابية بن حرقوص بن مازن الذي طلب معاذ بن جعدة أن يحمل لجاره، لفضل عزّه وموضعه في عشيرته، وكان الذي طلب ثلاثمائة بعير؛ فقال هلال في ذلك:
إن ابن كابية المرزّأ ديسماواري الزناد بعيد ضوء النار
من كان يحمل ما تحمّل ديسممن حائل فنق وأمّ حوار عيّت
بنو عمرو بحمل هنائدفيها العشار ملابىء الأبكار
حتى تلافاها كريم سابقبالخير حلّ منازل الأخيار
حتى إذا وردت جميعا أرزمتجلّان بعد تشمّس ونفار
ترعى بصحراء الإهالة روبةوالعنظوان منابت الجرجار
وقال خالد بن كلثوم: كان قمير بن سعد مصدّقا على بكر بن وائل، فوجد منهم رجلا قد سرق صدقته، فأخذه قمير ليحبسه، فوثب قومه وأرادوا أن يحولوا بين قمير وبينه وهلال حاضر، فلما رأى ذلك هلال وثب على البكريّين فجعل يأخذ الرجلين منهم فيكنفهما ويناطح بين رؤوسهما، فانتهى إلى قمير أعوانه فقهروا البكريّين؛ فقال هلال في ذلك:
دعاني قمير دعوة فأجبتهفأيّ امرىء في الحرب حين دعاني
معي مخذم قد أخلص القين حدّهيخفّض عند الرّوع روع جناني
وما زلت مذ شدّت يميني حجزتيأحارب أو في ظلّ حرب تراني
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثنا حكيم بن سعد عن زفر بن هبيرة قال:
تقاوم هلال بن أسعر المازنيّ، وهو أحد بني رزام بن مازن، ونهيس الجلّانيّ من عنزة وهما يسقيان إبلهما، فخذف هلال نهيسا بمحور في يده فأصابه فمات، فاستعدى ولده بلال بن أبي بردة على هلال فحبسه فأسلمه قومه بنو رزام وعمل في أمره ديسم بن المنهال أحد بني كابية بن حرقوص فافتكّه بثلاث ديات، فقال هلال يمدحه:
تدارك ديسم حسبا ومجدارزاما بعد ما انشقّت عصاها
همو حملوا المئين فألحقوهابأهليها فكان لهم سناها
وما كانت لتحملها رزامبأستاه معقّصة لحاها
بكابية بن حرقوص وجدّكريم لا فتى إلا فتاها
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدّثني نصر بن عليّ الجهضميّ قال حدّثنا الأصمعيّ، وأخبرني أبو عبيد محمد بن أحمد بن المؤمّل الصّيرفيّ قال حدّثنا فضل بن الحسن قال حدّثنا نصر بن عليّ عن الأصمعيّ قال حدّثنا المعتمر بن سليمان قال: قلت لهلال بن أسعر: ما أكلة أكلتها بلغتني عنك؟ قال: جعت مرّة ومعي بعيري فنحرته وأكلته إلا ما حملت منه على ظهري، قال أبو عبيد في حديثه عن فضل: ثم أردت امرأتي فلم أقدر على جماعها؛ فقالت لي: ويحك! كيف تصل إليّ وبيني وبينك بعير! قال المعتمر: فقلت له: كم تكفيك هذه الأكلة؟ قال: أربعة أيام.
وحدّثني به ابن عمّار قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني أحمد بن معاوية عن الأصمعيّ عن معتمر بن سليمان عن أبيه قال: قلت لهلال بن الأسعر - هكذا قال ابن أبي سعد: معتمر عن أبيه وقال في خبره: فقلت له؛ كم تكفيك هذه الأكلة؟ فقال: خمسا.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدّثنا نصر بن عليّ قال حدّثني الأصمعيّ قال حدّثني شيخ من بني مازن قال: أتانا هلال بن أسعر المازنيّ فأكل جميع ما في بيتنا، فبعثنا إلى الجيران نقترض الخبز فلما رأى الخبز قد اختلف عليه قال: كأنكم أرسلتم إلى الجيران، أعندكم سويق؟ قلنا: نعم، فجئته بجراب طويل فيه سويق وببرنيّة نبيذ، فصبّ السويق كلّه وصبّ عليه النبيذ حتى أتى على السّويق والنبيذ كلّه.
أخبرني الحسن بن علي قال حدّثنا محمد بن موسى قال حدّثنا أحمد بن الحارث عن المدائنيّ: أن هلال بن أسعر مرّ على رجل من بني مازن بالبصرة وقد حمل من بستانه رطبا في زواريق، فجلس على زورق صغير منها وقد كثب الرطب فيه وغطّي بالبواري؛ قال له: يابن عمّ آكل من رطبك هذا؟ قال: نعم؛ قال: ما يكفيني؟ قال: ما يكفيك؛ فجلس على صدر الزورق وجعل يأكل إلى أن اكتفى، ثم قام فانصرف، فكشف الزورق فإذا هو مملوء نوى قد أكل رطبه وألقى النوى فيه.
قال المدائنيّ وحدّثني من سأله عن أعجب شيء أكله، فقال: مائتي رغيف مع مكّوك ملح.
أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني الحسن بن عليّ بن منصور الأهوازيّ، وكان كهلا سريّا معدّلا، قال حدّثني شبان النّيليّ عن صدقة بن عبيد المازنيّ قال: أولم عليّ أبي لما تزوّجت فعملنا عشر جفان ثريدا من جزور. فكان أوّل من جاءنا هلال بن أسعر المازنيّ، فقدّمنا إليه جفنة فأكلها ثم أخرى ثم أخرى حتى أتى على العشر، ثم استسقى فأتي بقربة من نبيذ فوضع طرفها في شدقه ففرّغها في جوفه، ثم قام فخرج؛ فاستأنفنا عمل الطعام.
أخبرني الجوهريّ قال حدّثنا إسماعيل بن إسحاق قال حدّثنا نصر بن عليّ عن الأصمعيّ قال: حدّثني أبو عمرو بن العلاء قال: رأيت هلال بن أسعر ميتا ولم أره حيّا، فما رأيت أحدا على سرير أطول منه.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثني محمد بن يزيد قال حدّثني بعض حاشية السلطان قال: غنّى إبراهيم الموصليّ الرشيد يوما:
يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربازدت الفؤاد على علّاته وصبا
- قال: والصنعة فيه لرجل من أهل الكوفة يقال له عزّون - فأعجب به الرشيد وطرب له واستعاده مرارا؛ فقال له الموصليّ: يا أمير المؤمنين فكيف لو سمعته من عبدك مخارق، فإنه أخذه عنّي وهو يفضل فيه الخلق جميعا ويفضلني، فأمر بإحضار مخارق، فأحضر فقال له غنّني:
يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربازدت الفؤاد على علّاته وصبا
فغنّاه إياه؛ فبكى وقال: سل حاجتك! قال مخارق: فقلت: تعتقني يا أمير المؤمنين من الرقّ وتشرّفني بولائك، أعتقك اللّه من النار، قال: أنت حرّ لوجه اللّه، أعد الصوت؛ قال: فأعدته، فبكى وقال: سل حاجتك، فقلت: يا أمير المؤمنين ضيعة تقيمني غلّتها؛ فقال: قد أمرت لك بها، أعد الصوت؛ فأعدته فبكى وقال: سل حاجتك؛ فقلت: يأمر لي أمير المؤمنين بمنزل وفرشه وما يصلحه وخادم فيه؛ قال: ذلك لك، أعده؛ فأعدته فبكى وقال: سل حاجتك؛ قلت: حاجتي يا أمير المؤمنين أن يطيل اللّه بقاءك ويديم عزّك ويجعلني من كل سوء فداءك؛ قال: فكان إبراهيم الموصليّ سبب عتقه بهذا الصوت.
أخبرني بهذا الخبر محمد بن خلف وكيع قال حدّثني هارون بن مخارق، وحدّثني به الصّوليّ أيضا عن وكيع عن هارون بن مخارق قال: كان أبي إذا غنّى هذا الصوت:
يا ربع سلمى لقد هيجت لي طربازدت الفؤاد على علّاته وصبا
يقول: أنا مولى هذا الصوت؛ فقلت له يوما: يا أبت، وكيف ذلك؟ فقال: غنّيته مولاي الرشيد فبكى وقال: أحسنت، أعد فأعدت؛ فبكى وقال: أحسنت! أنت حرّ لوجه اللّه وأمر لي بخمسة آلاف دينار، فأنا مولى هذا الصوت بعد مولاي، وذكر قريبا مما ذكره المبرّد من باقي الخبر.
حدّثني الحسن بن علي قال حدّثنا ابن أبي الدّنيا قال حدّثني إسحاق النّخعيّ عن حسين بن الضّحّاك عن مخارق: أن الرشيد أقبل يوما على المغنّين وهو مضطجع، فقال: من منكم يغني:
يا ربع سلمى لقد هيّجت لي طربازدت الفؤاد على علّاته وصبا
قال: فقمت فقلت: أنا، فقال: هاته؛ فغنيته فطرب وشرب، ثم قال: عليّ بهرثمة، فقلت في نفسي: ما تراه يريد منه! فجاءوا بهرثمة فأدخل إليه وهو يجرّ سيفه، فقال: يا هرثمة، مخارق الشاري الذي قتلناه بناحية الموصل ما كانت كنيته؟ فقال: أبو المهنّا؛ فقال: انصرف فانصرف؛ ثم أقبل عليّ فقال: قد كنيتك أبا المهنّا لإحسانك، وأمر لي بمائة ألف درهم، فانصرفت بها وبالكنية.
صوت من المائة المختارة من رواية جحظة عن أصحابه
وخلّ كنت عين الرّشد منهإذا نظرت ومستمعا سميعا
أطاف بغيّه فعدلت عنهوقلت له أرى أمرا فظيعا
الشعر لعروة بن الورد، والغناء في اللحن المختار لسياط ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو بن بانة. وفيه لإبراهيم ما خوريّ بالوسطى عن عمرو أيضا.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع