من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار عروة بن الورد ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
عروة بن الورد بن زيد، وقيل: ابن عمرو بن زيد بن عبد اللّه بن ناشب بن هريم بن لديم بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن الرّيث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، شاعر من شعراء الجاهلية وفارس من فرسانها وصعلوك من صعاليكها المعدودين المقدّمين الأجواد.
وكان يلقّب عروة الصعاليك لجمعه إيّاهم وقيامه بأمرهم إذا أخفقوا في غزواتهم ولم يكن لهم معاش ولا مغزى، وقيل: بل لقّب عروة الصّعاليك لقوله:
لحى اللّه صعلوكا إذا جنّ ليلهمصافي المشاش آلفا كلّ مجزر
يعدّ الغنى من دهره كلّ ليلةأصاب قراها من صديق ميسّر
وللّه صعلوك صفيحة وجههكضوء شهاب القابس المتنوّر
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال بلغني أن معاوية قال:
لو كان لعروة بن الورد ولد لأحببت أن أتزوّج إليهم.
أخبرني محمد بن خلف قال حدّثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدّثني العمريّ عن الهيثم بن عديّ، وحدّثنا إبراهيم بن أيّوب عن عبد اللّه بن مسلم قالا جميعا: قال عبد الملك بن مروان: ما يسرّني أن أحدا من العرب ولدني ممّن لم يلدني إلا عروة بن الورد لقوله: إنّي
امرؤ عافي إنائي شركةوأنت امرؤ عافي إنائك واحد
أتهزأ منّي أن سمنت وأن ترىبجسمي مسّ الحقّ والحقّ جاهد
أفرّق جسمي في جسوم كثيرةوأحسو قراح الماء والماء بارد
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثني عمر بن شبّة قال: بلغني أن عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه قال للحطيئة: كيف كنتم في حربكم؟ قال: كنّا ألف حازم، قال: وكيف؟ قال: كان فينا قيس بن زهير وكان حازما وكنا لا نعصيه، وكنا نقدم إقدام عنترة، ونأتمّ بشعر عروة بن الورد، وننقاد لأمر الرّبيع بن زياد.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبة قال: ويقال: إن عبد الملك قال: من زعم أن حاتما أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال أخبرنا إبراهيم بن المنذر قال حدّثنا معن بن عيسى قال: سمعت أن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب قال لمعلّم ولده: لا تروّهم قصيدة عروة بن الورد التي يقول فيها:
دعيني للغنى أسعى فإنّيرأيت الناس شرّهم الفقير
ويقول: إن هذا يدعوهم إلى الاغتراب عن أوطانهم.
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عمر بن شبة قال حدّثني محمد بن يحيى قال حدّثني عبد العزيز بن عمران الزّهريّ عن عامر بن جابر قال: أغار عروة بن الورد على مزينة فأصاب منهم امرأة من كنانة ناكحا، فاستاقها ورجع وهو يقول:
تبغّ عديّا حيث حلّت ديارهاوأبناء عوف في القرون الأوائل
فإلّا أنل أوسا فإنّي حسبهابمنبطح الأدغال من ذي السلائل
ثم أقبل سائرا حتى نزل ببني النّضير، فلما رأوها أعجبتهم فسقوه الخمر، ثم استوهبوها منه فوهبها لهم، وكان لا يمسّ النساء، فلما أصبح وصحا ندم فقال:
سقوني الخمر ثم تكنّفوني
الأبيات. قال: وجلاها النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مع من جلا من بني النضير.
وذكر أبو عمرو الشّيبانيّ من خبر عروة بن الورد وسلمى هذه أنه أصاب امرأة من بني كنانة بكرا يقال لها سلمى وتكنى أمّ وهب، فأعتقها واتّخذها لنفسه، فمكثت عنده بضع عشرة سنة وولدت له أولادا وهو لا يشكّ في أنها أرغب الناس فيه، وهي تقول له: لو حججت بي فأمرّ على أهلي وأراهم! فحجّ بها، فأتى مكة ثم أتى المدينة، وكان يخالط من أهل يثرب بني النّضير فيقرضونه إن احتاج ويبايعهم إذا غنم، وكان قومها يخالطون بني النّضير، فأتوهم وهو عندهم؛ فقالت لهم سلمى: إنه خارج بي قبل أن يخرج الشهر الحرام، فتعالوا إليه وأخبروه أنكم تستحيون أن نكون امرأة منكم معروفة النسب صحيحته سبيّة، وافتدوني منه فإنه لا يرى أنّي أفارقه ولا أختار عليه أحدا، فأتوه فسقوه الشّراب، فلمّا ثمل قالوا له: فادنا بصاحبتنا فإنها وسيطة النسب فينا معروفة، وإنّ علينا سبّة أن تكون سبيّة، فإذا صارت إلينا وأردت معاودتها فاخطبها إلينا فإننا ننكحك؛ فقال لهم: ذاك لكم، ولكن لي الشرط فيها أن تخيّروها، فإن اختارتني انطلقت معي إلى ولدها وإن اختارتكم انطلقتم بها؛ قالوا: ذاك لك؛ قال: دعوني أله بها الليلة وأفادها غدا، فلمّا كان الغد جاؤوه فامتنع من فدائها؛ فقالوا له: قد فاديتنا بها منذ البارحة، وشهد عليه بذلك جماعة ممّن حضر، فلم يقدر على الامتناع وفاداها، فلما فادوه بها خيّروها فاختارت أهلها، ثم أقبلت عليه فقالت: يا عروة أما إنّي أقول فيك وإن فارقتك الحقّ: واللّه ما أعلم امرأة من العرب ألقت سترها على بعل خير منك وأغضّ طرفا وأقلّ فحشا وأجود يدا وأحمى لحقيقة؛ وما مرّ عليّ يوم منذ كنت عندك إلا والموت فيه أحبّ إليّ من الحياة بين قومك، لأنّي لم أكن أشاء أن أسمع امرأة من قومك تقول: قالت أمة عروة كذا وكذا إلا سمعته؛ وو اللّه لا أنظر في وجه غطفانيّة أبدا، فارجع راشدا إلى ولدك وأحسن إليهم. فقال عروة في ذلك:
سقوني الخمر ثم تكنّفوني
وأوّلها:
أرقت وصحبتي بمضيق عمقلبرق من تهامة مستطير
سقى سلمى وأين ديار سلمىإذا كانت مجاورة السّرير
إذا حلّت بأرض بني عليّوأهلي بين إمّرة وكير
ذكرت منازلا من أمّ وهبمحلّ الحيّ أسفل من نقير
وأحدث معهد من أمّ وهبمعرّسنا بدار بني النّضير
وقالوا ما تشاء فقلت ألهوإلى الأصباح آثر ذي أثير
بآنسة الحديث رضاب فيهابعيد النوم كالعنب العصير
وأخبرني عليّ بن سليمان الأخفش عن ثعلب عن ابن الأعرابيّ بهذه الحكاية كما ذكر أبو عمرو، وقال فيها: إنّ قومها أغلوا بها الفداء، وكان معه طلق وجبار أخوه وابن عمه، فقالا له: واللّه لئن قبلت ما أعطوك لا تفتقر أبدا، وأنت على النساء قادر متى شئت، وكان قد سكر فأجاب إلى فدائها، فلما صحا ندم فشهدوا عليه بالفداء فلم يقدر على الامتناع. وجاءت سلمى تثني عليه فقالت: واللّه إنك ما علمت لضحوك مقبلا كسوب مدبرا خفيف على متن الفرس ثقيل على العدوّ طويل العماد كثير الرّماد راضي الأهل والجانب، فاستوص ببنيك خيرا، ثم فارقته. فتزوّجها رجل من بني عمّها، فقال لها يوما من الأيام: يا سلمى، أثني عليّ كما أثنيت على عروة - وقد كان قولها فيه شهر - فقالت له: لا تكلّفني ذلك فإني إن قلت الحقّ غضبت ولا واللّات والعزّى لا أكذب؛ فقال: عزمت عليك لتأتيني في مجلس قومي فلتثنين عليّ بما تعلمين، وخرج فجلس في نديّ القوم، وأقبلت فرماها القوم بأبصارهم، فوقفت عليهم وقالت: أنعموا صباحا، إنّ هذا عزم عليّ أن أثني عليه بما أعلم. ثم أقبلت عليه فقالت: واللّه إنّ شملتك لالتحاف، وإنّ شربك لاشتفاف، وإنك لتنام ليلة تخاف، وتشبع ليلة تضاف، وما ترضي الأهل ولا الجانب، ثم انصرفت. فلامه قومه وقالوا: ما كان أغناك عن هذا القول منها.
أخبرني الأخفش عن ثعلب عن ابن الأعرابيّ قال حدّثني أبو فقعس قال: كان عروة بن الورد إذا أصابت الناس سنة شديدة تركوا في دارهم المريض والكبير والضعيف، وكان عروة بن الورد يجمع أشباه هؤلاء من دون الناس من عشيرته في الشدّة ثم يحفر لهم الأسراب ويكنف عليهم الكنف ويكسبهم، ومن قوي منهم - إما مريض يبرأ من مرضه، أو ضعيف تثوب قوّته - خرج به معه فأغار، وجعل لأصحابه الباقين في ذلك نصيبا، حتى إذا أخصب الناس وألبنوا وذهبت السّنة ألحق كلّ إنسان بأهله وقسم له نصيبه من غنيمة إن كانوا غنموها، فربما أتى الإنسان منهم أهله وقد استغنى، فلذلك سمّي عروة الصعاليك، فقال في ذلك بعض السنين وقد ضاقت حاله:
لعلّ ارتيادي في البلاد وبغيتيوشدّي حيازيم المطيّة بالرّحل
سيدفعني يوما إلى ربّ هجمةيدافع عنها بالعقوق وبالبخل
فزعموا أن اللّه عزوجل قيّض له وهو مع قوم من هلّاك عشيرته في شتاء شديد ناقتين دهماوين، فنحر لهم إحداهما وحمل متاعهم وضعفاءهم على الأخرى، وجعل ينتقل بهم من مكان إلى مكان، وكان بين النّقرة والرّبذة فنزل بهم ما بينهما بموضع يقال له: ماوان. ثم إن اللّه عزوجل قيّض له رجلا صاحب مائة من الإبل قد فرّ بها من حقوق قومه - وذلك أوّل ما ألبن الناس - فقتله وأخذ إبله وامرأته، وكانت من أحسن النساء، فأتى بالإبل أصحاب الكنيف فحلبها لهم وحملهم عليها، حتى إذا دنوا من عشيرتهم أقبل يقسمها بينهم وأخذ مثل نصيب أحدهم، فقالوا: لا واللات والعزّى لا نرضى حتى تجعل المرأة نصيبا فمن شاء أخذها، فجعل يهمّ بأن يحمل عليهم فيقتلهم وينتزع الإبل منهم، ثم يذكر أنهم صنيعته وأنه إن فعل ذلك أفسد ما كان يصنع، فأفكر طويلا ثم أجابهم إلى أن يردّ عليهم الإبل إلا راحلة يحمل عليها المرأة حتى يلحق بأهله، فأبوا ذلك عليه، حتى انتدب رجل منهم فجعل له راحلة من نصيبه؛ فقال عروة في ذلك قصيدته التي أوّلها:
ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهمكما الناس لمّا أمرعوا وتموّلوا
وإني لمدفوع إليّ ولاؤهمبماوان إذ نمشي وإذ نتململ
وإنّي وإيّاهم كذي الأمّ أرهنتله ماء عينيها تفدّي وتحمل
فباتت بحدّ المرفقين كليهماتوحوح ممّا نالها وتولول
تخيّر من أمرين ليسا بغبطةهو الثّكل إلا أنّها قد تجمّل
وقال ابن الأعرابيّ في هذه الرّواية أيضا: كان عروة قد سبى امرأة من بني هلال بن عامر بن صعصة يقال لها: ليلى بنت شعواء، فمكثت عنده زمانا وهي معجبة له تريه أنّها تحبّه، ثم استزارته أهلها فحملها حتّى أتاهم بها، فلمّا أراد الرّجوع أبت أن ترجع معه، وتوعّده قومها بالقتل فانصرف عنهم، وأقبل عليها فقال لها: يا ليلى، خبّري صواحبك عنّي كيف أنا؛ فقالت: ما أرى لك عقلا! أتراني قد اخترت عليك وتقول: خبّري عنّي! فقال في ذلك:
تحنّ إلى ليلى بجوّ بلادهاوأنت عليها بالملا كنت أقدرا
وكيف ترجّيها وقد حيل دونهاوقد جاوزت حيّا بتيماء منكرا
لعلّك يوما أن تسرّي ندامةعليّ بما جشّمتني يوم غضورا
وهي طويلة. قال: ثمّ إن بني عامر أخذوا امرأة من بني عبس ثم من بني سكين يقال لها أسماء، فما لبثت عندهم إلّا يوما حتّى استنقذها قومها؛ فبلغ عروة أنّ عامر بن الطّفيل فخر بذلك وذكر أخذه إيّاها، فقال عروة يعيّرهم بأخذه ليلى بنت شعواء الهلالية:
إن تأخذوا أسماء موقف ساعةفمأخذ ليلى وهي عذراء أعجب
لبسنا زمانا حسنها وشبابهاوردّت إلى شعواء والرّأس أشيب
كمأخذنا حسناء كرها ودمعهاغداة اللّوي معصوبة يتصبّب
وقال ابن الأعرابيّ: أجدب ناس من بني عبس في سنة أصابتهم فأهلكت أموالهم وأصابهم جوع شديد وبؤس، فأتوا عروة بن الورد فجلسوا أمام بيته، فلمّا بصروا به صرخوا وقالوا: يا أبا الصّعاليك، أغثنا؛ فرقّ لهم وخرج ليغزو بهم ويصيب معاشا، فنهته امرأته عن ذلك لما تخوّفت عليه من الهلاك، فعصاها وخرج غازيا، فمرّ بمالك بن حمار الفزاريّ ثم الشّمخيّ؛ فسأله: أين يريد؟ فأخبره، فأمر له بجزور فنحرها فأكلوا منها؛ وأشار عليه مالك أن يرجع، فعصاه ومضى حتّى انتهى إلى بلاد بني القين، فأغار عليهم فأصاب هجمة عاد بها على نفسه وأصحابه؛ وقال في ذلك:
أرى أمّ حسّان الغداة تلومنيتخوّفني الأعداء والنّفس أخوف
تقول سليمى لو أقمت لسرّناولم تدر أنّى للمقام أطوّف
لعلّ الذي خوّفتنا من أمامنايصادفه في أهله المتخلّف
وهي طويلة.
وقال في ذلك أيضا:
أليس ورائي أن أدبّ على العصافيشمت أعدائي ويسأمني أهلي
رهينة قعر البيت كلّ عشيّةيطيف بي الولدان أهدج كالرّأل
أقيموا بني لبنى صدور ركابكمفكلّ منايا النّفس خير من الهزل
فإنكم لن تبلغوا كلّ همّتيولا أربى حتّى تروا منبت الأثل
لعلّ ارتيادي في البلاد وحيلتيوشدّي حيازيم المطيّة بالرّحل
سيدفعني يوما إلى ربّ هجمةيدافع عنها بالعقوق وبالبخل
نسخت من «كتاب أحمد بن القاسم بن يوسف» قال حدّثني حرّ بن قطن أنّ ثمامة بن الوليد دخل على المنصور؛ فقال: يا ثمامة، أتحفظ حديث ابن عمّك عروة الصّعاليك بن الورد العبسيّ؟ فقال: أيّ حديثه يا أمير المؤمنين؟ فقد كان كثير الحديث حسنه؛ قال: حديثه مع الهذليّ الذي أخذ فرسه؛ قال: ما يحضرني ذلك فأرويه يا أمير المؤمنين؛ فقال المنصور: خرج عروة حتّى دنا من منازل هذيل فكان منها على نحو ميلين وقد جاع فإذا هو بأرنب فرماها ثم أورى نارا فشواها وأكلها ودفن النّار على مقدار ثلاث أذرع وقد ذهب اللّيل وغارت النّجوم، ثمّ أتى سرحة فصعدها وتخوّف الطّلب، فلما تغيّب فيها إذ الخيل قد جاءت وتخوّفوا البيات. قال: فجاءت جماعة منهم ومعهم رجل على فرس فجاء حتى ركز رمحه في موضع النّار وقال: لقد رأيت النّار هاهنا؛ فنزل رجل فحفر قدر ذراع فلم يجد شيئا، فأكبّ القوم على الرّجل يعذلونه ويعيبون أمره ويقولون: عنّيتنا في مثل هذه اللّيلة القرّة وزعمت لنا شيئا كذبت فيه؛ فقال: ما كذبت، ولقد رأيت النّار في موضع رمحي؛ فقالوا: ما رأيت شيئا ولكن تحذلقك وتدهّيك هو الذي حملك على هذا، وما نعجب إلّا لأنفسنا حين أطعنا أمرك واتّبعناك؛ ولم يزالوا بالرجل حتّى رجع عن قوله لهم. واتّبعهم عروة، حتّى إذا وردوا منازلهم جاء عروة فتكمّن في كسر بيت؛ وجاء الرّجل إلى امرأته وقد خالفه إليها عبد أسود، وعروة ينظر، فأتاها العبد بعلبة فيها لبن فقال: اشربي؛ فقالت لا، أو تبدأ، فبدأ الأسود فشرب؛ فقالت للرجل حين جاء: لعن اللّه صلفك! عنّيت قومك منذ اللّيلة؛ قال: لقد رأيت نارا، ثمّ دعا بالعلبة ليشرب، فقال حين ذهب ليكرع: ريح رجل وربّ الكعبة! فقالت امرأته: وهذه أخرى، أيّ ريح رجل تجده في إنائك غير ريحك! ثم صاحت، فجاء قومها فأخبرتهم خبره، فقالت: يتّهمني ويظنّ بي الظّنون! فأقبلوا عليه باللّوم حتّى رجع عن قوله؛ فقال عروة: هذه ثانية. قال ثم أوى الرجل إلى فراشه، فوثب عروة إلى الفرس وهو يريد أن يذهب به، فضرب الفرس بيده وتحرّك، فرجع عروة إلى موضعه، ووثب الرجل فقال: ما كنت لتكذبيني فمالك؟ فأقبلت عليه امرأته لوما وعدلا. قال: فصنع عروة ذلك ثلاثا وصنعه الرجل، ثم أوى الرجل إلى فراشه وضجر من كثرة ما يقوم، فقال: لا أقوم إليك اللّيلة؛ وأتاه عروة فحال في متنه وخرج ركضا، وركب الرجل فرسا عنده أنثى. قال عروة: فجعلت أسمعه خلفي يقول: الحقي فإنك من نسله. فلما انقطع عن البيوت، قال له عروة بن الورد: أيّها الرجل قف، فإنك لو عرفتني لم تقدم عليّ، أنا عروة بن الورد، وقد رأيت اللّيلة منك عجبا، فأخبرني به وأردّ إليك فرسك؛ قال: وما هو؟ قال: جئت مع قومك حتّى ركزت رمحك في موضع نار قد كنت أوقدتها فثنوك عن ذلك فآنثنيت وقد صدقت، ثم اتّبعتك حتّى أتيت منزلك وبينك وبين النار ميلان فأبصرتها منهما، ثم شممت رائحة رجل في إنائك، وقد رأيت الرجل حين آثرته زوجتك بالإناء، وهو عبدك الأسود وأظن أن بينهما ما لا تحبّ، فقلت: ريح رجل؛ فلم تزل تثنيك عن ذلك حتى انثنيت، ثم خرجت إلى فرسك فأردته فاضطرب وتحرّك فخرجت إليه، ثم خرجت وخرجت، ثم أضربت عنه، فرأيتك في هذه الخصال أكمل الناس ولكنك تنثني وترجع؛ فضحك وقال: ذلك لأخوال السّوء، والذي رأيت من صرامتي فمن قبل أعمامي وهم هذيل، وما رأيت من كعاعتي فمن قبل أخوالي وهم بطن من خزاعة، والمرأة التي رأيت عندي امرأة منهم وأنا نازل فيهم، فذلك الذي يثنيني عن أشياء كثيرة، وأنا لا حق بقومي وخارج عن أخوالي هؤلاء ومخلّ سبيل المرأة، ولو لا ما رأيت من كعاعتي لم يقو على مناوأة قومي أحد من العرب. فقال عروة: خذ فرسك راشدا؛ قال: ما كنت لآخذه منك وعندي من نسله جماعة مثله، فخذه مباركا لك فيه. قال ثمامة: إنّ له عندنا أحاديث كثيرة ما سمعنا له بحديث هو أظرف من هذا.
قال المنصور: أفلا أحدّثك له بحديث هو أظرف من هذا؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، فإن الحديث إذا جاء منك كان له فضل على غيره؛ قال: خرج عروة وأصحابه حتى أتى ماوان فنزل أصحابه وكنف عليهم كنيفا من الشجر، وهم أصحاب الكنيف الذي سمعته قال فيهم:
ألا إنّ أصحاب الكنيف وجدتهمكما الناس لمّا أمرعوا وتموّلوا
وفي هذه الغزاة يقول عروة:
أقول لقوم في الكنيف تروّحواعشيّة قلنا حول ماوان رزّح
وفي هذه القصيدة يقول:
ليبلغ عذرا أو يصيب غنيمةومبلغ نفس عذرها مثل منجح
ثم مضى يبتغي لهم شيئا وقد جهدوا، فإذا هو بأبيات شعر وبامرأة قد خلا من سنّها وشيخ كبير كالحقاء الملقى، فكمن في كسر بيت منها، وقد أجدب الناس وهلكت الماشية، فإذا هو في البيت بسحور ثلاثة مشويّة - فقال ثمامة: وما السّحور؟ قال: الحلقوم بما فيه - والبيت خال فأكلها، وقد مكث قبل ذلك يومين لا يأكل شيئا فاشبعته وقوي، فقال: لا أبالي من لقيت بعد هذا. ونظرت المرأة فظنّت أنّ الكلب أكلها فقالت للكلب: أفعلتها يا خبيث! وطردته. فإنه لكذلك إذا هو عند المساء بإبل قد ملأت الأفق وإذا هي تلتفت فرقا، فعلم أن راعيها جلد شديد الضرب لها، فلما أتت المناخ بركت، ومكث الراعي قليلا ثم أتى ناقة منها فمرى أخلافها، ثم وضع العلبة على ركبتيه وحلب حتى ملأها، ثم أتى الشيخ فسقاه، ثم أتى ناقة أخرى ففعل بها ذلك وسقى العجوز، ثم أتى أخرى ففعل بها كذلك فشرب هو، ثم التفع بثوب واضطجع ناحية، فقال الشيخ للمرأة وأعجبه ذلك: كيف ترين ابني؟ فقالت: ليس بابنك! قال: فابن من ويلك؟ قالت: ابن عروة بن الورد، قال: ومن أين؟ قالت: أتذكر يوم مرّ بنا يريد سوق ذي المجاز فقلت: هذا عروة بن الورد، ووصفته لي بجلد فإني استطرفته. قال: فسكت، حتى إذا نوّم وثب عروة وصاح بالإبل فاقتطع منها نحوا من النصف ومضى ورجا ألّا يتبعه الغلام - وهو غلام حين بدا شاربه - فاتّبعه. قال: فاتخذا وعالجه، قال: فضرب به الأرض فيقع قائما، فتخوّفه على نفسه، ثم واثبه فضرب به وبادره، فقال: إنّي عروة بن الورد، وهو يريد أن يعجزه عن نفسه. قال: فارتدع، ثم قال مالك ويلك! لست أشكّ أنك قد سمعت ما كان من أمّي؛ قال قلت نعم. فاذهب معي أنت وأمك وهذه الإبل ودع هذا الرجل فإنه لا ينهاك عن شيء، قال: الذي بقي من عمر الشيخ قليل، وأنا مقيم معه ما بقي، فإن له حقّا وذماما، فإذا هلك فما أسرعني إليك، وخذ من هذه الإبل بعيرا؛ قلت: لا يكفيني، إنّ معي أصحابي قد خلّفتهم؛ قال: فثانيا، قلت لا؛ قال: فثالثا، واللّه لا زدتك على ذلك. فأخذها ومضى إلى أصحابه، ثم إنّ الغلام لحق به بعد هلاك الشيخ.
قال: واللّه يا أمير المؤمنين لقد زيّنته عندنا وعظّمته في قلوبنا؛ قال: فهل أعقب عندكم؟ قال لا، ولقد كنا نتشاءم بأبيه، لأنه هو الذي أوقع الحرب بين عبس وفزارة بمراهنته حذيفة، ولقد بلغني أنه كان له ابن أسنّ من عروة فكان يؤثره على عروة فيما يعطيه ويقرّبه، فقيل له: أتؤثر الأكبر مع غناه عنك على الأصغر مع ضعفه! قال: أترون هذا الأصغر! لئن بقي مع ما رأى ما شدّة نفسه ليصيرنّ الأكبر عيالا عليه.
صوت من المائة المختارة
أزرى بنا أننا شالت نعامتنافخالني دونه بل خلته دوني
فإن تصبك من الأيام جائحةلم أبك منك على دنيا ولا دين
الشعر لذي الإصبع العدوانيّ، والغناء لفيل مولى العبلات هزج خفيف بإطلاق الوتر في مجرى البنصر.
معنى قوله أزرى بنا: قصّر بنا، يقال: زريت عليه إذا عبت عليه فعله، وأزريت به إذا قصّرت به في شيء. وشالت نعامتهم إذا انتقلوا بكلّيتهم، يقال: شالت نعامتهم، وزفّ رألهم، إذا انتقلوا عن الموضع فلم يبق فيه منهم أحد ولم يبق لهم فيه شيء. وخالني: ظنني، يقال: خلت كذا وكذا فأنا أخاله إذا ظننته. والجائحة: النازلة التي تجتاح ولا تبقى على ما نزلت به.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع