تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

ذكر قيس بن الخطيم وأخباره ونسبه

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هو قيس بن الخطيم بن عديّ بن عمرو بن سود بن ظفر، ويكنى قيس أبا يزيد.

أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا محمد بن موسى بن حمّاد قال حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: أنشد ابن أبي عتيق قول قيس بن الخطيم:

بين شكول النساء خلقتهاحذوا فلا جبلة ولا قضف

فقال: لو لا أن أبا يزيد قال: حذوا ما درى الناس كيف يحشون هذا الموضع.

وكان أبوه الخطيم قتل وهو صغير، قتله رجل من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج، فلما بلغ قتل قاتل أبيه، ونشبت لذلك حروب بين قومه وبين الخزرج وكان سببها.

فأخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال أخبرني أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل قال: كان سبب قتل الخطيم أنّ رجلا من بني حارثة بن الحارث بن الخزرج يقال له مالك اغتاله فقتله، وقيس يومئذ صغير، وكان عديّ أبو الخطيم أيضا قتل قبله، قتله رجل من عبد القيس، فلما بلغ قيس بن الخطيم وعرف أخبار قومه وموضع ثأره لم يزل يلتمس غرّة من قاتل أبيه وجدّه في المواسم حتى ظفر بقاتل أبيه بيثرب فقتله، وظفر بقاتل جدّه بذي المجاز، فلما أصابه وجده في ركب عظيم من قومه، ولم يكن معه إلا رهط من الأوس، فخرج حتى أتى حذيفة بن بدر الفزاريّ، فاستنجده فلم ينجده، فأتى خداش بن زهير فنهض معه ببنى عامر حتى أتوا قاتل عديّ، فإذا هو واقف على راحلته في السّوق، فطعنه قيس بحربة فقتله، ثم استمرّ. فأراده رهط الرجل، فحالت بنو عامر دونه؛ فقال في ذلك قيس بن الخطيم:

ثأرت عديّا والخطيم فلم أضعولاية أشياخ جعلت إزاءها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
ضربت بذي الزّجّين ربقة مالكفأبت بنفس قد أصبت شفاءها
وسامحني فيها ابن عمرو بن عامرخداش فأدّى نعمة وأفاءها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائرلها نفذ لو لا الشّعاع أضاءها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
ملكت بها كفّي فأنهرت فتقهايرى قائم من دونها ما وراءها

هذه رواية ابن الأعرابيّ عن المفضّل. وأما ابن الكلبيّ فإنه ذكر أن رجلا من قريش أخبره عن أبي عبيدة أن محمد بن عمّار بن ياسر، وكان عالما بحديث الأنصار، قال: كان من حديث قيس بن الخطيم أن جدّه عديّ بن عمرو قتله رجل من بني عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة يقال له مالك، وقتل أباه الخطيم بن عديّ رجل من عبد القيس ممن يسكن هجر؛ وكان قيس يوم قتل أبوه صبيا صغيرا، وقتل الخطيم قبل أن يثأر بأبيه عديّ؛ فخشيت أمّ قيس على ابنها أن يخرج فيطلب بثأر أبيه وجده فيهلك، فعمدت إلى كومة من تراب عند باب دارهم، فوضعت عليها أحجارا تقول لقيس: هذا قبر أبيك وجدّك، فكان قيس لا يشكّ أن ذلك على ذلك. ونشأ أيّدا شديد الساعدين، فنازع يوما فتى من فتيان بني ظفر، فقال له ذلك الفتى: واللّه لو جعلت شدّة ساعديك على قاتل أبيك وجدّك لكان خيرا لك من أن تخرجها عليّ؛ فقال: ومن قاتل أبي وجدي؟ قال: سل أمّك تخبرك؛ فأخذ السيف ووضع قائمه على الأرض وذبابه بين ثدييه وقال لأمه: أخبريني من قتل أبي وجدّي؟ قالت: ماتا كما يموت الناس وهذان قبراهما بالفناء؛ فقال: واللّه لتخبرينني من قتلهما أو لأتحاملنّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري؛ فقالت: أمّا جدّك فقتله رجل من بني عمرو بن عامر بن ربيعة يقال له مالك، وأما أبوك فقتله رجل من عبد القيس ممن يسكن هجر؛ فقال: واللّه لا أنتهي حتى أقتل قاتل أبي وجدّي؛ فقالت: يا بنيّ إن مالكا قاتل جدّك من قوم خداش بن زهير، ولأبيك عند خداش نعمة هو لها شاكر، فأته فاستشره في أمرك واستعنه يعنك؛ فخرج قيس من ساعته حتى أتى ناضحه وهو يسقي نخله، فضرب الجرير بالسيف فقطعه، فسقطت الدلو في البئر، وأخذ برأس الجمل فحمل عليه غرارتين من تمر، وقال: من يكفيني أمر هذه العجوز؟ (يعني أمّه) فإن متّ أنفق عليها من هذا الحائط حتى تموت ثم هو له، وإن عشت فمالي عائد إليّ وله منه ما شاء أن يأكل من تمره؛ فقال رجل من قومه: أنا له، فأعطاه الحائط ثم خرج يسأل عن خداش بن زهير حتى دلّ عليه بمرّ الظّهران، فصار إلى خبائه فلم يجده، فنزل تحت شجرة يكون تحتها أضيافه، ثم نادى امرأة خداش: هل من طعام؟ فأطلعت إليه فأعجبها جماله، وكان من أحسن الناس وجها؛ فقالت: واللّه ما عندنا من نزل نرضاه لك إلا تمرا؛ فقال: لا أبالي، فأخرجي ما كان عندك؛ فأرسلت إليه بقباع فيه تمر، فأخذ منه تمرة فأكل شقّها وردّ شقّها الباقي في القباع، ثم أمر بالقباع فأدخل على امرأة خداش بن زهير، ثم ذهب لبعض حاجاته. ورجع خداش فأخبرته امرأته خبر قيس، فقال: هذا رجل متحرّم. وأقبل قيس راجعا وهو مع امرأته يأكل رطبا؛ فلما رأى خداش رجله وهو على بعيره قال لامرأته: هذا ضيفك؟ قالت: نعم؛ قال: كأن قدمه قدم الخطيم صديقي اليثربيّ؛ فلما دنا منه قرع طنب البيت بسنان رمحه واستأذن، فأذن له خداش فدخل إليه، فنسبه فانتسب وأخبره بالذي جاء له، وسأله أن يعينه وأن يشير عليه في أمره؛ فرحّب به خداش وذكر نعمة أبيه عنده، وقال: إن هذا الأمر ما زلت أتوقّعه منك منذ حين. فأمّا قاتل جدّك فهو ابن عم لي وأنا أعينك عليه، فإذا اجتمعنا في نادينا جلست إلى جنبه وتحدّثت معه، فإذا ضربت فخذه فثب إليه فاقتله. فقال قيس: فأقبلت معه نحوه حتى قمت على رأسه لمّا جالسه خداش، فحين ضرب فخذه ضربت رأسه بسيف يقال له: ذو الخرصين، فثار إليّ القوم ليقتلوني، فحال خداش بينهم وبيني وقال: دعوه فإنه واللّه ما قتل إلا قاتل جدّه. ثم دعا خداش بجمل من إبله فركبه، وانطلق مع قيس إلى العبدي الذي قتل أباه، حتى إذا كانا قريبا من هجر أشار عليه خداش أن ينطلق حتى يسأل عن قاتل أبيه، فإذا دلّ عليه قال له: إن لصّا من لصوص قومك عارضني فأخذ متاعا لي، فسألت من سيد قومه فدللت عليك، فانطلق معي حتى تأخذ متاعي منه؛ فإن اتّبعك وحده فستنال ما تريد منه، وإن أخرج معه غيره فاضحك، فإن سألك ممّ ضحكت فقل: إن الشريف عندنا لا يصنع كما صنعت إذا دعي إلى اللص من قومه، إنما يخرج وحده بسوطه دون سيفه، فإذا رآه اللص أعطى كل شيء أخذ هيبة له، فإن أمر أصحابه بالرجوع فسبيل ذلك، وإن أبى إلّا أن يمضوا معه فأتني به، فإني أرجو أن تقتله وتقتل أصحابه. ونزل خداش تحت ظل شجرة، وخرج قيس حتى أتى العبديّ فقال له ما أمره خداش فأحفظه، فأمر أصحابه فرجعوا ومضى مع قيس؛ فلما طلع على خداش، قال له: اختر يا قيس إما أن أعينك وإما أن أكفيك؛ قال: لا أريد واحدة منهما، ولكن إن قتلني فلا يفلتنّك؛ ثم ثار إليه فطعنه قيس بالحربة في خاصرته فأنفذها من الجانب الآخر فمات مكانه، فلما فرغ منه قال له خداش: إنا إن فررنا الآن طلبنا قومه، ولكن ادخل بنا مكانا قريبا من مقتله، فإن قومه لا يظنون أنك قتلته وأقمت قريبا منه، ولكنهم إذا افتقدوه اقتفوا أثره، فإذا وجدوه قتيلا خرجوا في طلبنا في كل وجه، فإذا يئسوا رجعوا.

قال: فدخلا في دارات من رمال هناك، وفقد العبديّ قومه فاقتفوا أثره فوجدوه قتيلا، فخرجوا يطلبونهما في كل وجه ثم رجعوا، فكان من أمرهم ما قال خداش. وأقاما مكانهما أياما ثم خرجا، فلم يتكلما حتى أتيا منزل خداش، ففارقه عنده قيس بن الخطيم ورجع إلى أهله. ففي ذلك يقول قيس:

تذكّر ليلى حسنها وصفاءهاوبانت فما إن يستطيع لقاءها
ومثلك قد أصبيت ليست بكنّةولا جارة أفضت إليّ خباءها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
إذا ما اصطبحت أربعا خطّ مئزريوأتبعت دلوي في السّماح رشاءها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، من قصيدة «تذكرَ ليلى حسنَها وصَفَاءها»
ثأرت عديّا والخطيم فلم أضعوصيّة أشياخ جعلت إزاءها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

وهي قصيدة طويلة.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار قال حدّثني يعقوب بن إسرائيل قال حدّثنا زكريا بن يحيى المنقريّ قال حدّثنا زياد بن بيان العقيليّ قال حدّثنا أبو خولة الأنصاريّ عن أنس بن مالك قال: جلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مجلس ليس فيه إلا خزرجيّ ثم استنشدهم قصيدة قيس بن الخطيم، يعني قوله:

أتعرف رسما كاطّراد المذاهبلعمرة وحشا غير موقف راكب
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

فأنشده بعضهم إياها، فلما بلغ إلى قوله:

أجالدهم يوم الحديقة حاسراكأن يدي بالسيف مخراق لاعب
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

فالتفت إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: «هل كان كما ذكر»؛ فشهد له ثابت بن قيس بن شمّاس وقال له: والذي بعثك بالحق يا رسول اللّه، لقد خرج إلينا يوم سابع عرسه عليه غلالة وملحفة مورّسة فجالدنا كما ذكر. هكذا في هذه الرواية.

وقد أخبرني الحسن بن علي قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني عمي مصعب قال: لم تكن بينهم في هذه الأيام حروب إلا في يوم بعاث فإنه كان عظيما، وإنما كانوا يخرجون فيترامون بالحجارة ويتضاربون بالخشب.

قال الزّبير وأنشدت محمد بن فضالة قول قيس بن الخطيم:

أجالدهم يوم الحديقة حاسراكأن يدي بالسيف مخراق لاعب
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

فضحك وقال: ما اقتتلوا يومئذ إلا بالرطائب والسّعف.

قال أبو الفرج: وهذه القصيدة التي استنشدهم إياها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من جيّد شعر قيس بن الخطيم، ومما أنشده نابغة بني ذبيان فاستحسنه وفضّله وقدّمه من أجله.

أخبرنا الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال قال أبو غزيّة قال حسّان بن ثابت: قدم النابغة المدينة فدخل السّوق فنزل عن راحلته، ثم جثا على ركبتيه، ثم اعتمد على عصاه، ثم أنشأ يقول:

عرفت منازلا بعريتناتفأعلى الجزع للحيّ المبنّ

فقلت: هلك الشيخ ورأيته قد تبع قافية منكرة. قال ويقال: إنه قالها في موضعه، فما زال ينشد حتى أتى على آخرها، ثم قال: ألا رجل ينشد؟ فتقدّم قيس بن الخطيم فجلس بين يديه وأنشده:

أتعرف رسما كاطّراد المذاهب

حتى فرغ منها؛ فقال: أنت أشعر الناس يابن أخي. قال حسان: فدخلني منه، وإنّي في ذلك لأجد القوّة في نفسي عليهما، ثم تقدّمت فجلست بين يديه؛ فقال: أنشد فو اللّه إنك لشاعر قبل أن تتكلّم، قال: وكان يعرفني قبل ذلك، فأنشدته؛ فقال أنت أشعر الناس. قال الحسن بن موسى: وقالت الأوس: لم يزد قيس بن الخطيم النابغة على:

أتعرف رسما كاطّراد المذاهب

- نصف البيت - حتى قال أنت أشعر الناس.

أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزّبير قال قال سليمان بن داود المجمّعيّ: كان قيس بن الخطيم مقرون الحاجبين أدعج العينين أحمر الشفتين برّاق الثّنايا كأن بينها برقا، ما رأته حليلة رجل قطّ إلّا ذهب عقلها.

أخبرني الحسن قال حدّثنا محمد قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني حسن بن موسى عن سليمان بن داود المجمّعيّ قال: قال حسّان بن ثابت للخنساء: أهجي قيس بن الخطيم؛ فقالت: لا أهجو أحدا أبدا حتى أراه. قال: فجاءته يوما فوجدته في مشرقة ملتفّا في كساء له، فنخسته برجلها وقالت: قم، فقام؛ فقالت: أدبر، فأدبر؛ ثم قالت: أقبل، فأقبل. قال: واللّه لكأنها تعترض عبدا تشتريه، ثم عاد إلى حاله نائما؛ فقالت: واللّه لا أهجو هذا أبدا.

قال الزّبير وحدّثني عمّي مصعب قال: كانت عند قيس بن الخطيم حوّاء بنت يزيد بن سنان بن كريز بن زعوراء فأسلمت، وكانت تكتم قيس بن الخطيم إسلامها، فلما قدم قيس مكة عرض عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الإسلام، فاستنظره قيس حتى يقدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة؛ فسأله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن يجتنب زوجته حواء بنت يزيد، وأوصاه بها خيرا، وقال له: إنها قد أسلمت؛ ففعل قيس وحفظ وصيّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؛ فبلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: «وفي الأديعج».

قال أبو الفرج وأحسب هذا غلطا من مصعب، وأن صاحب هذه القصة قيس بن شمّاس، وأما قيس بن الخطيم فقتل قبل الهجرة.

أخبرني علي بن سليمان الأخفش النحويّ عن أبي سعيد السّكّريّ عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل: أن حرب الأوس والخزرج لما هدأت، تذكرت الخزرج قيس بن الخطيم ونكايته فيهم، فتوامروا وتواعدوا قتله؛ فخرج عشيّة من منزله في ملاءتين يريد مالا له بالشّوط حتى مرّ بأطم بني حارثة، فرمي من الأطم بثلاثة أسهم، فوقع أحدها في صدره، فصاح صيحة سمعها رهطه، فجاؤوا فحملوه إلى منزله، فلم يروا له كفئا إلا أبا صعصعة يزيد بن عوف بن مدرك النّجّاريّ، فاندسّ إليه رجل حتى اغتاله في منزله، فضرب عنقه واشتمل على رأسه، فأتى به قيسا وهو بآخر رمق، فألقاه بين يديه وقال: يا قيس قد أدركت بثأرك؛ فقال: عضضت بأير أبيك إن كان غير أبي صعصعة! فقال: هو أبو صعصعة، وأراه الرأس! فلم يلبث قيس بعد ذلك أن مات.

وهذا الشعر أعني:

أجدّ بعمرة غنيانها

فيما قيل يقوله قيس في عمرة بنت رواحة، وقيل: بل قاله في عمرة: امرأة كانت لحسّان بن ثابت، وهي عمرة بنت صامت بن خالد. وكان حسّان ذكر ليلى بنت الخطيم في شعره، فكافأه قيس بذلك، وكان هذا في حربهم التي يقال لها يوم الرّبيع.

فأخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال أخبرنا الزّبير قال حدّثني مصعب قال: مرّ حسّان بن ثابت بليلى بنت الخطيم - وقيس بن الخطيم أخوها بمكة حين خرجوا يطلبون الحلف في قريش - فقال لها حسان: اظعني فالحقي بالحيّ فقد ظعنوا، وليت شعري ما خلّفك وما شأنك: أقلّ ناصرك أم راث رافدك؟ فلم تكلّمه وشتمه نساؤها؛ فذكرها في شعره في يوم الربيع الذي يقول فيه:

لقد هاج نفسك أشجانهاوعاودها اليوم أديانها
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «لقد هاج نفسك أشجانها»
تذكرت ليلى وأنّي بهاإذا قطّعت منك أقرانها
وحجّل في الدار غربانهاوخفّ من الدار سكّانها
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «لقد هاج نفسك أشجانها»
وغيّرها معصرات الرّياحوسحّ الجنوب وتهتانها
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «لقد هاج نفسك أشجانها»
مهاة من العين تمشي بهاوتتبعها ثمّ غزلانها
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «لقد هاج نفسك أشجانها»
وقفت عليها فساءلتهاوقد ظعن الحيّ: ما شأنها
فعيّت وجاوبني دونهابما راع قلبي أعوانها
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «لقد هاج نفسك أشجانها»

وهي طويلة. فأجابه قيس بن الخطيم بهذه القصيدة التي أوّلها:

أجدّ بعمرة غنيانها

وفخر فيها بيوم الرّبيع وكان لهم فقال:

ونحن الفوارس يوم الرّبيع قد علموا كيف فرسانها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
حسان الوجوه حداد السيوف يبتدر المجد شبّانها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

وهي أيضا طويلة.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدّثنا عمر بن شبّة قال أخبرنا الأصمعيّ قال حدّثني شيخ قدم من المدينة، وأخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبة قال حدّثنا أبو غسّان عن أبي السائب المخزوميّ، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال ذكر لي عن جعفر بن محرز السّدوسيّ، قالوا: دخل النّعمان بن بشير الأنصاريّ المدينة أيام يزيد بن معاوية وابن الزّبير، فقال: واللّه لقد أخفقت أذناي من الغناء فأسمعوني؛ فقيل له: لو وجّهت إلى عزّة فإنها من قد عرفت! قال: إي وربّ البيت، إنها لمن يزيد النفس طيبا والعقل شحذا، ابعثوا إليها عن رسالتي، فإن أبت صرنا إليها؛ فقال له بعض القوم: إن النّقلة تشتدّ عليها لثقل بدنها وما بالمدينة دابة تحملها؛ فقال النعمان: وأين النجائب عليها الهوادج! فوجّه إليها بنجيب فذكرت علّة، فلما عاد الرسول إلى النعمان قال لجليسه أنت كنت أخبر بها، قوموا بنا؛ فقام هو مع خواصّ أصحابه حتى طرقوها، فأذنت وأكرمت واعتذرت، فقبل النعمان عذرها وقال: غنّيني، فغنته:

أجدّ بعمرة غنيانهافتهجر أم شأننا شأنها
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

فأشير إليها أنها أمّه فسكتت؛ فقال: غنّيني فو اللّه ما ذكرت إلا كرما وطيبا! لا تغنّيني سائر اليوم غيره؛ فلم تزل تغنّيه هذا اللحن فقط حتى انصرف.

وتذاكروا هذا الحديث عند الهيثم بن عديّ، فقال: ألا أزيدكم فيه طريفة! قلنا بلى يا أبا عبد الرحمن؛ قال قال لقيط: كنت عند سعيد الزّبيريّ قال سمعت عامرا الشعبيّ يقول: اشتاق النّعمان بن بشير إلى الغناء فصار إلى منزل عزّة، فلما انصرف إذا امرأة بالباب منتظرة له، فلما خرج شكت إليه كثرة غشيان زوجها إياها؛ فقال لها النعمان بن بشير: لأقضينّ بينكما بقضية لا تردّ عليّ، قد أحلّ اللّه له من النساء مثنى وثلاث ورباع، فله امرأتان بالنهار وامرأتان بالليل. فهذا يدلّ على أن المعنيّة بهذا الشعر عمرة بنت رواحة.

وأما ما ذكر أنه عنى عمرة امرأة حسان بن ثابت، فأخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا الزّبير بن بكّار عن عمه:

أخبرني الحسن قال حدّثنا أحمد قال حدّثنا الزّبير قال حدّثني عمّي مصعب قال: تزوّج حسّان بن ثابت عمرة بنت الصامت بن خالد بن عطية الأوسيّة ثم إحدى بني عمرو بن عوف، فكان كل واحد منهما معجبا بصاحبه، وإن الأوس أجاروا مخلّد بن الصامت الساعديّ فقال في ذلك أبو قيس بن الأسلت:

أجرت مخلّدا ودفعت عنهوعند اللّه صالح ما أتيت

فتكلم حسان في أمره بكلام أغضب عمرة، فعيّرته بأخواله وفخرت عليه بالأوس؛ فغضب لهم فطلقها، فأصابها من ذلك ندم وشدّة؛ وندم هو بعد فقال:

صوت

أزمعت عمرة صرما فابتكرإنما يدهن للقلب الحصر
لا يكن حبّك حبّا ظاهراليس هذا منك يا عمر بسرّ
سألت حسّان من أخوالهإنما يسأل بالشيء الغمر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أجمعت عمرة صرما فابتكر»
قلت أخوالي بنو كعب إذاأسلم الأبطال عورات الدّبر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أجمعت عمرة صرما فابتكر»

يريد يدهن القلب، فأدخل اللام زائدة للضرورة. عمر: ترخيم عمرة. والسر: الخالص الحسن. غنّت في هذه الأبيات عزّة الميلاء ثاني ثقيل بالبنصر من رواية حبش.

وتمام القصيدة:

ربّ خال لي لو أبصرتهسبط المشية في اليوم الخصر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أجمعت عمرة صرما فابتكر»
عند هذا الباب إذ ساكنهكلّ وجه حسن النّقبة حرّ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أجمعت عمرة صرما فابتكر»
يوقد النار إذا ما أطفئتيعمل القدر بأثباج الجزر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أجمعت عمرة صرما فابتكر»
من يغرّ الدهر أو يأمنهمن قبيل بعد عمرو وحجر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أجمعت عمرة صرما فابتكر»
ملكا من جبل الثلج إلىجانبي أيلة من عبد وحرّ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أجمعت عمرة صرما فابتكر»
ثم كانا خير من نال النّدىسبقا الناس بإقساط وبرّ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أجمعت عمرة صرما فابتكر»
فارسي خيل إذا ما أمسكتربّة الخدر بأطراف السّتر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أجمعت عمرة صرما فابتكر»
أتيا فارس في دارهمفتناهوا بعد إعصار بقرّ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أجمعت عمرة صرما فابتكر»
ثم نادوا يالغسّان اصبرواإنه يوم مصاليت صبر
اجعلوا معقلها أيمانكمبالصّفيح المصطفى غير الفطر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أجمعت عمرة صرما فابتكر»
بضراب تأذن الجنّ لهوطعان مثل أفواه الفقر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أجمعت عمرة صرما فابتكر»
ولقد يعلم من حاربناأننا ننفع قدما ونضرّ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أجمعت عمرة صرما فابتكر»
صبر للموت إن حلّ بناصادقو البأس غطاريف فخر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أجمعت عمرة صرما فابتكر»
وأقام العزّ فينا والغنىفلنا فيه على الناس الكبر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أجمعت عمرة صرما فابتكر»
منهم أصلي فمن يفخر بهيعرف الناس بفخر المفتخر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أجمعت عمرة صرما فابتكر»
نحن أهل العزّ والمجد معاغير أنكاس ولا ميل عسر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أجمعت عمرة صرما فابتكر»
فاسألوا عنا وعن أفعالناكلّ قوم عندهم علم الخبر

قال الزبير فحدّثني عمّي قال: ثم إن حسّان بن ثابت مرّ يوما بنسوة فيهن عمرة بعد ما طلّقها، فأعرضت عنه وقالت لامرأة منهنّ: إذا حاذاك هذا الرجل فاسأليه من هو وانسبيه وانسبي أخواله وهي متعرّضة له، فلما حاذاهنّ سألته من هو ونسبته فانتسب لها، فقالت: فمن أخوالك؟ فأخبرها، فبصقت عن شمالها وأعرضت عنه؛ فحدّد النظر إليها وعجب من فعلها وجعل ينظر إليها، فبصر بامرأته وهي تضحك فعرفها وعلم أن الأمر من قبلها أتى، فقال في ذلك:

قالت له يوما تخاطبهريّا الروادف غادة الصّلب
أما المروءة والوسامة أوحشم الرجال فقد بدا، حسبي
فوددت أنك لو تخبّرنامن والدك ومنصب الشّعب
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «قالت له يوما تخاطبه»
فضحكت ثم رفعت متّصلاصوتي كرفع المنطق الشّغب
جدّي أبو ليلى ووالدهعمرو وأخوالي بنو كعب
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «قالت له يوما تخاطبه»
وأنا من القوم الذين إذاأزم الشتاء بحلقة الجدب
أعطى ذوو الأموال معسرهموالضاربين بموطن الرّعب
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «قالت له يوما تخاطبه»

قال مصعب: وأبو ليلى الذي عناه حسّان: حرام بن عمرو بن زيد مناة.

ومما فيه صنعة من المائة المختارة من شعر قيس بن الخطيم:

صوت

حوراء ممكورة منعّمةكأنما شفّ وجهها نزف
تنام عن كبر شأنها فإذاقامت رويدا تكاد تنقصف
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
أوحش من بعد خلّة سرففالمنحنى فالعقيق فالجرف

الشعر لقيس بن الخطيم سوى البيت الثالث. والغناء لقفا النّجّار، ولحنه المختار ثاني ثقيل، هكذا ذكر

يحيى بن عليّ في الاختيار الواثقيّ. وهو في كتاب إسحاق لقفا النجّار ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، ولعلّه غير هذا اللحن المختار.

وهذا الشعر يقوله قيس بن الخطيم في حرب كانت بينهم وبين بني جحجبى وبني خطمّة، ولم يشهدها قيس ولا كانت في عصره، وإنما أجاب عن ذكرها شاعرا منهم يقال له: درهم بن يزيد. قال أبو المنهال عتيبة بن المنهال: بعث رجل من غطفان من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان إلى يثرب بفرس وحلّة مع رجل من غطفان وقال: ادفعهما إلى أعز أهل يثرب - قال وقيل: إن الباعث بهما عبد ياليل بن عمرو الثّقفيّ. قال وقيل: بل الباعث بهما علقمة بن علاثة - فجاء الرسول بهما حتى ورد سوق بني قينقاع فقال ما أمر به، فوثب إليه رجل من غطفان كان جارا لمالك بن العجلان الخزرجيّ يقال له كعب الثّعلبيّ، فقال: مالك بن العجلان أعزّ أهل يثرب؛ وقام رجل آخر فقال: بل أحيحة بن الجلاح أعزّ أهل يثرب، وكثر الكلام؛ فقبل الرسول الغطفانيّ قول الثعلبيّ الذي كان جارا لمالك بن العجلان ودفعهما إلى مالك؛ فقال كعب الثعلبيّ: ألم أقل لكم: إن حليفي أعزّكم وأفضلكم! فغضب رجل من بني عمرو بن عوف يقال له سمير فرصد الثعلبيّ حتى قتله، فأخبر مالك بذلك، فأرسل إلى بني عوف بن عمرو بن مالك بن الأوس: إنكم قتلتم منّا قتيلا فأرسلوا إلينا بقاتله؛ فلما جاءهم رسول مالك تراموا به: فقالت بنو زيد: إنما قتلته بنو جحجبى، وقالت بنو جحجبى: إنما قتلته بنو زيد؛ ثم أرسلوا إلى مالك: إنه قد كان في السوق التي قتل فيها صاحبكم ناس كثير، ولا يدرى أيّهم قتله؛ وأمر مالك أهل تلك السوق أن يتفرّقوا، فلم يبق فيها غير سمير وكعب، فأرسل مالك إلى بني عمرو بن عوف بالذي بلغه من ذلك وقال: إنما قتله سمير، فأرسلوا به إليّ أقتله؛ فأرسلوا إليه: إنه ليس لك أن تقتل سميرا بغير بيّنة؛ وكثرت الرسل بينهم في ذلك: يسألهم مالك أن يعطوه سميرا ويأبون أن يعطوه إياه. ثم إن بني عمرو بن عوف كرهوا أن ينشبوا بينهم وبين مالك حربا، فأرسلوا إليه يعرضون عليه الدّية فقبلها؛ فأرسلوا إليه: إن صاحبكم حليف وليس لكم فيه إلا نصف الدية، فغضب مالك وأبى أن يأخذ فيه إلا الدية كاملة أو يقتل سميرا؛ فأبت بنو عمرو بن عوف أن يعطوه إلّا دية الحليف وهي نصف الدية، ثم دعوه أن يحكم بينهم وبينه عمرو بن امرىء القيس أحد بني الحارث بن الخزرج وهو جدّ عبد اللّه بن رواحة ففعل؛ فانطلقوا حتى جاءوه في بني الحارث بن الخزرج، فقضى على مالك بن العجلان أنه ليس له في حليفه إلّا دية الحليف، وأبى مالك أن يرضى بذلك وآذن بني عمرو بن عوف بالحرب، واستنصر قبائل الخزرج، فأبت بنو الحارث بن الخزرج أن تنصره غضبا حين ردّ قضاء عمرو بن امرىء القيس؛ فقال مالك بن العجلان يذكر خذلان بني الحارث بن الخزرج له وحدب بني عمرو بن عوف على سمير، ويحرّض بني النجّار على نصرته:

إن سميرا أرى عشيرتهقد حدبوا دونه وقد أنفوا
إن يكن الظنّ صادقا ببني النّجّار لا يطعموا الذي علفوا
لا يسلمونا لمعشر أبداما دام منّا ببطنها شرف
لكن مواليّ قد بدا لهمرأي سوى ما لديّ أو ضعفوا

يقال: علفوا الضيم إذا أقرّوا به، أي ظنّي أنهم لا يقبلون الضيم.

صوت

بين بني جحجبى وبين بنيزيد فأنّى لجاري التّلف
يمشون في البيض والدروع كماتمشي جمال مصاعب قطف
للشاعر درهم بن زيد، اقرأ القصيدة
كما تمشّى الأسود في رهج الموت إليه وكلّهم لهف

غنّى في هذه الأبيات معبد خفيف ثقيل عن إسحاق، وذكر الهشاميّ أن فيه لحنا من الثقيل الأوّل للغريض: وقال درهم بن يزيد بن ضبيعة أخو سمير في ذلك:

يا قوم لا تقتلوا سميرا فإنّ القتل فيه البوار والأسف
للشاعر درهم بن زيد، اقرأ القصيدة
إن تقتلوه ترنّ نسوتكمعلى كريم ويفزع السّلف
إني لعمر الذي يحجّ له الناس ومن دون بيته سرف
للشاعر درهم بن زيد، اقرأ القصيدة
يمين برّ باللّه مجتهديحلف إن كان ينفع الحلف
للشاعر درهم بن زيد، اقرأ القصيدة
لا نرفع العبد فوق سنّتهما دام منّا ببطنها شرف
للشاعر درهم بن زيد، اقرأ القصيدة
إنك لاق غدا غواة بنيعمّي فانظر ما أنت مزدهف
للشاعر درهم بن زيد، اقرأ القصيدة
فأبد سيماك يعرفوك كمايبدون سيماهم فتعترف
للشاعر درهم بن زيد، اقرأ القصيدة

معنى قوله «فأبد سيماك»: أن مالك بن العجلان كان إذا شهد الحرب يغيّر لباسه ويتنكّر لئلا يعرف فيقصد.

وقال درهم بن يزيد في ذلك:

يا مال لا تبغين ظلامتنايا مال إنّا معاشر أنف
للشاعر درهم بن زيد، اقرأ القصيدة
يا مال والحقّ إن قنعت بهفيه وفينا لأمرنا نصف
للشاعر درهم بن زيد، اقرأ القصيدة
إنّ بجيرا عبد فخذ ثمنافالحقّ يوفى به ويعترف
ثم اعلمن إن أردت ضيم بنيزيد فإنّي ومن له الحلف
للشاعر درهم بن زيد، اقرأ القصيدة
لأصبحن داركم بذي لجبجون له من أمامه عزف
للشاعر درهم بن زيد، اقرأ القصيدة
البيض حصن لهم إذا فزعواوسابغات كأنها النّطف
للشاعر درهم بن زيد، اقرأ القصيدة
والبيض قد ثلّمت مضاربهابها نفوس الكماة تختطف
للشاعر درهم بن زيد، اقرأ القصيدة
كأنها في الأكفّ إذ لمعتوميض برق يبدو وينكسف

وقال قيس بن الخطيم الظّفريّ أحد بني النّبيت في ذلك، ولم يدركه وإنما قاله بعد هذه الحرب بزمان، ومن هذه القصيدة الصوت المذكور:

ردّ الخليط الجمال فانصرفواماذا عليهم لو أنهم وقفوا
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
لو وقفوا ساعة نسائلهمريث يضحّي جماله السّلف
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
فيهم لعوب العشاء آنسة الدّل عروب يسوءها الخلف
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
بين شكول النساء خلقتهاقصد فلا جبلة ولا قضف
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
تنام عن كبر شأنها فإذاقامت رويدا تكاد تنغرف
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
تغترق الطرف وهي لاهيةكأنما شفّ وجهها نزف
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
حوراء جيداء يستضاء بهاكأنها خوط بانة قصف
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
قضى لها اللّه حين صوّرها الخالق أن لا يكنّها سدف
خود يغثّ الحديث ما صمتتوهو بفيها ذو لذة طرف
تخزنه وهو مشتهى حسنوهو إذا ما تكلمت أنف
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

وهي طويلة يقول فيها:

أبلغ بني جحجبى وإخوتهمزيدا بأنّا وراءهم أنف
إنا وإن قلّ نصرنا لهمأكبادنا من ورائهم تجف
لمّا بدت نحونا جباههمحنّت إلينا الأرحام والصّحف
نفلي بحدّ الصّفيح هامهموفلينا هامهم بها جنف
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
يتبع آثارها إذا اختلجتسخن عبيط عروقه تكف
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة
إنّ بني عمّنا طغوا وبغواولجّ منهم في قومهم سرف
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

فردّ عليه حسّان بن ثابت ولم يدرك ذلك:

ما بال عينيك دمعها يكفمن ذكر خود شطّت بها قذف
بانت بها غربة تؤمّ بهاأرضا سوانا والشكل مختلف
ما كنت أدري بوشك بينهمحتى رأيت الحدوج تنقذف
دع ذا وعدّ القريض في نفريرجون مدحي ومدحي الشرف
إن تدع قومي للمجد تلفهمأهل فعال يبدو إذا وصفوا
إن سميرا عبد طغى سفهاساعده أعبد لهم نطف

قال: ثم أرسل مالك بن العجلان إلى بني عمرو بن عوف يؤذنهم بالحرب، ويعدهم يوما يلتقون فيه، وأمر قومه فتهيّئوا للحرب، وتحاشد الحيّان وجمع بعضهم لبعض. وكانت يهود قد حالفت قبائل الأوس والخزرج، إلّا بني قريظة وبني النّضير فإنهم لم يحالفوا أحدا منهم، حتى كان هذا الجمع، فأرسلت إليهم الأوس والخزرج، كلّ يدعوهم إلى نفسه، فأجابوا الأوس وحالفوهم، والتي حالفت قريظة والنّضير من الأوس أوس اللّه وهي خطمة وواقف وأميّة ووائل، فهذه قبائل أوس اللّه. ثم زحف مالك بمن معه من الخزرج، وزحفت الأوس بمن معها من حلفائها من قريظة والنضير، فالتقوا بفضاء كان بين بئر سالم وقباء، وكان أوّل يوم التقوا فيه، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم انصرفوا وهم منتصفون جميعا، ثم التقوا مرة أخرى عند أطم بني قينقاع، فاقتتلوا حتى حجز الليل بينهم، وكان الظّفر يومئذ للأوس على الخزرج، فقال أبو قيس بن الأسلت في ذلك:

لقد رأيت بني عمرو فما وهنواعند اللقاء وما همّوا بتكذيب
للشاعر صيفي بن الأسلَت، اقرأ القصيدة
ألا فدى لهم أمّي وما ولدتغداة يمشون إرقال المصاعيب
للشاعر صيفي بن الأسلَت، اقرأ القصيدة
بكلّ سلهبة كالأيم ماضيةوكلّ أبيض ماضي الحدّ مخشوب
للشاعر صيفي بن الأسلَت، اقرأ القصيدة

- أصل المخشوب: الحديث الطبع، ثم صار كل مصقول مخشوبا؛ فشبهها بالحية في انسلالها - قال: فلبث الأوس والخزرج متحاربين عشرين سنة في أمر سمير يتعاودون القتال في تلك السنين، وكانت لهم فيها أيام ومواطن لم تحفظ، فلما رأت الأوس طول الشرّ وأن مالكا لا ينزع، قال لهم سويد بن صامت الأوسيّ - وكان يقال له الكامل في الجاهلية، وكان الرجل عند العرب إذا كان شاعرا شجاعا كاتبا سابحا راميا سمّوه الكامل، وكان سويد أحد الكملة -: يا قوم، أرضوا هذا الرجل من حليفه، ولا تقيموا على حرب إخوتكم فيقتل بعضكم بعضا ويطمع فيكم غيركم، وإن حملتم على أنفسكم بعض الحمل. فأرسلت الأوس إلى مالك بن العجلان يدعونه إلى أن يحكم بينه وبينهم ثابت بن المنذر بن حرام أبو حسّان بن ثابت، فأجابهم إلى ذلك، فخرجوا حتى أتوا ثابت بن المنذر، وهو في البئر التي يقال لها سميحة، فقالوا: إنا قد حكّمناك بيننا؛ فقال: لا حاجة لي في ذلك؛ قالوا:

ولم؟ قال: أخاف أن تردّوا حكمي كما رددتم حكم عمرو بن امرىء القيس؛ قالوا: فإنا لا نردّ حكمك فاحكم بيننا؛ قال: لا أحكم بينكم حتى تعطوني موثقا وعهدا لترضون بحكمي وما قضيت به ولتسلمنّ له؛ فأعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم، فحكم بأن يودى حليف مالك دية الصريح ثم تكون السنّة فيهم بعده على ما كانت عليه: الصريح على ديته والحليف على ديته، وأن تعدّ القتلى الذين أصاب بعضهم من بعض في حربهم ثم يكون بعض ببعض ثم يعطوا الدية لمن كان له فضل في القتلى من الفريقين، فرضي بذلك مالك وسلّمت الأوس وتفرّقوا على أنّ على بني النّجّار نصف دية جار مالك معونة لإخوتهم، وعلى بني عمرو بن عوف نصفها؛ فرأت بنو عمرو بن عوف أنهم لم يخرجوا إلا الذي كان عليهم، ورأى مالك أنه قد أدرك ما كان يطلب، وودي جاره دية الصريح.

ويقال: بل الحاكم المنذر أبو ثابت.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»