تجاوز إلى المحتوى

من «وصايا الملوك» لدعبل الخزاعي (ت ٢٤٦هـ)

وصية يعرب بن قحطان

قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن يعرب بن قحطان حفظ وصية أبيه، وثبت عليها، وعمل بها. ويقال: إنه أول من تبحبح بالعربية الواسعة، ونطق بأفصحها، وأوجزها، وأبلغها. والعربية منسوبة إليه مشتقة من اسمه. وهو الذي ذكره حسان بن ثابت الأنصاري في شعره الذي يقول فيه:

تعلمتمُ من منطق الشيخ يعربأبينا فصرتم معربين ذوي نفر
وكنتم قديماً ما لكم غير عجمةكلام وكنتم كالبهائم في القفر
تقولون مانونخ ودونخ وكنتمإذا ما التقينا كالرصاص على الجمر
منازلكم كوثى ومنها درجتمُإلينا كأفراخ درجن من الوكر
فنحن وأنتم كالذي قال لم أزلأعلمه رمياً ليمنع لي ظهري
فلما نشا واشتد ساعده رمىفلم يُخطِ ظهري إذ رمى لا ولا نحري

وفي ذلك يقول علقمة ذو جدن:

ومِنّا الذي لم يُعربِ الناسُ مثلهوأعربَ في نجدٍ هناكَ وغارا

وحدثنا علي بن محمد عن جده الدعبل بن علي، أن يعرب بن قحطان وصَّى بنيه مما وصاه به أبوه، فقال لهم: يا بني احفظوا مني خصالاً عشراً تكون كذا لكم ذكراً وذخراً. يا بني تعلموا العلم واعملوا به. واتركوا الحسد عنكم ولا تلتفتوا إليه، فإنه داعية القطيعة فيما بينكم، وتجنبوا الشر وأهله، فإن الشر لا يجلب عليكم خيراً. وأنصفوا الناس من أنفسكم لينصفوكم من أنفسهم. وإياكم والكبر؛ فإنه يبعد قلوب الرجال عنكم. وعليكم بالتواضع، فإنه يقربكم من الناس ويحببكم إليهم. واصفحوا عن المسيء إليكم، فإن الصفح عن المسيء يجنبكم العداء ويزيد مع السؤدد سؤدداً ومع الفضل فضلاً. وآثروا الجار الدخيل على أنفسكم، فإن جماله جمالكم. ولأن يسوء حال أحدكم خير له من أن يسوء حال جاره، لأن تفقد الناس للمقتدي أكثر من تفقدهم للمقتدى به. وانصروا مواليكم، فإن مواليكم في السلم والحرب منكم ولكم. وابن مولاكم من أنفسكم، وحقه عليكم مثل حق أحدكم على سائركم. وإذا استشاركم مستشير فأشيروا عليه بمثل ما تشيرون به على أنفسكم في مثل ما استشاركم فيه، فإنها أمانة ألقاها في أعناقكم، والأمانة ما قد علمتم. وتمسكوا باصطناع الرجال أجدر أن تسودوا به عليهم، وأحرى أن يزيدكم ذلك شرفاً وفخراً إلى آخر الدهر. ثم أنشأ يقول: " من الوافر "

بنيَّ أبوكمُ لم يعدُ عمَّابهِ وصَّاهُ قحطانُ بن هودِ
فوصاكم بما وصى أباكمأبوه عن الإله عن الجدودِ
أذيعوا العلمَ ثمَّ تعلموهفما ذو العِلم كالطِفل البليدِ
ولا تُصُغوا إلى حسدٍ فتغوُواغوايةَ كلِّ مختلٍّ حسودِ
وذُودوا الشرَّ عنكُمْ ما استطعتمفليسَ الشرُّ من خُلُقِ الرشيدِ
وكونُوا منصفينَ لكلِّ دانٍلينصفكُمْ مع القاصي البعيدِ
وبابُ الكِبرْ عنكمْ فاتركُوهُفإنَّ الكِبرَ من شِيَمِ العنيدِ
عليكمْ بالتواضُع، لا تزيدواعلى فضلِ التواضُع من مزيدِ
وإنَّ الصَّفح أفضلُ ما ابتغيتمْبه شرفاً مع المُلكِ العتيدِ
وحقُّ الجارِ لا تنسوه فيكمْفإنَّ الجارَ ذو الحقِّ الوكيدِ
عليكمْ باصطناعِ الخيرِ حتَّىتنالوا كُلَّ مكرمةٍ وجودِ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «وصايا الملوك»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.