من «وصايا الملوك» لدعبل الخزاعي (ت ٢٤٦هـ)
وصية أفصى بن حارثة
وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر - وهو أبو خزاعة - وصّى بنيه فقال لهم: يا بنيَّ، إن الرائد لا يكذب أهله، والعالم لا يستحسن جهله، يا بني إن الحكم زرع في القلوب، ومثلها كمثل الحب، مهما زرع منه في أراضي حريمه نما نباته وزكا حصاده، ومهما زرع منه في ... أو سبخة أخبث نباته ولم يرج حصاده. فهذا لتعلموا أن الطيب لا يقبله إلا الطيب، ولا ينمو إلا عند مثله. يا بني، اجتهدوا في خمسة أشياء تعزوا بها وتسودوا، واجتهدوا في إماطة العدو ونصرة الصديق وكرامة الضيف واصطناع العشيرة وتوسيط المستجير وبلوغه ما أمّل. بذلك آمركم، وعما يخالفه أنهاكم. ثم أنشأ يقول:
أبنيَّ إنَّ وصَّيتي فيها لكُمما تُدرِكُونَ بهِ المكارِمَ فاعلمُوا
لا تِعدلُوا عنها لأُخرى ما بدتْللَّيلِ في أُفقِ السَّماءِ الأنجمُ
أبنيَّ إنَّي قد كبِرتُ وخانَنيريبُ الحوادِثِ والزَّمانُ الأزلم
أبنيَّ أنتُمْ في بلادٍ جُلُّهابعدَ العمالِقةِ الأوائلِ جُرهُمُ
والحيُّ جُرهُمُ لا يُلائمُكُم بهاإذ طابَ مسرحُهَا وطابَ المجثَمُ
بلدٌ يهِيم السَّرح فيها آمناًوالطَّيرُ فيها والأواتك تسلمُ
فيهَا المشاعِرُ والعَلاماتُ الَّتينَصبَ الخليلُ بهِ النَّبيُّ الأكرمُ
والبيتُ بيتُ اللهِ والحِجرُ الَّذيمن دُونِهِ تلكَ القليبُ الزَّمزمُ
ولسوفَ يُسفكُ مِنكُمُ فيهِ ومِنْأحياءِ جُرهُمَ يا بنيْ أفصَى الدَّمُ
فمتى غُشيتُم مِنهُمُ بظُلامةٍمن بعدِ أُخرى مِثلهَا فلتعزِمُوا
أن تصبحُوها بالقواضِبِ والقَنَامنهم أظلمُ
قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن سبب إخراج خزاعة جرهماً من مكة حفظ خزاعة لهذه الوصية وعلمهم بها وثباتهم عليها، حتى استولوا على البيت دون جرهم، ونفوا جرهماً عن مكة وأخرجوها من أرض الحجر إلى الأصدار من دوقة والسقف من فنونى. ويقال: إن بقايا جرهم بها إلى اليوم.
وفي ذلك يقول قائل جرهم:
ألا ليتَ شعري هل أبيتنَّ ليلةًوأهلِي معي بالمأزِمينِ حُلولُ
وهل تُصبحُ الخيلُ الوحى وتردهابدارِ بني كعبٍ لهُنَّ صهيلُ
عليها بنُو هيٍّ ورهُط مسلّموآل مضاضٍ في الحُروبِ تجُولُ
منازِلُ كُنَّا أهلهَا فأزالَنازمانٌ نبا بالصَّالحين خذولُ
فأضحَتْ بنُو كعبٍ وهُم أهلُ عِزِّهاوغالَت بَنِي سعدٍ بِمكَّة غُولُ
قوله: فأضحت بنو كعب، يريد بذلك خزاعة. وأما سعد فبيت الرئاسة من جرهم.
فأجابه عمرو بن ربيعة بن كعب الخزاعي حيث يقول:
تمَّنيت أن تلقَى من الدهر ترحهوذا معجب منه عليك مهول
تمنَّى أمانَي الذَّليلُ وإنَّماتفُتكَ رجالٌ ذادةٌ وخُيولُ
فَحُلَّ بأرضِ الحِجرِ إنْ كنتُ فاعلاًفإنِّي لكُمْ بالمجحِفاتِ كفيلُ
ففي ذلك يقول مضاض بن عمرو الجرهمي حيث يقول:
وكُنَّا وُلاةَ البيتِ والقاطِن الَّذييُوفِّي إليهِ نَذرهُ كُلُّ محرمِ
سكنَّا بهِ قبلَ الظِّبَاءِ وراثةًلنا من بني هيِّ بن بيِّ بن جُرهُمِ
فأزعجنَا منهُ وكُنَّا وُلاتهِقبائلُ من كعبِ بن عمروٍ وأسلمِ
فأجابه الأعصم بن مالك الخزاعي حيث يقول:
بغاكَ عن البيتِ المُحرَّمِ معشرِيرموكَ بطلَّاعِ الثَّنايا عرمرمِ
فحازُوا موارِيثَ ابنِ نبتٍ لأنَّهُمأحقُّ وأولى مِنكَ عمروَ بنَ جُرهُمِ
وللحيين خزاعة وجرهم في ذلك أخبار وأشعار، ملنا عن شرحها إلى ما احتجنا إليه في هذا الكتاب.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع