من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
طرف وملح متفرقة
أكل الحجاج مع رجل بيضاً، فأقبل يأكل المح ويرمي إليه بالبياض؛ فقال الرجل: أيها الأمير؛ عدل العجة.
وكان بعض الأكاسرة يتطير، فلقيه رجل أعور، فأمر بحبسه، فأقام مدة ثم أطلقه فتعرض له فقال: لم حبستني؟ قال: تشاءمت بك. قال: فأنت أشأم مني؛ خرجت من قصرك فلقيتني فلم تر إلا خيراً؛ وخرجت أنا فلقيتك فحبستني. فقال الملك: صدق وأمر له بصلة.
قال رجل لأحدب: لئن رفستك لأقيمن حدبتك! قال: إنك إذاً لعظيم البركة علي.
قال الفضل اليزيدي: كان محمد بن نصر بن منصور بن بسام أشد الناس همة وآلة وغناء، وكان ناقص الأدب، وكنت أختلف إلى ولده علي يقرأ علي الشعر؛ فدخلت يوماً وهو يشرب وعنده عبد الله بن محمد بن إسحاق، وكان مثله في الجهل، وقد مدت الستارة فغنت القينة:
ألا حيّ الديار بسعد إنيأُحبّ لحبّ من سكن الديارا
أراد الظاعنون ليحزنونيفهاجوا صدع قلبي فاستطارا
فقال عبد الله بن محمد بن إسحاق لمحمد: لولا جهل الأعراب ما جرى ذكر السعد هاهنا. فقال له محمد: لا تفعل، فإنه يقوي معدهم ويصلح أسنانهم.
وكان علي بن محمد مليح المقطعات، حلو الشعر، خبيث الهجاء، وليس له حظ في التطويل، إنما يسنح له المعنى، فإذا أراد أن يركب عليه معنى آخر استهدم بناؤه، وهو القائل في أبي يحيى المنجم يرثيه:
قد زرت قبرك يا عليّ مسلّماًولك الزيارة من أقلّ الواجب
ولو استطعت حملت عنك ترابهفلطالما عنّي حملت نوائبي
ودمي فلو أني علمت بأنهيسقي ثراك سقاه صوب الصائب
لسكبته أسفاً عليك وحسرةوجعلت ذاك مكان دمعٍ ساكب
ولئن ذهبت بملء قبرك سؤدداًلجميل ما أبقيت ليس بذاهب
وقد أنشد هذه الأبيات أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري لغيره. وقال:
كم قد قطعت إليك من ديمومةٍنطف المياه بها سواد النّاظر
في ليلة فيها السّماء مرذّةسوداء مظلمةٌ كقلب الكافر
وقال في جحظة البرمكي:
يا من هجوناه فغنّاناأنت، وبيت الله، أهجانا
سيّان إن غنّى لنا جحظةٌأو مرّ مجنونٌ بنا فزنّانا
وقال في المعتضد وقد ختن ولده:
انصرف الناس من ختانٍيرعون من جوعهم خزامى
فقلت لا تعجبوا لهذافهكذا تختن اليتامى
وقال يستطرد بالمعتضد:
وعدت بوعدٍ فأخلفتهوما كان ضرّك ألاّ تعد
تحبّ الثّناء وتأبى العطاءوما تمّ ذلك للمعتضد
وقال في العباس بن الحسن لما ولي الوزارة:
وزارة العباس من نحسهاتستقلع الدّولة من أُسّها
شبّهته حين بدا مقبلاًفي خلعٍ يخجل من لبسها
خازنة الكسوة قد قدّرتثياب مولاها على نفسها
وقال ابن بسام في أبيه، وكان مولعاً بهجائه:
خبيصةٌ تعقد من سكّرهوبرمة تطبخ من قنبره
عند فتى أسمح من حاتمٍيطبخ قدرين على مجمره
وليس ذا في كلّ أوقاتهلكنه في الدعوة المنكره
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع