من «المجموع اللفيف» للأفطسي (ت بعد ٥١٥هـ)
استسقاء عبد المطلب
العباس بن هشام عن أبيه عن معروف بن خربوذ المكي، قال:
قحطت بلاد قيس، فلم يكن لها مرعى، ولم تنبت كلا، فاجتمعت قيس للمشهورة وإجالة الرأي، فقالت فرقة منهم: انتجعوا وادي تميم وبلاد بني العنبر، وقالت فرقة: إنّ تميما عدد كبير لا يفضل منهم ما يكفيكم، وقالت فرقة: لينتجع كل ولد أب منكم ولد أب من غيركم، فاعقدوا بينكم وبينهم حلفا يشركوكم في ريفهم، فقام رجل مجتمع الخلق، حسن الوجه، جيد الرأي [فقال]: إنّ سيد البطحاء استسقى فسقي، واستشفع فشفّع، فاجعلوا قصدكم إليه، واعتمادكم عليه، فأنه أنجح للطلب، وأقرب للسبب. فارتحلت قيس وأسد وهذيل ومن داناهم من مضر، حتى دخلوا على عبد المطلب بن هشام، فسلموا عليه وعظموه، فقال لهم: أفلحت الوجوه، فتكلم ذلك الرجل المشير، فقال: يا أبا الحارث، نحن ذوو أرحامك الواشجات، أصابتنا سنون مجدبات، أفقرن الغنيّ منا، وأهزلن السمين من شائنا وإبلنا، وقد بلغنا خبرك، وبان لنا أثرك، فاشفع لنا إلى مشفّعك، فقال: بالرحب
والكرامة، والبركة والسلامة، إلهنا عظيم، وسيدنا كريم، يجيب الدعاء، ويشكف البلاء، موعدكم موعدكم في غد جبل عرفات، ثم غدا في ولده وولد أبيه من بني عبد مناف، فصعد الجبل، ثم صفّ ولده مما يلي، وولد أبيه خلفهم، وسائر بطون العرب خلف ولد أبيه، ثم تقدمهم عبد المطلب حاسرا، ثم قال: اللهمّ ربّ البرق الخاطف، والريح العاصف، والرعد القاصف، مالك الرقاب، ومسبّب الأسباب، هذه مضر خير البشر، قد شعثت شعورها، ودبّت ظهورها، وغارت عيونها، ويبست جلودها، قد صاروا أنضاء بعد نعيم رغد وعيش في خفض، قد جاءوا إليك، وأناخوا بفنائك، يشكون سوء الحال، وشدة الزمان، وضعفا من الهزال، قد خلّفوا نساء صلعا، وأطفالا رضّعا، وبهائم رتعا، فافتح لهم اللهمّ ريحا ذرّارة، وسماء خرّارة، تضحك أرضهم، وتذهب ضرّهم، بسحابات مزن، تفرغ مطرا سحّا متداركا، متدفقا رويّا. فما فرغ عبد المطلب من كلامه، حتى نشأت سحابة دكناء، لها دويّ، فرفع عبد المطلب رأسه فقال: إيه، هذا أوان خروجك فسحّي سحّا، يا معشر قيس، أرجعوا فقد سقيتم، فرجعت قيس وقد كثرت مياهها، واخضرّت أرضها، فلما مات عبد المطلب، زارت قيس قبره، فأقاموا عليه ثلاثا، ونحروا عنده البدن، وقالوا لا تلبسنّ النعال بمكة، فلم يزالوا كذلك حتى استسقى أبو طالب فسقي، فلبست قيس النّعال.
قال العباس بن هشام قال: وإنما سقي عبد المطلب وأبو طالب ببركة رسول الله ﷺ.
وعن ابن عباس قال: لما مات جدي عبد المطلب بن هاشم نفرت قيس
وهذيل ومن داناهم من مضر، وأقاموا على قبره أياما، وتحالفوا ألا يدخلوا مكة إلا حفاة، فدخلوا على عبد مناف بن عبد المطلب، وهو أبو طالب يعزونه، ولم يكن له إذ ذاك ولد أسنّ منه فتكلمت هذيل فقالوا: يا أبا طالب:
هدمتنا مصيبتك، وهدّتنا رزيّتك، فخطب لعمرك جسيم، ومصاب عظيم، مات ربيع الناس، ومعوّذ الناس، ذو الوجه الأغر، ملك فقدر، وولد فأكثر، فعظّم الله أجرك، وجبر كسرك، فأنت أبا طالب. خير خلف من أكرم سلف.
ثم تكلمت بنو أسد فقالوا: يا أبا طالب، علينا بعقد أبي الحارث ساقي الحرم، ومعلم الكرم، عاش فحمد، ومات ففقد، مصيبته عظيمة: ورزيّته جسيمة وأنت وارث الجود، ومعدن الوفود، ولا تجري الأسود إلا مع الأسود.
ثم تكلمت غطفان فقالوا: أبا طالب، وترنا الزمان، واجتاحنا الحدثان،، بالأغرّ الأبلج، والملك المتوجّ، علن الجود إذا علن، وفقد الجود إذا هلك، ولنعم الثّمرة أنت من تلك الشجرة.
ثم تكلمت هوازن فقالوا: يا أبا طالب، موت أبي الحارث خطب جليل ثقيل، كان شفيعا لمن شفع، عزّا لمن شسع، لا تخمد ناره، ولا يخاف جاره، وأنت بعده تمنع فقده، وتشد عقده.
ثم تكلم أبو عفير، فقال: أبا طالب، أصبحت رأس الحسب، وسيد
العرب، فاشدد حبوة المجد، واعقد تاج السؤدد، ولمأثرات عبد المطلب.
فقال أبو طالب في ذلك:
أبو نا شفيع الناس حتى سقاهممن الغيث رجاف العشيّ بكور
ونحن سنين المحل قام شفيعنابمكّة يدعو والمياه تغور
فلم تبرح الأقدام حتى رأت بهاسحابات مزن صوبهنّ درور
فما برحت حتى سقى الله أرضهابشيبة غيثا فانبات نضير
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع