من «آثار البلاد وأخبار العباد» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
هرقلة
مدينة عظيمة بالروم، كرسي ملك القياصرة، بناها هرقل أحد القياصرة.
غزاها الرشيد سنة إحدى وتسعين ومائة. نزل عليها يحاصرها، فإذا رجل خرج من أهلها شاكي السلاح ونادى: يا معشر العرب، ليخرج منكم العشرة والعشرون مبارزة! فلم يخرج إليه أحد لأنّهم انتظروا إذن الرشيد، وكان الرشيد نائما، فعاد الرومي إلى حصنه، فلمّا أخبر الرشيد بذلك تأسّف ولام خدمه على تركهم إيقاظه.
فلمّا كان الغد خرج الفارس وأعاد القول فقال الرشيد: من له؟ فابتدر جلّة القوّاد، وكان عند الرشيد مخلد بن الحسين وإبراهيم الفزاري، قالا: يا أمير المؤمنين إن قوادك مشهورون بالبأس والنجدة، ومن قتل منهم هذا العلج لم يكن فعلا كبيرا، وإن قتله العلج كانت وصمة على العسكر كبيرة، فإن رأى الأمير أن يأذن لنا حتى نختار له رجلا فعل. فاستصوب الرشيد ذلك، فأشاروا إلى رجل يعرف بابن الجزري، وكان من المتطوّعة، معروف بالتجارب مشهور في الثغور بالنجدة، فقال له الرشيد: أتخرج إليه؟ فقال: نعم، وأستعين باللّه عليه.
فأدناه الرشيد وودّعه واتبعه وخرج معه عشرون من المتطوّعة. فقال لهم العلج وهو يعدّهم واحدا واحدا: كان الشرط عشرين وقد ازددتم رجلا، ولكن لا بأس! فنادوه: ليس يخرج إليك إلّا واحد. فلمّا فصل منهم ابن الجزري
تأمّله العلج وقال له: أتصدقني فيما أسألك؟ قال: نعم. قال: باللّه أنت ابن الجزري؟ قال: نعم. فقال: ملأ كفؤ! ثمّ أخذا في شأنهما حتى طال الأمر بينهما، وكاد الفرسان ينفقان تحتهما، وزجّا برمحيهما وانتضيا بسيفيهما، وقد اشتدّ الحرّ، فلمّا أيس كلّ واحد منهما عن الظفر بصاحبه ولّى ابن الجزري، فدخل المسلمين كآبة وغطغط الكفّار، فاتبعه العلج فتمكّن ابن الجزري منه، فرماه بوهق واستلبه عن ظهر فرسه ثمّ عطف عليه، فما وصل إلى الأرض حتى فارقه رأسه، فكبّر المسلمون تكبيرا وانخذل المشركون وبادروا إلى الحصن، وأغلقوا الأبواب، فصبّت الأموال على ابن الجزري فلم يقبل منها شيئا، وسأل أن يعفى ويترك بمكانه. وأقام الرشيد عليها حتى استخلصها وسبى أهلها وخربها، وبعث فيسقوس الجزية عن رأسه أربعة دنانير، وعن كلّ واحد من البطارقة دينارين.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع