من «رحلة ابن جبير» لابن جبير (ت ٦١٤هـ)
أبواب الحرم الشريف
للحرم تسعة عشر بابا أكثرها مفتح على ابواب كثيرة، حسبما يأتي ذكره إن شاء الله.
باب الصفا: يفتح على خمسة أبواب، وكان يسمى قديما بباب بني مخزوم.
باب الخلقيين. ويسمى بباب جياد الأصغر مفتح على بابين، هو محدث.
باب العباس، ﵁: هو يفتح على ثلاثة أبواب.
باب علي، ﵁: مفتح على ثلاثة أبواب.
باب النبي، ﷺ: يفتح على بابين.
باب صغير أيضا بإزاء باب بني شيبة المذكور: لا اسم له.
باب بني شيبة: وهو يفتح على ثلاثة أبواب، وهو باب بني عبد شمس، ومنه كان دخول الخلفاء.
باب دار الندوة: ثلاثة، البابان من دار الندوة منتظمان، والثالث في الركن الغربي من الدار.
فيكون عدد أبواب الحرم بهذا الباب المنفرد عشرين بابا.
باب صغير بإزاء بني شيبة شبه خوخة الأبواب: لا اسم له، وقيل: انه يسمى باب الرباط، لأنه يدخل منه لرباط الصوفية.
باب صغير لدار العجلة: محدث.
باب السّدّة: واحد.
باب العمرة: واحد.
باب حزورة: على بابين.
باب ابراهيم، ﷺ: واحد.
باب ينسب لحزورة أيضا: على بابين.
باب جياد الأكبر: على بابين.
باب جياد الأكبر أيضا: على بابين.
باب ينسب لجياد أيضا: على بابين. ومنهم من ينسب البابين من هذه الأبواب الأربعة الجيادية الى الدقّاقين، والروايات فيها تختلف، لكنّا اجتهدنا في اثبات الاقرب من اسمائها الى الصحة، والله المستعان لا رب سواه.
وباب ابراهيم، ﷺ، هو في زاوية كبيرة متسعة فيها دار المكناسي الفقيه الذي كان إمام المالكية في الحرم، ﵀. وفيها ايضا غرفة هي خزانة للكتب المحبسة على المالكية في الحرم. والزاوية المذكورة متصلة بالبلاط الآخذ من الغرب الى الجنوب وخارجة عنه. وبازاء الباب المذكور عن يمين الداخل عليه صومعة على غير اشكال الصوامع المذكورة. فيها تخاريم في الجص، مستطيلة الشكل كأنها محاريب، قد حفّت بها قرنصة غريبة الصنعة.
وعلى الباب قبة عظيمة بائنة العلو يقرب من الصومعة ارتفاعها، قد ضمن داخلها غرائب من الصنعة الجصية والتخاريم القرنصية يعجز عنها الوصف. وظاهرها ايضا تقاطيع في الجص كأنها أرجل مدورة قد تركبت دائرة على دائرة. وفحل الصومعة المذكورة على أرجل من الجص مفتّح ما بين كل رجل ورجل. وخارج
باب ابراهيم بئر تنسب اليه، ﵇.
وانما بدىء بباب الصفا لأنه أكبر الأبواب، وهو الذي يخرج عليه الى السعي.
وكل وافد الى مكة، شرّفها الله، يدخلها بعمرة فيستحب له الدخول على باب بني شيبة ثم يطوف سبعا ويخرج على باب الصفا ويجعل طريقه بين الاسطوانتين اللتين أمر المهديّ، ﵀، بإقامتهما علما لطريق رسول الله، ﷺ، الى الصفا، حسبما تقدّم ذكره. وبين الركن اليماني ست واربعون خطوة، ومنهما الى باب الصفا ثلاثون خطوة. ومن باب الصفا الى الصفا ستّ وسبعون خطوة. وللصفا أربعة عشر درجا، وهو على ثلاثة أقواس مشرّفة، والدرجة العليا متسعة كأنها مصطبة، وقد أحدقت به الديار، وفي سعته سبع عشرة خطوة.
وبين الصفا والميل الأخضر ما يأتي ذكره. والميل سارية خضراء، وهي خضرة صباغية. وهي التي الى ركن الصومعة التي على الرّكن الشرقي من الحرم على قارعة المسيل الى المروة وعن يسار الساعي اليها. ومنها يرمل في السعي الى الميلين الأخضرين، وهما أيضا ساريتان خضراوان على الصفة المذكورة، الواحدة منها بإزاء باب علي في جدار الحرم وعن يسار الخارج من الباب، والميل الآخر يقابله في جدار دار تتصل بدار الامير مكثر. وعلى كل واحدة منهما لوح قد وضع على رأس السارية كالتاج ألفيت فيه منقوشا برسم مذهب: «ان الصفا والمروة من شعائر الله» ... الآية. وبعدها «أمر بعمارة هذا الميل عبد الله وخليفته أبو محمد المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، أعزّ الله نصره، في سنة ثلاث وسبعين وخمس مئة». وبين الصفا والميل الأول ثلاث وتسعون خطوة، وهي مسافة الرمل جائيا وذاهبا من الميل الى الميلين. ثم من الميلين الى الميل ومن الميلين الى المروة ثلاث مئة وخمس وعشرون خطوة. فجميع خطا الساعي من الصفا الى المروة أربع مئة خطوة وثلاث وتسعون خطوة.
وادراج المروة خمسة، وهي بقوس واحد كبير، وسعتها سعة الصفا سبع
عشر خطوة. وما بين الصفا والمروة مسيل هو اليوم سوق حفيلة بجميع الفواكه وغيرها من الحبوب وسائر المبيعات الطعامية، والساعون لا يكادون يخلصون من كثرة الزحام، وحوانيت الباعة يمينا وشمالا، وما للبلدة سوق منتظمة سواها الا البزازين والعطارين، فهم عند باب بني شيبة تحت السوق المذكورة وبمقربة تكاد تتصل بها.
وعلى الحرم الشريف جبل أبي قبيس، وهو في الجهة الشرقية، يقابل ركن الحجر الأسود، وفي أعلاه رباط مبارك فيه مسجد وعليه سطح مشرف على البلدة الطيبة، ومنه يظهر حسنها وحسن الحرم واتساعه وجمال الكعبة المقدسة القائمة وسطه. وقرأت في اخبار مكة لأبي الوليد الأزرقيّ أنه اول جبل خلقه الله ﷿، وفيه استودع الحجر زمن الطوفان، وكانت قريش تسميه الأمين لأنه أدى الحجر الى ابراهيم، ﷺ، وفيه قبر آدم، صلوات الله عليه، وهو أحد أخشبي مكة، والاخشب الثاني الجبل المتصل بقعيقعان في الجهة الغربية. صعدنا الى جبل أبي قبيس المذكور وصلينا في المسجد المبارك. وفيه موضع موقف النبي، ﷺ، عند انشقاق القمر له بقدرة الله ﷿. وناهيك بهذه الفضيلة والبركة! والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء حتى الجمادات من مخلوقاته، لا اله سواه.
وفي أعلاه آثار بناء جص مشيّد كان اتخذه معقلا أمير البلد عيسى أبو مكثر المذكور، فهدمه عليه أمير الحاج العراقي لمخالفة صدرت عنه، فغادره خرابا.
وألفيت منقوشا على سارية خارج باب الصفا تقابل السارية الواحدة من اللتين أقيمتا عاما لطريق النبيّ، ﷺ، الى الصفا داخل الحرم المتقدمتي الذكر: «أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين، أصلحه الله تعالى، بتوسعة المسجد الحرام مما يلي باب الصفا، لتكون الكعبة في وسط المسجد، في سنة سبع وستين ومئة». فدلّ ذلك المكتوب على أن الكعبة المقدسة في وسط المسجد، وكان يظن بها الانحراف الى جهة باب الصفا، فاختبرنا جوانبها المباركة بالكيل،
فوجدنا الأمر صحيحا حسبما تضمّنه رسم السارية.
وتحت ذلك النقش في أسفل السارية منقوش أيضا: «امر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين، أصلحه الله، بتوسعة الباب الاوسط، الذي بين هاتين الأسطوانتين، وهو طريق رسول الله، ﷺ، الى الصفا».
وفي أعلى السارية التي تليها منقوش أيضا: «أمر عبد الله المهدي محمد أمير المؤمنين، أصلحه الله، بصرف الوادي الى مجراه على عهد أبيه ابراهيم، ﷺ، وتوسعته بالرحاب التي حول المسجد الحرام الحاجّ بيت الله وعمّاره». وتحتها أيضا منقوش ما تحت الأول من ذكر توسعة الباب الأوسط.
والوادي المذكور هو الوادي المنسوب لإبراهيم، ﷺ، ومجرا على باب الصفا المذكور، وكان السيل قد خالف مجراه فكان يأتي على المسيل بين الصفا والمروة ويدخل الحرم، فكان مدة مدّه بالامطار يطاف حول الكعبة سبحا، فأمر المهدي، ﵀، برفع موضع في أعلى البلد يسمّى رأس الرّدم، فمتى جاء السيل عرّج عن ذلك الردم الى مجراه واستمر على باب ابراهيم الى الموضع الذي يسمّى المسفلة ويخرج عن البلد ولا يجري الماء فيه الّا عند نزول ديم المطر الكثير. وهو الوادي الذي عنى، ﷺ، بقوله حيث حكى الله ﵎ عنه: «رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ»
، فسبحان من أبقى له الآيات البيّنات.
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع