تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)

ولاية القضاء الثالثة والرابعة والخامسة بمصر

كنت - لما أقمت عند السلطان تمر تلك الأيام التي أقمت - طال مغيبي عن مصر، وشيعت الأخبار عني بالهلاك، فقدم للوظيفة من يقوم بها من فضلاء المالكية، وهو جمال الدين الأقفهسي، غزير الحفظ والذكاء، عفيف النفس عن التصدي لحاجات الناس، ورع في دينه، فقلدوه منتصف جمادى الآخرة من السنة.

فلما رجعت إلى مصر، عدلوا عن ذلك الرأي، وبدا لهم في أمري، فولوني في أواخر شعبان من السنة. واستمررت على الحال التي كنت عليها من القيام بالحق، والإعراض عن الأغراض، والإنصاف من المطالب، ووقع الإنكار علي ممن لا يدين للحق، ولا يعطي النصفة من نفسه، فسعوا عند السلطان في ولاية شخص من المالكية يعرف بجمال الدين البساطي، بذل في ذلك لسعاة داخلوه، قطعة من ماله، ووجوها

من الأغراض في قضائه. قاتل الله جميعهم، فخلعوا عليه أواخر رجب، سنة أربع وثمانمائة. ثم راجع السلطان بصيرته، انتقد رأيه، ورجع إلي الوظيفة خاتم سنة أربع، فأجريت الحال على ما كان. وبقي الأمر كذلك سنة وبعض الأخرى. وأعادوا البساطي إلى ما كان، وبما كان، وعلى ما كان، وخلعوا عليه سادس ربيع الأول سنة ست، ثم أعادوني عاشر شعبان سنة سبع، ثم أدالوا به مني أواخر ذي القعدة من السنة وبيد الله تصاريف الأمور.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.