تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

معاوية والفتى العذري

أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي قراءةً عليه، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حَيُّوَيْهِ، قال: قُرئ على محمد بن المَرْزُبان، وهو يَسمع وأنا أسمع، حدَّثني محمد بن عبد الرحمن القرشي، حدَّثنا محمد بن عبيد، حدَّثنا أبو محنف، عن هشام بن عروة، قال: أذِن معاويةُ بن أبي سُفيان للناس يومًا، فكان في من دخل عليه فتًى من بني عُذرة، فلما أخذ الناس مجالسهم قام الفتى العُذري بين السِّماطين، ثمَّ أنشأ يقول:

مُعاويَ! يا ذا الحلم والفضل والعقلوذا البرِّ والإحسان والجودِ والبَذلِ
أتيتُك لمَّا ضاق في الأرض مسكنيوأُنكِرتُ مما قد أُصيبُ به عقلي
ففرِّجْ، كَلاكَ اللهُ، عنِّي فإننيلقيتُ الذي لم يَلقهُ أحدٌ قبلي
وخُذ لي، هداك الله، حقِّي من الذيرَماني بسهمٍ كان أهونه قتلي
وكنتُ أرجِّي عدله إذ أتيتُهفأكثر ترْدادي مع الحبسِ والكبلِ
فطلَّقتُها من جهدِ ما قد أصابنيفهذا أمير المؤمنين من العَدل؟
في القلبِ منيَ نارُوالنارُ فيها شَنارُ
وفي فؤاديَ جمرٌوالجمرُ فيه شرارُ
والجسمُ مني نحيلٌواللونُ فيه اصفرارُ
والعين تَبكي بشجوٍفدمعها مِدرارُ
والحُبُّ داءٌ عسيرٌفيه الطبيبُ يَحَارُ
حملتُ منه عظيمًافما عليه اصطبارُ
فليس ليلي ليلًاولا نهاري نهارُ

فرقَّ له معاوية، وكتب له إلى ابن أمِّ الحكم كتابًا غليظًا، وكتب في آخره:

ركبتَ أمرًا عظيمًا لستُ أعْرِفهأستغفر الله من جورِ امرئٍ زانِ
قد كنتَ تُشبه صوفيًّا له كُتُبٌمن الفرائضِ أو آياتُ فُرقانِ
حتى أتاني الفتى العُذريُّ منتحِبًايشكو إليَّ بحقٍّ غيرِ بُهتانِ
أُعطِي الإلهَ عهودًا لا أَخِيسُ بهاأو لا فأبرأ من دِين وإيمان
إن أنتَ راجعتَني في ما كتبتُ بهلأجعلنَّك لحمًا بين عُقبانِ
طلِّق سُعاد وفارِقْها بمجتمَعٍأشهِدْ على ذاك نصرًا وابن طِيبانِ
فما سمعتُ كما بُلِّغتُ من عَجَبٍولا فعالُكَ حقًّا فعلَ إنسانِ
لا تحنثنَّ أمير المؤمنين، وَفِيبعهدك اليوم في رفقٍ وإحسانِ
وما ركبتُ حَرَامًا حين أعجبنيفكيف سُمِّيتُ باسم الخائن الزاني!
وسوف تأتيك شمسٌ لا خفاء بهاأبهى البرية من إنسٍ ومن جانِ
حوراء يَقصُرُ عنها الوصفُ إن وُصِفتْأقول ذلك في سرٍّ وإعلانِ

فلما ورَد على معاوية الكتاب، قال: إن كانت أُعطيت حُسنَ النعمة مع هذه الصفة فهي أكملُ البريَّة. فاستنطقها، فإذا هي أحسنُ الناس كلامًا وأكملُهم شكلًا ودَلًّا، فقال: يا أعرابي! هل مِن سلوٍّ عنها بأفضلِ الرغبة؟ قال: نعم، إذا فرَّقت بين رأسي وجسدي. ثمَّ أنشأ يقول:

لا تجعلَنِّيَ والأمثالُ تُضربُ بيكالمُستغيثِ من الرَّمْضاء بالنار
ارْدُد سُعاد على حرَّانَ مُكتَئِبٍيُمسي ويُصبِحُ في همٍّ وتذكار
قد شفَّه قلقٌ ما مثله قلقُوأُشعِرَ القلبُ منه أيَّ إشعارِ
والله والله لا أنسى محبَّتهاحتى أُغيَّب في رمسٍ وأحجارِ
كيف السُّلُوُّ وقد هام الفؤاد بهاوأصبح القلب عنها غير صبَّارِ

قال: فغضب معاوية غضبًا شديدًا، ثمَّ قال لها: اختاري، إن شئتِ أنا، وإن شئت ابن أمّ الحكم،ِ وإن شئتِ الأعرابي. فأنشأت سعاد تقول:

هذا وإن أصبح في أطمارِوكان في نقصٍ من اليسار
أعزُّ عندي من أبي وجاريوصاحبِ الدِّرهم والدينارِ

أخشى إذا غدرتُ حرَّ النارِ

فقال معاوية: خُذها، لا بارك الله لك فيها. فأنشأ الأعرابي يقول:

خلُّوا عن الطريق للأعرابيإن لم تَرِقُّوا، ويحكُم، لما بي

قال: فضحك معاوية وأمر له بعشرة آلاف درهم، وناقةٍ ووطاءٍ، وأمَر بها، فأُدخلت بعض قصوره حتى انقضت عدَّتها من ابن أم الحكم ثمَّ أمر بدفعها إلى الأعرابي.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.