من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
(وأما المنازل اليمانية فأولها)
(الغفر) وهو ثلاثة كواكب خفية، وإنما سمي غفرا؛ لأن عند طلوعه تستتر نضارة الأرض وزينتها، وطلوعه لثمان عشرة ليلة تخلو من تشرين الأول، وسقوطه لست عشرة ليلة تخلو من نيسان، قال الساجع: إذا طلع الغفر اقشعر السفر وذبل النضر، وفي نوئه يؤبر النخل ويقطع القصب الفارسي، ومطره ينبت الكمأة، ورقيب الغفر الشرطين.
(الزبانا) هي زبانا العقرب؛ أي: قرناها، وهما كوكبان مفترقان بينهما في رأي العين مقدار خمسة أذرع، وطلوع الزبانا آخر ليلة من تشرين الأول، وسقوطها لليلة تبقى من نيسان، والعرب يصفونها بهبوب البوارح، وهي الشمال الشديدة الهبوب، وتكون في الصيف حارة، قال الساجع:
إذا طلعت الزبانا فاجمع لأهلك ولا تتوانى، وفي نوئه يدخل الناس بيوتهم في إقليم بابل ويشتد البرد، ومطره ينبت الكمأة، والزبانا رقيبه البطين.
(الإكليل) هو رأس العقرب، وهو ثلاثة كواكب زاهرة مصطفة معترضة وطلوع الإكليل
لثلاث عشرة ليلة تخلو من تشرين الثاني، وسقوطه لثلاث عشرة ليلة تخلو من أيار، والعرب يقولون: إذا طلع الإكليل هاجت السيول، فإذا سقط غارت مياه الأرض، ولا تزال تغور إلى سقوط بطن الحوت وذلك لخمس مضين من تشرين الأول، وفي نوئه تكثر الأمطار والغيوم، ورقيب الإكليل الثريا.
(القلب) هو قلب العقرب، وهو الكوكب الأحمر وراء الإكليل بين كوكبين يقال لهما:
النياط، وليسا على حمرته، وأول النتاج بالبادية عند طلوع القلب وطلوع النسر الواقع، وهما يطلعان معا في البرد، وذلك لست وعشرين ليلة تخلو من تشرين الثاني، وسقوطه لست وعشرين ليلة تخلو من أيار، وما نتج في هذا الوقت يكون سيئ الغذاء؛ لشدة البرد وقلة اللبن والزيت، والعرب يقولون: إذا طلع القلب جاء الشتاء كالكلب، ونوء القلب تتشاءم به العرب، ويكرهون السفر إذا كان القمر نازلا في العقرب، وفي نوئه يشتد البرد وتهب الرياح الباردة ويسكن الماء في عروق الشجر، ورقيب القلب الدبران.
(الشولة) هي كوكبان متقاربان يكادان يماسان ذنب العقرب، وسميت شولة لارتفاعها، يقال: شال بذنبه، وبعدها إبرة العقرب كأنها لطخة غيم، وهي تطلع لتسع ليال خلون من كانون الأول، وتسقط لتسع تخلو من حزيران، وتقول العرب: إذا طلعت الشولة اشتدت على العيال العولة، وفي نوئها يسقط الورق كله وتكثر الأمطار وتتفرق الأعراب الذين حضروا المياه، ورقيب الشولة الهقعة.
(النعائم) هي ثمان كواكب على أثر الشولة: أربعة في المجرة، وهي النعائم الواردة، وسميت واردة؛ لأنها شرعت في المجرة كأنها تشرب، وأربعة خارجة عن المجرة، وهي النعائم الصادرة، سميت صادرة؛ لأنها خارجة عن المجرة، كأنها شربت ثم صدرت عن الماء، وكل أربعة منها على تربيع، وطلوعها لاثنتين وعشرين ليلة تخلو من كانون الأول، وسقوطها لاثنتين وعشرين ليلة تخلو من حزيران، والعرب تقول: إذا طلعت النعائم توسعت البهائم، وفي نوئها أول الشتاء واستواء الليل والنهار، ورقيب النعائم الهنعة.
(البلدة) هي فضاء في السماء لا كوكب بها بين النعائم وبين سعد الذابح، وليس فيه إلا نجم واحد خامد لا يكاد يرى، وهي ستة كواكب مستديرة صغار خفية تشبه القوس، ويسميها بعض العرب القوس، وطلوع البلدة لأربع ليال خلون من كانون الآخر، وسقوطها لأربع ليال مضين
من تموز، وتقول العرب: إذا طلعت البلدة حمت الجعدة، وفي نوئها يجمد الماء، ويشتد كلب الشتاء، وتنقى البساتين من الأدغال والحشيش، وتكرب الكروم، ورقيب البلدة الذراع.
(سعد الذابح) هو كوكبان غير نيرين بينهما في رأي العين قدر ذراع، وأحدهما مرتفع في الشمال، والآخر هابط في الجنوب، وطلوعه لسبع عشرة ليلة تخلو من كانون الآخر، وسقوطه لسبع عشرة ليلة تمضي من تموز، والعرب تقول: إذا طلع سعد الذابح حمى أهله النابح، وفي نوئه يصعد الماء إلى فروع الشجر، ويدرك الجوز واللوز، ويرجى المطر، ورقيب سعد الذابح النثرة.
(سعد بلع) هو نجمان مستويان في المجرى: أحدهما خفي، وسمي الأكبر بالعا كأنه بلع الآخر الخفي وأخذ ضوءه، وطلوعه لليلة تبقى من كانون الآخر، وسقوطه لليلة تبقى من آب، وتقول العرب: إذا طلع سعد بلع صار في الأرض لمع، وفي نوئه يكثر المطر، وتنقى الضفادع، وتتزاوج العصافير، ويبيض الهدهد، وتهب الجنوب، ويقل اللبن، ورقيب سعد بلع الطرف.
(سعد السّعود) هو ثلاثة كواكب: أحدهما نير، والآخران دونه، والعرب تتيمن به؛ فلهذا سمي بهذا الاسم، وطلوعه لاثنتي عشرة ليلة تمضي من شباط، وسقوطه لأربع عشرة ليلة تمضي من آب، وتقول العرب: إذا طلع سعد السعود كره في الشمس القعود، ونوؤه محمود، وفي نوئه يتحرك أول الشعب ويصوت الطير وتهيج السنانير ويورق الشجر وتأتي الخطاطيف وتصيب الإبل مرعاها ويدرك الورد وسائر الرياحين، ورقيب سعد السعود الجبهة.
(سعد الأخبية) هو أربعة كواكب متقاربة، واحد منها في وسطها، وهو مثل رجل بطة، اثنان منها على الطول، واثنان منها على العرض، يقال: إن السعد منها واحد، وهو أنورها، والثلاثة خفية، وقيل: إنما سمي الأخبية لأن عند طلوعه تخرج الحشرات المختبئة في الأرض وطلوعه لخمس وعشرين ليلة تخلو من شباط، وسقوطه لأربع ليال تبقى من آب، وتقول العرب: إذا طلع سعد الأخبية خلت من الناس الأبنية، ونوؤه غير محمود، يكثر فيه المطر جدّا ويقطع الكرم، ورقيب سعد الأخبية الزبرة.
(الفرع الأول) هو فرع الدلو المقدم، والدلو أربعة كواكب واسعة مربعة، فاثنان منها هما الفرع الأول، واثنان هما الفرع المؤخر، وفرع الدلو هو مصب الماء بين العرقوتين، وطلوع الفرع الأول لتسع ليال خلون من آذار، وسقوطه لتسع ليال مضين من أيلول، والعرب تقول: إذا طلع الدلو طلب اللهو، ونوؤه محمود، وفيه تسقط الجمرة الثالثة، وينعقد اللوز والتفاح والمشمش بالحر، وبرده يهلك الثمار، ورقيب الفرع الأول الصرفة.
(الفرع الثاني) قد وصف عند الفرع الأول، وطلوعه لاثنتين وعشرين ليلة تخلو من آذار، وسقوطه لاثنتين وعشرين ليلة تمضي من أيلول، ونوؤه محمود، وطلوع الفرعين وغروبهما يكون في إقبال البرد وإدباره، وعند سقوط الفرع المؤخر يجز النخل بالحجارة وتهامة وكل غور، ويشتار العسل، وفي نوئه آخر أمطار الشتاء، وفيه يكثر العنب ويدرك النبق والبلاقاء، ويستوي الليل والنهار، ورقيب الفرع الثاني العواء.
(بطن الحوت) هي كواكب كثيرة في مثل حلقة السمكة، وتسمى الرشاء أيضا، وهي كواكب معترضة ذنبها نحو اليمن ورأسها نحو الشام، وطلوعها لأربع ليال تخلو من نيسان، وسقوطها لخمس تمضي من تشرين الأول، وعند سقوطه ينتهي غور المياه، ويطلع بعده الشرطين، ويعود بالأمر إلى ما كان عليه في السنة الأولى، وتقول العرب: إذا طلعت السمكة أمكنت الحركة، ورقيب بطن الحوت السماك.
ونوؤه غزير المطر قلما يخلف، وهو أوان حصاد الشعير بالجروم، قال أبو إسحاق الزجاجي: إن السنة أربعة أجزاء، كل جزء منها سبعة أنواء، كل نوء منها ثلاثة عشر يوما، وزادوا فيها يوما لتتم السنة ثلاثمائة وخمسة وستين يوما، وهو مقدار قطع الشمس فلك البروج، والله الموفق.
(النظر العاشر في فلك البروج) اعلم أنه ليس فلكا كسائر الأفلاك، بل هو أمر موهوم؛ وذلك لأنهم ذهبوا إلى أن لكل كوكب من الكواكب كرة تخصه، وأن لكل كرة حركة تخصها، وأن الكوكب مركوز في جرم الفلك كنقطة، وأن كل كرة تتحرك على قطبين، وأن النقطة التي عليها برسم دائرة موهومة على سطح الكرة، فإذا تحرك فلك الشمس من المشرق إلى المغرب كانت حركته قسرية، وإنما حركة فلك الشمس المختصة به من المغرب إلى المشرق فإذا تمت دورته حدثت من مركز الشمس دائرة عظيمة في فلك الشمس، وتتوهم هذه الدائرة قاطعة للعالم؛ فتحدث في سطح الفلك الأعلى دائرة عظيمة مركزها مركز العالم وهي الدائرة التي تسمى فلك البروج.
ثم إن الدائرة التي هي أعظم الدوائر التي تمر بمركز العالم، وتقطع العالم نصفين وقباها قطبا العالم اللذان يسميان الشمالي والجنوبي تسمى دائرة معدل النهار، فنقول: دائرة فلك البروج تقطع دائرة معدل النهار نصفين على نقطتين متقابلتين، تسمى إحداهما: نقطة الاعتدال الربيعي، والأخرى: نقطة الاعتدال الخريفي، ثم تتوهم دائرة أخرى تمر بنقطتي معدل النهار، وهما قطبا
العالم، ونقطتي فلك البروج؛ فتقطع دائرة فلك البروج على نقطتين متقابلتين: إحداهما: مما يلي الشمال، والأخرى: مما يلي الجنوب.
أما الشمالية فتسمى نقطة الانقلاب الصيفي، وأما الجنوبية فتسمى نقطة الانقلاب الشتوي، فهاتان الدائرتان تقسمان فلك البروج أربعة أقسام متساوية، وأما الربع الذي بين نقطتي الاعتدال الربيعي وبين الانقلاب الصيفي فهو الذي يحدثه زمان الربيع؛ لأن الشمس ما دامت بحركة فلكها الخاص مسامته لهذا القوس يسمى ذلك الزمان ربيعا.
وأما الربع الذي بين نقطتي الانقلاب الصيفي والاعتدال الخريفي فهو الذي يحدثه زمان الصيف؛ لأن الشمس ما دامت مسامته لهذا القوس يسمى ذلك الزمان صيفا.
وأما الربع الذي بين نقطتي الاعتدال الخريفي والانقلاب الشتوي هو الذي يحدثه زمان الخريف؛ لأن الشمس ما دامت مسامته لهذا القوس يسمى الزمان خريفا.
وأما الربع الذي بين نقطتي الانقلاب الشتوي والاعتدال الربيعي فهو الذي يحدثه زمان الشتاء؛ لأن الشمس ما دامت مسامته لهذا القوس يسمى الزمان شتاء.
وتتوهم أيضا دائرتين عظيمتين تخرجان من قطبي دائرة البروج؛ فيقطعان الربع الربيعي ثلاثة أقسام متساوية، ويقطعان أيضا الربع الخريفي المقابل لهذا الربع ثلاثة أقسام متساوية، وتتوهم أيضا دائرتين عظيمتين تخرجان من قطبي دائرة البروج وتقطعان الربع الصيفي والربع الشتوي المقابل له لكل واحد منها ثلاثة أقسام متساوية؛ فتصير جملة الدوائر الخارجة من قطبي دائرة البروج ست.
فإذا توهمنا ست دوائر قاطعة للعالم تمر بقطبي الدائرة بنقطتين متقابلتين القسم كل واحد من الأفلاك التسعة اثني عشر قسما، يسمى كل قسم منها برجا، وكل برج منها مقسوم ثلاثين قسما، يسمى كل قسم منها درجة، فالدوائر بجملتها ثلاثمائة وستون درجة.
ثم قسموا فلك الثوابت بهذه الدوائر الست اثني عشر قسما، في كل قسم كواكب متشكلة بأشكال مختلفة، ففي أحد هذه الأقسام كواكب متشكلة بشكل يشبه صورة الحمل، فسمي ذلك القسم برج الحمل.
ثم يلي هذه القطعة قطعة عليها كواكب متشكلة بصورة شبيهة بالثور؛ فيسمى هذا القسم برج الثور، وهكذا إلى آخر الأقسام.
وذكر بطليموس: أن دائرة البروج أربعمائة وستة وثمانون ألف ألف ومائتان وتسعة وخمسون ألفا وسبعمائة وأحد وعشرون ميلا وسبع ميل، فطول كل برج تسعة وثلاثون ألف ألف وثلاثمائة وثمانية وثمانون ألفا وثلاثمائة وعشرة أميال ونصف وسدس ميل، وعرض كل برج ألف ألف وثلاثمائة واثنان وعشرون ألفا وتسعمائة وثلاثة وأربعون ميلا وثلث ميل، والله الموفق للصواب.
(النظر الحادي عشر: في فلك الأفلاك) سمي بهذا الاسم؛ لإحاطته بجميع الأفلاك وتحريكه كلها، ويقال له: الفلك الأعظم؛ لأنه أكبر الأفلاك، يقال له: الفلك الأطلس؛ لأنهم لم يعرفوا له كوكبا، وحركة هذا الفلك من المشرق إلى المغرب على قطبين ثابتين، يقال لأحدهما:
القطب الشمالي، والآخر: القطب الجنوبي، وتتم دورته في أربع وعشرين ساعة، وبحركته تتحرك الأفلاك كلها مع كواكبها، وحركته أسرع من كل شيء شاهده الإنسان حتى صح في الهندسة أن الشمس تتحرك بحركتها القسرية، وهي حركة الفلك الأعظم في مقدار ما يرفع الإنسان قدمه للخطو إلى أن يضعها ثمنمائة فرسخ.
ويشهد بصحة هذا ما روي عن رسول الله ﷺ أنه سأل جبريل ﵇ عن دخول وقت الصلاة فقال: لا نعم، فسأل رسول الله ﷺ عن قوله:
لا نعم، فقال: من وقت قلت لا إلى أن قلت نعم مرت الشمس خمسمائة فرسخ.
وبحركة هذا الفلك يتكون الليل والنهار، فإذا طلعت الشمس بدوارن هذا الفلك على جانب من الأرض أضاء جوها وأشرق سطحها وتحركت حيواناتها وربا نباتها وفاح نسيمها، وإذا غابت بدوران هذا الفلك عن جانب من الأرض أظلم جوها واسود وجهها وسكنت حيواناتها وذبل نباتها، فما دامت هذه الحركة محفوظة فهذه الحالة موجودة، وأشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣].
والحكماء سموها هذا الفلك محددا؛ لاعتقادهم أن ليس وراء ذلك خلا وملا، وقال ابو عبد الله محمد بن عمر الرازي بعد ما أظهر فساد القول بالمحدد: من أراد أن يكتال مملكة الباري تعالى بمكيال العقل فقد ضل ضلالا بعيدا.
وقد أحب بعض السلف التوفيق بين الآيات والأخبار وقول الحكماء، فزعم أن الكرسي هو الفلك الثامن الذي ذكرنا سعته وعجائبه، والعرش هو الفلك التاسع الذي هو أعظم الأفلاك،
والله تعالى أعلم بصحة هذا القول أو فساده، ولا شك في وجود العرش والكرسي؛ لنصوص الآيات، ولما رواه أبو الدرداء ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة».
وأما العرش فإنه مخلوق عظيم من مخلوقات الله تعالى قبلة لأهل السموات، كما أن الكعبة قبلة لأهل الأرض، فسبحان الله العظيم.
(النظر الثاني عشر: في سكان السموات وهم الملائكة) زعموا أن الملك جوهر بسيط ذو حياة ونظر وعقل، والاختلاف بين الملائكة والجن والشياطين كالاختلاف بين الأنواع، واعلم أن الملائكة جواهر مقدسة عن طلب الشهوة وكدورة الغضب، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، طعامهم التسبيح وشرابهم التقديس وأنسهم بذكر الله تعالى وفرحهم بعبادته، خلقوا على صور مختلفة وأقدار متفاوتة؛ لإصلاح مصنوعاته وإسكان سمواته، وقال ﷺ: «أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها قدر شبر إلا فيه ملك راكع أو ساجد».
وقال بعض الحكماء: إن لم يكن في فضاء الأفلاك وسعة السموات خلائق فكيف يليق بحكمة البارئ جلت قدرته تركها فارغة مع شرف جوهرها؟ فإنه لم يترك قعر البحار المالحة المظلمة فارغا حتى خلق فيه أجناس الحيوانات وغيرها، ولم يترك جو الهواء الرقيق حتى خلق له أنواع الطير، ولم يترك البراري اليابسة والآجام والجبال حتى خلق فيها أجناس الهوام والحشرات.
وأما أصناف الملائكة فلا يعرفهم غير خالقهم، كما قال تعالى: ﴿يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ﴾ [المدثر: ٣١] غير أن صاحب الشرع أعلم ببعضهم، وبحسب وقوع الحوادث اهتدى العقل إلى بعضهم حتى قيل: ما من ذرة من ذرات العالم إلا وقد وكل بها ملك أو ملائكة، وما من قطرة إلا ومعها ملك ينزل بها من السحاب ويدعها في المكان الذي قدر الله تعالى، هذا حال الذرات والقطرات، فما ظنك بالأفلاك والكواكب والهواء والغيوم والرياح والأمطار والجبال والقفار والبحار والعيون والأنهار والمعادن والنبات والحيوان؟
فبالملائكة صلاح العالم وكمال الموجودات بتقدير العزيز العليم، ولنذكر بعض من أخبر بهم صاحب الشريعة صلوات الله عليه وسلامه وهم الملائكة المقربون عليه وعليهم السلام، فمنهم:
حملة العرش صلوات الله عليهم، وهم أعز الملائكة وأكرمهم على الله تعالى، تتقرب إليهم سائر الملائكة، ويسلمون عليهم بالغدو والرواح؛ لمكانتهم عند الله تعالى، وهم يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا، فمنهم من هو على صورة النسر، ومنهم من هو على صورة البشر.
قال ابن عباس ﵄: خلق الله حملة العرش وهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيمة أمدهم الله تعالى بأربعة أخرى، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ [الحاقة:
١٧] وهو عظيم لا يوصف، فمنهم - كما تقدم - من هو على صورة ابن آدم، يشفع لبني آدم في أرزاقهم، ومنهم من هو على صورة الثور، يشفع للبهائم في أرزاقها، ومنهم من هو على صورة النسر، يشفع للطيور في أرزاقها، ومنهم من هو على صورة الأسد، يشفع للسباع في أرزاقها.
ومنهم: الروح الأمين ﵇، وهو ملك يقوم صفّا والملائكة كلهم صفّا؛ لكرامته عند الله تعالى وعظمته، وإنما سمي روحا؛ لأن كل نفس من أنفاسه يصير روحا لحيوان، وقد وكله الله تعالى بإدارة الأفلاك وحركات الكواكب وبما تحت فلك القمر من العناصر والمولدات من المعادن والنباتات والحيوانات، وهو أكبر من الفلك وأقوى منه وأعظم وأشرف وأعلى من الجسمانيات، وهو قادر على تسكين الأفلاك، كما هو قادر على تحريكها بإذن الله تعالى.
ومنهم: إسرافيل ﵇، وهو مبلغ الأوامر ونافخ الأرواح في الأجساد، قال رسول الله ﷺ: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وأصغى بالإذن حتى يؤمر فينفخ».
قال مقاتل: القرن الصور، وذلك أن إسرافيل ﵇ واضع فاه على القرن وهو كهيئة البوق ودائرة رأس البوق كعرض السموات والأرض، وهو شاخص ببصره نحو العرش ينظر متى يؤمر فينفخ، فإذا نفخ صعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله تعالى.
قالت السيدة عائشة ﵂: قلت لكعب الأحبار ﵁: سمعت رسول الله
ﷺ يقول: «يا رب جبريل وميكائيل وإسرافيل» أما جبريل وميكائيل فسمعت بهما في القرآن، وأما إسرافيل فأخبرني عنه فقال كعب: إنه ملك عظيم الشأن له أربعة أجنحة؛ أحدهما: سد المشرق، والآخر: سد به المغرب، والثالث: ينزل به من السماء إلى الأرض، والرابع: التثم به من عظمة الله تعالى، قدماه تحت الأرض السابعة، ورأسه ينتهي إلى أركان قوائم العرش، وبين عينيه لوح من جوهر، فإذا أراد الله ﷿ أن يحدث أمرا في عباده أمر القلم أن يخط في اللوح، ثم أدنى اللوح إلى إسرافيل فيكون بين عينيه، ثم هو ينتهي إلى ميكائيل صلوات الله عليهم فهم له أعوان في جميع العالم حتى على الأركان والمولدات، ينفخون أرواحها فيها فيصير معدنا ونباتا وحيوانا، وهي القوى التي بها صلاحها وحياتها، فسبحان الخالق البارئ المصور.
ومنهم: جبريل الأمين ﵇، وهو أمين الوحي وخازن القدس، ويقال له: الروح الأمين وروح القدس والناموس الأكبر وطاوس الملائكة، جاء في الخبر: إن الله تعالى إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون ولا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل ﵇، فإذا جاءهم فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق فينادون الحق بالحق.
وجاء في الخبر أيضا أن النبي ﷺ قال لجبريل ﵇: «إني أحب أن أراك على صورتك التي صورك الله فيها» فقال: إنك لا تطيق ذلك، فقال ﷺ:
«أرني» فواعده جبريل بالبقيع في ليلة مقمرة فأتاه فنظر إليه النبي ﷺ فإذا هو قد سد الآفاق؛ فوقع مغشيّا عليه، فلما أفاق عاد جبريل ﵇ إلى صورته الأولى؛ فقال ﷺ: «ما ظننت أن أحدا من خلق الله تعالى هكذا» فقال له جبريل ﵇:
كيف لو رأيت إسرافيل، وإن العرش على كاهله، وإن رجليه قد مرقتا تحت تخوم الأرض السفلى، وإنه ليتصاغر من عظمة الله تعالى حتى يصير كالوصع (والوصع العصفور الصغير).
وقال كعب الأحبار ﵁: إن جبريل ﵇ من أفضل الملائكة، له ستة أجنحة، في كل واحد مائة جناح، وله وراء ذلك جناحان لا ينشر هما إلا عند هلاك القرى، ولما نزل على رسول الله ﷺ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ﴾ سأله رسول الله ﷺ عن قوته فقال: «رفعت قرى قوم لوط بجناحي وصعدت بها حتى سمع أهل السماء صياح ديكتهم ثم قلبتها».
وأعوانه موكلون على جميع العالم من شأنهم إحداث القوة الغضبية والحمية؛ لدفع الشر والإيذاء.
ومنهم: ميكائيل ﵇، وهو موكل بالأرزاق للأجساد والحكمة والمعرفة للنفوس، قال كعب الأحبار: في السماء السابعة البحر المسجور، وعليه من الملائكة ما شاء الله، وميكائيل قائم على البحر المسجور لا يعرف وصفه وعدد أجنحته إلا الله تعالى، ولو أنه فتح فاه لم تكن السموات فيه إلا كخردلة في بحر، ولو أشرف على أهل السموات والأرض لاحترقوا من نوره، وله أعوان موكلون على جميع العالم من شأنهم إحداث قوة النهوض في الأركان والمولدات وغيرها التي بها الوصول إلى الغايات وبلوغ الكمال في الكائنات.
ومنهم: عزرائيل ﵇، وهو مسكن الحركات ومفرق الأرواح من الأجساد، قال كعب الأحبار: عزرائيل في السماء الدنيا، وخلق الله تعالى رجليه في تخوم الأرضين، ورأسه في السماء العليا، ووجهه مقابل اللوح المحفوظ، وله أعوان بعدد من يموت، والخلق كلهم بين عينيه، لا يقبض روح مخلوق إلا بعد أن يستوفي رزقه وينقضي أجله.
وعن أشعث بن أسلم أن إبراهيم ﵇ سأل ملك الموت ﵊ فقال له: ماذا تصنع إذا كان نفس بالمشرق ونفس بالمغرب، ووقع الوباء بأرض، والتقى الزحفان بأخرى؟ فقال: أدعو الأرواح بإذن الله تعالى فتكون بين أصبعي هاتين.
وعن وهب بن منبه ﵁ أن سليمان بن داود ﵉ تمنى أن يرى ملك الموت؛ ليتخذه صديقا، فلم يشعر سليمان حتى أتاه كأنه خرج من تحت سريره، فقال له سليمان:
من أنت؟ فقال: ملك الموت؛ فصعق سليمان ﵇.
فلما رأى ملك الموت ذلك قال: اللهم إن عبدك سليمان تمناني ونزل به ما ترى، اللهم إني أسالك أن تقويه على رؤيتي، فأوحى الله تعالى إليه أن ضع يدك على صدره ففعل ذلك فأفاق سليمان علي السلام، وقال: يا ملك الموت، إني أراك عظيم الخلق أو كل الملائكة مثلك؟
فقال: والذي بعثك بالحق نبيّا إن رجلي الآن على منكبي ملك قد جاوزت رأسه السموات السبع، وارتفع فوق ذلك بمسيرة خمسمائة عام، ورجلاه قد جاوزتا الثرى بمسيرة خمسمائة عام، وهو فاتح فاه رافع رأسه باسط يديه، فلو أذن الله تعالى له أن يطبق شفته العليا والسفلى لأطبق على ما بين السماء والأرض، فقال له سليمان ﵇: ولقد وصفت أمرا عظيما، فقال له:
كيف لو رأيتني على صورتي التي أقبض فيها أرواح الكفار، فصار ملك الموت صديقا له، ويأتيه كل خميس ويقعد عنده إلى أن تزول الشمس.
فقال له سليمان ﵇ يوما: ما لي أراك لا تعدل بين الناس، تأخذ هذا وتدع هذا؟ فقال له ملك الموت: ليس المسئول بأعلم من السائل، إنما هي كتب فيها أسماء المقبوضين تلقى إليّ ليلة الصك، وهي ليلة النصف من شعبان إلى مثلها من السنة القابلة، فأما أهل التوحيد فأقبض أرواحهم بيميني في حريرة بيضاء مغموسة في المسك وترفع إلى عليين، وأما أهل الكفر فأقبض أرواحهم بشمالي في سربال من قطران وتنزل إلى سجين وآمرهم إلى عالم الغيب والشهادة فينبئهم بما كانوا يعلمون.
وعن الأعمش، عن خيثمة قال: دخل ملك الموت على سليمان ﵇ فجعل ينظر إلى أحد جلسائه ويديم النظر إليه، فلما خرج ملك الموت قال الرجل: يا نبي الله، من كان هذا؟ قال:
إنه ملك الموت، قال: رأيته ينظر إليّ كأنه يريدني أريد أن تخلصني منه بأن تأمر الريح لتحملني إلى أقصى بلاد الهند؛ فأمر سليمان الريح بذلك ففعلت، فلما عاد ملك الموت إلى سليمان ﵇ قال له: رأيتك تديم النظر إلى بعض جلسائي، قال: كنت أعجب منه؛ لأني أمرت أن أقبض روحه بأقصى بلاد الهند في ساعة قريبة ورأيته عندك.
وقال وهب: قبض ملك الموت روح جبار من الجبابرة، فقالت الملائكة لملك الموت: لمن كنت أشد رحمة ممن قبضت أرواحهم؟ فقال: أمرت بقبض روح امرأة في فلاة من الأرض فأتيتها وقد ولدت مولودا فرحمتها لغربتها ورحمت ولدها لصغره وكونه في فلاة لا أحد بها، فقالت الملائكة: الجبار الذي قبضت الآن روحه هو ذلك المولود، فقال ملك الموت: سبحان اللطيف بعباده.
ومنهم: الكروبيون ﵈، وهم العاكفون في حظيرة القدس لا التفات لهم إلى غير الله تعالى؛ لاستغراقهم بجمال حضرة الربوبية، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وفي الخبر: إن لله تعالى أرضا بيضاء مسيرة الشمس فيها ثلاثون يوما محشوة خلقا من خلق الله تعالى، لا يعلمون أن الله تعالى يعصى طرفة عين، قالوا: يا رسول الله، أمن ولد آدم هم؟ قال: «لا يعلمون أن الله تعالى خلق آدم» قيل: يا رسول الله، أنى غفل عنهم إبليس؟ قال: «لا يعلمون أن الله تعالى خلق إبليس» ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨].
ومنهم: ملائكة سبع سموات، قال كعب الأحبار: هؤلاء ملائكة مداومون على التسبيح والتهليل في القيام والقعود والركوع والسجود، يسبحون الليل والنهار، لا يفترون حتى تقوم الساعة، فإذا قامت الساعة يقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.
وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: ملائكة سماء الدنيا على صورة البقر، وقد وكل الله تعالى بهم ملكا اسمه إسماعيل، وملائكة السماء الثانية على صورة العقاب، ووكل الله بهم ملكا اسمه ميخائيل، وملائكة السماء الثالثة على صورة النسر، والملك الموكل بهم اسمه صاعد ياييل، وملائكة السماء الرابعة على صورة الخيل، والملك الموكل بهم اسمه صلصاييل، وملائكة السماء الخامسة على صورة الحور العين، والملك الموكل بهم اسمه كلكاييل، وملائكة السماء السادسة على صورة الودان، والملك الموكل بهم اسمه سمخائيل، وملائكة السماء السابعة على صورة بني آدم، والملك الموكل بهم اسمه روفاييل.
قال وهب: وفوق السموات السبع حجب فيها ملائكة لا يعرف بعضهم بعضا؛ لكثرة عددهم، يسبحون الله تعالى بلغات مختلفة كالرعد القاصف.
ومنهم: الحفظة ﵈، وهم الكرام الكاتبون، قال ابن جريح: هما ملكان موكلان بابن آدم أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره.
وقال بعضهم: هم أربعة: اثنان بالليل واثنان بالنهار، وخامس لا يفارق ليلا ولا نهارا، وللكفار أيضا حفظة؛ لأن آية الحفظة نزلت في شأن الكفار، وهي قوله تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ٩ - ١٢].
وفي الخبر: إن الملك ليرفع القلم عن العبد إذا أذنب ست ساعات، فإذا تاب واستغفر لم يكتبه عليه وإلا كتبه، وفي رواية أخرى: فإذا كتبه عليه وعمل حسنة قال صاحب اليمين
لصاحب الشمال وهو أمين عليه: ألق هذه السيئة حتى ألقي من حسناته واحدة من تضعيف العشرة، وأرفع تسع حسنات، فيفعل صاحب الشمال.
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى وكل بعبده ملكين يكتبان عليه، فإذا مات قالا: يا رب، قبضت عبدك فلانا فإلى أين نذهب؟ قال الله تعالى:
سمائي مملوءة من ملائكتي يعبدونني، وأرضي مملوءة من خلقي يطيعونني، اذهبا إلى قبر عبدي فسبحاني وكبراني وهللاني واكتبا ذلك في حسنات عبدي إلى يوم القيامة».
ومنهم: المعقبات ﵈، وهم الملائكة الذين ينزلون بالبركات ويصعدون بأرواح بني آدم وأعمالهم بالليل والنهار، فإذا واظب الإنسان على الصلوات في أول أوقاتها فإذا صلى الفجر أتاه ملائكة النهار وجدوه مصليا، وفارقوه ملائكة الليل وتركوه مصليا، وهكذا إذا صلى المغرب وما بين الصلاتين من الذنوب تكفرها الصلاة، وإذا كان كذلك فلا يرفعون له غير الحسنات.
ويحقق أمر هذه الملائكة ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله تعالى:
يا بن آدم، ما تنصفني أتحبب إليك بالنعم وتمقت إلى بالمعاصي خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد، ولا يزال ملك كريم يأتيني عنك في كل يوم وليلة بعمل قبيح، يا بن آدم، لو سمعت وصفك من غيرك وأنت لا تعلم من الموصوف لأسرعت إلى مقته».
ومنهم: منكر ونكير ﵉، وهما ملكان فظان غليظان يسألان في القبر كل أحد عن ربه ونبيه، عن أنس بن مالك ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وهو يسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ (يعنيان: محمدا ﷺ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدل بمقعد من الجنة فيراهما جميعا، وأما المنافق والكافر فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري أقول ما يقول الناس، فيقال له: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطراق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين».
ومنهم: السياحون ﵈، وهم صنف من الملائكة يحبون مجالس الذكر فإذا رأوا مجالس الذكر احتووا عليها.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن لله تعالى سياحين في الأرض فضلا عن كتاب الناس، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تعالى ينادون:
هلموا إلى بغيتكم؛ فيجيئون بهم إلى السماء الدنيا، فإذا انصرفوا يقول الله تعالى: على أي شيء تركتم عبادي يصنعون؟ فيقولون: تركناهم يحمدونك ويمجدونك ويقدسونك، فيقول الله تعالى: وهل رأوني؟ فيقولون: لا، فيقول: كيف لو رأوني؟ فيقولون: لو رأوك لكانوا أشد تسبيحا وتمجيدا، فيقول لهم: من أي شيء يتعوذون؟ فيقولون: من النار، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون:
لا، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها لكانوا أشد هربا منها وأشد تعوذا، فيقول: أي شيء يطلبون؟ فيقولون: الجنة، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها لكانوا أشد طلبا لها، فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقولون: كان فيهم فلان لم يردهم إنما جاء لحاجة، فيقول: هم القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم».
ومنهم: هاروت وماروت، هما ملكان معذبان ببابل، عن ابن عباس ﵄: لما خرج آدم ﷺ من الجنة عريان، نظرت إليه الملائكة وقالت: إلهنا، هذا آدم بديع فطرتك أقله ولا تخذله، فمر بملأ من الملائكة فوبخوه على نقضه عهد ربه، وكان ممن وبخه يومئذ هاروت وماروت، فقال آدم: يا ملائكة ربي، ارحموا ولا توبخوا، فذلك الذي جرى عليّ كان قضاء ربي، فأبلاهما الله تعالى حتى عصيا ومنعا من الصعود إلى السماء.
فلما كان أيام إدريس ﵇ صارا إليه وذكرا له قصتهما، ثم قالا له: هل لك أن تدعو لنا حتى يتجاوز عنا ربنا؟ فقال إدريس ﵇: كيف لي العلم بالتجاوز عنكما؟ قالا: ادع لنا، فإن رأيتنا فهو الاستجابة، وإن لم ترانا هلكنا، فتوضأ إدريس ﵇ وصلى ودعا الله تعالى، ثم التفت فلم يرهما، فعلم أن العقوبة حلت بهما واختطفا إلى أرض بابل، ثم خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا فهما مسلسلان معذبان في بئر بأرض بابل منكسين إلى يوم القيامة.
وعن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «أشرفت الملائكة على الدنيا فرأوهم يعصون الله، فقالوا: يا ربنا، ما أقل معرفة هؤلاء بعظمتك؟ فقال الله تعالى: لو كنتم في سلاحهم لعصيتموني، قالوا: كيف يكون هذا ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ فقال:
اختاروا ملكين، فاختاروا هاروت وماروت، ثم أهبطا إلى الأرض، وركبت فيهم شهوات بني آدم، ومثلت لهما، فما عصما حتى واقعا المعصية فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه فقال له: ما تقول؟ فقال: أقول إن عذاب الدنيا ينقطع وعذاب الآخرة لا ينقطع، فاختارا عذاب الدنيا فهما اللذان ذكرهما الله تعالى في قوله: ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢]».
وفي رواية أخرى: «قال لهما: إني أرسل رسولا إلى الناس، وليس بيني وبينكما رسول أنزل، ولا تشركا بي شيئا، ولا تقتلوا ولا تسرقا» قال كعب: فما استكملا يومهما الذي نزلا فيه حتى أتيا ما حرم عليهما.
ومنهم: الملائكة الموكلون بالكائنات؛ لإصلاحها ودفع الفساد عنها، وقد وكل بكل فرد من أفرادها من الملائكة ما شاء الله تعالى.
وروى أبو أمامة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا، يذبون عنه ما لا يقدر عليه من ذلك، بالبصر سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب الذباب عن قصعة العسل في اليوم الصائف»، وأما المائة والستون فأمر عرفه النبي ﷺ بنور النبوة، ولكنا نمثل جهة التغذي فإنه أمر مشترك بين الحيوان والنبات، وأنت تقيس عليه غيره من الجهات.
فتقول: إن جزءا من الغذاء لا يصير جزءا من المتغذي حتى يعمل فيه عدة من الملائكة، ومعنى التغذي أن يصير جزءا من الغذاء من المتغذي، فإن الغذاء جماد لا يصير دما ولحما وعظما بنفسه، كما أن البر لا يصير طحينا وعجينا ورغيفا حتى تعمل فيه الصناع، فصناع الظاهر أناس، وصناع الباطن الملائكة، فقد أسبغ الله عليك نعمه ظاهرة وباطنة.
وأقول: أولا: لابد من ملك يجذب الغذاء إلى جوار اللحم والعظم، فإن الغذاء لا يتحرك بنفسه، ولا بد من ثان يمسكه حتى تعمل فيه الحرارة، ثم لا بد من ثالث يلبسها صورة الدم، ثم لابد من رابع يدفع القدر الفاضل عن الغذاء، ثم لابد من خامس يميز العزم واللحم والعروق وما يليق بها، ولا بد من سادس يلصق ما اكتسب صورة العظم بالعظم وما اكتسب صورة اللحم باللحم.
ثم لا بد من سابع يراعي المقادير في الإلصاق؛ فيلحق بالمستدير ما لا يبطل استدارته، وبالعريض ما لا يبطل عرضه، وبالمجوف ما لا يبطل تجويفه، ويحفظ على كل واحد مقدار حاجته، ويدفع الزائد، فإنه لو جمع على الأنف من الغذاء مقدار ما يجمع للفخذ حاجته؛ لتشوهت الصورة، بل ينبغي أن يسوق إلى الأجفان رقيقها، وإلى الحدقة صافيها، وإلى الأفحان غليظها، وإلى العظم صلبها مع مراعاة القدر والشكل، وإلا بطلت الصورة.
فلو لم يراع هذا الملك هذا القسط فساق الغذاء إلى جميع البدن، ولم يسق إلى رجل واحدة مثلا لبقيت تلك الرجل كما كانت في أيام الصغر، وكبر جميع البدن، فترى شخصا في ضخامة رجل، وله رجل كأنها رجل صبي، ولا ينتفع بنفسه البتة.
فمراعاة هذه الهندسة مفوضة إلى هذا الملك، فهذا حال بعض الملائكة الموكلين ببدن بني آدم، فهم مشتغلون بك وأنت في النوم أو تترد في الغفلة، وهم يصلحون بدنك ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ [النحل: ١٨] هكذا حال جميع الكائنات، فما من شيء إلا وقد وكل الله به ملكا أو ملائكة، والله الموفق.
(النظر الثالث عشر: في الزمان) زعموا أن الزمان مقدار حركة الفلك، وهذا على رأي أرسطاطاليس وأصحابه، وعند غيره مرور الأيام والليالي، ثم مقدار حركة الفلك ينقسم إلى القرون، والقرون إلى السنين، والسنون إلى الشهور، والشهور إلى الأيام، والأيام إلى الساعات.
والزمان أنفس رأس مال به تكتسب كل سعادة، وإنه يضمحل شيئا فشيئا، وزمانك عمرك، وهو معلوم القدر عند الله تعالى، وإن لم يكن معلوما عندك وما مثله إلا كمسافة ساع يسعى في قطعها قوي على السير لا يفتر طرفة عين، فما أعجل انقطاعها وإن كانت بعيدة! وما أسرع زوالها وإن كانت كعمر لقمان مدة مديدة!
ولنذكر شيئا من خواصها وعجيبها:
(القول: في الليالي والأيام) أما اليوم فهو الزمان الذي بين طلوع الفجر وغروب الشمس، وأما الليل فهو الزمان الذي يقع بين غروب الشمس وطلوع الفجر، ومجموعهما أربع وعشرون
ساعة، لا تزيد ولا تنقص، وكلما نقص من النهار زاد في الليل، وكلما نقص من الليل زاد في النهار، كما قال الله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحديد: ٦].
وأطول ما يكون النهار سابع عشر حزيران عند حلول الشمس آخر الجوزاء؛ فيكون النهار خمس عشرة ساعة، والليل تسع ساعات وهو أقصر ما يكون، ثم يأخذ النهار في النقصان والليل في الزيادة إلى ثامن عشر أيلول، وهو عند حلول الشمس آخر السنبلة، فيستوي الليل والنهار، ويصير كل واحد منهما اثنتي عشرة ساعة.
ثم ينقص النهار ويزيد الليل إلى سبع عشرة من كانون الأول، فيصير الليل خمس عشرة ساعة، وهو أطول ما يكون، والنهار تسع ساعات، وذلك أقصر ما يكون، ثم يأخذ الليل في النقصان والنهار في الزيادة إلى سادس عشر آذار عند حلول الشمس إلى آخر الحوت، فيستوي الليل والنهار، ويصير كل واحد اثنتي عشرة ساعة، ثم يستأنف الدور.
وقد شبهوا أوقات اليوم والليلة بأرباع السنة، فقالوا: إن الغدو بمنزلة الربيع، وانتصاف النهار بمنزلة الصيف، والمساء بمنزلة الخريف، وانتصاف الليل بمنزلة الشتاء، لكن اختلافها لما كان اختلافا يسيرا لا تتأثر منه الأبدان تأثرها عن السنة وربما تأثرت منه الأبدان الضعيفة.
ومن لطف الله بعباده جعل الليل والنهار؛ لأن الإنسان مضطر إلى الحركات في أعماله لمعاشه، ولا تنفك قواه عن كلال، فعند ذلك يغلب عليه النوم ولا بد له من ذلك لزوال الكلال، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣] فعين وقتا للنوم ينام فيه كلهم، ووقتا للمعاش يعمل فيه كلهم، ولولا ذلك لأفضى إلى عسر قضاء حوائج الناس؛ لأن أحدهم إذا طلب غيره لشغل وجده نائما.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع