من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
فصل: في الفوائد العجيبة لهذه القوة في أمر التغذية
وذلك أن تصير جزء النبات، جزء الحيوان بأن تصيره في المعدة مثل ماء الكشك الثخين، ثم تجذبه إلى الكبد فيصير دما ثم الكبد يقسمه على البدن بواسطة الأوردة، فيصل إلى كل عضو حظه فيصير لحما وعظما بأطوار وتصرفات كثيرة فيه، كما أن البر يجعل طحينا ثم خبزا يتصرف صناع البلد فيه، فصناع الباطن القوى كما أن صناع الظاهر أهل البلد، فقد أسبغ الله عليك نعمة ظاهرة وباطنة فأقول لا بد من قوة تجذب الغذاء إلى جوار اللحم والعظم، فإن الغذاء لا يتحرك بنفسه، ولا بد من قوة أخرى تمسك الغذاء في جواره ريثما تعمل فيه القوة الأخرى، ولا بد من قوة أخرى تخلع عنه صورة الدم، وتعطيه صورة العضو ولا بد من قوة أخرى تدفع عنه الفضل والزائد على الحاجة فهذه هي القوى الخادمة، ثم لا بد من قوة تلصق ما اكتسب صفة العظم بالعظم وما اكتسب صفة اللحم باللحم حتى يصير جزءا منهما، ثم لا بد من قوة تراعي المقادير في الإلصاق فيلحق بالمستدير ما لا يبطل استدارته، وبالعريض ما لا يزيل عرضه، وبالمجوف ما لا يزيل تجويفه، ويحفظ على كل واحد قدر حاجته فلو جمع على الأنف من الغذاء مقدار ما يجمع
على الفخذ كبر الأنف وبطل تجويفه وتشوهت صورة الإنسان، بل ينبغي أن يسوق إلى الأجفان مع دقتها وإلى الحدقة مع صفائها وإلى الفخذ مع غلظها وإلى العظام مع صلابتها ما يليق بكل واحد من حيث القدر والشكل وإلا بطلت الصورة، ولا بد من قوة أخرى تتصرف في أمور التناسل بأن يفصل من الغذاء جوهر النطفة لبقاء النوع فإن كل فرد من الأفراد ضروري الفناء ولا بد من قوة أخرى يصدر عنها تمريخات مختلفة بحسب كل عضو حتى يجعل من النطفة المتشابهة الأجزاء أعضاء مختلفة طويل وعريض ومستدير وزاوية ومجوف ومصمت ودقيق وغليظ وصلب ورخو، وهي أنقاص تنقش في ظلمة الأحشاء هذه الأشكال العجيبة الحدقة والأجفان والجبهة والخد والأنف والشفة والذقن، ولا يرى ذلك النقاش لا داخلا ولا خارجا ولا خبر للأم به ولا للأب، فسبحان من فتح عين أوليائه حتى شاهدوه في جميع ذات العالم.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع