تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

خلافة المستعين بالله

هو أبو الفضل العباس بن المتوكل على الله أبي عبد الله محمد بن المعتضد أبي بكر بن

سليمان بن أحمد العباسي، عهد إليه أبوه بالخلافة، وكان قد عهد قبله لولده الآخر المعتمد على الله أحمد، ثم خلعه وولى هذا واستمر أحمد مخلوعا إلى أن مات، فلما مات المتوكل، بويع ابنه العباس، في شهر رجب سنة ثمان وثمانمائة واستمر في الخلافة إلى أن حوصر الملك الناصر فرج»

بن برقوق بدمشق، وقيل: بويع له بالسلطنة مضافة إلى الخلافة في يوم السبت خامس عشر المحرم، سنة خمس عشرة وثمانمائة، اجتمع أهل الحل والعقد والقضاة والأمراء ومن حضر، فسألوه في ذلك فامتنع واشتد امتناعه وصمم، ثم إنه أجابهم إلى ذلك بعد أن توثق منهم بالأيمان، ولم يغير لقبه.

وضربت سكة الذهب والفضة بإسمه وتصرف بالولاية والعزل وفي الحقيقة إنما كانت إليه العلامة والخطبة فلما توجه العسكر إلى مصر كانت الأمراء كلهم في خدمته على هيئة السلطنة ولكن الحل والعقد للأمير شيخ. فلما كان اليوم الثامن من شهر ربيع الثاني دخل مصر، فشقها والأمراء بين يديه، وكان يوما مشهودا فاستمر إلى القلعة فنزلها ونزل شيخ في الإصطبل بباب السلسلة فلما كان في اليوم الثامن. دخل شيخ والأمراء إلى القصر، وجلس الخليفة على تخت المملكة، وخلع على شيخ خلعة عظيمة بطراز لم يعهد مثله، وفوض إليه أمر المملكة، ولقبه بنظام الملك. فكان يدعى لهما على المنابر في الحرمين وغيرهما.

وصار الأمراء إذا فرغوا من الخدمة في القصر، نزلوا إلى خدمة شيخ في الإصطبل، فأعيدت الخدمة عنده ووقع الإبرام والنقض، ثم يتوجه دويداره إلى الخليفة، فيعلم على المناشير والتواقيع، واستمر الأمر على ذلك مدة، وكان شيخ يظن أن الخليفة يتوجه إلى بيته ويستعفي من السلطنة، فلما لم يفعل أعرض عنه، ولم يبق عنده إلا من يخدمه من حاشيته، فلما كان في يوم الإثنين مستهل شعبان أحضر شيخ أهل الحل والعقد والقضاة والأمراء والمباشرين، فبايعوه بالسلطنة ولقبوه بالملك المؤيد أبي النصر ثم إنه صعد القصر وجلس على تخت المملكة فقبل الأمراء الأرض بين يديه وصافحه القضاة وأهل الوظائف، وأرسل إلى الخليفة يسأله أن يشهد عليه بتفويض السلطنة له على عادة من تقدمه، فأجابه بشرط أن يذهب إلى بيته، فلم يوافقه على ذلك أياما ثم إنه نقله من القصر، وأنزله في دار من دور القلعة، ومعه أهله ووكل به من يمنع الناس من الدخول إليه، فلما كان في ذي القعدة قطع الدعاء للخليفة على المنابر. وكان قبل أن يلي السلطنة يدعى له مع السلطان واستمر في الخلافة إلى أن خلع في سنة ست عشرة فلما خرج المؤيد إلى نيروز أرسله إلى

الإسكندرية فعقل بها، ولم يزل بها إلى أن استقرططر في المملكة، فأرسل في إطلاقه وأذن له في المجيء إلى القاهرة فاختار الإقامة في الاسكندرية، لأنها لاقت بحاله، واستطابها وحصل له بها مال جزيل، من التجارة فاستمر إلى أن مات فيها شهيدا بالطاعون سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة.

فصل: فيما يجب على من يصحب الخلفاء الراشدين، وأمراء المؤمنين، والملوك والسلاطين.

قال الشعبي: قال لي عبد الله بن عباس، قال لي العباس: اي بني إني أرى هذا الرجل، يعني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، يقدمك على كثير من أصحاب رسول الله ﷺ، وإني أوصيك بكلمات أربع لا تفشين لهم سرا، ولا تحدثنهم كذبا، ولا تطرين عندهم نصيحة، ولا تغتابن لديهم أحدا. قال الشعبي: فقلت لابن عباس: كل واحدة منهن خير من ألف، قال: إي والله، ومن عشرة آلاف. قال بعض الحكماء: إذا زادك السلطان إكراما، فزده إعظاما وإذا جعلك ولدا فاجعله سيدا، وإذا جعلك أخا فاجعله والدا، ولا تديمن النظر إليه، ولا تكاسر من الدعاء له، ولا تتغير منه إذا سخط، ولا تغتر به إذا رضي ولا تلح في مسألته وقد قيل في المعنى:

قرب الملوك يا أخا البدر السنيحظ جزيل بين شدقي ضيغم

قال الفضل بن الربيع: من كلم الملوك في حاجة في غير وقتها، جهل مقامه وضاع كلامه، وما أشبه ذلك إلا بأوقات الصلاة، التي لا تقبل إلا في وقتها. قال خالد بن صفوان: من صحب السلطان بالنصيحة والأمانة، كان أكبر عدو له، ممن صحبه بالفسق والخيانة، لأنه يجتمع على الناصح عدو السلطان وصديقه، بالعداوة والحسد، فعدو السلطان يبغضه لنصيحته، وصديقه ينافسه في مرتبته. قال أفلاطون الحكيم: إذا خدمت ملكا، فلا تطعه في معصية ربك، فإن إحسانه إليك أفضل من إحسانه إليك، وإيقاعه بك أغلظ من إيقاعه بك. وقال رسول الله ﷺ:

«من تواضع لغني لأجل غناه، ذهب ثلثا دينه». رواه البيهقي في الشعب من حديث ابن مسعود وأنس بلفظ: «من أصبح حزينا على الدنيا، أصبح ساخطا على ربه، ومن أصبح يشكو مصيبته فإنما يشكو ربه، ومن دخل لغني فتضعضع له، ذهب ثلث دينه».

وأخرج الديلمي، من حديث أبي ذر: «لعن الله فقيرا يتواضع لغني من أجل ماله. من فعل ذلك فقد ذهب ثلثا دينه». وقد قال ﷺ: «من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه».

وروى أحمد عن بعض الصحابة مرفوعا «إنك لا تدع شيئا اتقاء الله إلا أعطاك الله خيرا منه».

وقال افلاطون الحكيم: من لم يعتبر بالتجارب، أوقعه الله في المهالك. وقال: كفى بالتجارب تأديبا وبتقلب الأيام عظة. وقال: الملك كالنهر الأعظم تستمد منه الأنهار الصغار، فإن كان عذبا عذبت، وإن كان مالحا ملحت. وسئل عن الرجل العاقل فقال: من اجتمعت فيه خصال الأدب، ولا يقهره الغضب، لأن العقل أصله التثبت في الأمور، وثمرته السلامة. وقال:

السلطان كالسوق ما راج فيه حمل إليه، وصاحب الملك كراكب الأسد تهابه الناس، وهو لمركوبه أهيب. وقال: من عرف ما يطلب، هان عليه ما يبذل. ومن أطلق بصره، طال أسفه، ومن طال أمله ساء عمله. ومن أطلق لسانه، قيد نفسه. ومن أصلح فاسده أرغم حاسده. ومن قاسى الأمور، فهم المستور. ومن أحب المكارم اجتنب المحارم. ومن حسنت به الظنون، رمقته الرجال بالعيون. وقال الأدب ينوب عن الحسب. العفو يفسد اللئيم، بقدر ما يصلح الكريم. من شاور ذوي الألباب، دل على الصواب. من أمل إنسانا هابه، ومن قصر عن شيء عابه. من بالغ في الخصومة أثم، ومن قصر عنها ظلم. ولا يستطيع أن يتقي الله من خاصم. من فرط في الأمانة ضدها عمل. من عرض نفسه لما قصر عنه فعله، فقد نقص في عين غيره. من جاد ساد، ومن ساد قاد، ومن قاد بلغ المراد. ظلم الأيامى واليتامى مفتاح العقر. لا يصلح للصدر إلا من يكون واسع الصدر. ما تاه إلا وضيع، ولا فاخر إلا لقيط، ولا تعصب إلا بخيل، ولا أنصف إلا كريم. الحاجة إلى الأخ المعين، كالحاجة إلى الماء المعين. الكريم يلين إذا استعطف، واللئيم يقسو إذا لوطف. أقرب الناس إلى الله، أكثرهم عفوا عند القدرة. وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه. من لم يكن له من نفسه واعظ، لم تنفعه المواعظ. من رضي بالقضاء، صبر على البلاء.

من عمر دنياه ضيع ماله. ومن عمر آخرته بلغ آماله. القناعة عز المعسر، والصدقة كنز الموسر.

من سره فساده ساء معاده. الشقي من جمع لغيره، وبخل على نفسه. الخير أجل بضاعة، والإحسان أفضل صناعة. من استغنى عن الناس، أمن من عوارض الإفلاس. من رفع حاجة إلى الله، استظهر في أمره. ومن رفعها إلى الناس وضع من قدره. من أبدى سر أخيه أبدى الله أسرار مساويه. أعص الجاهل تسلم، وأطع العاقل تغنم. ازدياد الأدب عند الأحمق، كازدياد الماء العذب في أصول الحنظلة، لا يزيدها إلا مرارة. مكتوب في الإنجيل: كما تدين تدان، بالكيل الذي تكيل تكال.

وكان بعض الخلفاء يتلطف في ادخال السرور على إخوانه، فيضع عندهم الصرة فيها ألف درهم، ويقول لبعضهم: امسكها حتى أعود إليك، ثم يرسل إليه بعض غلمانه فيقول له: أنت في حل من ذلك. وقال بعض الحكماء: أحزم الناس: من وقي نفسه بماله، ووفي دينه بنفسه، وأجود الناس: من عاش الناس في فضله. وأفضل اللذات التفضل على الإخوان. وقال: المعروف ذخيرة الأدب، والبر غنيمة الحازم، والخير عطر الأخيار من بذل ماله، استعبد أمثاله. ومن أذل فلسه، أعز نفسه. وإن صاحب المعروف لا يقع وإن وقع وجد متكأ. وقال: إمام عادل خير من مطر وإبل.

وسلطان غشوم خير من فتنة تدوم. وقال: فضل الملوك في الإعطاء، وشرفهم في العفو، وعزهم في العدل. والعدل هو نظام العالم.

وقال ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل». فبدأ بالعدل، وقال ﵊: «عدل السلطان يوما يعدل عبادة سبعين سنة». وقال ﵊: «عدل ساعة في الحكومة خير من عبادة ستين سنة». وقال ﷺ: «السلطان ظل الله في الأرض، يأوي إليه كل مظلوم من عباده، فإن عدل كان له الأجر وعلى الرعية الشكر، وإن جار كان عليه الإثم وعلى الرعية الصبر».

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.