من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
البرغوث
بالثاء المثلثة واحد البراغيث. وضم بائه أشهر من كسرها وقولهم: أكلوني البراغيث لغة طيىء، وهي لغة ثابتة خرجوا عليها قوله تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
على أحد المذاهب وقوله ﷿ خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ
ومثل: يتعاقبون فيكم ملائكة، وقوله في صحيح مسلم وغيره: «حتى احمرتا عيناه» واشباهه كثيرة معروفة. وقال سيبويه:
لغة أكلوني البراغيث ليست في القرآن قال والضمير في وأسروا النجوى فاعل والذين بدل منه.
وكنية البرغوث أبو طافر وأبو عدي وأبو الوثاب، ويقال له طامر بن طامر. وهو من الحيوان الذي له الوثب الشديد ومن لطف الله تعالى به، أنه يثب إلى ورائه ليرى من يصيده، لأنه لو وثب إلى أمامه، لكان ذلك أسرع إلى حمامه. وحكى الجاحظ عن يحيى البرمكي، أن البرغوث من الخلق الذي يعرض له الطيران، كما يعرض للنمل. وهو يطيل السفاد، ويبيض ويفرخ بعد أن يتولد، وهو ينشأ أولا من التراب، لا سيما في الأماكن المظلمة، وسلطانه في أواخر فصل الشتاء وأول فصل الربيع، وهو أحدب نزاء. ويقال: إنه على صورة الفيل له أنياب يعض بها وخرطوم يمص به.
وحكمه تحريم الأكل واستحباب قتله للحلال والمحرم، ولا يسب لما روى الإمام أحمد والبزار والبخاري في الأدب والطبراني في الدعوات عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ سمع رجلا يسب برغوثا. فقال: لا تسبه فإنه أيقظ نبيا لصلاة الفجر.
وفي معجم الطبراني عن أنس رضي الله تعالى عنه. قال: ذكرت البراغيث عند رسول الله ﷺ فقال: «إنها توقظ للصلاة أي لصلاة الفجر». وفيه عن علي رضي الله تعالى عنه قال: نزلنا منزلا فآذتنا البراغيث فسببناها فقال رسول الله ﷺ؛ «لا تسبوها فنعمت الدابة فإنها أيقظتكم لذكر الله تعالى».
ويعفى عن قليل دمها في الثوب والبدن لعموم البلوى به وعسر الاحتراز. وقال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على التجاوز والعفو عن دم البراغيث، ما لم يتفاحش. قال أصحابنا: ولا خلاف في العفو عن قليله إلا إذا حصل بفعله كما إذا قتله في ثوبه أو بدنه ففي العفو عنه وجهان:
أصحهما العفو أيضا. وكذلك كل ما ليس له نفس سائلة كالبق والبعوض وشبههما. وسئل شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام عن ثوب فيه دم البراغيث هل يجوز للإنسان أن يلبسه رطبا ثم يصلي فيه؟ وإذا عرق فيه هل يصلي فيه؟ وهل يتنجس بذلك بدنه أو يعفي عنه؟ وهل يندب له غسله قبل وقته المعتاد؟ فأجاب نعم ينجس الثوب والبدن بذلك ولا يؤمر بغسله إلا في الأوقات المعتادة وغسله في غير ذلك ورع خارج عما كان السلف عليه. وكانوا أحرص على حفظ أديانهم من غيرهم. وأما الكثير من دم البراغيث فالأصح عند المحققين، كما قاله النووي، العفو عنه مطلقا
سواء انتشر بعرق أم لا.
فائدة مجربة صحيحة، للبراغيث وهو أن تأخذ قصبة فارسية، وتلطخها بلبن حمارة وشحم تيس وتغرسها في وسط الدار ثم تقول مرة: أقسمت عليكم أيها البراغيث، إنكم جند من جنود الله من عهد عاد وثمود، وأقسمت عليكم بخالق الوجود، الفرد الصمد المعبود، أن تجتمعوا إلى هذا العود، ولكم علي المواثيق والعهود، إن لا أقتل منكم والدا ولا مولود، فإنها تجتمع فإذا اجتمعت إلى العود فخذها وارمها إلى مكان آخر ولا تقتل منها أحدا يبطل السر ثم تكنس البيت وتقول عليه مرة وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ
فإن فعل ذلك، لم يدخل البيت برغوث أبدا وهو سر لطيف مجرب.
فائدة:
سئل مالك رحمة الله عليه، عن البراغيث أملك الموت يقبض أرواحها؟ فأطرق مليا، ثم قال ألها نفس؟ قالوا: نعم. قال: ملك الموت يقبض أرواحها. ثم قرأ قوله تعالى:
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
الآية. ويدل له ما يأتي في البعوض.
الأمثال قالوا: «أطمر من برغوث». «وأطير من برغوث».
وخاصيته اللسع والأذى. قال بعض الأعراب يصف البراغيث وقد سكن مصر:
تطاول في الفسطاط ليلي ولم يكنبأرض الفضا ليل عليّ يطول
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةوليس لبرغوث عليّ سبيل
وقد أجاد مجد الدين أبو الميمون الكناني حيث قال ملغزافي البراغيث:
ومعشر يستحل الناس قتلهمكما استحلوا دم الحجاج في الحرم
إذا سفكت دما منهم فما سفكتيداي من دمه المسفوك غير دمي
وقال أبو الحسن بن سكرة الهاشمي في مليح يعرف بابن برغوث:
بليت ولا أقول بمن لانيمتى ما قلت من هو يعشقوه
حبيب قد نفى عني رقاديفإن أغمضت أيقظني أبوه
ومن محاسن شعره:
كأن خالا لاح في خدهللعين في سلسلة من عذار
أسود يستخدم في جنةقيده مولاه خوف الفرار
وله أيضا:
وما عشقي له وحشا لأنيكرهت الحسن واخترت القبيحا
ولكن غرت أن أهوى مليحاوكل الناس يهوون المليحا
وله أيضا:
تحمّل عظيم الذنب ممن تحبهوإن كنت مظلوما فقل أنا ظالم
فإنك إن لم تغفر الذنب في الهوىيفارقك من تهوى وأنفك راغم
وقيل: إن هذين البيتين للعباس بن الأحنف. توفي ابن سكرة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة.
فائدة روى ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل إن عامل افريقية كتب إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ يشكو إليه الهوام والعقارب. فكتب إليه وما على أحدكم إذا أمسى وأصبح أن يقول وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ
الآية. قال: زرعة عبد الله أحد رواته. وينفع من
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع