من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الجندع
كقنفذ جندب أسود له قرنان طويلان، وهو أثخن الجنادب ولا يؤكل قاله ابن سيده. وقال أبو حنيفة الجندع جندب صغير.
الجن:
أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، لها عقول وأفهام وقدرة على الأعمال الشاقة. وهم خلاف الإنس. الواحد جني ويقال: إنما سميت بذلك لأنها تتقى ولا ترى وجن الرجل جنونا، وأجنه الله فهو مجنون، ولا تقل مجن وقولهم في المجنون: ما أجنه شاذ لا يقاس عليه، لأنه لا يقال في المضروب: ما أضربه، ولا في المشكوك ما أشكه. روى الطبراني بإسناد حسن، عن أبي ثعلبة الخشني، أن النبي ﷺ قال: «الجن ثلاثة أصناف، فصنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصنف حيات وصنف يحلون ويظعنون». وكذلك رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وسيأتي إن شاء الله تعالى، في باب الخاء المعجمة في الكلام على الخشاش، حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف كبني آدم عليهم الحساب والعقاب، وخلق الإنس ثلاثة أصناف: صنف كالبهائم قال الله ﷿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
وقال تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ
وصنف أجسادهم كأجساد بني آدم، وأرواحهم كأرواح الشياطين. وصنف في ظل الله ﷿ يوم لا ظل إلا ظله». قال ابن حبان رواه يزيد بن سفيان الرهاوي، عن أبي المنيب عن يحيى بن كثير، عن أبي سلمة عن أبي الدرداء ﵁، ويزيد بن سفيان ضعفه يحيى بن معين والامام أحمد بن حنبل وابن المديني.
الحكم أجمع المسلمون قاطبة على أن نبينا محمدا ﷺ مبعوث إلى الجن كما هو مبعوث إلى الإنس قال الله تعالى وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ
ومن بلغ، والجن بلغهم القرآن.
وقال تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ
الآية. وقال ﵎:
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً
وقال ﷿ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
وقال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ
قال الجوهري: الناس قد تكون من الإنس والجن، وقال تعالى خطابا للفريقين: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما
تُكَذِّبانِ
والثقلان: الإنس والجن، سميا بذلك لأنهما ثقلا الأرض وقيل: لأنهما مثقلان بالذنوب. وقال تعالى: وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
ولذلك قيل: إن من الجن مقربين وأبرارا، كما أن من الإنس كذلك. وبهذه الآية استدل الجمهور، على أن الجن المؤمنين، يدخلون الجنة ويثابون، كما يثاب الإنس. وخالف أبو حنيفة والليث في ذلك، فقالا ثواب المؤمنين منهم أن يجاروا من النار. وخالفهما الأكثرون حتى أبو يوسف ومحمد وليس لأبي حنيفة والليث حجة سوى قوله تعالى: وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
وقوله تعالى: فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً
قالا: فلم يذكر في الآيتين ثوابا سوى النجاة من العذاب. والجواب من وجهين أحدهما أن الثواب مسكوت عنه، والثاني أن ذلك من قول الجن ويجوز أن يكونوا لم يطلعوا إلا على ذلك، وخفي عليهم ما أعد الله لهم من الثواب وقيل: إنهم إذا دخلوا الجنة لا يكونون مع الإنس، بل يكونون في ربضها. وفي الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: «الخلق كلهم أربعة أصناف: فخلق في الجنة كلهم وهم الملائكة، وخلق كلهم في النار وهم الشياطين وخلق في الجنة والنار وهم الجن، والإنس لهم الثواب وعليهم العقاب». وهو موقوف على ابن عباس ﵄، وفيه شيء وهو أن الملائكة لا يثابون بنعيم الجنة. ومن المستغربات، ما رواه أحمد بن مروان المالكي الدينوري في أوائل الجزء التاسع من المجالسة عن مجاهد، أنه سئل عن الجن المؤمنين أيدخلون الجنة؟ فقال: يدخلونها ولكن لا يأكلون فيها ولا يشربون بل يلهمون التسبيح والتقديس، فيجدون فيهما ما يجد أهل الجنة من لذيذ الطعام والشراب، ويدل لعموم بعثته ﷺ من السنة أحاديث منها ما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال:
أعطيت جوامع الكلم، وأرسلت إلى الناس كافة» وفيه من حديث جابر ﵁ «وبعثت إلى كل أحمر وأسود» وفي كتاب «خير البشر بخير البشر» للامام العلامة محمد بن ظفر، عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه، وهو بمكة: «من أحب منكم أن يحضر الليلة أمر الجن فلينطلق معي فانطلقت معه، حتى إذا كنا بأعلى مكة خط إلي خطا، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن، فغشيه اسودة كثيرة وحالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته ثم انطلقوا يتقطعون كما يتقطع السحاب ذاهبين حتى بقي منهم رهط، ثم أتى النبي ﷺ فقال:
ما فعل الرهط؟ قلت: هم أولئك يا رسول الله. قال: فأخذ عظما وروثا فأعطاهم إياه ونهى أن يستطيب أحد بعظم أو روث» وفي اسناده ضعف، وفيه أيضا عن بلال بن الحارث ﵁، قال: نزلنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره بالعرج، فتوجهت نحوه فلما قاربته سمعت لغطا وخصومة رجال، لم أسمع لغة أحد من ألسنتهم، فوقفت حتى جاء النبي ﷺ وهو يضحك،
فقال: «اختصم إلي الجن المسلمون والجن المشركون، وسألوني أن أسكنهم فأسكنت المسلمين الجلس، وأسكنت المشركين الغور». وكل مرتفع من الأرض جلس ونجد وكل منخفض غور.
وفيه أيضا عن ابن عباس ﵄ أنه قال: انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وخبر السماء فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم قالوا حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. فقالوا: ما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فالتقى الذين أخذوا نحو تهامة النبي ﷺ وأصحابه وهم بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ، «وهو ﷺ يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن أنصتوا له، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، ورجعوا إلى قومهم فقالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً
الآيتين. وهذا الذي ذكره ابن عباس ﵄ أول ما كان من أمر الجن مع النبي ﷺ ولم يكن النبي ﷺ رآهم إذ ذاك، إنما أوحيي إليه بما كان منهم. وفيه أيضا، وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ، ذات ليلة، ففقدناه فالتمسناه، في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم! فقال ﷺ: «أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن قال: فانطلق بنا فأرانا آثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، تأخذونه فيقع في أيديكم أوفر ما كان لحما، وكل بعر علف لدوابكم». ثم قال ﷺ: «فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم».
وروى الطبراني بإسناد حسن، عن الزبير بن العوام ﵁، قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ يوما صلاة الصبح، في مسجد المدينة، فلما انصرف رسول الله ﷺ قال: «أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة» فسكت القوم ولم يتكلم منهم أحد. قال ذلك ثلاثا، فمر بي يمشي فأخذ بيدي فجعلت أمشي معه حتى تباعدت عنا جبال المدينة كلها، وأفضينا إلى أرض براز وإذا رجال طوال كأنهم الرماح متدثري ثيابهم من بين أرجلهم فلما رأيتهم، غشيتني رعدة شديدة، حتى ما تمسكني رجلاي، من الفرق، فلما دنونا منهم خط لي رسول الله ﷺ بابهام رجله في الأرض خطا وقال لي «اقعد في وسطه» فلما جلست ذهب عني كل شيء كنت أجده من ريبة، ومضى رسول الله ﷺ بيني وبينهم فتلا قرآنا رفيعا، حتى طلع الفجر، ثم أقبل ﷺ حتى مر بي فقال: «الحق بي» فجعلت أمشي معه فمضينا غير بعيد، فقال ﷺ لي: «التفت فانظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد؟» فالتفت فقلت: يا رسول الله سوادا كثيرا فخفض رسول الله ﷺ رأسه إلى الأرض فنظر عظما وروثة «فرمى بهما إليهم» ثم قال ﷺ: «هؤلاء وفد جن نصيبين سألوني الزاد فجعلت لهم كل
عظم وروثة». قال الزبير ﵁: فلا يحل لأحد أن يستنجي بعظم ولا روثة. وروي أيضا عن ابن مسعود ﵁، قال: استتبعني رسول الله ﷺ ليلة فقال: «إن نفرا من الجن خمسة عشر، بنو اخوة وبنو عم، يأتون الليلة فأقرأ عليهم القرآن». فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد فجعل لي خطا ثم أجلسني فيه، وقال: «لا تخرج من هذا» فبت فيه حتى أتاني رسول الله ﷺ مع السحر، وفي يده عظم حائل وروثة وخمة. فقال رسول الله ﷺ: «إذا أتيت الخلاء فلا تستنج بشيء من هذا» قال: فلما أصبحت قلت: لأعلمن حيث كان رسول الله ﷺ، فذهبت فرأيت موضع سبعين بعيرا. وروى الشافعي والبيهقي أن رجلا من الأنصار ﵃، خرج يصلي العشاء فسبته الجن وفقد أعواما، وتزوجت زوجته. ثم أتى المدينة فسأله عمر ﵁، عن ذلك، فقال: اختطفتني الجن، فلبثت فيهم زمانا طويلا، فغزاهم جن مؤمنون وقاتلوهم، فأظفرهم الله عليهم، وسبوا منهم سبايا وسبوني معهم، فقالوا: تراك رجلا مسلما، ولا يحل لنا سباؤك، فخيروني بين المقام عندهم والقفول إلى أهلي؟ فاخترت أهلي فأتوا بي إلى المدينة فقال له عمر ﵁: ما كان طعامعهم؟ قال: الفول وكل ما لم يذكر اسم الله عليه.
قال: فما كان شرابهم؟ قال: الجدف. وهو الرغوة، لأنها تجدف عن الماء، وقيل: نبات يقطع ويؤكل، وقيل كل إناء كشف عنه غطاؤه. وأما الاجماع فنقل ابن عطية وغيره الاتفاق على أن الجن متعبدون بهذه الشريعة على الخصوص، وأن نبينا محمدا ﷺ مبعوث إلى الثقلين، فإن قيل: لو كانت الأحكام بجملتها لازمة لهم لكانوا يترددون إلى النبي ﷺ، حتى يتعلموها، ولم ينقل أنهم أتوه إلا مرتين بمكة، وقد تجدد بعد ذلك أكثر الشريعة قلنا: لا يلزم من عدم النقل عدم اجتماعهم به، وحضوره مجلسه وسماعهم كلامه، من غير أن يراهم المؤمنون، ويكون هو ﷺ يراهم، ولا يراهم أصحابه، فإنه تعالى يقول عن رأس الجن: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ
فقد يراهم ﷺ بقوة يعطيها الله له زائدة على قوة أصحابه، وقد يراهم بعض الصحابة في بعض الأحوال كما رأى أبو هريرة ﵁ الشيطان الذي أتاه ليسرق من زكاة رمضان.
كما رواه البخاري فإن قيل: ما تقول فيما حكي عن بعض المعتزلة انه ينكر وجود الجن؟ قلنا عجيب أن يثبت ذلك عمن يصدق بالقرآن، وهو ناطق بوجودهم. وروى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ان عفريتا من الجن تفلت عليّ البارحة، يريد أن يقطع عليّ صلاتي فذعته، بالذال المعجمة والعين المهملة، أي خنقته، وأردت أن أربطه في سارية من سواري المسجد، فذكرت قول أخي سليمان، وقال ﷺ: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا وقال: لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة».
وروى مسلم عن سالم بن عبد الله بن أبي الجعد وليس له في الكتب الستة سواه عن ابن مسعود
رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا:
وإياك يا رسول الله؟ قال: واياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير». روي فأسلم بفتح الميم وضمها وصحح الخطابي الرفع ورجح القاضي عياض والنووي الفتح وهو المختار. وأجمعت الأمة على عصمة النبي ﷺ من الشيطان، وإنما المراد تحذير غيره من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه، فأعلمنا أنه معنا لنحترز منه، بحسب الإمكان. وأما عصمته ﷺ من الكبائر، فمجتمع عليها وكذلك سائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وفي الصغائر خلاف ليس هذا موضع ذكره. والصحيح أنهم صلى الله عليهم وسلم معصومون من الكبائر والصغائر.
وكذلك الملائكة ﵈ كما قاله القاضي وغيره من المحققين. فإذا علم هذا فاعلم أن الأحاديث في وجود الجن والشياطين لا تحصى وكذلك أشعار العرب وأخبارها، فالنزاع في ذلك مكابرة فيما هو معلوم بالتواتر ثم إنه أمر لا يحيله العقل، ولا يكذبه الحس ولذلك جرت التكاليف عليهم. ومما اشتهر أن سعد بن عبادة ﵁ لما لم يبايعه الناس وبايعوا أبا بكر ﵁، سار إلى الشأم فنزل حوران وأقام بها إلى أن مات في سنة خمس عشرة ولم يختلف أنه وجد ميتا في مغتسله بحوران وأنهم لم يشعروا بموته بالمدينة حتى سمعوا قائلا يقول في بئر:
قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة
فرميناه بسهمين ولم نخط فؤاده
فحفظوا ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي مات فيه. ووقع في صحيح مسلم أن سعدا شهد بدرا. وقال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس: والصحيح أنه لم يشهد بدرا. كذا رواه الطبراني من حديث محمد بن سيرين وقتادة وكلاهما أدرك سعد أو روى عن حجاج بن علاط السلمي وهو والد نصر بن حجاج الذي قيل فيه:
هل من سبيل إلى خمر فأشربهاأم من سبيل إلى نصر بن حجاج
انه قدم مكة في ركب فأجنهم الليل بواد مخيف موحش، فقال له أهل الركب: قم فخذ لنفسك أمانا ولأصحابك فجعل يطوف بالركب ويقول:
أعيذ نفسي وأعيذ صحبيمن كل جني بهذا النقب
حتى أعود سالما وركبي
فسمع قائلا يقول: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
الآية فلما قدم مكة أخبر كفار قريش بما سمع، فقالوا: صبأت يا أبا كلاب. إن هذا الذي قلته يزعم محمد أنه أنزل عليه، فقال: والله لقد سمعته وسمعه هؤلاء معي. ثم أسلم وحسن إسلامه، وهاجر إلى المدينة، وابتنى بها مسجدا يعرف به. وعند ابن سعد والطبراني
والحافظ أبي موسى وغيرهم عمرو بن جابر الجني في الصحابة فرووا بأسانيدهم عن صفوان بن المعطل السلمي أنه قال خرجنا حجاجا فلما كنا بالعرج، إذا نحن بحية تضطرب فلم نلبث أن ماتت، فأخرج لها رجل منا خرقة فلفها فيها ثم حفر لها في الأرض. ثم قدمنا مكة فأتينا المسجد الحرام فوقف علينا رجل فقال: أيكم صاحب عمرو بن جابر؟ قلنا: ما نعرفه. قال: أيكم صاحب الجان ؟ قالوا: هذا. قال: جزاك الله عنا خيرا. أما انه كان آخر التسعة من الجن الذين سمعوا القرآن من النبي ﷺ. وكذلك رواه الحاكم في المستدرك في ترجمة صفوان بن المعطل وذكر ابن أبي الدنيا عن رجل من التابعين أن حية دخلت عليه في خبائه تلهث عطشا فسقاها ثم إنها ماتت فدفنها فأتى من الليل فسلم عليه وشكر، وأخبر أن تلك الحية كان رجلا صالحا من جن نصيبين، اسمه زوبعة، قال: وبلغنا من فضائل عمر بن عبد العزيز الأموي أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه أنه كان يمشي بأرض فلاة فإذا بحية ميتة فكفنها بفضلة من ردائه ودفنها فإذا قائل يقول: يا سرق اشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول لك: ستموت بأرض فلاة فيكفنك ويدفنك رجل صالح فقال: ومن أنت يرحمك الله؟ فقال: من الجن الذين استمعوا القرآن من رسول الله ﷺ ولم يبق منهم، إلا أنا وسرق هذا الذي قد مات. وفي كتاب خير البشر بخير البشر، عن عبيد المكتب، عن ابراهيم، قال: خرج نفر من أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وأنا معهم يريدون الحج حتى إذا كانوا ببعض الطريق، رأوا حية بيضاء تتثنى على الطريق، يفوح منها ريح المسك قال: فقلت لأصحابي امضوا فلست ببارح حتى أنظر ماذا يصير إليه أمرها فما لبثت أن ماتت، فظننت بها الخير لمكان الرائحة الطيبة فكفنتها في خرقة ثم نحيتها عن الطريق ودفنتها.
وأدركت أصحابي في المتعشى قال فو الله انا لقعود، إذا أقبل أربع نسوة من قبل المغرب فقال واحدة منهن: أيكم دفن عمرا؟ فقلنا من عمر؟ فقالت: أيكم دفن الحية؟ قال: فقلت: أنا. قالت أما والله لقد دفنت صوّاما قوّاما يؤمن بما أنزل الله ﷿، ولقد آمن بنبيكم محمد ﷺ وسمع صفته في السماء قبل أن يبعث بأربعمائة سنة. قال: فحمدت الله تعالى ثم قضينا حجنا ثم مررت بعمر رضي الله تعالى عنه فأخبرته خبر الحية والمرأة، فقال: صدقت، سمعت رسول الله ﷺ يقول فيه هذا. وفيه أيضا عن ابن عمر ﵄ قال: كنت عند أمير المؤمنين عثمان ﵁، إذ جاءه رجل فقال: ألا أحدثك بعجيب يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى قال: بينا أنا بفلاة من الأرض لقيت عصابتين قد التفتا ثم افترقتا، قال: فجئت معتركهما فإذا من الحيات شيء ما رأيت مثله قط، وإذا ريح المسك أجده من حية منها صفراء دقيقة، فظننت أن تلك الرائحة لخير فيها فأخذتها، ولففتها في عمامتي ثم دفنتها. فبينما أنا أمشي إذ أنا بمناد ينادي هداك الله ان هذين حيان من الجن كان بينهما قتال فاستشهد الحية التي دفنتها وهو من الذين استعموا الوحي من رسول الله ﷺ. وفيه أيضا أن فاطمة بنت النعمان النجارية قالت: قد كان لي تابع من الجن فكان إذا جاء اقتحم البيت الذي أنا فيه اقتحاما، فجاءني يوما فوقف على الجدار ولم يصنع كما كان يصنع، فقلت له، ما بالك لم تصنع ما كنت تصنع صنيعك قبل؟ فقال: انه قد بعث اليوم نبي يحرم الزنا. وروى البيهقي في دلائله عن الحسن أن عمار بن ياسر ﵁ قال: قاتلت مع
رسول الله ﷺ الجن والإنس فسئل عن قتال الجن، فقال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى بئر أستقي منها، فرأيت الشيطان في صورته فصارعني فصرعته، ثم جعلت أدمي أنفه بفهر كان معي أو حجر. فقال ﷺ لأصحابه إن عمارا لقي الشيطان عند البئر فقاتله، فلما رجعت سألني فأخبرته الأمر فكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: إن عمار بن ياسر أجاره الله من الشيطان على لسان رسوله ﷺ. وقد أشار إليه البخاري، فيما رواه، عن ابراهيم النخعي قال: «ذهب علقمة إلى الشأم، فلما دخل المسجد، قال: اللهم يسر لي جليسا صالحا فجلس إلى أبي الدرداء فقال أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة. قال: أو ليس فيكم أو منكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟ يعني حذيفة، قلت: بلى. قال: أو ليس فيكم أو منكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه محمد ﷺ؟ يعني عمارا، قلت: بلى. قال: أو ليس فيكم أو منكم صاحب السواك والوساد؟ قلت: بلى. قال: كيف كان عبد الله يقرأ وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى، وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى
قلت: والذكر والأنثى» وذكر الحديث. وروى أبو بكر في رباعياته، والقاضي أبو يعلى عن عبد الله بن حسين المصيصي، قال: دخلت طرسوس، فقيل لي: ههنا امرأة يقال لها نهوس رأت الجن الذين وفدوا على رسول الله ﷺ فأتيتها فإذا هي امرأة مستلقية على قفاها فقلت: أرأيت أحدا من الجن الذين وفدوا على رسول الله ﷺ قالت: نعم حدثني سمحج وسماه النبي ﷺ عبد الله قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل خلق السموات والأرض؟ قال على حوت من نور يتلجلج في النور قالت: قال: تعني سمحج. وسمعته ﷺ يقول: «ما من مريض يقرأ عنده سورة يس إلا مات ريان ودخل قبره ريان وحشر يوم القيام ريان».
وأغرب من هذا ما في أسد الغابة تبعا لأبي موسى باسنادهما عن مالك بن دينار عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: «كنت مع رسول الله ﷺ خارجا من جبال مكة، إذ أقبل شيخ يتوكأ على عكازه فقال النبي ﷺ مشية جني ونغمته، قال: أجل فقال النبي ﷺ: من أي الجن؟
قال أنا هامة بن الهيم أو ابن هيم بن لاقيس بن ابليس. فقال: لا أرى بينك وبينه إلا أبوين قال:
أجل. قال كم أتى عليك؟ قال أكلت الدنيا إلا أقلها، كنت ليالي قتل قابيل هابيل غلاما ابن أعوام، فكنت أتشوف على الآكام وأورش بين الأنام. فقال رسول الله ﷺ: بئس العمل؟ فقال يا رسول الله دعني من العتب فإني ممن آمن بنوح وتبت على يديه وإني عاتبته في دعوته فبكى وأبكاني وقال: إني والله لمن النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ولقيت هودا وآمنت به، ولقيت ابراهيم وكنت معه في النار إذ ألقي فيها، وكنت مع يوسف إذ ألقي في الجب، فسبقته إلى قعره ولقيت شعيبا وموسى، ولقيت عيسى بن مريم، فقال لي: إن لقيت محمدا فاقرئه مني السلام وقد بلغت رسالته، وآمنت بك فقال النبي ﷺ: على عيسى وعليك السلام، ما حاجتك يا هامة قال: إن موسى علمني التوراة، وعيسى علمني الإنجيل، فعلمني القرآن. فعلمه». وفي رواية أنه ﷺ علمه عشر سور من القرآن وقبض رسول الله ﷺ ولم ينعه إلينا فلا نراه، والله أعلم، إلا حيا.
وفيه أيضا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أنه قال ذات يوم لابن عباس:
حدثني بحديث تعجبني به، قال: حدثني أبو خزيم بن فاتك الأسدي أنه خرج يوما في الجاهلية في طلب إبل له قد ضلت فأصابها في ابرق العزاف. وسمي بذلك لأنه يسمع فيه عزيف الجن.
قال: فعقلتها وتوسدت ذراع بكر منها ثم قلت: أعوذ بعظيم هذا المكان. وفي رواية بكبير هذا الوادي وإذا بهاتف يهتف بي ويقول:
ويحك عذ بالله ذي الجلالمنزل الحرام والحلال
ووحد الله ولا تبالما هول ذا الجني من الأهوال
فقلت:
يا أيها الداعي فما تخيلأرشد عندك أم تضليل
فقال:
هذا رسول الله ذو الخيراتجاء بياسين وحاميمات
وسور بعد مفصلاتيدعو إلى الجنة والنجاة
يأمر بالصوم والصلاةويزجر الناس عند الهنات
قال: فقلت: من أنت أيها الهاتف يرحمك الله؟ قال: أنا مالك بن مالك بعثني رسول الله ﷺ إلى جن أهل نجد. قال: فقلت: لو كان لي من يكفيني إبلي هذه لأتيته حتى أؤمن به فقال: إن أردت الأسلام فأنا أكفيكها حتى أردها إلى أهلك سالمة إن شاء الله تعالى. قال:
فامتطيت راحلتي وقصدت المدينة فقدمتها في يوم جمعة فأتيت المسجد فإذا رسول الله ﷺ يخطب فأنخت راحلتي بباب المسجد وقلت ألبث حتى يفرغ من خطبته، فإذا أبو ذر قد خرج فقال: إن رسول الله ﷺ قد أرسلني إليك وهو يقول لك: مرحبا بك قد بلغني إسلامك فادخل فصل مع الناس. قال: فتطهرت ودخلت فصليت. ثم دعاني. قال: ما فعل الشيخ الذي ضمن أن يرد إبلك إلى أهلك؟. أما إنه قد ردها إلى أهلك سالمة؟ فقلت: جزاه الله خيرا ورحمه الله فقال رسول الله ﷺ: أجل ﵀، فأسلم وحسن إسلامه. وفي مسند الدارمي عن الشعبي، قال:
قال: عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه لقي رجل من أصحاب محمد ﷺ رجلا من الجن فصارعه فصرعه الإنسي، فقال له الإنسي: إني أراك ضئيلا شخيتا، كأن ذراعيك ذراعا كلب فكذلك أنتم معشر الجن أم أنت من بينهم كذلك؟ قال: «لا والله إنني من بينهم لضليع ولكن علودني الثانية فإن صرعتني علمتك شيئا ينفعك. قال: نعم فعاوده فصرعه. فقال له: أتقرأ الله لا إله إلا هو الحي القيوم؟ قال: نعم. قال: فإنك لا تقرؤها في بيت إلا خرج منه الشيطان له حجج كحجج الحمار، ثم لا يدخله حتى يصبح» قال الدارمي: الضئيل الدقيق. والشخيت المهزول، والضليع جيد الأضلاع. والحجج الريح. وقال أبو عبيدة الحجج الضراط وسيأتي في
باب الغين المعجمة في لفظ الغول حديث أبي هريرة وحديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنهما في ذلك إن شاء الله تعالى.
مسألة يصح انعقاد الجمعة بأربعين مكلفا سواء كانوا من الجن أو من الإنس أو منهما قاله القمولي. لكن نقل الشيخ أبو الحسن محمد بن الحسين الآبري في مناقب الشافعي رضي الله تعالى عنه التي ألفها عن الربيع أنه قال: سمعت الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول: من زعم، من أهل العدالة، أنه يرى الجن، ردت شهادته وعزر، لمخالفته لقوله تعالى إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ
إلا أن يكون الزاعم نبيا ونظير هذا قول الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى في الفتاوى: من منع التفضيل بين الأنبياء يعزر لمخالفته القرآن. ويحمل قول الشافعي ﵀ على من ادعى رؤيتهم على ما خلقوا عليه ويحمل كلام القمولي على ما إذا تصوروا في صورة بني آدم، كما تقدم قريبا.
واعلم أن المشهور أن جميع الجن من ذرية ابليس، وبذلك يستدل على أنه ليس من الملائكة لأن الملائكة لا يتناسلون، لأنهم ليس فيهم إناث. وقيل: الجن جنس، وابليس واحد منهم ولا شك أن الجن ذريته، بنص القرآن، ومن كفر من الجن يقال له شيطان. وفي الحديث: «لما أراد الله أن يخلق لأبليس نسلا وزوجة ألقى عليه الغضب، فطارت منه شظية من نار فخلق منها امرأته». ونقل ابن خلكان في تاريخه في ترجمة الشعبي واسمه عامر أنه قال: إني لقاعد يوما إذ أقبل حمال ومعه دن، فوضعه ثم جاءني فقال: أنت الشعبي؟ فقلت: نعم. قال: أخبرني هل لأبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك العرس ما شهدته! قال: ثم ذكرت قوله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي
فقلت: إنه لا تكون ذرية إلا من زوجة، فقلت: نعم. فأخذ دنه وانطلق، قال: فرأيت أنه مجتاز بي وروى أن الله تعالى قال لأبليس: لا أخلق لآدم ذرية إلا ذرأت لك مثلها، فليس من ولد آدم أحد إلا وله شيطان قد قرن به، وقيل: إن الشياطين فيهم الذكور والإناث، فيتوالدون من ذلك، وأما ابليس فإن الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكرا وفي اليسرى فرجا فهو ينكح هذا بهذا فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون شيطانا وشيطانة، وذكر مجاهد أن من ذرية إبليس لا قيس وولهان، وهو صاحب الطهارة والصلاة والهفاف. وهو صاحب الصحارى ومرة وبه يكنى وزلنبور، وهو صاحب الأسواق يزين اللغو والحلف الكاذب، ومدح السلعة، وبثر وهو صاحب المصائب، يزين خمش الوجوه ولطم الخدود ودوشق الجيوب، والأبيض وهو الذي يوسوس للأنبياء ﵈، والأعور وهو صاحب الزنا ينفخ في احليل الرجل وعجز المرأة، وداسم وهو الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله تعالى دخل معه ووسوس له فألقى الشر بينه وبين أهله، فإن أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه، فإذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله تعالى ورأى شيئا يكرهه وخاصم أهله فليقل داسم داسم أعوذ بالله منه، ومطوس وهو صاحب الأخبار يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس، ولا يكون لها أصل ولا حقيقة، والاقنص وأمهم طرطبة، وقال النقاش: بل هي حاضنتهم
ويقال: إنمه باض ثلاثين بيضة عشر في المغرب وعشر في المشرق وعشر في وسط الأرض وانه خرج من كل بيضة جنس من الشياطين كالغيلان والعقارب والقطارب والجان وأسماء أخرى مختلفة. ثم كلهم عدو لبني آدم لقوله تعالى أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي
وهم لكم عدوّ إلا من آمن منهم قال النووي ﵀: ابليس كنيته أبو مرة واختلف العلماء في أنه هل هو من الملائكة من طائفة يقال لهم الجن؟ أم ليس من الملائكة وفي اسمه هل هو اسم أعجمي أم عربي؟ قال ابن عباس وابن مسعود وابن المسيب وقتادة وابن جرير والزجاج وابن الأنباري: كان ابليس من الملائكة من طائفة يقال لهم الجن وكان اسمه بالعبرانية عزازيل وبالعربية الحارث وكان من خزان الجنة وكان رئيس ملائكة سماء الدنيا وسلطانها وسلطان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما وكان يسوس ما بين السماء والأرض فرأى بذلك لنفسه شرفا عظيما وعظمة فذاك الذي دعاه إلى الكبر فعصى وكفر فمسخه الله شيطانا رجيما ملعونا نعوذ بالله من خذلانه ومقته ونسأله العافية والسلامة في الدين والدنيا والآخرة. ولذلك قيل: إذا كانت خطيئة الإنسان في كبر فلا ترجه، وإن كانت خطيئته في معصية فارجه. قالوا: وقوله تعالى: كانَ مِنَ الْجِنِ
أي من طائفة من الملائكة، يقال لهم: الجن، وقال سعيد بن جبير والحسن البصري: لم يكن ابليس من الملائكة طرفة عين، وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس. وقال عبد الرحمن بن زيد وشهر ابن حوشب ما كان من الملائكة قط. والاستثناء منقطع زاد شهر بن حوشب، وإنما كان من الجن الذين ظفر بهم الملائكة فأسره بعضهم وذهب به إلى السماء. وقال أكثر أهل اللغة والتفسير: إنما سمي ابليس لأنه أبلس من رحمة الله. والصحيح كما قاله الإمام النووي وغيره من الأئمة الأعلام أنه من الملائكة وأن اسمه أعجمي وأن الاستثناء متصل لأنه لم ينقل أن غيرهم أمر بالسجود والأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه، وقال القاضي عياض: الأكثر على أنه أبو الجن كما أن آدم أبو البشر. والاستثناء من غير الجنس شائع في كلام العرب. قال الله تعالى:
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ
والصحيح المختار ما سبق عن النووي ومن وافقه وعن محمد بن كعب القرظي أنه قال: الجن مؤمنون والشياطين كفار وأصلهم واحد. وسئل وهب بن منبه عن الجن ما هم وهل يأكلون ويشربون ويتناكحون؟ فقال: هم أجناس فأما الصميم الخالص من الجن فإنهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون في الدنيا ولا يتوالدون. ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون وهم السعالي والغيلان، والقطارب وأشباه ذلك وستأتي في أبوابها إن شاء الله.
فائدة قال القرافي: اتفق الناس على تكفير ابليس بقصته مع آدم ﵊، وليس مدرك الكفر فيها الامتناع من السجود وإلا لكان كل من أمر بالسجود فامتنع منه كافرا، وليس كذلك ولا كان كفره لكونه حسد آدم على منزلته من الله تعالى، وإلا لكان كل حاسد كافرا، وليس كذلك، ولا كان كفره لعصيانه وفسوقه وإلا لكان كل عاص وفاسق كافرا. وقد أشكل ذلك على جماعة من متأخري الفقهاء فضلا عن غيرهم، وينبغي أن يعلم أنه إنما كفر لنسبته
الحق ﷻ إلى الجور، والتصرف الذي ليس بمرضي، وظهر ذلك فحوى قوله: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ
ومراده على ما قاله الأئمة المحققون، من المفسرين وغيرهم، أن الزام العظيم الجليل بالسجود للحقير من الجور والظلم فهذا وجه كفره لعنه الله. وقد أجمع المسلمون قاطبة على أن من نسب ذلك للحق تعالى كان كافرا. واختلف هل كان قبل ابليس كافر أو لا فقيل: لا وإنه أول من كفر. وقيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن الذين كانوا في الأرض إنتهى وقد اختلف أيضا في كفر ابليس، هل كان جهلا أو عنادا؟ على قولين لأهل السنة والجماعة ولا خلاف، أنه كان عالما بالله تعالى قبل كفره فمن قال: انه كفر جهلا، قال: انه سلب العلم الذي كان عنده عند كفره ومن قال: إنه كفر عنادا قال: إنه كفر ومعه علمه. قال ابن عطية:
والكفر مع بقاء العلم مستبعد إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذلان الله تعالى لمن يشاء وروى البيهقي في شرح الأسماء الحسنى في آخر باب قوله تعالى: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
عن عمر بن ذر قال: سمعت عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى يقول لو أراد الله أن لا يعصى لم يخلق ابليس. وقد بين ذلك في آية من كتابه وفصلها، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، وهي قوله تعالى: ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ
ثم روى من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: يا أبا بكر لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق ابليس إنتهى وقال رجل للحسن: يا أبا سعيد أينام ابليس؟ فقال: لو نام لوجدنا راحة فلا خلاص للمؤمن منه إلا بتقوى الله تعالى. وقال في الإحياء قبيل بيان دواء الصبر: من غفل عن ذكر الله تعالى، ولو في لحظة فليس له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان. قال تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
وقال ﵊: «إن الله تعالى يبغض الشاب الفارغ» لأن الشاب إذا لم يشغل ظاهره بمباح يستعين به على دينه عشش الشيطان في قلبه وباض وفرخ، ثم تزدوج أفراخه أيضا ويبيض ويفرخ مرة أخرى وهكذا يتوالد نسل الشيطان توالدا أسرع من توالد سائر الحيوانات لأن طبعه من النار والنار، إذا وجدت الحلفاء اليابسة، كثر توالدها فلا تزال تتوالد النار من النار ولا تنقطع البتة، فالشهوة في نفس الشاب للشيطان كالحلفاء اليابسة للنار ولذلك قال الحسين الحلاج: هي نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.
فائدة ذكر بعض العلماء العاملين أن الله تعالى افترض على خلقه فريضتين في آية واحدة، والخلق عنها غافلون فقيل له: وما هي؟ فقال: قال الجليل ﷻ إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
فهذا أمر منه سبحانه لنا بأن نتخذه عدوا فقيل له: كيف نتخذه عدوا ونتخلص منه؟ فقال: اعلم ان الله تعالى جعل لكل مؤمن سبعة حصون. فالحصن الأول من ذهب، وهو معرفة الله تعالى، وحوله حصن من فضة وهو الايمان به تعالى وحوله حصن من حديد وهو التوكل عليه جل وعلا، وحوله حصن من حجارة، وهو الشكر والرضا عنه عز شأنه، وحوله حصن من
فخار وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بهما، وحوله حصن من زمرذ، وهو الصدق والاخلاص له تعالى، وحوله حصن من لؤلؤ رطب، وهو أدب النفس. فالمؤمن من داخل هذه الحصون، وابليس من ورائها ينبح كما ينبح الكلب، والمؤمن لا يبالي به لأنه قد تحصن بهذه الحصون. فينبغي للمؤمن أن لا يترك أدب النفس في جميع أحواله ويتهاون به في كل ما يأتي، فإن من ترك أدب النفس وتهاون به، فإنه يأتيه الخذلان لتركه حسن الأدب مع الله تعالى، ولا يزال ابليس يعالجه، ويطمع فيه ويأتيه حتى يأخذ منه جميع الحصون، ويرده إلى الكفر نعوذ بالله من ذلك. انتهى وما ذكره من الفريضتين في الآية قد يشكل، فيقال: ليس فيها إلا فريضة واحدة، وهي قوله تعالى: فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
إذ الأمر يقتضي الوجوب عند عدم قرينة تدل على خلافه.
وقد سألت شيخنا الإمام اليافعي ﵀ عن الفريضة الثانية، أين هي من الآية؟ فأجاب قدّس الله روحه، بأن فيها فريضة علمية وفريضة عملية، فالأولى العلم بكونه عدوّا والثانية العمل في اتخاذ العداوة له انتهى وأما ما تقدم من ذكر الحصون فهو في نهاية الحسن والتحقيق، لكن قد يستولي الشيطان على بعض الحصون المذكورة دون بعض فيرد العبد إلى الفسق دون الكفر، فيستحق النار من غير تخليد، وقد لا يرده إلى الفسق، ولكن يردّه إلى ضعف الايمان، فلا يستحق النار ولكن يستحق النزول عن رتبة أهل الايمان الكامل، وكل هذا التفاوت بسبب تفاوت الحصون المذكورة، إذ ليس أخذ حصن المعرفة والإيمان كأخذ بقية الحصون المذكورة، وبقية الحصون تتفاوت أيضا، فليس أخذ حصن الصدق والإخلاص، كأخذ حصن الأمر والنهي وكذلك سائر الحصون، والكلام في ذلك يطول ولكن مهما بقي حصن الايمان وحصن التوكل كاملين للعبد لم يقدر عليه الشيطان، لقوله تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
وهؤلاء المتصفون بالعبودية الكاملة لقوله تعالى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
وهم المؤمنون حقا لقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
ثم قال في آخر وصفهم: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا
وقد يكون أخذ حصن واحد مؤدّيا إلى الكفر، وموجبا للتخليد في النار، كحصن الإيمان بالله. ونعوذ بالله من ذلك، ولكن لا يقدر على أخذ حصن الايمان، حتى يأخذ الحصون التي حوله نسأل الله الكريم الهدى والسلامة من الزيغ والردى. واعلم أن أوّل الواجبات المعرفة، وقال الاستاذ: النظر وقال ابن فورك وإمام الحرمين: القصد إلى النظر وقد بسطنا الكلام على ذلك، في كتابنا الجوهر الفريد في علم التوحيد، وما قاله في ذلك علماء الشريعة ومشايخ الصوفية رحمهم الله تعالى. فليراجع ذلك في الجزء السابع من الكتاب المذكور، وبالله التوفيق. واختلفوا هل بعث الله تعالى من الجن إليهم رسلا قبل بعثه نبينا محمد ﷺ؟ فقال الضحاك: كان منهم رسل لظاهر قوله تعالى: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ
وقال المحققون: لم يرسل إليهم منهم رسول ولم يكن ذلك في الجن قط وإنما الرسل من الإنس خاصة، وهذا هو الصحيح
المشهور. وأما الجن ففيهم النذر. وأما الآية فمعناها من أحد الفريقين، كقوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ
وإنما يخرجان من الملح دون العذب. وقال منذر بن سعيد البلوطي: قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: إن الذين لقوا النبي ﷺ من الجن، كانوا رسلا إلى قومهم، وقال مجاهد: النذر من الجن، والرسل من الإنس ولا شك أن الجن مكلفون في الأمم الماضية كما هم مكلفون في هذه الأمة لقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ
وقوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
وقيل المراد: مؤمنوا الفريقين. فما خلق أهل الطاعة منهم إلا لعبادته، وما خلق الأشقياء إلا للشقاوة، ولا مانع من اطلاق العام وإرادة الخاص. وقيل: معناه إلا لآمرهم بعبادتي وأدعوهم إليها وقيل: إلا ليوحدون، فإن قيل: لم اقتصر على الفريقين ولم يذكر الملائكة؟ فالجواب أن ذلك لكثرة من كفر من الفريقين، بخلاف الملائكة فإن الله قد عصمهم كما تقدم، فإن قيل: لم قدّم الجن على الإنس في هذه الآية؟ فالجواب أن لفظ الإنس أخف لمكان النون الخفيفة والسين المهموسة، فكان الأثقل أولى بأوّل الكلام من الأخف لنشاط المتكلم وراحته.
فرع كان الشيخ عماد الدين بن يونس ﵀، يجعل من موانع النكاح اختلاف الجنس، ويقول: لا يجوز للإنسي أن يتزوج جنية لقوله تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً
وقال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً
فالمودة الجماع والرحمة الولد. ونص على منعه جماعة من أئمة الحنابلة. وفي الفتاوى السراجية: لا يجوز ذلك لاختلاف الجنس. وفي القنية سئل الحسن البصري عنه؟ فقال:
يجوز بحضرة شاهدين. وفي مسائل ابن حرب، عن الحسن وقتادة أنهما كرها ذلك. ثم روي بسند فيه ابن لهيعة، أن النبي ﷺ «نهى عن نكاح الجن». وعن زيد العمى، أنه كان يقول: اللهم ارزقني جنية أتزوج بها تصاحبني حيثما كنت. وروى ابن عدي في ترجمة نعيم بن سالم بن قنبر مولى علي بن أبي طالب ﵁، عن الطحاوي قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: قدم علينا نعيم بن سالم مصر فسمعته يقول: تزوجت امرأة من الجن. فلم أرجع إليه. وروى في ترجمة سعيد بن بشير، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أحد أبوي بلقيس كان جنيا». وقال الشيخ نجم الدين القمولي: وفي المنع من التزوج نظر، لأن التكليف يعم الفريقين، قال: وقد رأيت شيخا كبيرا صالحا أخبرني أنه تزوج جنية. انتهى قلت: وقد رأيت أنا رجلا من أهل القرآن والعلم، أخبرني أنه تزوج أربعا من الجن، واحدة بعد واحدة. لكن يبقى النظر في حكم طلاقها، ولعانها، والإيلاء منها، وعدتها، ونفقتها، وكسوتها، والجمع بينها وبين أربع سواها، وما يتعلق بذلك.
وكل هذا فيه نظر لا يخفى. قال شيخ الإسلام شمس الدين الذهبي رحمه الله تعالى: رأيت بخط الشيخ فتح الدين اليعمري، وحدثني عنه عثمان المقاتلي قال: سمعت الشيخ أبا الفتح القشيري
يقول: سمعت الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول: وقد سئل عن ابن عربي فقال: شيخ سوء كذاب. فقيل له: وكذاب أيضا؟ قال: نعم. تذاكرنا يوما نكاح الجن، فقال: الجن روح لطيف والإنس جسم كثيف فكيف يجتمعان؟ ثم غاب عنا مدة وجاء في رأسه شجة، فقيل له في ذلك، فقال: تزوجت امرأة من الجن فحصل بيني وبينها شيء فشجتني هذه الشجة! قال الشيخ الذهبي بعد ذلك: وما أظن ابن عربي تعمد هذه الكذبة وإنما هي من خرافات الرياضة.
فرع روى أبو عبيدة في كتاب الأموال والبيهقي عن الزهري عن النبي ﷺ، أنه «نهى عن ذبائح الجن». قال: وذبائح الجن أن يشتري الرجل الدار، أو يستخرج العين أو ما أشبه ذلك، فيذبح لها ذبيحة للطيرة. وكانوا في الجاهلية يقولون إذا فعل ذلك: لم يضر أهلها الجن فأبطل ﷺ ذلك ونهى عنه.
تتمة في كتاب مناقب الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله سره، أنه جاءه بعض أهل بغداد، وذكر أن له بنتا اختطفت من سطح داره، وهي بكر. فقال له الشيخ: اذهب هذه الليلة إلى خراب الكرخ، واجلس عند التل الخامس وخط عليك دائرة في الأرض، وقل وأنت تخطها:
بسم الله على نية عبد القادر، فإذا كانت فحمة العشاء، مرت بك طوائف من الجن، على صور شتى، فلا يروعك منظرهم، فإذا كان السحر مر بك ملكهم في محفل منهم، فيسألك عن حاجتك فقل: قد بعثني إليك عبد القادر واذكر له شأن ابنتك. قال: فذهبت وفعلت ما أمرني به الشيخ فمر بي صور مزعجة المنظر ولم يقدر أحد منهم على الدنو من الدائرة التي أنا فيها، وما زالوا يمرون زمرا زمرا إلى أن جاء ملكهم، راكبا فرسا، وبين يديه أمم منهم، فوقف بازاء الدائرة وقال:
يا انسي ما حاجتك؟ قلت: قد بعثني إليك الشيخ عبد القادر، فنزل عن فرسه وقبل الأرض وجلس خارج الدائرة، وجلس من معه ثم قال لي: ما شأنك؟ فذكرت له قصة ابنتي، فقال لمن حوله: علي بمن فعل هذا فأتى بمارد ومعه ابنتي. فقيل له: إن هذا مارد من مردة الصين، فقال له:
ما حملك على أن اختطفت من تحت ركاب القطب؟ فقال: إنها وقعت في نفسي، فأمر به فضربت عنقه، وأعطاني ابنتي فقلت: ما رأيت كالليلة في امتثالك أمر الشيخ عبد القادر! قال: نعم. إنه لينظر من داره إلى مردة الجن وهم بأقصى الأرض فينفرون من هيبته وأن الله تعالى إذا أقام قطبا مكنه من الجن والإنس. وروي عن أبي القاسم الجنيد أنه قال: سمعت سريا السقطي ﵀، يقول: كنت يوما مارا في البادية، فآواني الليل إلى جبل لا أنيس فيه، فبينا أنا في جوف الليل ناداني مناد فقال: لا تدور القلوب في الغيوب حتى تذوب النفوس من مخافة فوت المحبوب.
فعجبت وقلت: أجني ينادي أم إنسي؟ فقال: بل جني مؤمن بالله سبحانه، ومع إخواني، فقلت:
وهل عندهم ما عندك؟ قال: نعم وزيادة. قال فناداني الثاني منهم، فقال: لا تذهب من البدن الفترة إلا بدوام الفكرة. قال: فقلت في نفسي: ما أنفع كلام هؤلاء؟ فناداني الثالث فقال: من أنس به في الظلام نشرت له غدا الأعلام. قال فصعقت. فلما أفقت إذا أنا بنرجسة على صدري
فشممتها فذهب عني ما كان بي من الوحشة، واعتراني الأنس. فقلت: وصية رحمكم الله، فقالوا: أبى الله أن يحيا بذكره ويأنس به إلا قلوب المتقين، فمن طمع في غير ذلك فقد طمع في غير مطمع، وفقنا الله وإياك. ثم ودعوني ومضوا وقد أتى علي حين، وأنا أرى برد كلامهم في خاطري. وفي كفاية المعتقد ونكاية المنتقد، لشيخنا اليافعي عن السري أيضا أنه قال: كنت أطلب رجلا صديقا مدة من الأوقات، فمررت يوما في بعض الجبال، فإذا أنا بجماعة زمنى وعميان ومرضى، فسألت عن حالهم فقالوا: ههنا رجل يخرج في السنة مرة فيدعو لهم فيجدون الشفاء، قال: فمكثت حتى خرج ودعا لهم فوجدوا الشفاء فقفوت أثره فأدركته، وتعلقت به، وقلت له: بي علة باطنة فما دواؤها؟ فقال يا سري خل عني. فإنه غيور وإياك أن يراك تأنس إلى غيره، فتسقط من عينه، ثم تركني وذهب. وفي كتاب التوحيد للإمام محمد بن أبي بكر الرازي، عن الجنيد أنه قال: كنت أسمع السري يقول يبلغ العبد من الهيبة والانس إلى حد لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر به. قال: وكان في نفسي منه شيء حتى بان لي أن الأمر كذلك. انتهى قلت: وذلك لأن الهيبة والأنس فوق القبض والبسط، والقبض والبسط فوق الخوف والرجاء، فالهيبة مقتضاها الغيبة والدهش، فكل هائب غائب حتى لو قطع قطعا لم يحضر من غيبته، إلا بزوال الهيبة عنه. والأنس مقتضاه الصحو والإفاقة، ثم إنهم يتفاوتون في الهيبة والأنس، فأدنى مرتبة في الأنس أنه لو ألقي في لظى ما تكدر أنسه، لأنه لا يشهد إلا هو، ولا يعرف إلا هو، ألا ترى إلى قول السري ﵀: يبلغ العبد من الهيبة والأنس إلى حد لو ضرب وجهه بالسيف لم يشعر به! وذلك لأن الأنس يتولد من السرور بالله، ومن صح له الأنس بالله، استوحش مما سواه، فهو باق بالله فان عن السوى لم ير غيره. ولم يشهد لسواه فعلا فلم ير في الكونين إلا إياه فلا يقع نظره إلا عليه، ولا بصره إلا على فعله، وخلقه لأن العارف عرف الصنعة بالصانع، ولم يعرف الصانع بالصنعة، فلم ير إلا فعله وخلقه. ولذلك قال الصديق الأكبر أبو بكر رضي الله تعالى عنه: ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله. وهذا هو المقام الشريف من التوحيد. واعلم أن العبد لا يذوق حلاوة الأنس بالله تعالى، إلا إذا قطع العلائق، ورفض الخلائق، وغاص في الدقائق، مطلعا على الحقائق. ولا ينبئك مثل خبير. واعلم أن حالتي الهيبة والأنس، وإن جلتا، فأهل الحقيقة يعدونهما نقصا لتضمنهما تغير العبد، فإن أهل التوحيد المتمكنين سمت أحوالهم عن التغير، فلهم كمال في المحو، ووجود في العين ولا هيبة لهم ولا أنس ولا علم ولا حس، وارتقاؤهم عن هذا المقام بالجود والفيض الإلهي. فسبحان من خص برحمته من شاء من عباده.
وقال السري ﵀: صحبت رجلا يقال له الوالد سنة لم أسأله عن مسألة، فقلت له يوما:
ما المعرفة التي ليس فوقها معرفة؟ فقال: أن تجد الله أقرب إليك من كل شيء، وأن ينمحي عن سرائرك وظواهرك كل شيء غيره. فقلت له: بأي شيء أصل إلى هذا؟ فقال: بزهدك فيك ورغبتك فيه ﷾. قال: فكان كلامه سبب انتفاعي بهذا الأمر. توفي السري لست خلون من رمضان، سنة ثلاث وخمسين ومائتين. وقيل غير ذلك والله أعلم بالصواب.
الخواص لا تدخل الجن بيتا فيه الأترج. روينا عن الإمام أبي الحسن، علي بن الحسن،
بن الحسن، بن محمد الخلعي، نسبة إلى بيع الخلع، وهو من أصحاب الشافعي، وقبره معروف بالقرافة، والدعاء عنده مستجاب. وكان يقال له قاضي الجن أنه أخبر أنهم كانوا يأتون إليه، ويقرؤون عليه، وأنهم أبطؤا عنه جمعة ثم أتوه فسألهم عن ذلك فقالوا: كان في بيتك شيء من الأترج وإنا لا ندخل بيتا هو فيه. قال الحافظ أبو طاهر السلفي: وكان الخلعي إذا سمع عليه الحديث يختم مجلسه بهذا الدعاء: اللهم ما مننت به فتممه، وما أنعمت به فلا تسلبه، وما سترته فلا تهتكه، وما علمته فاغفره. توفي في شوال سنة ثمان وأربعين وأربعمائة. قلت: ولهذا ضرب النبي ﷺ المثل للمؤمن الذي يقرأ القرآن بالأترجة، لأن الشيطان يهرب عن قلب المؤمن القارىء للقرآن، كما يهرب عن مكان فيه الأترج، فناسب ضرب المثل به، بخلاف سائر الفواكه. وفي المستدرك في تراجم الصحابة من حديث أحمد بن حنبل عن عبد القدوس بن بكير بإسناده إلى مسلم بن صبيح، قال: دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها وعندها رجل مكفوف، وهي تقطع له الأترج وتطعمه إياه بالعسل، فقالت: إن هذا ابن أم مكتوم الذي عاتب الله فيه نبيه ﷺ، مازال هذا له من آل محمد. قلت: وفي تخصيصه بالأترج والعسل ما لا يخفى على متأمل.
وفي معجم الطبراني، عن حبيب بن عبد الله عن أبي كبشة عن أبيه عن جده، قال: كان رسول الله ﷺ يعجبه النظر إلى الحمام الأحمر والأترج. وسيأتي في باب الفاء حديث سليمان بن موسى أن النبي ﷺ قال: إن الجن لا يدخلون دارا فيها فرس عتيق.
التعبير الجن في المنام دهاة الناس أصحاب، مكر وحيل، لما كانوا يصنعون لسليمان ﵊ من المحاريب والتماثيل، فمن عالج أحدا من الجن في المنام، فإنه ينازع قوما أصحاب مكر وحيل، ومن رأى أنه يعلم الجن القرآن فإنه ينال رياسة وولاية لقوله تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ
والجن في الرؤيا بمنزلة اللصوص، فمن دخلت الجن داره فليحذر اللصوص، والجنون في المنام على وجوه: فمن رأى أنه قد جن فإنه ينال غنى كما قال الشاعر:
جن له الدهر فنال الغنىيا ويحه إن عقل الدهر
وقيل: الجنون دال على أكل الربا لقوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ
وربما دل على دخول الجنة لقوله ﵊:
«اطلعت على الجنة فرأيت أكثر أهلها البله والمجانين» فانسب الجنون إلى الرائي بما يليق به، وإن رأت امرأة أنها قد جنت وعولجت بالرقى، فإنها تحمل بولد يكون له دهاء فيكون الجنون جنينا تحمل به والله تعالى أعلم.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع