تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الحشرات

صغار دواب الأرض وصغار هوامها. الواحدة حشرة بالتحريك. وابن أبي الأشعث يسمي جميع هذا الحيوان الأرضي، لأنه لا يفارقها إلى الهواء، ولا إلى الماء وهو يأوي في حجرته، ويركز في بطنها ولا يحتاج إلى شرب الماء، ولا إلى شم النسيم. وهو قرين الأفاعي والحيات والجرذان الأهلية والبربة، واليربوع والضب والحرذون والقنفذ والعقرب والخنفساء والوزغ والنمل والحلم، وأنواع أخرى، سيأتي منها ما لم يتقدم له ذكر.

فائدة قوله تعالى: أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ

قال مجاهد: اللاعنون الحشرات والبهائم، يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين، فيلعنونهم. رواه ابن ماجه مرفوعا إلى النبي ﷺ. فإن قيل: كيف جمع ما لا يعقل جمع من يعقل؟ فالجواب أنه أسند إليهم فعل من يعقل كما قال: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ

. ولم يقل ساجدات. وكقوله تعالى:

وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا

وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. اللاعنون كل المخلوقات ما عدا الجن والإنس. وقيل ما عدا الملائكة فقط.

الحكم يحرم أكل الحشرات، ولا يصح بيعها لعدم النفع بها. وبه قال الإمام أحمد وأبو حنيفة وداود. وقال مالك: إنها حلال لقوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً

الآية. ولحديث التلب بن ثعلبة بن ربيعة التميمي قال:

«صحبت النبي ﷺ فلم أسمع لحشرة الأرض تحريما». رواه أبو داود والتلب بتاء مثناة من فوق مفتوحة ثم لام مكسورة ثم باء ثالثة الحروف. وقال شعبة الثلب بثاء مثلثة وفي سنن أبي داود، في كتاب العتاق، عن أحمد أنه قال: كان شعبة ألثغ لم يبين التاء من الثاء. وكذلك قال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر، ثم قال: وكان التلب يكنى أبا الملقام، روى عنه ابنه ملقام أنه أتى

النبي ﷺ فقال: «استغفر لي يا رسول الله، فقال: اللهم اغفر للتلب وارحمه». ثلاثا. واحتج الشافعي والأصحاب بقوله تعالى: وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ

وهو ما تستخبثه العرب. وبقوله ﷺ: «خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور». رواه البخاري ومسلم من رواية عائشة وحفصة وابن عمر ﵃ وعن أم شريك أنه ﷺ «أمر بقتل الأوزاغ». رواه الشيخان. وأما قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً

الآية: فقد قال الشافعي وغيره من العلماء: معناه مما كنتم تأكلونه وتستطيبونه. وقال الغزالي، في الوسيط: لا يؤكل من الحشرات إلا الضب. وقد استدرك عليه اليربوع وابن عرس وأم حبين والقنفذ والدلدل. وسيأتي الكلام عليهن في أماكنهن إن شاء الله تعالى.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.