من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الحمار الأهلي
الحمار جمعه حمير وحمر وأحمرة. وربما قالوا للأتان: حمارة وتصغيره حمير، ومنه توبة بن الحميّر صاحب ليلى الأخيلية. الذي تقدم ذكره. وكنية الحمار أبو صابر وأبو زياد قال الشاعر:
زياد لست أدري من أبوهولكن الحمار أبو زياد
ويقال للحمارة: أم محمود وأم تولب وأم جحش وأم نافع وأم وهب. وليس في الحيوان ما ينزو على غير جنسه ويلقح إلا الحمار والفرس. وهو ينزو إذا تم له ثلاثون شهرا ومنه نوع يصلح لحمل الأثقال ونوع لين الأعطاف سريع العدو، ويسبق براذين الخيل. ومن عجيب أمره أنه إذا شم رائحة الأسد رمى نفسه عليه من شدة الخوف يريد بذلك الفرار منه. قال حبيب بن أوس الطائي، يخاطب عبد الصمد بن المعذل وقد هجاه:
أقدمت ويحك من هجوي على خطروالعير يقدم من خوف على الأسد
ويوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات التي مشى فيها، ولو مرة واحدة، وبحدة السمع وللناس في مدحه وذمه أقوال متباينة، بحسب الأغراض. فمن ذلك أن خالد بن صفوان والفضل بن عيسى الرقاشي كانا يختاران ركوب الحمير على ركوب البراذين، فأما خالد فلقيه بعض الأشراف بالبصرة على حمار، فقال: ما هذا يا ابن صفوان؟ فقال: عير من نسل الكداد، يحمل الرحلة، ويبلغني العقبة، ويقل داؤه، ويخف دواؤه، ويمنعني من أن أكون جبارا في الأرض، وأن أكون من المفسدين. وأما الفضل فإنه سئل عن ركوبه الحمار؟ فقال: إنه من أقل الدواب مؤنة، وأكثرها معونة، وأخفضها مهوى، وأقربها مرتقى. فسمع أعرابي كلامه، فعارضه بقوله:
الحمار شنار، والعير عار، منكر الصوت لا ترقأ به، ولا تمهر به النساء، وصوته أنكر الأصوات.
قال الزمخشري: الحمار مثل في الذم الشنيع والشتيمة، ومن استحياشهم لذكر اسمه أنهم يكنون عنه، ويرغبون عن التصريح به، فيقولون: الطويل الأذنين، كما يكنون عن الشيء المستقذر. وقد عد من مساوي الآداب، أن يجري ذكر الحمار في مجلس قوم ذوي مروأة، ومن العرب من لا يركب الحمار استنكافا، وإن بلغت به الرحلة الجهد. انتهى. والمروأة بالهمز وتركه، قال الجوهري: هي الإنسانية. وقال ابن فارس هي الرجولية وقيل: إن ذا المروأة من يصون نفسه عن الإدناس، ولا يشينها عند الناس. وقيل: من يسير بسيرة أمثاله، في زمانه ومكانه. قال الدارمي قيل المروأة في الحرفة. وقيل في آداب الدين، كالأكل والصياح في الجم الغفير وانتهار السائل، وقلة فعل الخير مع القدرة عليه. وكثرة الاستهزاء والضحك، ونحو ذلك انتهى. وفي الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ قال: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله صورته صورة حمار أو يحول رأسه رأس حمار». ومعنى ذلك، والله أعلم، أن يمسخ صورته كلها فيجعل رأسه رأس حمار، وبدنه بدن حمار، وفيه دليل على جواز وقوع المسخ أعاذنا الله منه. وهو لا يكون إلا من شدة الغضب. قال الله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ
وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ
الآية. وهذا الحديث صريح في تحريم مسابقة الإمام بالركوع والسجود، وغيرهما من أركان الصلاة. وبه صرح البغوي والمتولي وصححه النووي، في شرح المهذب. وهو ظاهرا يراد الكفاية. وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم نهاق الحمير فتعوذ بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانا، وإذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنها رأت ملكا» »
. وسيأتي في باب الدال المهملة إن شاء الله تعالى.
غريبة رأيت في كتاب النصائح لابن ظفر قال: دخلت ثغرا من ثغور الأندلس فألفيت به شابا متفقها من أهل قرطبة فآنسني بحديثه وذاكرني طرفا من العلم ثم إني دعوت فقلت: يا من قال واسألوا الله من فضله. فقال: ألا أحدثك عن هذه الآية بعجب؟ قلت: بلى. فحدثني عن بعض سلفه أنه قال: قدم علينا من طليطلة راهبان، كانا عظيمي القدر بها، وكانا يعرفان اللسان العربي، فأظهرا الإسلام وتعلما القرآن والفقه، فظن الناس بهما الظنون. قال: فضممتهما إلى وقمت بأمرهما، وتجسست عليهما فإذا هما على بصيرة من أمرهما، وكانا شيخين فقلما لبث أحدهما حتى توفي. وأقام الآخر أعواما ثم مرض، فقلت له يوما: ما سبب إسلامكما؟ فكره مسألتي فرفقت به فقال: إن أسيرا من أهل القرآن، كان يخدم كنيسة نحن في صومعة منها، فاختصصنا به لخدمتنا، وطالت صحبته لنا، حتى فقهنا اللسان العربي، وحفظنا آيات كثيرة من القرآن، لكثرة تلاوته له، فقرأ يوما: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ
فقلت لصاحبي، وكان أشد مني رأيا وأحسن فهما: أما تسمع دعاوى هذه الآية؟ فزجرني. ثم إن الأسير قرأ يوما: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
فقلت لصاحبي: هذه أشد من تلك. فقال: ما أحسب الأمر إلا على ما يقولون. وما بشر عيسى إلا بصاحبهم. قال: واتفق يوما أني غصصت بلقمة، والأسير قائم علينا، يسقينا الخمر على طعامنا، فأخذت الكأس منه فلم أنتفع بها فقلت في نفسي: يا رب إن محمدا قال عنك إنك قلت: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ
وإنك قلت: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
فإن كان صادقا فاسقني فإذا صخرة يتفجر منها الماء فبادرت فشربت منه، فلما قضيت حاجتي انقطع وورائي ذلك الأسير فشك في الإسلام ورغبت أنا فيه وأطلعت صاحبي على أمري، فأسلمنا معا. وغدا علينا الأسير يرغب في أن نعمده وننصره فانتهرناه وصرفناه عن خدمتنا. ثم إنه فارق دينه وتنصر فحرنا في أمرنا، ولم نهتد لوجه الخلاص. فقال صاحبي: وكان أشد مني رأيا: لم لا ندعو بتلك الدعوة؟ فدعونا بها في التماس الفرج، ونمنا القائلة، فأريت في المنام أن ثلاثة أشخاص نورانية، دخلوا معبدنا، فأشاروا إلى صور فيه فانمحت، وأتوا بكرسي فنصبوه، ثم أتى جماعة مثلهم في النور والبهجة، وبينهم رجل ما رأيت أحسن خلقا منه، فجلس على الكرسي، فقمت إليه فقلت له: أنت السيد المسيح؟ فقال: لا بل أنا أخوه أحمد، أسلم فأسلمت، ثم قلت: يا رسول الله كيف لنا بالخروج إلى بلاد أمتك؟ فقال لشخص قائم بين
يديه: إذهب إلى ملكهم، وقل له يحملهما مكرمين، إلى حيث أحبا من بلاد المسلمين، وأن يحضر الأسير فلانا، ويعرض عليه العود إلى دينه، فإن فعل يخلى سبيله، وإن لم يفعل فليقتله، قال:
فاستيقظت من منامي وأيقظت صاحبي، وأخبرته بما رأيت، وقلت له: ما الحيلة؟ فقال: قد فرج الله أما ترى الصور ممحوّة؟ فنظرت فوجدتها ممحوّة. فازددت يقينا. ثم قال لي صاحبي: قم بنا إلى الملك. فأتيناه فجرى في تعظيمنا، على عادته، وأنكر قصدنا له. فقال له صاحبي: افعل ما أمرت به في أمرنا وفي أمر فلان الأسير فانتقع لونه وأرعد، ثم دعا بالأسير وقال له: أنت مسلم أو نصراني؟ فقال: بل نصراني. فقال له: ارجع إلى دينك، فلا حاجة لنا فيمن لا يحفظ دينه.
فقال: لا أرجع إليه أبدا. فاخترط الملك سيفه وقتله بيده. ثم قال لنا سرا: إن الذي جاء إلى واليكما شيطان، ولكن ما الذي تريدان؟ قلنا: الخروج إلى بلاد المسلمين. قال: أنا أفعل ما تريدان، لكن أظهرا أنكما تريدان بيت المقدس. فقلنا له: نفعل. فجهزنا وأخرجنا مكرمين انتهى.
وروى النسائي والحاكم عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم نباح الكلاب ونهيق الحمير في الليل فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم فإنها ترى ما لا ترون، وأقلوا الخروج إذا هدأت الرجل، فإن الله يبث في الليل من خلقه ما شاء». ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم. وفي سنن أبي داود وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال:
«ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه، إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان عليهم حسرة». وفي تاريخ نيسابور وكامل ابن عدي من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «شر الحمير الأسود القصير» وقال الجوهري تعشير الحمار نهيقه عشرة أصوات في طلق واحد قال الشاعر:
لعمري لئن عشرت من خيفة الردىنهاق حمارا نبي لجزوع
وذلك أنهم، إذا خافوا من وباء بلد، عشروا كتعشير الحمار، قبل أن يدخلوها. وكانوا يزعمون أن ذلك ينفعهم.
غريبة أخرى قال مسروق: كان رجل بالبادية له حمار وكلب وديك، وكان الديك يوقظهم للصلاة، والكلب يحرسهم، والحمار ينقلون عليه الماء ويحمل لهم خيامهم. فجاء الثعلب فأخذ الديك فحزنوا له، وكان الرجل صالحا، فقال: عسى أن يكون خيرا. ثم جاء ذئب فحرق بطن الحمار فقتله. فقال الرجل: عسى أن يكون خيرا. ثم أصيب الكلب بعد ذلك. فقال: عسى أن يكون خيرا. ثم أصبحوا ذات يوم فنظروا فإذا قد سبي من كان حولهم وبقوا سالمين. وإنما أخذوا أولئك بما كان عندهم من أصوات الكلاب والحمير والديكة. فكانت الخيرة في هلاك ما كان عندهم من ذلك كما قدر الله ﷾. فمن عرف خفي لطف الله رضي بفعله.
فائدة روى البيهقي، في دلائل النبوة، بسنده إلى أبي سبرة النخعي، قال: أقبل رجل من اليمن، فلما كان في أثناء الطريق نفق حماره فقام فتوضأ. ثم صلّى ركعتين، ثم قال: اللهم إني جئت مجاهدا في سبيلك ابتغاء مرضاتك، وأنا أشهد أنك تحيي الموتى وتبعث من في القبور، لا تجعل لأحد علي اليوم منة. أسألك أن تبعث لي حماري، فقام الحمار ينفض أذنيه. قال البيهقي:
هذا إسناد صحيح. ومثل هذا يكون معجزة لصاحب الشريعة، حيث يكون في أمته من يحيي الله له الموتى كما سبق. ويأتي والرجل المذكور اسمه نباتة بن يزيد النخعي. قال الشعبي: أنا رأيت ذلك الحمار يباع بعد ذلك في السوق، فقيل للرجل: أتبيع حمارا قد أحياه الله لك؟ قال: فكيف أصنع؟ فقال رجل من رهطه ثلاثة أبيات حفظت منها هذا البيت:
ومنا الذي أحيا الإله حمارهوقد مات منه كل عضو ومفصل
فائدة أخرى قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
قال الحسن وقتادة وعطاء الخراساني والضحاك وابن جريج رحمهم الله تعالى: كان سبب هذا السؤال من إبراهيم ﷺ، أنه مر على دابة ميتة، قال ابن جريح: كانت جيفة حمار بساحل البحر قال عطاء:
بحيرة طبرية، قالوا: فرآها وقد توزعتها دواب البحر والبر، وكان البحر إذا مد جاءت الحيتان ودواب البحر، فأكلت منها فما وقع منها يصير في البحر، وإذا جزر جاءت السباع فأكلت منها فما وقع منها يصير ترابا، فإذا ذهبت السباع جاءت الطير فأكلت منها، فما سقط منها قطعته الرياح في الهواء. فلما رأى إبراهيم ذلك تعجب منها، وقال: يا رب قد علمت لتجمعها من بطون السباع، وحواصل الطير، وأجواف دواب البحر، فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك فازداد يقينا، فعاتبه الله على ذلك، فقال: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى
يا رب قد علمت وآمنت وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
أي يسكن إلى المعاينة والمشاهدة فإبراهيم ﷺ كان يعلم يقينا أن الله يحيي الموتى، ولكنه أراد أن يصير له علم اليقين، لأن الخبر ليس كالمعاينة وما أحسن قول بعضهم:
لئن كلمت بالتفريق قلبيفأنت بخاطري أبدا مقيم
ولكن للعيان لطيف معنىله سأل المعاينة الكليم
وقيل: كان سبب هذا السؤال من إبراهيم أنه لما احتج على نمروذ فقال: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
فقال نمروذ أنا أحيي وأميت فقتل رجلا وأطلق آخر، فجعل ترك القتل إحياء. فقال إبراهيم: إن الله يقصد إلى جسد ميت فيحييه، فقال له نمروذ: أنت عاينته فلم يقدر أن يقول نعم. فانتقل إلى حجة أخرى، ثم سأل ربه أن يريه إحياء الموتى. قال: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
بقوة حجتي، وإذا قيل لي: أنت عاينته؟ أقول: نعم قد عاينته. وقال سعيد بن جبير: لما اتخذ الله إبراهيم خليلا سأل ملك الموت ربه أن يأذن له فيبشر إبراهيم بذلك، فأذن له فأتى إبراهيم فلم يكن في الدار، فدخل داره وكان إبراهيم من أغير الناس، إذا خرج أغلق بابه. فلما جاء وجد في داره رجلا فثار عليه إبراهيم ليأخذه، فقال له: من أنت؟ ومن أذن
لك أن تدخل داري بغير إذني؟ فقال: أذن لي رب هذه الدار. فقال له إبراهيم: صدقت. وعرف أنه ملك فقال له: من أنت؟ فقال: أنا ملك الموت، جئت أبشرك بأن الله قد اتخذك خليلا، فحمد الله تعالى، ثم قال: ما علامة ذلك؟ قال: إجابة الله دعاءك وإحياء الموتى بسؤالك. فحينئذ قال إبراهيم: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
إنك قد اتخذتني خليلا وأجبتني إذا دعوتك وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
» ورحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد. ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي». وقد أخرجه مسلم عن ابن وهب أيضا.
وقوله: نحن أحق بالشك من إبراهيم قال المزني: لم يشك النبي، ولا إبراهيم ﷺ في أن الله قادر على أن يحيي الموتى، وإنما شكا في أنه تعالى هل يجيبهما إلى ما سألاه أم لا. وقال الخطابي: ليس في قوله: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» اعتراف بالشك على نفسه، ولا على إبراهيم، لكن فيه نفي الشك عنهما. يقول: إذا لم أشك أنا في قدرة الله على إحياء الموتى فإبراهيم أولى بأن لا يشك.
وإنما قال ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس. وكذلك قوله: «ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي» وفيه إعلام أن المسألة من إبراهيم ﵊، لم تعرض من جهة الشك، لكن من قبيل زيادة العلم بالعيان. فإن العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال. وقيل: لما نزلت هذه الآية. قال قوم: شك إبراهيم ولم يشك نبينا. فقال رسول الله ﷺ هذا القول تواضعا منه وتقديما لإبراهيم ﷺ. وسيأتي الكلام على تمام الآية، في باب الطاء المهملة في الكلام على لفظ الطير.
فائدة أخرى قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ
الآية. هذه الآية منسوقة على الآية التي قبلها تقديره ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه وإلى الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وقيل: تقديره هل رأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه «وهل رأيت كالذي مر على قرية؟ قاله البغوي. وقد اختلف المفسرون وأهل السير، في ذلك المار. فقال وهب بن منبه: هو أرمياء بن حلقيا، وكان من سبط هارون وهو الخضر. وقال قتادة وعكرمة والضحاك: وهو عزير بن شرخيا، وهو الأصح. وقال مجاهد هو كافر شك في البعث واختلفوا في تلك القرية، فقال وهب وعكرمة وقتادة. هي بيت المقدس. وقال الضحاك: هي الأرض
المقدسة. وقال الكلبي: هي دير سابر آياد. وقال السدي: سلماياد. وقيل: دير هرقل. وقيل الأرض التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم، وهم ألوف. وقيل: هي قرية العنب، وهي على فرسخين من بيت المقدس، وهي خاوية ساقطة. يقال: خوي البيت بكسر الواو يخوي خوى، مقصورا، إذا سقط. وخوى البيت بالفتح يخوي خواء، ممدودا، إذا خلا. على عروشها سقوفها، واحدها عرش. وكل بناء عرش. وكان السبب في ذلك على ما ذكره محمد بن إسحاق صاحب السيرة. أن الله تعالى بعث أرمياء إلى ناشية بن أنوص، ملك بني إسرائيل، ليسدده ويأتيه بالخبر من الله وكان قوام أمر بني إسرائيل، بالاجتماع على الملوك وطاعة الملوك أنبياءهم. فكان الملك هو الذي يسير بالجموع والنبي يقيم له أمره، ويشير عليه برشده، ويأتيه بالخبر من ربه ﷿. فعظمت الأحداث في بني إسرائيل وركبوا المعاصي، فأوحى الله إلى أرمياء أن ذكر قومك نعمي، وعرفهم أحداثهم. فقام أرمياء فيهم ولم يدر ما يقول فألهمه في الوقت خطبة طويلة بليغة، بين لهم فيها ثواب الطاعة، وعقاب المعصية، وقال في آخرها عن الله ﷿: وإني أحلف بعزتي لأقيضن لكم فتنة يتحير فيها الحكيم، ولأسلطن عليكم جبارا قاسيا ألبسه الهيبة، وأنزع من قلبه الرحمة، يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم. ثم أوحى الله إلى أرمياء إني مهلك بني إسرائيل بيافث، ويافث أهل بابل، وهم ولد يافث بن نوح، فلما سمع أرمياء ذلك صاح وبكى ومزق ثيابه ونبذ التراب على رأسه. فأوحى الله إليه: يا أرمياء أشق عليك ما أوحيت إليك؟ قال: نعم، يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به. فأوحى الله إليه:
وعزتي لا أهلك بني إسرائيل حتى يكون الأمر في ذلك من قبلك ففرح بذلك أرمياء، وقال: لا والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني إسرائيل أبدا، ثم أتى الملك فأخبره بذلك وكان ملكا صالحا فاستبشر وفرح، وقال: أن يعذبنا ربنا، فبذنوب كثيرة، وإن يعف عنا فبرحمته. ثم إنهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا وإلا معصية تماديا في الشر، وذلك حين اقترب هلاكهم.
فقل الوحي ودعاهم الملك إلى التوبة فلم يفعلوا فسلط الله عليهم بختنصر فخرج في ستمائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس، فلما قصد سائرا أتى الخبر للملك فقال لإرمياء: أين ما زعمت أن الله ﷿ أوحى إليك؟ فقال أرمياء: إن الله لا يخلف الميعاد وأنا به واثق، فلما قرب الأجل بعث الله إلى أرمياء ملكا متمثلا في صورة رجل من بني إسرائيل فقال له أرمياء: من أنت؟ فقال أنا رجل من بني إسرائيل أتيتك أستفتيك في أهلي ورحمي وصلت أرحامهم ولم آت إليهم إلا حسنا ولم يزدهم إكرامي إياهم إلا سخطا، فأفتني فيهم فقال: أحسن فيما بينك وبين الله، وصلهم وابشر بخير فانصرف الملك فمكث أياما ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل فجلس بين يديه، فقال له ارمياء: من أنت؟ قال: أنا الذي أتيتك أستفتيك في أهلي ورحمي فقال له أرمياء: أما ظهرت أخلاقهم لك بعد؟ قال: يا نبي الله ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى رحمه إلا أتيتها إليهم وأفضل قاله له أرمياء: ارجع فأحسن إليهم اسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم لك. فانصرف الملك ومكث أياما، ونزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس، أكثر من الجراد المنتشر. ففزع منهم بنو إسرائيل، وقال ملكهم لارمياء: أين ما وعدك ربك؟ فقال أرمياء:
إني واثق بوعد ربي. ثم أقبل الملك على أرمياء، وهو جالس على جدار بيت المقدس يضحك
ويستبشر بنصر ربه. فجلس بين يديه فقال له أرمياء: من أنت؟ قال: أنا الذي أتيتك مرتين أستفتيك في شأن أهلي ورحمي. فقال له أرمياء: ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه؟ فقال له الملك: يا نبي الله كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم، كنت أصبر عليه، واليوم رأيتهم في عمل لا يرضي الله تعالى. فقال أرمياء: على أي عمل رأيتهم؟ قال على عمل عظيم من سخط الله ﷿، فغضبت لله، وأتيتك وأنا أسألك بالله الذي بعثك بالحق إلا ما دعوت الله عليهم ليهلكهم. فقال أرمياء: يا مالك السموات والأرض، إن كانوا على حق وصواب فأبقهم وإن كانوا على عمل لا نرضاه فأهلكهم فلما خرجت الكلمة من فم أرمياء، أرسل الله صاعقة من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان القربان، وخسف بسبعة أبواب من أبوابه، فلما رأى ذلك أرمياء صاح وشق ثيابه وقال: يا مالك السموات والأرض أين ميعادك الذي وعدتني؟ فنودي أنه لم يصبهم ما أصابهم، إلا بفتياك ودعائك. فعلم أنها فتياه وإن ذلك السائل كان رسولا من الله إليه فطار أرمياء حتى خالط الوحوش ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس ووطىء الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس. ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا فيقذفه في بيت المقدس ففعلوا حتى ملؤوه. ثم أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان بيت المقدس فاجتمع عنده كبيرهم وصغيرهم من بني إسرائيل فاختار منهم سبعين ألف صبي فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل واحد منهم أربعة أغلمة. وكان من أولئك الأغلمة دانيال وحنانيا. وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق: فثلثا قتلهم، وثلثا سباهم، وثلثا أقرهم بالشأم. فكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزلها الله تعالى ببني إسرائيل يظلمهم. فلما ولي بختنصر راجعا عنهم إلى بابل، ومعه سبايا بني إسرائيل، أقبل أرمياء على حمار له، معه عصير عنب في ركوة وسلة تين، حتى غشي إيلياء فلما وقف عليها ورأى خرابها، قال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها
ثم ربط أرمياء حماره بحبل جديد، فألقى الله تعالى عليه النوم، فلما نام نزع الله منه الروح مائة عام، وأمات حماره وعصيره وتينه عنده، وأعمى الله عنه العيون، فلم يره أحد وذلك ضحى. ومنع الله السباع والطير عن أكل لحمه، فلما مضى من موته سبعون سنة، أرسل الله تعالى ملكا من ملوك فارس، يقال له نوشك إلى بيت المقدس ليعمره، فانتدب في ألف قهرمان مع كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل، وجعلوا يعمرونه. وأهلك الله بختنصر ببعوضة دخلت في دماغه، ونجى الله من بقي من بني إسرائيل، ولم يمت أحد منهم ببابل، وردهم الله إلى بيت المقدس ونواحيه، وعمروه ثلاثين سنة وكثروا، حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه. فلما مضت المائة سنة أحيا الله تعالى من أرمياء عينيه، وسائر جسده ميت ثم أحيا جسده وهو ينظر، ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه متفرقة بيض تلوح، فسمع صوتا من السماء أيها العظام البالية إن الله تعالى يأمرك أن تجتمعي فاجتمع بعضها إلى بعض واتصل بعضها ببعض، ثم نودي إن الله ﷿ يأمرك أن تكتسي لحما وجلدا فكان كذلك ثم نودي إن شاء الله ﷿ يأمرك أن تحيا، فقام بإذن الله ﷿ ونهق، وعمر الله تعالى أرمياء فهو الذي يرى في الفلوات فذلك قوله تعالى:
فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ
الآية وقوله تعالى: لَمْ يَتَسَنَّهْ
أي لم يتغير وكان التين كأنه قطف من ساعته، والعصير كأنه عصر من ساعته. نقله عن وهب بن منبه انتهى. وسيأتي الكلام على الخضر واختلاف العلماء في اسمه ونبوته في لفظ الحوت من هذا الباب.
وقال قتادة وعكرمة والضحاك إن بختنصر لما خرب بيت المقدس، وأقدم سبي بني إسرائيل بابل، كان فيهم عزير ودانيال وسبعة آلاف من أهل بيت داود ﵊، فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حماره حتى نزل بدير هرقل، على شط دجلة فطاف في القرية فلم يرفيها أحدا، ورأى عامة شجرها حاملا فأكل من الفاكهة، واعتصر من العنب فشرب منه، وجعل الفاكهة في سلة، والعصير في زق. فلما رأى خراب القرية، قال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها
قالها تعجبا لا شكا في البعث. وقال السدي: إن الله تعالى أحيا عزيرا ثم قال له: انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه، فبعث الله ريحا فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ذهب بها الطير والسباع فاجتمعت وركب بعضها في بعض. وهو ينظر فصار حمارا من عظم ليس فيه لحم ولا دم، ثم كسيت العظام لحما ودما فصار حمارا لا روح فيه، ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه، فقام الحمار ونهق بإذن الله تعالى. وقال قوم: أراد به عظام هذا الرجل، وذلك إن الله ﷿ لم يمت حماره فأحيا الله عينيه ورأسه وسائر جسده ميت، ثم قال: انظر إلى حمارك فنظر فإذا حماره قائم، كهيئته يوم ربطه حيا لم يطعم ولم يشرب مائة عام. وتقدير الآية:
وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ،
وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها
هذا قول قتادة والضحاك وغيرهما.
وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لما أحيا الله ﷿ عزيرا بعد ما أماته مائة سنة، ركب حماره وقصد بيت المقدس حتى أتى محلته، فأنكره الناس وأنكروا منزلته فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها من العمر مائة وعشرون سنة، كانت أمة لهم، وكان عزير قد خرج عنهم وهي ابنة عشرين سنة وكانت قد عرفته وعقلته، فقال لها عزير: يا هذه هذا منزل عزير؟ قالت: نعم. هذا منزل عزير، وبكت وقالت: ما رأيت أحدا منذ كذا وكذا سنة يذكر عزيرا. قال: أماتني مائة سنة، ثم بعثني. قالت: فإن عزيرا كان مجاب الدعوة، يدعو للمريض وصاحب البلاء بالعافية. فادع الله تعالى أن يرد على بصري حتى أراك، فإن كنت عزيرا عرفتك. فدعا ربه ﷾، ومسح بيده على عينيها فأبصرت، ثم أخذ بيدها وقال:
قومي بإذن الله تعالى. فأطلق الله رجليها، فقامت صحيحة فنظرت إليه وقالت: أشهد أنك عزير فانطلقت إلى بني إسرائيل، وهم في أنديتهم ومجالسهم، وفيهم ابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثماني عشرة سنة، وبنو بنيه شيوخ في المجلس، فنادت: هذا عزير قد أتاكم الله به، فكذبوها فقالت:
أنا فلانة مولاتكم دعا لي عزير به فردّ علي بصري وأطلق رجلي وزعم أن الله سبحانه كان أماته مائة سنة، ثم بعثه. قال: فأقبل الناس إليه فقال ابنه: كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه فكشف عن كتفيه فإذا هو كما قال انتهى. وقال السدّي والكلبي: لما رجع إلى قريته، وقد أحرق بختنصر التوراة، ولم يكن عهد بين الخلائق، بكى عزير على التوراة فأتاه ملك بإناء من الله تعالى، فيه ماء، فشرب منه، فمثلت التوراة في صدره، فرجع إلى بني إسرائيل وقد علمه الله
التوراة، وبعثه نبيا فقال: أنا عزير فلم يصدقوه فقال: إني عزير بعثني الله تعالى إليكم لأجدد لكم توراتكم. قالوا: فأملها علينا فأملاها عليهم عن ظهر قلبه. فقالوا: ما جعل الله التوراة في قلب رجل بعد ما ذهبت، إلا أنه ابنه فقالوا عزير ابن الله. تعالى الله وتقدس عن الصاحبة والولد. وكان الله قد أمات عزيرا وهو ابن أربعين سنة، وبعثه وهو ابن مائة وأربعين سنة، وكان أولاده وأولاد أولاده شيوخا وعجائز، وهو شاب أسود الرأس واللحية فسبحان من هو على كل شيء قدير.
فائدة أخرى ذكر ابن خلكان وغيره من المؤرخين أن قيصر، ملك الروم، كتب إلى عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه: إن رسلي أتتني من قبلك، فزعمت أن قبلكم شجرة تخرج مثل آذان الحمر، ثم تنشق عن مثل اللؤلؤ، ثم تخضر فتكون مثل الزمرذ والزبرجد الأخضر، ثم تحمر فتكون مثل الياقوت الأحمر، ثم تينع وتنضج فتكون كأطيب فالوذج، ثم تيبس فتكون عصمة المقيم وزاد المسافر، فإن تكن رسلي صدقتني فما أرى هذه الشجرة إلا من شجر الجنة. فكتب إليه عمر: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم: إن رسلك قد صدقتك هذه الشجرة عندنا، وهي الشجرة التي أنبتها الله تعالى على مريم حين نفست بعيسى ابنها، فاتق الله ولا تتخذ عيسى إلها من دون الله.
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
وذال الزمرذ معجمة ودال الزبرجد مهملة. وقيصر كلمة إفرنجية معناها شق عنه وسببه على ما قاله المؤرخون: إن أم قيصر ماتت في المخاض، فشق بطنها وأخرج فسمي قيصر وكان يفخر بذلك على الملوك. ويقول إنه لم يخرج من الرحم واسمه أغسطس، وفي زمن ملكه ولد المسيح ﵊. ثم وضع هذا اللقب لكل من ملك الروم كما لقبوا ملك الترك خاقان، وملك فارس كسرى، وملك الشام هرقل، وملك القبط فرعون، وملك اليمن تبعا وملك الحبشة النجاشي وملك فرغانة الأخشيد، وملك مصر في الإسلام سلطانا قال ابن خلكان: وهنا نكتة يسأل عنها وهي أن الروم يقال لهم بنو الأصفر فما السبب في تسميتهم بذلك؟ فيقال إن ملك الروم كان قد احترق في الزمن الأوّل فبقيت منه امرأة فتنافسوا في الملك حتى وقع بينهم، ثم اصطلحوا على أن يملكوا أول من يشرف عليهم فجلسوا مجلسا لذلك، فأقبل رجل من اليمن، ومعه عبد له حبشي، يريد الروم فأبق العبد منه، فأشرف عليهم فقالوا: انظروا في أي شيء وقعتم فزوّجوه تلك المرأة وملكوه عليهم، فولدت منه غلاما فسموه الأصفر لصفرة لونه لكونه تولد بين الحبشي والمرأة البيضاء. ونسب الروم إليه. ثم إن سيد العبد خاصمهم فيه، فقال العبد: صدق أنا عبده فارضوه فأعطوه حتى أرضوه وبقي هذا النسب على الروم.
وفي كتاب النصائح لابن ظفر أنه لما اشتد مرض الرشيد بطوس، أحضر طبيبا طوسيا فارسيا، وأمر أن يعرض عليه ماؤه، هو مع مياه كثيرة لمرضى وأصحاء فجعل يستعرض القوارير حتى رأى قارورة الرشيدة فقال: قولوا لصاحب هذا الماء يوصي فإنه قد انحلت قواه وتداعت بنيته. فأقيم وأمر بالذهاب فذهب ويئس الرشيد من نفسه وتمثل قائلا:
إن الطبيب بطبه ودوائهلا يستطيع دفاع نحب قد أتى
ما للطبيب يموت بالداء الذيقد كان يبرىء مثله فيما مضى
وبلغه أن الناس قد أرجفوا بموته، فاستدعى بحمار وأمر فحمل عليه، فاسترخت فخذاه فقال: أنزلوني صدق المرجفون. ثم استدعى بأكفان فتخير منها ما أعجبه، وأمر فشق له قبر أمام فراشه، ثم اطلع فيه فقال: ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ
فتوفي في يومه رحمه الله تعالى. وفي تاريخ ابن خلكان أن بعض أصحاب الحلاج ادّعى أنه رؤي يوم قتله وهو راكب على حمار في طريق النهروان وأنه قال لهم: لعلكم تظنون أني المضروب والمقتول؟ وكان سبب قتله أنه جرى منه كلام في مجلس حامد بن العباس وزير المقتدر بالله فأفتى القضاة والعلماء بإباحة دمه فرسم المقتدر بتسليمه إلى محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة فتسلمه بعد العشاء خوفا من العامة أن تنزعه من يده، ثم أخرجه يوم الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة سنة تسع وثلاثمائة عند باب الطاق واجتمع عليه خلق كثير. وأمر به فضربه الجلاد ألف سوط، فما استعفى ولا تأوّه ثم قطع أطرافه الأربعة، وهو ساكن لا يضطرب، ثم حز رأسه وأحرقت جثته وألقي رمادها في دجلة، ونصب الرأس ببغداد، ثم حمل وطيف به في النواحي والبلاد وجعل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوما. واتفق إن زادت دجلة تلك السنة زيادة وافرة، فادعى أصحابه أن ذلك بسبب إلقاء رماده فيها. وادعى بعض أصحابه أنه لم يقتل وإنما ألقي شبهه عند قتله على عدوّ له ولما أخرج ليقتل أنشد قائلا:
طلبت المستقر بكل أرضفلم أر لي بأرض مستقرّا
أطعت مطامعي فاستعبدتنيولو أني قنعت لكنت حرّا
ويحكى أن الحلاج أنشد عند قتله:
لم أسلم النفس للأسقام تتلفهاإلا لعلمي بأن الموت يشفيها
ونظرة منك يا سؤلي ويا أمليأشهى إلي من الدنيا وما فيها
نفس المحب على الآلام صابرةلعل متلفها يوما يداويها
وكان الحلاج قد صحب الجنيد ووقع بينه وبين الشبلي وغيره من مشايخ الصوفية رحمة الله تعالى عليهم أجمعين انتهى. وذكر الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام المقدسي في مفاتيح الكنوز أنه لما أتي به ليصلب ورأى الخشب والمسامير ضحك ضحكا كثيرا ثم نظر في الجماعة فرأى الشبلي فقال: يا أبا بكر أما معك سجادة قال: بلى. قال: افرشها لي ففرشها فتقدم وصلى ركعتين فقرأ في الأولى فاتحة الكتاب، وبعدها: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ
الآية ثم قرأ في الثانية فاتحة الكتاب وبعدها: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
الآية ثم ذكر كلاما مطوّلا ثم تقدم
أبو الحارث السياف، ولطمه لطمة هشم وجهه وأنفه فصاح الشبلي ومزق ثيابه وغشي على أبي الحسن الواسطي وعلى جماعة من المشايخ المشهورين. وكان الحلاج يقول: اعلموا أن الله قد أباح لكم دمي، فاقتلوني ليس للمسلمين اليوم شغل أهم من قتلي. وقال: إن قتلي قيام بالحدود ووقوف مع الشريعة ومن تجاوز الحدود أقيمت عليه الحدود. قلت: وقد اضطرب الناس في أمره اضطرابا كبيرا متباينا فمنهم من يعظمه ومنهم من يكفره. وقد ذكر الإمام قطب الوجود حجة الإسلام في كتاب مشكاة الأنوار ومصفاة الأسرار فصلا مطوّلا في أمره واعتذر عن إطلاقاته كقوله: أنا الحق وما في الجبة إلا الله وحملها كلها على محامل حسنة، وقال: هذا من فرط المحبة وشدة الوجد وهو مثل قول القائل:
أنا من أهوى ومن أهوى أنافإذا أبصرته أبصرتنا
وحسبك هذا مدحة وتزكية وكان ابن شريح إذا سئل عنه يقول: هذا رجل قد خفي على حاله وما أقول فيه. وهذا شبيه بكلام عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وقد سئل عن علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما فقال: دماء طهر الله منها سيوفنا، أفلا نطهر من الخوض فيهم ألسنتنا؟ وهكذا ينبغي لمن يخاف الله أن لا يكفر أحدا من أهل القبلة بكلام يصدر عنه يحتمل التأويل على الحق والباطل. فإن الإخراج من الإسلام عظيم ولا يسارع به إلا جاهل.
ويحكى عن شيخ العارفين قطب الزمان عبد القادر الجيلاني قدس الله سره أنه قال: عثر الحلاج ولم يكن له من يأخذ بيده ولو أدركت زمانه لأخذت بيده وهذا وما سبق عن الإمام الغزالي في أمره كاف لمن له أدنى فهم وبصيرة وسمي الحلاج لأنه جلس يوما على حانوت حلاج واستقضاه حاجة فقال له الحلاج أنا مشتغل بالحلج. فقال له: امض في حاجتي حتى أحلج عنك فمضى الحلاج في حاجته، فلما عاد وجد قطنه كله محلوجا، وكان لا يحلجه عشرة رجال في أيام متعددة.
فمن ثم قيل له الحلاج. وقيل إنه كان يتكلم على الأسرار ويخبر عنها، فسمي حلاج الأسرار وكان من أهل البيضاء بليدة بفارس واسمه الحسين بن منصور والله أعلم.
وذكر ابن خلكان وغيره أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ولي محمد بن أبي بكر الصديق مصر، فدخلها سنة سبع وثلاثين وقام بها إلى أن بعث معاوية بن أبي سفيان عمرو بن العاص في جيوش أهل الشام، ومعهم معاوية بن حديج، بحاء مهملة مضمومة ودال مهملة مفتوحة وبالجيم في آخره كذا ضبطه ابن السمعاني في الأنساب وابن عبد البر وابن قتيبة وغيرهم.
ووقع في كثير من نسخ تاريخ ابن خلكان معاوية بن خديج بخاء معجمة ودال مكسورة وآخره جيم وهو غلط. والصواب ما تقدم وأصحابه أي أصحاب معاوية بن خديج فاقتتلوا فانهزم محمد بن أبي بكر واختبأ في بيت مجنونة فمر أصحاب معاوية بن خديج بالمجنونة وهي قاعدة على
الطريق، وكان لها أخ في الحبس فقالت: أتريد قتل أخي قال: لا ما أقتله. قالت: فهذا محمد بن أبي بكر داخل بيتي، فأمر معاوية أصحابه فدخلوا إليه وربطوه بالحبال وجروه على الأرض وأتوا به معاوية، فقال له محمد: احفظني لأبي بكر فقال له: قتلت من قومي في قضية عثمان ثمانين رجلا، وأتركك وأنت صاحبه لا والله. فقتله في صفر سنة ثمان وثلاثين. وأمره معاوية أن يجر في الطريق ويمر به على دار عمرو بن العاص لما يعلم من كراهته لقتله، وأمر به أن يحرق بالنار في جيفة حمار.
وقال غيره: بل وضعه حيا في جيفة حمار وأحرقه بالنار، وكان سبب ذلك دعوة أخته عائشة عليه لما أدخل يده في هودجها يوم وقعة الجمل، وهي لا تعرفه فظنته أجنبيا فقالت من هذا الذي يتعرض لحرم رسول الله ﷺ أحرقه الله بالنار! فقال: يا أختاه قولي بنار الدنيا فقالت: بنار الدنيا. وقد تقدم هذا في باب الجيم في الكلام على لفظ الجمل ودفن في الموضع الذي قتل فيه. فلما كان بعد سنة من دفنه، أتى غلامه وحفر قبره فلم يجد فيه سوى الرأس فأخرجه ودفنه في المسجد تحت المنارة. ويقال إن الرأس في القبلة. قال: وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها قد أنفذت أخاها عبد الرحمن إلى عمرو بن العاص في شأن محمد فاعتذر بأن الأمر لمعاوية بن خديج. ولما قتل ووصل خبره إلى المدينة مع مولاه مسالم، ومعه قميصه، ودخل به داره اجتمع رجال ونساء فأمرت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ بكبش فشوي وبعثت به إلى عائشة، وقالت: هكذا قد شوي أخوك فلم تأكل عائشة بعد ذلك شواء حتى ماتت. وقالت هند بنت شمر الحضرمية: رأيت نائلة امرأة عثمان بن عفان تقبل رجل معاوية بن خديج وتقول: بك أدركت ثأري ولما سمعت أمه أسماء بنت عميس بقتله كظمت الغيظ حتى شخبت ثدياها دما. ووجد عليه علي بن أبي طالب ﵁، وجدا عظيما وقال كان لي ربيبا وكنت أعده ولدا ولبني أخا. وذلك لأن عليا كان قد تزوج أمه أسماء بنت عميس بعد وفاة الصديق ورباه كما تقدم. وذكر الإمام العلامة أقضى القضاة الماوردي وغيره أن سفيان بن سعيد الثوري أكل ليلة زائدا على عادته فقال: إن الحمار إذا زيد في علفه زيد في عمله، ثم قام حتى أصبح. قال: وكان فتى يجالس الثوري ولا يتكلم فأحب أن يعرف نطقه فقال: يا فتى إن من كان قبلنا مروا على خيول سابقة وبقينا بعدهم على حمر دبرة فقال الفتى: يا أبا عبد الله إن كنا على الطريق فما أسرع لحوقنا بهم. وقال سفيان بن عيينة:
دعانا سفيان الثوري ليلة فقدم لنا تمرا ولبنا خائرا فلما توسط الأكل قال: قوموا فلنصل ركعتين شكرا لله تعالى فقال ابن وكيع، وكان حاضرا: لو قدم لنا شيئا من اللوزينج، لقال: قوموا فلنصل التراويح فتبسم سفيان. وقال سفيان الثوري ما استودعت قلبي شيئا قط فخانني. وقال له رجل: أوصني فقال: اعمل للدنيا بقدر مقامك فيها، وللآخرة بقدر مقامك فيها، والسلام. وقال له رجل: إني أريد الحج، فقال: لا تصحب من يتكرم عليك فإنك إن ساويته في النفقة أضرّ بك، وإن تفضّل عليك استذلك. ودخل الثوري على المهدي يوما فسلم عليه تسليم العامة، ولم يسلم بالخلافة، فأقبل عليه المهدي بوجه طلق، وقال: يا سفيان تفر منا ههنا وههنا وتظن أنا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك؟ وقد قدرنا عليك الآن! أما تخشى أن نحكم فيك الآن بهوانا؟ فقال سفيان: أن تحكم في بحكم الآن، يحكم فيك ملك عادل قادر يفرق بين الحق والباطل. فقال الربيع: يا أمير المؤمنين ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا؟ ائذن لي أن اضرب عنقه. فقال له
المهدي: اسكت ويلك وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن تقتلهم فنشقى بهم ويسعدوا بنا اكتبوا عهده على قضاء الكوفة بحيث أن لا يعترض عليه في حكم. فكتب عهده ودفع إليه فأخذه وخرج ورمى به في دجلة وهرب، فطلب في كل بلد فلم يوجد وتوفي بالبصرة متواريا سنة إحدى وستين ومائة رحمه الله تعالى. وهو أحد الأئمة المجتهدين، اجمع الناس على دينه وورعه وثقته. ويروى أن أبا القاسم الجنيد ﵀ كان يفتي على مذهبه، وهو غلط والصواب أن الجنيد كان شافعيا وقد عده شيخ الإسلام تقي الدين السبكي في الأصحاب وكذلك عده غيره.
وكان سفيان الثوري كوفيا فإنه سئل عن عثمان وعن علي رضي الله تعالى عنهما أيهما أفضل؟
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع