من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
باب الدال المهملة: الدابة
ما دب من الحيوان كله، وقد أخرج بعض الناس منها الطير لقوله»
تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
ورد بقوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ
قال الشيخ تاج الدين بن عطاء رحمه الله تعالى: وهذه الآية مصرحة بضمان الحق الرزق، وقطعت ورود الهواجس والخواطر عن قلوب المؤمنين، فإن وردت على قلوبهم كرت عليها جيوش الإيمان بالله تعالى، والثقة به فهزمتها بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق ولأن الطير يدب على الأرض برجليه في بعض حالاته قال الأعشى:
بنات كغصن البان ترتج إن مشتدبيب قطا البطحاء في كل منهل
وقال تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
وقال ﷿: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ
قال ابن عطية: مقصود الآية أن يبيّن أن هذه الطائفة العاتية من الكفار هي شر الناس عند الله تعالى، وأنها في أخس
المنازل لديه وعبر بالدواب ليتأكد ذمهم، وليفضل الكلب والخنزير والفواسق الخمس، وغيرها عليهم. والدواب كل ما دب يجمع الحيوان بجملته.
وفي الصحيحين: عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: إن النبي ﷺ مر عليه بجنازة، فقال: «مستريح ومستراح منه» قالوا: يا رسول الله ما المستريح والمستراح منه؟ فقال ﷺ:
«العبد المؤمن مستريح من وصب الدنيا ونصبها إلى رحمة الله تعالى والعبد الفاجر تستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب». وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة عن إبراهيم بن محمد عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة خشية أن تقوم الساعة». يروي مصيخة ومسيخة بالصاد والسين والأصل الصاد ومعانهما منصتة مستمعة.
وفي الحلية: في ترجمة أبي لبابة الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو من أهل الصفة، أن النبي ﷺ قال: «إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله تعالى من يوم الفطر ويوم الأضحى ما من ملك مقرب، ولا سماء ولا أرض، ولا جبال ولا رياح، ولا بحر إلا وهو مشفق من يوم الجمعة أن تقوم الساعة». وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال:
أخذ النبي ﷺ بيدي وقال: «خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم ﵇ بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى المغرب».
وإعلم: أنه ﷾ يخلق ما يشاء بلا كلفة ونصب، ويختار ما يشاء بلا زلفة وسبب، يخلق ما يشاء بلا علاج، ويختار ما يشاء بلا احتياج، يخلق ما يشاء علما بربوبيته، ويختار ما يشاء دلالة على وحدانيته، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوّا كبيرا. وفي كامل ابن الأثير إن كسرى كان له خمسون ألف دابة وثلاثة آلاف امرأة.
غريبة في تاريخ ابن خلكان، في ترجمة ركن الدولة بن بويه، أنه حارب عدوا له وضاقت الميرة على الطائفتين، حتى ذبحوا دوابهم، ولو أمكن ركن الدولة الانهزام لفعل، فاستشار وزيره أبا الفضل بن العميد في الهرب، فقال له: لا ملجأ لك إلا إلى الله تعالى، فانو للمسلمين خيرا، وصمم العزم على حسن السيرة والإحسان، فإن الحيل البشرية كلها تقطعت بنا، وإن انهزمنا تبعونا وقتلونا، وهم أكثر منا، فقال قد سبقتك إلى هذا يا أبا الفضل، قال أبو الفضل: ثم إن ركن الدولة استدعاني في تلك الليلة في الثلث الأخير، وقال: رأيت الساعة في منامي كأني على
دابتي فيروز. وقد انهزم عدونا، وأنت تسير إلى جانبي وقد جاءنا الفرج من حيث لا نحتسب، فمددت عيني فرأيت على الأرض خاتما فأخذته فإذا فصه فيروزج، فجعلته في إصبعي وتبركت به فانتهيت، وقد أيقنت بالظفر فإن الفيروزج الفرج جاء ومعناه الظفر، ولذلك لقب الدابة فيروز.
قال ابن العميد: فلم أبرح إذ أتانا الخبر والبشارة بأن العدو قد رحل وتركوا خيامهم، فما صدقنا حتى تواترت الأخبار فركبنا ولا نعرف سبب هزيمتهم وسرنا حذرين من كيدهم ومكرهم، وسرت إلى جانبه وهو على دابته فيروز، فصاح ركن الدولة بغلام بين يديه ناولني ذلك الخاتم فأخذ خاتما من الأرض فناوله إياه فإذا هو من فيروزج فجعله في اصبعه، وقال: هذا تأويل رؤياي، وهذا هو الخاتم الذي رأيته في منامي بعينه. قال: وهذا عن أعجب ما يحكى وإسم ركن الدولة الحسن أبو علي، وكان ملكا جليلا مهابا وكان قد ملك أصبهان والري وهمذان، وجميع عراق العجم وقد فتح أكثر البلاد وملكها وقرر قواعدها وضبطها. توفي في المحرم سنة ست وستين وثلاثمائة وكان عمره تسعا وتسعين سنة وكانت مدة ملكه أربعا وأربعين سنة. وفي شفاء الصدور لابن سبع السبتي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تضربوا وجوه الدواب فإن كل شيء يسبح بحمده» وقد تقدم عنه حديث في البهيمة قريب من هذا وفي كتاب الاحياء في باب كسر الشهوتين، حديث «لا يستدير الرغيف، ويوضع بين يديك حتى يعمل فيه ثلاثمائة وستون صانعا أو لهم ميكائيل الذي يكيل الماء من خزائن الرحمة، ثم الملائكة التي تزجي سحابا، ثم الشمس والقمر والأفلاك، وملوك الهواء ودواب الأرض، وآخر ذلك الخباز وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
وروى الإمام أحمد والبيهقي في الشعب، عن محمد بن سيرين، قال:
خرجت دابة تقتل الناس، فمن دنا منها قتلته فجاء رجل أعور فقال: دعوني وإياها فدنا منها فوضعت رأسها له حتى قتلها. فقالوا: حدثنا بأمرك، فقال: ما أصبت ذنبا قط إلا ذنبا واحدا بعيني هذه، فأخذت سهما وفقأتها به. قال الإمام أحمد: ولعل هذا كان جائزا في شريعة بني إسرائيل، أو في شريعة من كان قبلنا أما في شريعتنا فلا يجوز فقء العين، التي ينظر بها إلى ما لا يحل له. لكن يستغفر الله تعالى من ذلك ولا يعود إليه.
وذكر ابن خلكان في ترجمة الربيع الجيزي أنه مر يوما بسكة من سكك مصر، فطرحت عليه إجانة من رماد، فنزل عن دابته، ونفض ثيابه فقيل له ألا تزجرهم! فقال: من استحق النار فصولح على الرماد، لم يجز له أن يغضب. والربيع بن سلمان هذا صاحب الشافعي، وهو أحد رواة القول الجديد عن الشافعي. وتوفي سنة خمس ومائتين. والجيزي نسبة إلى الجيزة قبالة مصر، والأهرام في عملها بالقرب منها، وهي من عجائب أبنية الدنيا، والأهرام قبور لملوك عظام، أرادوا أن يتميزوا بها على سائر الملوك بعد مماتهم، كما تميزوا عليهم في حياتهم. قيل: إن المأمون لما وصل مصر أمر بنقب أحد الهرمين فنقب بعد جهد شديد، وغرامة نفقة عظيمة، فوجد داخله مراق ومها، ويعسر سلوكها، ووجد في أعلاها بيتا، مكعبا، طول كل ضلع من أضلاعه ثمانية أذرع، وفي وسطه حوض من صوّان مطبق فيه رمة بالية، قد أتت عليها العصور فكف عن نقب ما
سواه. ونقل أن هرمس الأول، وهو أخنوخ وهو ادريس استدل من أحوال الكواكب، على كون الطوفان فأمر ببنيان الأهرام، ويقال: إنه ابتناها في مدة ستة أشهر وكتب فيها: قل لمن يأتي بعدنا يهدمها في ستمائة عام، والهدم أيسر من البنيان وكسوناها الديباج فليكسها الحصر والحصر أيسر من الديباج. وقال الإمام أبو الفرج بن الجوزي في كتاب سلوة الاحزان: ومن عجائب الهرمين، أن سمك كل واحد منهما أربعمائة ذراع من رخام ومرمر، وفيها مكتوب أنا بنيتها بملكي، فمن ادعى قوة فليهدمها فإن الهدم أيسر من البناء، قال ابن المنادي: بلغنا أنهم قدروا خراج الدنيا مرارا، فإذا هو لا يقوم بهدمها والله أعلم. وفي صحيح مسلم وغيره عن صهيب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ، قال: «كان ملك من الملوك وكان لذلك الملك كاهن يكهن له وفي رواية ساحر فقال الساحر: إني قد كبرت وأخاف أن أموت فينقطع عنكم علمي ولا يكون فيكم من يعلمه فانظروا إلي غلاما فهيما أو قال فطنا لقنا فأعلمه علمي هذا، فنظروا له غلاما على ما وصف، وأمروه أن يحضر ذلك الساحر، وأن يختلف إليه، وكان على طريق الغلام راهب في صومعة قال معمر: أحسب أن أصحاب الصوامع يومئذ كانوا مسلمين فجعل الغلام يسأل ذلك الراهب كلما مر به، فلم يزل به حتى أخبره فقال: إنما أنا عبد الله، فجعل الغلام يمكث عند الراهب. ويبطىء على الساحر، فأرسل إلى أهل الغلام أنه لا يكاد يحضرني، فأخبر الغلام الراهب بذلك فقال له الراهب: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر. فبينما الغلام على ذلك إذ أتى على دابة عظيمة وقد حبست الناس، فقال:
اليوم يبين أمر الراهب من أمر الساحر، فأخذ حجرا وقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، ثم رمى بالحجر فقتلها. فقال الناس من قتلها؟ فقالوا:
الغلام. ففزع الناس، وقالوا: لقد علم هذا الغلام علما لم يعلمه أحد. قال: فسمع به أعمى، كان جليسا للملك، فقال له: إن رددت بصري فلك كذا وكذا! فقال له: لا أريد منك شيئا ولكن أرأيت إن رجع إليك بصرك، أتؤمن بالذي رده لك؟ قال: نعم فدعا الله تعالى فرد عليه بصره، فأمن الأعمى، وإنه جاء إلى الملك بعد ما شفي، فجلس معه كما كان يجلس، فقال له: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي قال: وهل لك رب غيري؟ قال: الله ربي وربك. فأمر بالمنشار فوضع على رأسه حتى وقع شقاه». وفي رواية الترمذي أن تلك الدابة كانت أسدا وأن الغلام لما قتلها أخبر الراهب فقال له إن لك شأنا وإنك تبتلى فلا تدل علي. وإن الملك بلغه أمرهم فبعث إليهم فأتي بهم إليه فقال: لاقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه، ثم أمر بالراهب وبالرجل الذي كان أعمى فوضع المنشار على مفرق كل واحد منهما فقتله، ثم قتل المقعد بقتلة أخرى، ثم أمر بالغلام، فقال: انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا، فألقوه من رأسه، فانطلقوا به إلى ذلك الجبل، فلما انتهوا به إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه، قال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت، فجعلوا يتهافتون من ذلك الجبل ويتردون منه حتى لم يبق منهم إلا الغلام. قال: فرجع الغلام يمشي حتى أتى الملك فقال له: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم ربي بما شاء، فأمر الملك أن ينطلقوا به إلى البحر، فيلقوه فيه، فانطلقوا به إلى البحر فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت
فأغرق الله ﷿ الذين كانوا معه، وأنجاه. فأقبل الغلام يمشي على وجه الماء حتى أتى الملك فتحير الملك في نفسه، فقال له الغلام: أتريد أن تقتلني؟ قال: نعم. قال: إنك لا تقدر على ذلك حتى تصلبني وترميني بسهم من كنانتي وتقول إذا رميتني: بسم الله رب هذا الغلام بعد أن تجمع الناس في صعيد واحد. قال: فجمع الملك الناس في صعيد واحد وأمر بالغلام أن يصلب فصلب، وأخذ الملك سهما من كناية الغلام وقال: بسم الله رب هذا الغلام ورماه فوقع السهم في صدغه فقتله ووضع الغلام يده على صدغه فقال الناس: آمنا برب هذا الغلام. فقيل للملك:
إنك جزعت حين خالفك ثلاثة، فهذا العالم كلهم قد خالفوك فأمر بالأخدود، فخد أخدودا ثم ألقي فيه الحطب والنار ثم جمع الناس وقال لهم: من رجع عن دينه تركناه، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار. فجعل يلقيهم في ذلك الأخدود. فذلك قوله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ
زاد مسلم فأتى بامرأة لتلقى في النار ومعها صبي رضيع، فجزعت فقال لها:
الغلام يا أماه لا تجزعي فإنك على الحق. وذكر ابن قتيبة أن الغلام الرضيع، كان عمره سبعة أشهر. قال الترمذي وإن الغلام أخرج في زمان عمر رضي الله تعالى عنه ويده على صدغه كما وضعها حين قتل.
وذكر صاحب السيرة محمد بن إسحاق فيها أن إسمه عبد الله بن التامر. وأن رجلا من أهل نجران حفر خربة في زمن عمر رضي الله تعالى عنه في بعض حاجته، فوجده تحت الردم قاعدا واضعا يده على ضربة في صدغه، وفي يده خاتم مكتوب عليه «ربي الله» فكتبوا بذلك إلى عمر رضي الله تعالى عنه فكتب إليهم أن أقروه على حاله ففعلوا. قال السهيلي. ويصدقه قوله ﷿ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً
الآية وقوله ﷺ: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء». خرجه أبو داود وذكر أبو جعفر الداودي هذا الحديث بزيادة ذكر الشهداء والعلماء والمؤذنين، قال: وهي زيادة غريبة، لكن الداودي من أهل الثقة والعلم.
انتهى قال ابن بشكوال وكان إسم ذلك الملك يوسف ذا نواس، وكان بنجران وكان ملك حمير وما حوله، وقيل إسمه زرعة ذو نواس، وكان على دين اليهودية قاله السمرقندي. والوقعة كانت قبل مبعث النبي ﷺ بسبعين سنة، وكان إسم ذلك الراهب قيتمون، قاله ابن بشكوال.
وفي المثل السائر: «فلان أكذب من دبّ ودرج». قال الجوهري: معناه أكذب الأحياء والأموات، لأنهم يدرجون في الأكفان وروى الترمذي الحكيم، عن زيد بن أسلم أن الأشعريين أبا موسى وأبا مالك وأبا عامر رضي الله تعالى عنهم في نفر منهم لما هاجروا قدموا على رسول الله ﷺ، وقد أرملوا من الزاد، فأرسلوا قاصدهم إلى النبي ﷺ يسأله، فلما انتهى إليه سمعه يقرأ وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
فقال الرجل: ما الأشعريون بأهون
على الله من الدواب، فرجع ولم يدخل على النبي ﷺ فأتى أصحابه وقال لهم: أبشروا فقد جاءكم الغوث فظنوا أنه قد أعلم النبي ﷺ بحالهم، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجلان معهما قصعة مملوأة خبزا ولحما فأكلوا ما شاء الله، ثم قال بعضهم لبعض: ردوا بقية هذا الطعام على رسول الله ﷺ فردوه، ثم إنهم أتوه فقالوا: يا رسول الله لم نر طعاما أكثر ولا أطيب من طعام أرسلته إلينا! فقال ﷺ: «ما أرسلنا إليكم شيئا فأخبروه أنهم أرسلوا صاحبهم إليه، فسأله ﷺ فأخبره بما صنع، فقال ﷺ: «ذلكم شيء رزقكموه الله ﷿». قال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله السكندري: هذه آية مصرحة بضمان الحق الرزق، وقطعت ورود الهواجس والخواطر عن قلوب المؤمنين، فإن وردت على قلوبهم، كرت عليها جيوش الإيمان بالله والثقة به وبضمانه فهزمتها بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
وذكر: ابن السني عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن النبي ﷺ قال:
إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا فإن الله ﷿ في الأرض حابسا يحبسها». قال: الإمام النووي رحمه الله تعالى حكى لي بعض شيوخنا الكبار في العلم، أنه انفلتت له دابة، أظنها بغلة، وكان يعرف هذا الحديث، فقاله فحبسها الله تعالى عليه في الحال. قال:
وكنت أنا مرة مع جماعة، فانفلتت منهم بهيمة، فعجزوا عنها فقلت هذا الحديث فوقفت في الحال بغير سبب سوى هذا الكلام. وروى ابن السني أيضا، عن الإمام السيد الجليل المجمع على جلالته وحفظه، وديانته وورعه ونزاهته، أبي عبد الله يونس بن عبيد بن دينار المصري التابعي، المشهور، رحمه الله تعالى، أنه قال: ليس رجل يكون على دابة صعبة، فيقول في أذنها: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
إلا وقفت بإذن الله تعالى. وروى الطبراني، في معجمه الأوسط، من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: من ساء خلقه من الرقيق والدواب والصبيان فاقرؤوا في أذنه أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
. وقد تقدم في باب الباء الموحدة في لفظ البلغة أن النبي ﷺ ركب بغلة فحادت به فحبسها، وأمر رجلا أن يقرأ عليها قل أعوذ برب الفلق فسكنت.
فرع في كتب الحنابلة يجوز الانتفاع بالدابة في غير ما خلقت له كالبقر للحمل واللركوب، والإبل والحمير للحرث وقوله ﷺ: «بينما رجل يسوق بقرة إذ أراد أن يركبها فقالت: إنا لم نخلق لذلك». متفق عليه. المراد أنه معظم منافعها ولا يلزم منه منع غير ذلك. وقال الإمام أحمد من شتم دابة، قال الصالحون: لا تقبل شهادته لحديث المرأة التي لعنت الناقة. وفي صحيح مسلم عن أبي الدرداء ﵁: «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة».
فرع:
يجب على مالك الدابة علفها ورعيها وسقيها لحرمة الروح كما في الصحيح عذبت
امرأة في هرة لأنها ذات روح فأشبهت العبد. فإن لم تكن ترعى لزمه أن يعلفها ويسقيها إلى أول شبعها وريها دون غايتهما، وإن كانت ترعى لزمه إرسالها لذلك حتى تشبع وتروى بشرط فقد السباع العادية ووجود الماء، فإن اكتفت بكل من الرعي أو العلف خير بينهما فإن لم تكتف إلا بهما الزماه، وإن احتاجت البهيمة إلى السقي ومعه ماء يحتاج إليه لطهارته سقاها وتيمم، فإن امتنع من العلف أجبر في مأكولة على بيع أو علف أو ذبح، وفي غيرها على بيع أو علف صيانة لها عن الهلاك فإن لم يفعل فعل الحاكم ما تقتضيه المصلحة، فإن كان له مال ظاهر بيع في النفقة، فإن تعذر جميع ذلك فمن بيت المال.
فائدة يستحب أن يقول عند ركوب الدابة ما رواه الحاكم والترمذي وصححاه عن علي بن ربيعة، قال: شهدت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وقد أتى بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على ظهرها قال: الحمد لله، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون. ثم قال: الحمد لله ثلاث مرات، ثم قال:
الله أكبر ثلاث مرات، ثم قال: سبحانك اللهم إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك. فقيل: يا أمير المؤمنين من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت النبي ﷺ فعل كما فعلت، فقلت: يا رسول الله من أي شيء ضحكت؟ قال: «إن ربك تعالى يعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري».
وروى أبو القاسم الطبراني، في كتاب الدعوات، عن عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا ركب العبد الدابة ولم يذكر إسم الله تعالى، ردفه الشيطان، فقال: تغن فإن كان لا يحسن الغناء، قال له: تمن فلا يزال في أمنيته حتى ينزل». وفيه عن أبي الدرداء رضي الله أن النبي ﷺ قال: «من قال إذا ركب دابة: بسم الله الذي لا يضر مع إسمه شيء سبحانه ليس له سمي، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعليه السلام. قالت: الدابة:
«بارك الله عليك من مؤمن خففت، عن ظهري وأطعت ربك، وأحسنت إلى نفسك بارك الله لك في سفرك وأنجح حاجتك».
وروى ابن أبي الدنيا عن محمد بن ادريس عن أبي النضر الدمشقي عن إسماعيل ابن عياش، عن عمرو بن قيس الملائي، أنه قال: إذا ركب الرجل الدابة، قالت: اللهم اجعله بي رفيقا رحيما، فإذا لعنها، قالت: على أعصانا لله لعنة الله. وفي كامل ابن عدي في ترجمة عباد، ابن كثير الثقفي، وكان شعبة، لا يستغفر له، أنه روى عن ابن طاوس عن أبيه، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «اضربوا الدواب على النفار ولا تضربوها على العثار».
فرع يجوز الارداف على الدابة إذا كانت مطيقة، ولا يجوز إذا لم تطقه. ففي الصحيحين عن اسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «أردفه حين دفع من عرفات
إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل بن العباس رضي الله تعالى عنهما، من مزدلفة إلى منى، وأنه ﷺ أردف معاذا رضي الله تعالى عنه على الرحل، وأردفه على حمار يقال له عفير وأمر ﷺ عبد الرحمن ابن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، أن يعتمر بأخته عائشة رضي الله تعالى عنها من التنعيم، فأدرفها وراءه على راحلته، وأردف ﷺ صفية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وراءه، حين تزوجها بخيبر» وإذا أردف صاحب الدابة، فهو أحق بصدرها ويكون الرديف وراءه إلا أن يرضى صاحبها بتقديمه لجلالته أو غير ذلك. وأفاد الحافظ ابن منده أن الذين أردفهم النبي ﷺ ثلاثة وثلاثون نفسا، ولم يذكر فيهم عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنه، ولم يذكر أحد من علماء الحديث والسير أن النبي ﷺ أردفه. وروى الطبراني عن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «نهى أن يركب ثلاثة على دابة ».
فرع قال أصحابنا ما ليس مأكولا من الدواب والطيور، إن كان فيه مضرة متمحضة، استحب قتله للمحرم وغيره كالفواسق الخمس والذئب والأسد والنمر والنسر والحدأة والبرغوث والقمل والزنبور والبق والقراد وأشباهها. فإن كان فيه منفعة ومضرة كالفهد والكلب المعلم والعقاب والبازي والصقر ونحوها فلا يستحب قتله لما فيه من المنفعة، ولا يكره لما فيه من الضرر، وهو الصيال على حمام الناس. والعقر وإن لم يكن فيه نفع ولا ضرر كالخنافسس والدود والجعلان والسرطان والبغاث والرخمة والعظاءة واللجا والذباب وأشباهها، فيكره قتله ولا يحرم، على ما قطع به الجمهور وحكى الإمام وجها شاذا أنه يحرم قتل الطيور دون الحشرات لأنه عبث بلا حاجة.
وأما دابة الأرض التي ذكرها الله تعالى في سورة سبأ. فهي الأرضة، وقيل سوسة الخشب قال الله تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ
السبب في ذلك أن سليمان ﵇، كان قد أمر الجن ببناء صرح، فبنوه له، ودخله مختفيا ليصفو له يوم واحد من الدهر عن الكدر، فدخل عليه شاب فقال له: كيف دخلت من غير استئذان؟ فقال له إنما دخلت بإذن. قال: ومن أذن لك؟ قال: رب هذا الصرح! فعلم سليمان أنه ملك الموت، أتى ليقبض روحه. فقال: سبحان الله، هذا اليوم الذي طلبت فيه الصفاء.
فقال له: طلبت ما لم يخلق. فاستوثق من الاتكاء على العصا. وقد كانت بيت المقدس بقي من تمام بنائه سنة، فسأل الله تعالى تمامها على يد الإنس والجن. وكان يخلو بنفسه الشهرين والثلاثة فكانوا يقولون إنه يتحنث أي يعبد ربه، فقبض روحه، وكانت الجن تدعي علم الغيب، فلما قبض، بقيت الجن تعمل على عادتها، وقيل: إن ملك الموت أعلمه أنه بقي من عمره ساعة فدعا الجن فبنوا له الصرح، وقام يصلي متكئا على عصاه، فمات وهو متكىء عليها وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه فلا ينظر أحد منهم إليه في صلاته إلا احترق، فمر واحد منهم فلم يسمع صوته، ثم رجع فسلم فلم يسمع له كلاما، فنظر فإذا هو قد خر ميتا، فعلمت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين سنة. وكان عمره ﵇ ثلاثا وخمسين سنة. والمنسأة العصا،
وكانت من خروب، وذلك أنه كان يتعبد في بيت المقدس فينبت له في محرابه كل سنة شجرة، فيسألها ما إسمك؟ فتقول الشجرة: إسمي كذا، فيقول لها: لأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا فيأمر بها فتقلع، فإن كانت تنبت بغرس غرست، وإن كانت لدواء كتبت، فبينما هو ذات يوم، إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها: ما إسمك؟ قالت: أنا الخروبة خرجت لخراب ملكك. فعرف أنه قد حضر أجله، فاستعد واتخذ منها عصا، واستدعى بزاد سنة، والجن تتوهم أنه يأكل بالليل.
وكان أمر الله قدرا مقدورا، وكان الذي ابتدأ في بناء بيت المقدس داود ﵇، فرفعه قامة رجل ثم مات، فلما استخلف ابنه سليمان ﵇، أحب اتمامه فجمع الجن والشياطين، وقسم عليهم الأعمال، فخص كل طائفة منهم بعمل يستصلحها له، فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والمها الأبيض، وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفاح، وجعلها اثني عشر ربضا، وأنزل في كل ربض منها سبطا، فلما فرغ من بناء المدينة، ابتدأ في عمارة المسجد، فوجه الشياطين فرقا فرقا، يستخرجون الذهب والفضة والياقوت من معادنها، والدر الصافي من البحر، وفرقا يقلعون الجواهر والرخام من أماكنها، وفرقا يأتونه بالمسك والعنبر وسائر أنواع الطيب. فأتى من ذلك بشيء لا يحصيه إلا الله تعالى، ثم أحضر الصناع وأمرهم بنحت تلك الحجارة المرتفعة، وتصييرها ألواحا، وثقب اليواقيت واللآلىء، واصلاح الجواهر، فبنى المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر وعمده بأساطين المها الصافي، وسقفه بالواح الجواهر الثمينة، ونضد سقوفه وحيطانه باللآلىء واليواقيت، وسائر الجواهر وبسط أرضه بألواح الفيروزج، فلم يكن يومئذ في الأرض بيت أبهى ولا أنور من ذلك المسجد، كان يضيء في الظلماء كالقمر ليلة البدر، فلما فرغ منه جمع إليه أحبار بني إسرائيل، فأعلم أنه قد بناه لله ﷿ خالصا واتخذ ذلك اليوم عيدا.
فائدة قال بعض العلماء: سخر الله ﷿ الجن لسليمان ﵇، وأمرهم بطاعته، ووكل بهم ملكا بيده صوت من نار، فمن زاغ منهم عن أمره، ضربه الملك ضربة أحرقته. قال أهل التفسير: أجرى الله تعالى لسليمان عين النحاس ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، وكان ذلك بأرض اليمن، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان من النحاس.
وروى الحاكم عن إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «كان سليمان نبي الله، إذا قام في مصلاه، رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول: ما إسمك؟ فتقول: كذا. فيقول: لأي شيء أنت؟ فتقول:
لكذا وكذا فإذا كانت لدواء كتبت، وإن كانت لغرس غرست، فبينما هو يصلي يوما إذ رأى شجرة، فقال: ما إسمك؟ قالت: الخروب. فقال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت.
فقال سليمان عند ذلك: اللهم عم على الجن موتي، حتى يعلم الإنس إن الجن لا تعلم الغيب، قال: فاتخذ منها عصا، وتوكأ عليها، فأكلتها الأرضة، فسقط، فوجدوه ميتا حولا، فتبينت الإنس أن الجن، لو كانوا يعلمون الغيب، ما لبثوا حولا في العذاب المهين ». وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقرؤها هكذا ما لبثوا حولا في العذاب المهين، فشكرت الجن الأرضة.
وكانت تأتيها بالماء والتراب حيث كانت ثم قال: صحيح الإسناد.
وأما الدابة التي هي أحد اشراط الساعة، فقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ
قال: إذا لم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر. قيل: إنها دابة طولها ستون ذراعا ذات قوائم ووبر، وقيل: هي مختلفة تشبه عدة من الحيوانات، يتصدع لها جبل الصفا فتخرج منه ليلة جمع، والناس سائرون إلى متى. وقيل: تخرج من الحجر وقيل: من أرض الطائف، ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان ﵉، لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب تضرب المؤمن بالعصا، وتكتب في وجهه مؤمن، وتطبع الكافر بالخاتم وتكتب في وجهه كافر. كذا رواه الحاكم في أواخر المستدرك عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ، وفيه عن أبي الطفيل عن أبي شريحة عن النبي ﷺ، أنه قال: «يكون للدابة ثلاث خرجات في الدهر: تخرج أول خرجة بأقصى اليمن، فيفشو ذكرها بالبادية، ولا يدخل ذكرها القرية، يعني مكة. ثم يكون زمان طويل ثم تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة فيفشو ذكرها في البادية، ويدخل ذكرها القرية، يعني مكة، ثم يكون زمان فبينما الناس يوما في أعظم المساجد عند الله حرمة، وأحبها إلى الله تعالى، وأكرمها على الله ﷿، يعني المسجد الحرام، لم يرعهم إلا وهي في ناحية المسجد بين الركن الأسود وباب بني مخزوم، فترفض الناس عنها شتى، وتثبت لها عصابة من المسلمين عرفوا أنهم لن يعجزوا الله هربا فتنفض عن رؤوسهم التراب، فتجلو عن وجوههم حتى تظل كأنها الكواكب الدرية، ثم تذهب في الأرض فلا يدركها طالب، ولا يعجزها هارب، حتى إن الرجل ليعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه فتقول: أي فلان الآن تصلي؟ فيلتفت إليها فتسمه في وجهه، ثم تذهب فيتجاور الناس في ديارهم، ويصطحبون في أسفارهم، ويشتركون في أموالهم، يعرف المؤمن من الكافر، حتى إن الكافر يقول: يا مؤمن اقضني، ويقول المؤمن: يا كافر اقضني. وروى السهيلي أن موسى ﵇ سأل ربه ﷿ أن يريه الدابة التي تكلم الناس، فأخرجها الله له من الأرض، فرأى منظرا أفزعه وهاله، قال: أي رب ردها، فردها. قال: والدابة اسمها أقصد. كذا ذكره محمد بن الحسن المقري في تفسيره انتهى.
روى أنها تخرج حين ينقطع الخير، ولا يؤمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، ولا يبقى منيب ولا تائب.
وفي الحديث: «أن الدابة وطلوع الشمس من المغرب، من أول اشراط الساعة». ولم يعين الأول منهما، وكذلك الدجال وظاهر الأحاديث أن طلوع الشمس آخرها، والظاهر إن الدابة التي تخرج واحدة، وروي أنه يخرج من كل بلد دابة، مما هو مبثوث نوعها في الأرض، وليست بواحدة، فعلى هذا يكون قوله تعالى دابة إسم جنس.
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنها الثعبان الذي كان في جوف الكعبة، واختطفه العقاب، حين أرادت قريش بناء البيت الحرام، وأن الطائر حين اختطفها، ألقاها بالحجون، فالتقمتها الأرض، فهي الدابة التي تخرج تكلم الناس، وتخرج عند الصفا. قاله محمد بن الحسن المقري، وهو غريب غير أن الرجل من أهل العلم، ولذلك حكينا قوله، وقال القرطبي: أنها فصيل ناقة صالح، لقوله في الحديث: «تخرج ولها رغاء». والرغاء لا يكون إلا للإبل وهو غريب أيضا. وفي الميزان للذهبي، عن جابر الجعفي أنه كان يقول: دابة الأرض علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. قال: وكان جابرا الجعفي شيعيا يرى الرجعة أي أن عليا رضي الله تعالى عنه يرجع إلى الدنيا، وقال الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: ما لقيت أحدا أكذب من جابر الجعفي، ولا أفضل من عطاء بن أبي رباح. وقال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: أخبرني سفيان بن عيينة قال: كنا في منزل جابر الجعفي فتكلم بشيء، فخرجنا مخافة أن يقع علينا السقف، قلت: ومع ذلك روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه، ووفاته سنة ست وستين ومائة. واختلف العلماء في كيفية خلق الدابة اختلافا كثيرا فقيل إنها على خلقة الآدميين وقيل: جمعت خلق كل حيوان.
وهنا فائدة : وهي أن المفسرين اختلفوا في تفسير قوله تعالى: أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ
قيل: تكلمهم ببطلان الأديان، سوى دين الإسلام، قاله السدي. وقيل:
كلامها أن تقول لواحد: هذا مؤمن، وتقول لآخر: هذا كافر. وقيل: كلامها ما قاله الله ﷿ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ
ويكون كلامها بالعربية. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه، إنه قال: ليست بدابة لها ذنب ولكن كالحية. كأنه يشير إلى أنها رجل والاكثرون على إنها دابة. وروى ابن جريج عن أبي الزبير أنه وصف الدابة فقال: رأسها رأس ثور، وعيناها عينا خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن ايل، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا. وروى الثعلبي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: تخرج الدابة من صدع في الصفا تجري كجري الفرس ثلاثة أيام وما خرج ثلثها. وروي أيضا عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه أنه قال:
قال رسول الله ﷺ: «الدابة تخرج من أعظم المساجد حرمة عند الله تعالى، بينما عيسى ﵇ يطوف بالبيت، ومعه المسلمون، فتضطرب الأرض من تحتهم، وينشق الصفا مما يلي المسعى وتخرج الدابة من الصفا، أول ما يبدو منها رأسها، ملمعة ذات وبر وريش، لا يدركها طالب، ولا يفوتها هارب، تسم الناس مؤمنا وكافرا أما المؤمن فتترك وجهه كأنه كوكب دري، وتكتب بين عينه: مؤمن، وأما الكافر فتترك في وجهه نكتة سوداء وتكتب بين عينيه: كافر. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قرع الصفا بعصاه، وهو محرم، وقال: إن الدابة لتسمع قرع عصاي هذه. وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: تخرج الدابة من شعب أبي قبيس رأسها في السحاب ورجلاها في الأرض. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: «بئس الشعب شعب أجياد» مرتين أو ثلاثا، قيل: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال ﷺ: «لأنه تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات، يسمعها من بين الخافقين».
وقيل إن وجهها وجه رجل، وسائر خلقتها كخلقة الطير، فتكلم من رآها أن أهل مكة كانوا بمحمد ﷺ والقرآن لا يوقنون.
فرع أوصى لرجل بدابة حمل على فرس وبغل وحمار، لأنها في اللغة إسم لما دب على وجه الأرض، ثم قصرها العرف على ذوات الأربع والوصية تنزل على العرف، وإذا ثبت عرف في بلد عم جميع البلاد، كما لو حلف لا يركب دابة فركب كافرا لا يحنث، وإن كان الله تعالى قد سماه دابة وكما لو احلف لا يأكل خبزا حنث بأكل خبز الأرز في طبرستان على الأصح هذا هو المنصوص.
وقال ابن سريج: إنما ذكر الشافعي هذا، على عرف أهل مصر، في ركوبها جميعا، واستعمال لفظ الدابة فيها. أما حيث لا يستعمل إلا في الفرس كالعراق، فإنه لا يعطي سواها، وقيل: إن قاله بمصر لم يعط إلا حمارا قاله في البحر ويدخل في لفظ الدابة الكبير والصغير، والذكر والأنثى والسليم والمعيب، وقال المتولي: إلا ما يمكن ركوبه.
فرع:
يكره دوام الوقوف على الدابة لغير حاجة، وترك النزول عنها للحاجة، لما في سنن أبي داود والبيهقي، من حديث أبي مريم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله ﷿ إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم في الأرض مستقرا فاقضوا عليها حاجاتكم». ويجوز الوقوف على ظهرها للحاجة، ريثما تقضى لما روى مسلم وأبو داود والنسائي، عن أم الحصين الأحمسية رضي الله تعالى عنها، قالت: «حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالا رضي الله تعالى عنهما، أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة». وهكذا رواه أحمد والحاكم وابن حبان وصححاه. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام، في الفتاوى الموصلية: النهي عن ركوب الدواب، وهي واقفة محمول على ما إذا كان لغير غرض صحيح، وأما الركوب الطويل في الأغراض الصحيحة، فتارة يكون مندوبا، كالوقوف بعرفة، وتارة يكون واجبا، كوقوف الصفوف في قتال المشركين، وقتال كل من يجب قتاله، وكذلك الحراسة في الجهاد، إذا خيف هجمة العدو، وهذا لا خلاف فيه. وفي حديث أم الحصين رضي الله تعالى عنها دليل على أن للمحرم أن يستظل بالمظال، نازلا بالأرض وراكبا على ظهر الدابة، ورخص فيه أكثر أهل العلم إلا أن مالك بن أنس وأحمد رضي الله تعالى عنهما، كانا يكرهان للمحرم أن يستظل راكبا، لما روى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه رأى رجلا قد جعل على رحله عودا له شعبتان، وجعل عليه ثوبا يستظل به وهو محرم، فقال له ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: اضح للذي حرمت له أي ابرز للشمس، وأما قوله ﷺ «لا تتخذوا ظهور الدواب منابر» فإنما أراد أن يستوطن ظهورها لغير أرب في ذلك، ولا حاجة. وقال
الرياشي: رأيت أحمد بن المعذل في الموقف في يوم شديد الحر، وقد ضحى للشمس، فقلت له:
يا أبا الفضل إن هذا أمر قد اختلف فيه فلو أخذت بالتوسعة فأنشأ يقول:
ضحيت له كي استظل بظلهإذا الظل أضحى في القيامة قالصا
فوا أسفا إن كان سعيك باطلاويا حسرتا إن كان حجك ناقصا
وأحمد بن المعذل هذا بصري مالكي المذهب، يعد من زهاد البصرة وعلمائها وأخوه عبد الصمد بن المعذل شاعر ماهر.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع