من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الشّجاع
بالضم والكسر، الحية العظيمة التي تثب على الفارس والراجل، وتقوم على ذنبها، وربما بلغت رأس الفارس، وتكون في الصحاري، روي أن مالك بن أدهم، خرج يتصيد فلما صار إلى بلد قفر ومعطش، ومعه جماعة من أصحابه، طلبوا الماء فلم يقدروا عليه، فنزل وضربت له خيمة، وأمر أصحابه أن يطلبوا الماء والصيد، فخرجوا في طلبهما فأصابوا ضبا، فأتوه به، فقال: اشووه ولا تنضجوه، ومصوه مصا لعلكم تنتفعون به، ففعلوا ذلك، ثم أثاروا شجاعا، وأرادوا قتله، فدخل على مالك خيمته فقال: قد استجار بي فأجيروه، ففعلوا ذلك، ثم خرج هو وأصحابه في طلب الماء، فإذا هاتف يهتف بهم وهو يقول:
يا قوم يا قوم لا ماء لكم أبداحتى تحثوا المطايا يومها التعبا
وسددوا يمنة فالماء عن كثبماء غزير وعين تذهب الوصبا
حتى إذا ما أخذتم منه حاجتكمفاسقوا المطايا ومنه فاملؤوا القربا
فأخذ هو وأصحابه في الجهة التي نعتها الهاتف لهم في شعره، فإذا هم بعين غزيرة، فسقوا منها إبلهم، وتزودوا فلما فعلوا ذلك لم يروا للعين أثرا، وإذا بهاتف يهتف بهم ويقول:
يا مال عني جزاك الله صالحةهذا وداع لكم مني وتسليم
لا تزهدن في اصطناع العرف من أحدإنّ امرأ يحرم المعروف محروم
الخير يبقى وإن طالت مغيبتهوالشرّ ما عاش منه المرء مذموم
وفي الصحيحين، عن جابر وأبي هريرة وابن مسعود، رضي الله تعالى عنهم أن النبي ﷺ قال:
«ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله، إلا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان، يفر منه وهو يتبعه حتى يطوقه في عنقه». وفي رواية مسلم «يتبعه فاتحا فاه، فإذا أتاه فر منه، فيناديه خذ كنزك الذي خبأته فإذا رأى أنه لا بد له منه سلك يده في فيه، فيقضمها قضمة الفحل، ثم يأخذ بلهزمتيه، يعني شدقيه، ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ
»: والأقرع الذي تمعط رأسه وأبيض من السم. والزبيبتان الريشتان من جانبي فمه من كثرة السم ويكون مثلهما في شدقي الإنسان عند كثرة الكلام، وقيل نكتتان في عينيه، وما هو بهذه الصفة من الحيات، هو أشد أذى. وقيل هما نابان يخرجان من فيه ويقضمها بفتح الضاد أي يأكلها، والقضم بأطراف الأسنان والخضم بالفم كله، وقيل: القضم أكل اليابس والخضم أكل الرطب، وتزعم العرب أن الرجل إذا طال جوعه يعرض له في البطن حية يسمونها الشجاع والصفر. قال أبو خراش يخاطب امرأته:
أرد شجاع البطن لو تعلمينهوأوتر غيري من عيالك بالطعم
وأغتبق الماء القراح وأنثنيإذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم
أراد بالأول الطعام، وبالثاني ما يشتهى منه، والغبوق الشرب بالعشي، والمزلج من الرجال الناقص الذوق الضعيف. وقال الشاعر:
فأطرق إطراق الشجاع ولو رأىمساغا لناباه الشجاع لصمّما
هذه لغة بني الحارث بن كعب، وهي إبقاء ألف التثنية في حالتي النصب والخفض، وهو مذهب الكوفيين ومنه قوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ
وتعبيره في الرؤيا يدل على ولد جسور، أو امرأة بازلة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع