من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الشعراء
بفتح الشين وكسرها، وبالعين المهملة الساكنة، ذباب أزرق أو أحمر، يقع على الإبل والحمير والكلاب، فيؤذيها أذى شديدا. وقيل: ذباب كذباب الكلب. وفي السيرة أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء، فلما سمع رسول الله ﷺ بنزولهم، استشار أصحابه ودعا عبد الله بن أبي بن سلول، ولم يدعه قبلها قط فاستشاره فقال عبد الله بن أبي وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم فو الله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا دخل علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا! فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقامو بشر مجلس، وإن دخلوا علينا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين. فأعجب رسول الله ﷺ هذا الرأي، وقال بعض أصحابه: يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب، لا يرون أنّا جبنا عنهم وضعفنا، فقال رسول الله ﷺ: «إني رأيت في منامي بقرا تذبح، فأولتها خيرا، ورأيت في ذباب سيفي ثلما، فأولتها هزيمة، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة، فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة، فافعلوا».
وكان رسول الله ﷺ يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة، فيقاتلوا في الأزقة، فقال رجال من المسلمين، ممن فاتهم يوم بدر، وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا إلى اعداء الله يا رسول الله. فدخل رسول الله ﷺ بيته ولبس لأمته، فلما رأوه قد لبس السلاح، ندموا وقالوا:
بئسما صنعتم، نشير على رسول الله ﷺ، والوحي يأتيه! فقالوا: اصنع ما رأيت يا رسول الله، واعتذروا. فقال رسول الله ﷺ: «لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل». وكان قد أقام المشركون بأحد الأربعاء والخمسين، فخرج إليهم رسول الله ﷺ، يوم الجمعة بعدما صلى بأصحابه الجمعة، فأصبح بالشّعب من أحد يوم السبت النصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة، وكان أصحابه سبعمائة رجل فجعل عبد الله بن جبير وهو أخو خوات بن جبير ﵄ على الرماة، وكانوا خمسين رجلا، وقال ﵊: «أقيموا بأصل الجبل، وانضحوا عنا بالنبل، حتى لا يأتونا من خلفنا، وإن كانت لنا أو علينا فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم».
فجاءت قريش وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل رضي الله تعالى عنهما، ومعهما النساء يضربن بالدفوف، ويقلن الأشعار، فقاتلوا حتى حميت الحرب، فأخذ رسول الله ﷺ سيفا وقال: «من يأخذ هذا بحقه ويضرب به العدو حتى ينحني» ؟ فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة رضي الله تعالى عنه، فلما أخذه اعتم بعمامة حمراء، وجعل يتبختر فقال رسول الله ﷺ: «إنها لمشية يبغضها الله تعالى إلا في هذا الموضع»، ففلق به هام المشركين. وحمل النبي ﷺ وأصحابه على المشركين، فهزموهم. فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة الغنيمة، والله لتأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم، صرفت وجوههم، وقال الزبير بن العوام: فلما نظرت الرماة إلى القوم وقد انكشفوا ورأوا أصحابهم ينتهبون الغنيمة، أقبلوا يريدون النهب، فلما رأى خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه
قلة الرماة، واشتغال الناس بالغنيمة، ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين، ثم حمل على أصحاب رسول الله ﷺ من خلفهم فهزمهم، و «رمى عبد الله بن قمئة رسول الله ﷺ بحجر فكسر رباعيته، وهشم أنفه وشجه في وجهه، فأثخنه وتفرق عنه أصحابه، ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة ليعلوها وكان ﷺ قد ظاهر بين درعين، فلم يستطع النهوض، فجلس تحته طلحة رضي الله تعالى عنه، فنهض ﷺ حتى استوى عليها». ووقفت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى، يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من ذلك قلائد، وأعطتها وحشيا، وبقرت عن كبد حمزة رضي الله تعالى عنه فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها وأقبل عبد الله بن قمئة، يريد قتل النبي ﷺ، فذب عنه مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه، صاحب راية رسول الله ﷺ فقتله ابن قمئة، وهو يرى أنه قتل رسول الله ﷺ، فرجع وقال: إني قتلت محمدا! وصاح صائح: ألا إن محمدا قد قتل، ويقال: إن ذلك الصائح كان إبليس، فانكفأ الناس وجعل رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى عبادة الله تعالى، فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا عنه المشركين، وأصيبت يد طلحة رضي الله تعالى عنه، فيبست حين وقى بها رسول الله ﷺ، وأصيبت عين قتادة رضي الله تعالى عنه يومئذ، حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله ﷺ مكانها فكانت أحسن ما كانت.
فلما انصرف رسول الله ﷺ، أدركه أبي بن خلف الجمحي، وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد! فقال القوم: يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا فقال رسول الله ﷺ: «دعوه» حتى إذا دنا منه، وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله ﷺ فيقول: عندي رمكة أعلفها كل يوم، فرق ذرة أقتلك عليها، فيقول رسول الله ﷺ: «بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى». فلما دنا منه يوم أحد، وهو راكب فرسه، تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، وانتفض بها انتفاضة، فتطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض، وطعنه في عنقه طعنة خدشته خدشة غير كبيرة، فتدهده بها عن فرسه، وهو يخور كما يخور الثور، ويقول: قتلني محمد، فحمله أصحابه، وأتوابه قريشا وقد حقد الدم واحتقن، فقالوا: لا بأس عليك، فقال: بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلهم أليس قال: أنا أقتلك؟ فو الله لو بصق عليّ بعد تلك المقالة قتلني، لم يلبث إلا يوما واحدا. ومات عدو الله بموضع يقال له سرف. وقال فيه حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه:
لقد ورث الضّلالة عن أبيهأبى حين بارزه الرسول
أتيت إليه تحمل رمّ عظموتوعده وأنت به جهول
وقد قال ﷺ: «أشد الناس عذابا من قتل نبيا أو قتله نبي»، لأنه من المعلوم أن النبي لا يقتل أحدا ولا يتفق ذلك إلا في شر الخلق.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع