تجاوز إلى المحتوى

من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)

الكلب

حيوان معروف، وربما وصف به فقيل للرجل كلب وللمرأة كلبة، والجمع أكلب وكلاب وكليب، مثل أعبد وعباد وعبيد وهو جمع عزيز. والأكالب جمع أكلب قال ابن سيده: وقد قالوا في جمع كلب كلابات. قال الشاعر:

أحبّ كلب في كلابات الناسإلي نهجا كلب أمّ عباس

وكلاب اسم رجل من أجداد النبي ﷺ وهو كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

وكلاب إما منقول من المصدر، الذي هو في معنى المكالبة، نحو كالبت العدو مكالبة وكلابا، وإما جمع كلب، وسموه بذلك طلبا للكثرة كما سموا سباع، وأنمار.

قيل لأبي الدقيش الأعرابي: لم تسمون أبناءكم بشر الأسماء نحو كلب وذئب؟ وعبيدكم بأحسنها نحو مرزوق ورباح؟ فقال: إنما نسمي أبناءنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا. وكأنهم قصدوا بذلك التفاؤل بمكالبة العدد وقهره، والكلبة أنثى الكلاب، وجمعها كلبات ولا تكسر.

والكلب حيوان شديد الرياضة كثير الوفاء، وهو لا سبع ولا بهيمة، حتى كأنه من الخلق المركب لأنه لو تم له طباع السبعية ما ألف الناس، ولو تم له طباع البهيمية ما أكل لحم الحيوان، لكن في الحديث إطلاق البهيمة عليه. روى مسلم أن النبي ﷺ قال: «بينما امرأة تمشي بفلاة من الأرض، اشتد عليها العطش، فنزلت بئرا فشربت ثم صعدت، فوجدت كلبا يأكل الثرى من العطش، فقالت: لقد بلغ بهذا الكلب مثل الذي بلغ بي، ثم نزلت البئر فملأت خفها وأمسكته بفيها، ثم صعدت فسقته، فشكر الله لها ذلك، وغفر لها». قالوا: يا رسول الله أو لنا في البهائم أجر؟ قال: «نعم في كل كبد رطبة أجر».

وهو نوعان: أهلي وسلوقي نسبة إلى سلوق، وهي مدينة باليمن تنسب إليها الكلاب السلوقية، وكلا النوعين في الطبع سواء، وفي طبعه الاحتلام، وتحيض إناثه وتحمل الأنثى ستين يوما، ومنها ما يقل عن ذلك وتضع جراها عميا، فلا تفتح عيونها إلا بعد اثني عشر يوما، والذكور تهيج قبل الإناث وهي تنزو إذا كمل لها سنة، وربما تسفد قبل ذلك، وإذا سفد الكلبة كلاب مختلفة الألوان أدت إلى كل كلب شبهه. وفي الكلب من اقتفاء الأثر، وشم الرائحة ما ليس لغيره من الحيوانات، والجيفة أحب إليه من اللحم الغريض. ويأكل العذرة ويرجع في قيئه، وبينه وبين الضبع عداوة شديدة وذلك أنه إذا كان في مكان عال أو موضع مرتفع، ووطئت الضبع ظله في القمر رمى بنفسه عليها مخذولا، فتأخذه فتأكله، وإذا دهن كلب بشحمها جن واختلط، وإذا حمل الإنسان لسان ضبع لم تنبح عليه الكلاب، ومن طبعه أن يحرس ربه ويحمي حرمه شاهدا وغائبا، ذاكرا وغافلا، نائما ويقظان، وهو أيقظ الحيوان عينا في وقت حاجته إلى النوم، وإنما غالب نومه نهارا عند الاستغناء عن الحراسة، وهو في نومه، أسمع من فرس، وأحذر من عقعق، وإذانام كسر أجفان عينيه ولا يطبقها، وذلك لخفة نومه، وسبب خفته أن دماغه بارد بالنسبة إلى دماغ الإنسان، ومن عجيب طباعه أنه يكرم الجلة من الناس وأهل الوجاهة، ولا ينبح أحدا منهم، وربما حاد عن طريقه وينبح الأسود من الناس والدنس الثياب والضعيف الحال.

ومن طباعه البصبصة والترضي والتودد والتألف، بحيث إذا دعي بعد الضرب والطرد رجع، وإذا لاعبه ربه عضه العض الذي لا يؤلم، وأضراسه لو أنشبها في الحجر لنشبت، ويقبل التأديب والتلقين والتعليم، حتى لو وضعت على رأسه مسرجة وطرح له مأكول لم يلتفت إليه مادام على تلك الحالة، فإذا أخذت المسرجة عن رأسه وثب إلى مأكوله، وتعرض له أمراض سوداوية في زمن مخصوص، ويعرض له الكلب بفتح اللام وهو داء يشبه الجنون، وعلامة ذلك أن تحمر عيناه

وتعلوهما غشاوة، وتسترخي أذناه، ويندلع لسانه ويكثر لعابه، وسيلان أنفه، ويطأطىء رأسه وينحدب ظهره، ويتعوج صلبه إلى جانب، ولا يزال يدخل ذنبه بين رجليه ويمشي خائفا مغموما كأنه سكران، ويجوع فلا يأكل، ويعطش فلا يشرب، وربما رأى الماء فيفزع منه، وربما يموت منه خوفا، وإذا لاح له شبح حمل عليه من غير نبح، والكلاب تهرب منه، فإن دنا منها غفلة، بصبصت له وخضعت، وخشعت بين يديه، فإذا عقر هذا الكلب إنسانا عرض له أمراض رديئة، منها أن يمتنع من شرب الماء حتى يهلك عطشا، ولا يزال يستقي حتى إذا سقي الماء لم يشربه، فإذا استحكمت هذه العلة به، فقعد للبول خرج منه شيء على هيئة الكلاب الصغار.

قال صاحب الموجز في الطب: الكلب حالة كالجذام تعرض للكلب والذئب وابن آوى وابن عرس والثعلب، ثم ذكر غالب ما تقدم، وقال غيره: الكلب جنون يصيب الكلاب فتموت وتقتل كل شيء عضته إلا الإنسان، فإنه قد يعالج فيسلم. قال: وداء الكلب يعرض للحمار ويقع في الإبل أيضا، فيقال: كلبت الإبل تكلب كلبا وأكلب القوم إذا وقع في إبلهم. ويقال: كلب الكلب واستكلب، إذا ضرى، وتعود أكل الناس انتهى.

وذكر القزويني، في عجائب المخلوقات، أن بقرية من أعمال حلب بئرا، يقال لها بئر الكلب، إذا شرب منها من عضه الكلب برىء، وهي مشهورة. قال: وقد أخبرني بعض أهل القرية، أن المكلوب إذا لم يجاوز أربعين يوما، وشرب منها برىء أما إذا جاوز الأربعين فإنه يموت ولو شرب منها. وذكر أنه شاهد ثلاثة أنفس مكلوبين، شربوا منها فسلم اثنان، وكانا لم يبلغا الأربعين، ومات الثالث وكان قد جاوز الأربعين. وهذه البئر يشرب منها أهل الضيعة.

وأما السلوقي فمن طباعه أنه إذا عاين الظباء قريبة منه أو بعيدة عرف المقبل من المدبر، ومشي الذكر من مشي الأنثى، ويعرف الميت من الناس والمتماوت، حتى إن الروم لا تدفن ميتا حتى تعرضه على الكلاب، فيظهر لهم من شمها إياه علامة تستدل بها على حياته أو موته، ويقال:

إن هذا لا يوجد إلا في نوع منها يقال له القلطي، وهو صغير الجرم قصير القوائم جدا، ويسمى الصيني. وإناث السلوقي أسرع تعلما من الذكور، والفهد بالعكس كما تقدم، والسود من الكلاب أقل صبرا من غيرها.

وفي كتاب فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب، لمحمد بن خلف المرزبان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنه، قال: رأى رسول الله ﷺ رجلا قتيلا، فقال ﷺ: «ما شأنه» ؟ قالوا: إنه وثب على غنم بني زهرة، فأخذ منها شاة، فوثب عليه كلب الماشية فقتله. فقال ﷺ: «قتل نفسه، وأضاع ديته، وعصى ربه، وخان أخاه وكان الكلب خيرا منه».

وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كلب أمين خير من صاحب خؤون. قال: وكان للحارث بن صعصعة ندماء لا يفارقهم، وكان شديد المحبة لهم، فخرج في بعض منتزهاته، ومعه

ندماؤه فتخلف منهم واحد، فدخل على زوجته، فأكلا وشربا ثم اضطجعا، فوثب الكلب عليهما فقتلهما. فلما رجع الحارث إلى منزله وجدهما قتيلين. فعرف الأمر فأنشأ يقول:

وما زال يرعى ذمتي ويحوطنيويحفظ عرسي والخليل يخون
فيا عجبا للخلّ يهتك حرمتيويا عجبا للكلب كيف يصون

وذكر الإمام أبو الفرج بن الجوزي في بعض مصنفاته، أن رجلا خرج في بعض أسفاره فمر على قبة مبنية أحسن بناء، بالقرب من ضيعة هناك، وعليها مكتوب: من أحب أن يعلم سبب بنائها، فليدخل القرية. فدخل القرية، وسأل أهلها عن سبب بناء القبة، فلم يجد عند أحد خبرا من ذلك، إلى أن دل على رجل قد بلغ من العمر مائتي سنة، فسأله فأخبره عن أبيه أنه حدثه أن ملكا كان بتلك الأرض، وكان له كلب لا يفارقه في سفر ولا حضر، ولا نوم ولا يقظة، وكانت له جارية خرساء مقعدة، فخرج ذات يوم إلى بعض منتزهاته وأمر بربط الكلب لئلا يذهب معه، وأمر طباخه أن يصنع له طعاما من اللبن كان يهواه، وأن الطباخ صنعه وجاء به فوضعه عند الجارية والكلب وتركه مكشوفا، وذهب فأقبلت حية عظيمة إلى الإناء، فشربت من ذلك الطعام وردته وذهبت.

ثم أقبل الملك من منتزهه، وأمر بالطعام فوضع بين يديه، فجعلت الجارية تصفق بيديها، وتشير إلى الملك أن لا يأكله فلم يعلم أحد ما تريد، فوضع الملك يده في الصفحة، وجعل الكلب يعوي ويصيح، ويجذب نفسه من السلسلة، حتى كاد أن يقتل نفسه، فتعجب الملك من ذلك وأمر بإطلاقه فأطلق فغدا إلى الملك وقد رفع يده باللقمة إلى فيه فوثب الكلب وضربه على يده فأطار اللقمة منها فغضب الملك، وأخذ خنجرا كان بجنبه، وهم أن يضرب به الكلب، فأدخل الكلب رأسه في الإناء، وولغ من ذلك الطعام، فانقلب على جنبه وقد تناثر لحمه. فعجب الملك ثم التفت إلى الجارية، فأشارت إليه بما كان من أمر الحية. ففهم الملك الأمر وأمر بإراقة الطعام، وتأديب الطباخ على كونه ترك الإناء مكشوفا، وأمر بدفن الكلب وببناء القبة عليه، وبتلك الكتابة التي رأيتها. قال: وهي من أغرب ما يحكى.

وفي كتاب النشوان عن أبي عثمان المديني، أنه قال: كان في بغداد رجل يلعب بالكلاب، فتركه ومشى حتى انتهى إلى قوم كان بينه وبينهم عداوة، فصادفوه بغير عدة فقبضوا عليه، والكلب يراهم، فأدخلوه الدار ودخل الكلب معهم فقتلوا الرجل وألقوه في بئر وطموا رأس البئر، وضربوا الكلب، فأخرجوه وطردوه، فخرج يسعى إلى بيت صاحبه فعوى فلم يعبأوا به، وافتقدت أم الرجل ابنها، وعلمت أنه قد تلف، فأقامت عليه المأتم وطردت الكلاب عن بابها، فلزم ذلك الكلب الباب ولم ينطرد فاجتاز يوما بعض قتلة صاحبه بالباب، والكلب رابض، فلما رآه وثب عليه، فخمش ساقه ونهشه وتعلق به، واجتهد المجتازون في تخليصه منه، فلم يمكنهم، وارتفعت للناس ضجة عظيمة، وجاء حارس الدرب وقال: لم يتعلق هذا الكلب بالرجل إلا وله معه قصة؟

ولعله هو الذي جرحه.

وسمعت أم القتيل الكلام فخرجت فحين رأت الكلب متعلقا بالرجل، تأملت في الرجل، فتذكرت أنه كان أحد أعداء ابنها وممن يتطلبه، فوقع في نفسها أنه قاتل ابنها، فتعلقت به فرفعوهما إلى أمير المؤمنين الراضي بالله، فادعت عليه القتل، فأمر بحبسه بعد أن ضربه فلم يقر، فلزم الكلب باب الحبس، فلما كان بعد أيام أمر الراضي بإطلاقه، فلما خرج من باب الحبس، تعلق به الكلب كما فعل أولا، فتعجب الناس من ذلك وجهدوا على خلاصه منه، فلم يقدروا على ذلك إلا بعد جهد جهيد، فأخبر الراضي بذلك فأمر بعض غلمانه أن يطلق الرجل، ويرسل الكلب خلفه ويتبعه فإذا دخل الرجل داره بادره، وأدخل الكلب معه فمهما رأى الكلب يعمل يعلمه بذلك، ففعل ما أمره به، فلما دخل الرجل داره بادره غلام الخليفة ودخل وأدخل الكلب معه، ففتش البيت فلم ير أثرا ولا خبرا وأقبل الكلب ينبح، ويبحث عن موضع البئر التي طرح فيها القتيل، فتعجب الغلام من ذلك، وأخبر الراضي بأمر الكلب، فأمر بنبش البئر فنبشوها، فوجدوا الرجل قتيلا، فأخذوا صاحب الدار إلى بين يدي الراضي، فأمر بضربه فأقر على نفسه، وعلى جماعته بالقتل. فقتل وطلب الباقون فهربوا.

وفي عجائب المخلوقات، أن شخصا قتل شخصا بأصبهان وألقاه في بئر، وللمقتول كلب يرى ذلك، فكان يأتي كل يوم إلى رأس البئر، وينحي التراب عنه، ويشير إليها، وإذا رأى القاتل نبح عليه، فلما تكرر ذلك منه حفروا البئر، فوجدوا القتيل بها، ثم أخذوا الرجل وقرروه فأقر فقتلوه به.

وفي الإحياء، عن بعض الصوفية، قال: كنا بطرسوس فاجتمعنا جماعة وخرجنا إلى باب الجهاد فتبعنا كلب من البلد، فلما بلغنا باب الجهاد، وإذا نحن بدابة ميتة فصعدنا إلى موضع خال فقعدنا، فلما نظر الكلب إلى الميتة، رجع إلى البلد، ثم عاد ومعه نحو من عشرين كلبا، فجاء إلى تلك الميتة وقعد ناحية، ووقعت الكلاب في الميتة، فما زالت تأكل إلى أن شبعت، وذلك الكلب قاعد ينظر إلى الميتة، حتى أكلت وبقيت العظام، فلما رجعت الكلاب إلى البلد، قام ذلك الكلب إلى العظام فأكل ما بقي عليها من اللحم ثم انصرف.

وفي الشعب للبيهقي وغيرها عن الفقيه منصور اليمني الشافعي الضرير، وله مصنفات في المذهب وشعر حسن أنه كان ينشد لنفسه:

الكلب أحسن عشرةوهو النهاية في الخساسه
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
ممن ينازع في الرياسة قبل إبان الرياسه

ثم قال البيهقي: وكان الشيخ الإمام القاضي أبو الطيب الطبري يقول: «من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه». وقال شعيب بن حرب: «من رضي أن يكون ذنبا أبى الله إلا أن يجعله

رأسا». ومن محاسن شعر الفقيه منصور اليمني المتقدم ذكره، ووفاته في سنة ست وخمسين وثلاثمائة قوله:

لي حيلة فيمن ينموليس في الكذاب حيله
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليله
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة

ولقد أجاد علي بن عبد الواحد البغدادي المعروف بصريع الدلاء في قوله:

من فاته العلم وأخطاه الغنىفذاك والكلب على حدّ سوا

وهذا البيت آخر قصيدة له في المجون، ذكر فيها من صنعة الغزل فنونا، ولو لم يكن له سواه لكفاه، وهي طويلة طنانه عجز فحول الشعراء أن يزيدوا فيها بيتا واحدا. وتوفي في رجب سنة اثنتي عشرة وأربعمائة فجأة بشرقة لحقته عند الشريف البطحاوي.

وذكر ابن خلكان أن الحسين بن أحمد المعروف بابن الحجاج الشاعر المشهور، لما حضرته الوفاة أوصى بأن يدفن عند رجلي الإمام موسى بن جعفر أحد الأئمة الإثني عشر ﵃ على رأي الإمامية وأن يكتب على قبره وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ

. قال: وابن الحجاج ذو خلاعة ومجون. وقيل: إنه دعي إلى دعوة وتأخر الطعام عنه فقال:

يا ذاهبا في داره جائيامن غير معنى بل ولا

فائده

قد جنّ أضيافك من جوعهمفاقرأ عليهم سورة المائده
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «يا ذاهبا في داره جائيا»

ودعوة الطعام بفتح الدال. وأما قول قطرب في مثلثته، فقلت: عندي دعوة بضم الدال فمردود عليه انتهى.

فائدة

: ذكر ابن عبد البرّ في كتابه بهجة المجالس وأنس المجالس، أنه قيل لجعفر الصادق ﵁، وهو أحد الأئمة الإثني عشر: كم تتأخر الرؤيا؟ فقال: خمسين سنة لأن النبي ﷺ رأى كأن كلبا أبقع ولغ في دمه، فأوّله بأن رجلا يقتل الحسين ابن بنته رضي الله تعالى عنه. فكان الشمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين، وكان أبرص. فتأخرت الرؤيا بعده خمسين سنة، كما تقدم في باب الهمزة في الأوز.

وفي هذا الكتاب أشياء تصلح للمذاكرة، منها أن النبي ﷺ رأى في منامه أنه دخل الجنة، فرأى فيها عذقا مدلى فأعجبه، فقال: «لمن هذا» ؟ فقيل: هذا لأبي جهل. فشق عليه ﷺ ذلك.

فقال: «ما لأبي جهل والجنة؟ والله لا يدخلها أبدا، فإنه لا يدخلها إلا نفس مؤمنة». فلما أتاه عكرمة بن أبي جهل رضي الله تعالى عنه مسلما، فرح به وقام إليه، وتأول ذلك العذق عكرمة ابنه.

ومنها أن بعض الشاميين كان عاملا لعمر رضي الله تعالى عنه، فقال له: يا أمير المؤمنين رأيت كأن الشمس والقمر اقتتلا، ومع كل واحد منهما فرقة من النجوم، فقال له: مع أيهما كنت؟

فقال: مع القمر. قال: مع الآية الممحوة، لا عملت لي عملا أبدا، فعزله. وقتل ذلك الرجل مع معاوية ﵁ بصفين.

ومنها أن عائشة رضي الله تعالى عنها، رأت ثلاثة أقمار سقطن في حجرها، فقال لها أبو بكر رضي الله تعالى عنه: إن صدقت رؤياك، فإنه يدفن في بيتك ثلاثة من خيار أهل الأرض. فلما دفن ﷺ في بيتها قال لها أبو بكر رضي الله تعالى عنه: هذا أحد أقمارك، وهو خيرها. وفيه أشياء كثيرة وكان الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي، إمام عصره في الحديث والأثر وهو أحد نقلة المذاهب، وتوفي هو والإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن ثابت الخطيب البغدادي الشافعي حافظ المشرق في سنة ثلاث وستين وأربعمائة. ومما ينشد للشافعي رحمه الله تعالى:

ليت الكلاب لنا كانت مجاورةوليتنا لا نرى ممن نرى أحدا
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «ليت الكلاب لنا كانت مجاورة»
إن الكلاب لتهدا في مرابضهاوالناس ليس بهاد شرهم أبدا

وفي الميزان للذهبي، في ترجمة أحمد بن زرارة المدني بسند مظلم، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: إن النبي ﷺ قال: «كيف أنتم إذا كان زمن يكون الأمير فيه كالأسد، والحاكم فيه كالذئب الأمعط، والتاجر فيه كالكلب الهرار، والمؤمن بينهم كالشاة الولهاء بين الغنم ليس لها مأوى، فكيف حال شاة بين أسد وذئب وكلب!».

وفي أمالي أبي بكر القطيعي، عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ فمر بنا كلب فما بلغت يده رجله حتى مات. فلما انصرف رسول الله ﷺ من صلاته، قال: «من الداعي على هذا الكلب آنفا؟» فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله.

فقال: «ما قلت» ؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام اكفني هذا الكب بما شئت. فقال النبي ﷺ: «لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى» والحديث في السنن الأربعة وفي مسند الإمام أحمد وكتابي الحاكم وابن حبان بغير قصة الكلب.

وأفاد الطبراني، من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن هذه الصلاة كانت صلاة العصر يوم الجمعة، وأن الرجل المذكور الداعي على هذا الكلب سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه. فقال له النبي ﷺ: «يا سعد لقد دعوت في يوم وساعة بكلمات، لو دعوت بهن على من في السموات والأرض استجيب لك فأبشر يا سعد».

وروى الإمام أحمد في الزهد، عن جعفر بن سليمان، قال: رأيت مع مالك بن دينار رضي الله تعالى عنه كلبا فقلت: ما تصنع بهذا يا أبا يحيى؟ فقال: هذا خير من جليس السوء!

وفي مناقب الإمام أحمد، أنه بلغه أن رجلا من وراء النهر عنده أحاديث ثلاثية، فرحل الإمام أحمد إليه، فوجد شيخا يطعم كلبا، فسلم عليه فرد ﵇، ثم اشتغل الشيخ بإطعام الكلب، فوجد الإمام في نفسه إذ أقبل الشيخ على الكلب ولم يقبل عليه، فلما فرغ الشيخ من طعمة الكلب، التفت إلى الإمام أحمد، وقال له: كأنك وجدت في نفسك، إذ أقبلت على الكلب ولم أقبل عليك؟ قال: نعم. فقال الشيخ: حدثني أبو الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «من قطع رجاء من ارتجاه قطع الله منه رجاءه يوم القيامة فلم يلج الجنة». وأرضنا هذه ليست بأرض كلاب، وقد قصدني هذا الكلب، فخفت أن أقطع رجاءه فيقطع الله رجائي منه يوم القيامة. فقال الإمام أحمد: هذا الحديث يكفيني ثم رجع.

ويقرب من هذا ما في رسالة القشيري، في باب الجود والسخاء، أن عبد الله بن جعفر ﵄، خرج إلى ضيعة له، فنزل على نخيل قوم، وفيها غلام أسود يعمل فيها، إذ أتى الغلام بغدائه، وهي ثلاثة أقراص، فرمى بقرص منها إلى كلب كان هناك فأكله، ثم رمى إليه الثاني فأكله والثالث فأكله، وعبد الله بن جعفر ينظر، فقال: يا غلام كم قوتك كل يوم؟ قال: ما رأيت. قال: فلم آثرت هذا الكلب؟ فقال: إن هذه الأرض ليست بأرض كلاب، وإنه جاء من مسافة بعيدة جائعا، فكرهت رده! فقال له عبد الله: فما أنت صانع اليوم؟ قال: أطوي يومي هذا. فقال عبد الله بن جعفر لأصحابه: ألام على السخاء وهذا أسخى مني؟ ثم اشترى الغلام وأعتقه، واشترى الحائط وما فيه ووهب ذلك له.

وتقدم في باب الحاء المهملة، في الحمار، أن الحاكم روى عن جابر رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «إذا سمعتم نباح الكلب ونهيق الحمار بالليل فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، فإنها ترى ما لا ترون وأقلوا الخروج إذا هدأت الرجل، فإن الله تعالى يبث في الليل من خلقه ما شاء».

غريبة : في كتاب البشر بخير البشر، عن مالك بن نفيع أنه قال: ند بعير لي، فركبت نجيبة لي وطلبته حتى ظفرت به، فأخذته وانكفأت راجعا إلى أهلي، فأسريت ليلتي حتى كدت أصبح، فأنخت النجيبة والبعير وعقلتهما، واضطجعت في ذرا كثيب رمل، فلما كحلني الوسن، سمعت هاتفا يقول: يا مالك يا مالك، لو فحصت عن مبرك القعود البارك، لسرك ما هنا لك، قال:

فثرت وأثرت البعير عن مبركه، وحفرت فعثرت على صنم في صورة امرأة من صفاة صفراء كالورس، مجلوّا كالمرآة، فأخرجته ومسحته بثوبي ونصبته قائما فما تمالكت أن خررت له ساجدا.

ثم قمت فنحرت البعير له ورششته بدمه، وسميته غلابا ثم حملته على النجيبة، وأتيت به أهلي، فحسدني عليه كثير من قومي، وسألوني نصبه لهم ليعبدوه معي، فأبيت عليهم وانفردت لعبادته، وجعلت على نفسي كل يوم عتيرة، وكانت لي ثلة من الضأن، فأتيت على آخرها، فأصبحت يوما وليس لي ما أعتره، وكرهت الاخلال بنذري، فأتيته فشكوت إليه ذلك فإذا هاتف من جوفه يقول: يا مال يا مال، لا تأس على مال، سر إلى طوى الأرقم، فخذ الكلب الأسحم، الوالغ في

الدم ثم صد به تغنم. قال مالك: فخرجت من فوري إلى طوى الأرقم، فإذا كلب أسحم هائل المنظر، قد وثب على قرهب، يعني ثورا وحشيا، فصرعه وأنا أنظر إليه، ثم بقر بطنه وجعل يلغ في دمه فتهيبته، ثم تجاسرت فتقدمت عليه وهو مقبل على عقيرته، لم يلتفت إلي فشددت في عنقه حبلا، ثم جذبته فتبعني فأتيت راحلتي فأثرتها وقدتها، إلى القرهب وأنختها فجررته وحملته عليها، ثم قدتها وسرت قاصدا إلى الحي والكلب يلوذ بي، فعنت لي ظبية فجعل الكلب يثب ويجاذبني الحبل، فترددت في إرساله ثم أرسلته، فمر كالسهم حتى اختطفها، فأتيته فجاذبته إياها، فأرسلها من يديه، فاستقر بي السرور، وأتيت إلى أهلي فعترت الظبية لغلاب، ووزعت لحم القرهب وبت بخير ليلة.

ثم باكرت به الصيد، فلم يفته حمار ولا ماطلة ثور، ولا اعتصم منه وعل، ولا أعجزه ظبي، فتضاعف سروري به، وبالغت في إكرامه وسميته سحاما. فلبثت كذلك ما شاء الله. فإني لذات يوم أصيد به، إذ بصرت بنعامة على أدحيها، وهي قريبة مني فأرسلته عليها فأجفلت أمامه، وأتبعتها على فرس جواد، فلما كاد الكلب أن يثب عليها، انقضت عليه عقاب من الجو، فكر راجعا نحوي، فصحت به فما كذب، وأمسكت الفرس فجاء سحام حتى دخل بين قوائمها، ونزلت العقاب أمامي على شجرة، وقالت: سحام! قال الكلب: لبيك. قالت: هلكت الأصنام، وظهر الإسلام، فأسلم تنج بسلام، وإلا فليست بدار مقام. ثم طارت العقاب وتبصرت سحاما فلم أره وكان آخر عهدي به.

قوله طوى أرقم، الطوى بئر مطوية بالحجارة، والأسحم الأسود وبه سمي الكلب سحاما، فهو فعال من ذلك. وقوله: بنعامة على أدحيها، أي الموضع الذي فيه بيضها وقوله ما كذب أي ما توقف ولا انثنى.

فائدة : روى الحاكم في المستدرك، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، قالت:

قدمت امرأة من أهل دومة الجندل علي تبتغي رسول الله ﷺ، بعد موته بيسير، تسأله عن شيء دخلت فيه، من أمر السحر لم تعلم به، قالت: فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله ﷺ، حتى إني لأرحمها من كثرة بكائها، وهي تقول: إني أخاف أن أكون قد هلكت، فسألتها عن قصتها، فقالت: كان لي زوج قد غاب عني، فدخلت علي عجوز فشكوت لها حالي، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فإنه يأتيك بعلك! فقلت: إني أفعل. فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبت أحدهما، وتركت الآخر، فلم يكن بأسرع حتى وقفنا ببابل، فإذا أنا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا: ما حاجتك؟ وما جاء بك؟ فقلت: أتعلم السحر؟ فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري! وارجعي. فأبيت وقلت: لا أرجع. قالا: فاذهبي إلى التنور فبولي فيه، فذهبت إليه فاقشعر جلدي ففزعت منه، ولم أفعل فرجعت إليهما، فقالا لي: فعلت؟ قلت: نعم. قالا: هل رأيت شيئا؟ قلت: لم أر شيئا. فقالا: لم تفعلي. ارجعي إلى بلادك لا تكفري، فأبيت فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه فذهبت إليه فاقعشر جلدي وخفت ثم رجعت إليهما فقالا لي: ما رأيت؟ إلى أن قالت: فذهبت في الثالثة فبلت فيه فرأيت فارسا مقنعا بالحديد، خرج مني حتى ذهب في السماء، فأتيتهما فأخبرتهما فقالا: صدقت، ذاك إيمانك خرج منك، اذهبي.

فقلت للمرأة: والله ما علمت شيئا، ولا قالا لي شيئا! فقالت لي: بلى لن تريدي شيئا إلا كان. خذي هذا القمح فابذريه، فأخذته فبذرته. وقلت له: اطلع فطلع ثم قلت استحصد فاستحصد، ثم قلت: انطحن فانطحن، ثم قلت: انخبز فانخبز. فلما رأيت أني لا أقول شيئا إلا كان سقط في يدي فندمت، والله يا أم المؤمنين ما فعلت قط ولا أفعله أبدا. فسألت أصحاب رسول الله ﷺ فما دروا ما يقولون لها، وكلهم هاب أن يفتيها بما لا يعلم إلا أنهم قالوا لها: لو كان أبواك حيين أو أحدهما لكانا يكفيانك. ثم قال الحاكم: صحيح انتهى.

قال هشام بن عروة، وهو راوي الحديث، عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنهم كانوا أي الصحابة ﵃ أهل ورع وخشية لله، وبعد من التكلف والجراءة على الله، فلذلك أمسكوا عن الفتيا لها ولو جاءتنا اليوم لوجدت الأمر بخلاف ذلك. قال بعض الحنابلة:

قلت: فقد بان بهذا أن السحر والإيمان لا يجتمعان في قلب، ولا يصير ساحرا وفي قلبه إيمان، فاعتبر بحال هذه المرأة المسكينة كيف ألقاها الشيطان والهوى والنفس الأمارة بالسوء، في ورطة هلكة لا تجبر مصيبتها، وهذا دأب المعاصي تنكس الرؤوس وتوجب الحبوس، وتضاعف البؤس، ولقد أحسن القائل حيث قال:

إذا ما دعتك النفس يوما لحاجةوكان عليها للخلاف طريق
فخالف هواها ما استطعت فإنماهواها عدو والخلاف صديق

تذنيب : للسحر حقيقة وتأثير وقيل لا، والصحيح أن الصواب الأول، دل عليه ظاهر القرآن والسنة. قال المازري: اختلف العلماء في القدر الذي يقع به السحر، ولهم فيه اضطراب، فقال بعضهم: لا يزيد تأثيره على قدر التفريق بين المرء وزوجه، لأن الله تعالى إنما ذكر ذلك تعظيما لما يكون عنده، وتهويلا له في حقنا فلو وقع به أعظم منه لذكره، لأن المثل لا يضرب عند المبالغة، إلا بأعلى أحوال المذكور. ومذهب الأشعريين أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك، قال: وهذا هو الأصح، لأنه لا فاعل إلا الله تعالى، وما وقع من ذلك فهو عادة أجراها الله تعالى، ولا تفترق الأفعال في ذلك وليس بعضها أولى من بعض، ولو ورد الشرع بقصوره عن مرتبة، لوجب المصير إليه.

ولكن لا يوجد شرع قاطع بوجوب الاقتصار على ما قال القائل الأول، وذكر التفرقة بين الزوجين في الآية ليس بنص في منع الزيادة وإنما النظر في أنه ظاهر أم لا. فإن قيل: إذا جوزت الأشعرية خرق العادة على يد الساحر، فبماذا يتميز عن النبي؟ فالجواب أن العادة تنخرق على يد النبي والولي والساحر، لكن النبي يتحدى الخلق بها، ويستعجزهم عن الاتيان بمثلها، ويخبر عن الله تعالى بخرق العادة بها لتصديقه، فلو كان كاذبا لم تنخرق على يديه، ولو خرقها الله على يد كاذب لخرقها على يد المعارضين للأنبياء، وأما الولي والساحر فلا يتحديان الخلق، ولا يستدلان على نبوة، ولو ادعيا شيئا من ذلك، لم تنخرق العادة لهما.

وأما الفرق بين الولي والساحر، فمن وجهين أحدهما، وهو المشهور، اجماع المسلمين على أن

السحر لا يظهر إلا على يد فاسق، والكرامة لا تظهر إلا على يد ولي، ولا تظهر على يد فاسق، وبهذا جزم إمام الحرمين، وأبو سعيد المتولي وغيرهما. والثاني أن السحر يكون ناشئا بفعل ومزج ومعاناة وعلاج، والكرامة لا تفتقر إلى ذلك وفي كثير من الأوقات يقع ذلك اتفاقا، من غير أن يستدعيه أو يشعر به والله تعالى أعلم.

وأما ما يتعلق بالمسألة من فروع الفقه، فتعلم السحر وتعليمه حرام على الصحيح.

والصواب عدم جواز تعليمه لكل أحد يريد تعلمه، وقال القاضي حسين وإبراهيم المروزي: إن كان في تعليمه ترك طاعة لله ﷿ لا يجوز، وإن لم يكن فإن قصد بتعلمه دفع ضرر سحر الناس عن نفسه جاز، وإن قصد تعلمه ليسحر الناس لم يجز انتهى. والخلاف فيما إذا كان لا يتوقف على اعتقاد كفر أو مباشرة محظور كترك صلاة وغيرها، أما إذا توقف على ذلك فتعلمه حرام بالإجماع، والسحر من الكبائر.

ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد أن الساحر يكفر لقوله تعالى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ

لأنهم إنما نسبوا سليمان ﵇ إلى السحر لا إلى الكفر. ولقوله تعالى حكاية عن الملكين إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ

ومذهب الشافعي أنه لا يكفر إلا أن يكون فيه قول أو فعل يقتضي الكفر. قال الرافعي: من اعتقد إباحته فهو كافر. وقال ابن الصباغ: إن اعتقد التقرب إلى الكواكب السبعة وإنها تجيب إلى ما يقترح منها، فهو كافر. وعن القفال أنه لو قال: أنا أفعل السحر بقدرتي دون قدرة الله تعالى فهو كافر. فلو تاب الساحر قبلت توبته عند الشافعي ﵀. وقال مالك ﵀: السحر زندقة، فإن قال: أنا أحسن السحر قتل، ولا تقبل توبته كما لا تقبل توبة الزنديق.

وعن أبي حنيفة ﵀ مثله. وعن الإمام أحمد ﵀ روايتان كالمذهبين. وقال أبو حنيفة ﵁: إن المرأة الساحرة تحبس ولا تقتل، وأما الساحر الذمي فلا يقتل إلا أن يضر بالمسلمين فيقتل لنقضه العهد. وقال أبو حنيفة ﵁: يقتل مطلقا، ويقال للرجل المسحور مطبوب.

يقال طب الرجل إذا سحر، فكنوا بالطب عن السحر، كما كنوا بالسليم عن اللديغ. قال ابن الأنباري: الطب من الأضداد، يقال لعلاج الداء طب وللسحر طب، وهو من أعظم الأدواء، ورجل طبيب أي حاذق سمي طبيبا لحذقه وفطنته والله تعالى أعلم.

فائدة أدبية : دخل أبو العلاء المعري يوما على الشريف المرتضى فعثر برجل، فقال له الرجل: من هذا الكلب؟ فقال أبو العلاء: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسما. فقربه المرتضى واختبره فوجده علامة. ثم جرى ذكر المتنبي يوما فتنقصه الشريف المرتضى وذكر معايبه، فقال المعري: لو لم يكن للمتنبي من الشعر إلا قوله:

لك يا منازل في القلوب منازل

لكفاه فضلا وشرفا، فغضب الشريف المرتضى وأمر بسحبه برجله وإخراجه من المسجد، ثم

قال لمن يحضر مجلسه: تدرون أي شيء أراد هذا الأعمى بذكر هذه القصيدة وللمتنبي أجود منها ولم يذكره؟ قالوا: لا. قال: إنما أراد أن يذمني بقوله فيها:

وإذا أتتك مذمتي من ناقصفهي الشهادة لي بأني كامل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

وسئل شيخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد عن أبي العلاء المعري، فقال: هو في حيرة.

وهذا أحسن ما قيل فيه.

فائدة أخرى : قال أبو نواس محمد بن هانىء في طريدته:

أتعب كلبا أهله في كدهقد سعدت جدودهم بجده
فكلّ خير عندهم من عندهوكلّ رفد نالهم من رفده
يظلّ مولاه له كعبدهيبيت أدنى صاحب من فهده
إذا عرى جلله ببردهذا غرة محجلا بزنده
يلذّ منه العين حسن قدهيا حسن شدقيه وطول خده

قيل: دخل أبو بكر الخالدي على الخليفة، فأنشده قصيدة امتدحه بها فأجازه، وكان بين يديه صحن يشم أزرق، فلمحه أبو بكر فأعطاه الخليفة إياه فخرج من عنده وهو مسرور، فمر على أبي الفتح بن خالويه فهناه أبو الفتح بذلك، فلما أصبح جاء إلى الخدمة، فقال له الخليفة: كيف حالك وكيف كان مبيتك؟ قال: بخير ودعا له، وقال: بتنا ندعوا لمولانا أمير المؤمنين، وبت أتفنن في الصحن وأتملى بحسنه، فأضفته إلى صدقات مولانا ورفده، وكل خير عندنا من عنده، فتنمر أمير المؤمنين، واستشاط غضبا وزجره، فخرج من عنده حزينا كئيبا، فمر على ابن خالويه فسأله عن السبب وما الخبر فأخبره بما قال، فقال له أبو الفتح: أو قلتها؟ فقال: نعم. فقال: أين أنت؟

أتجعل أمير المؤمنين كلبا أين ذهب عقلك؟ أو ما سمعت قول أبي نواس في طريدته:

فكلّ خير عندهم من عندهوكلّ رفد نالهم من رفده

فكاد الخالدي أن يموت فزعا ثم قال له: عرفني كيف المخلص؟ قال: تمارض مدة ثم أظهر أنك شفيت ثم تأتي أمير المؤمنين، فإذا سألك عن سبب مرضك، فقل له: طالعت طريدة أبي نواس، فلما فعل ذلك رضي عنه أمير المؤمنين.

فائدة أخرى

: اختلفوا في قوله تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً

أكثر أهل التفسير على أن كلب أهل الكهف كان من جنس الكلاب. وروى عن ابن جريج أنه قال: كان أسدا ويسمى الأسد كلبا لأن النبي ﷺ دعا

على عتبة بن أبي لهب «أن يسلط الله عليه كلبا من كلابه» فأكله الأسد. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان كلبا أغبر.

وفي رواية عنه أحمر، واسمه قطمير. وقال مقاتل: كان أصفر. وقال القرطبي: صفرته تضرب إلى الحمرة. وقال الكلبي: كان خلنجي اللون. وقيل: كان لونه لون السماء. وقيل: كان أبلق أبيض وأسود وأحمر. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: اسمه ريان. وقال الأوزاعي:

مشير.

وقال سعيد الحمال: حران. وقال عبد الله بن سلام: بسيط. وقال كعب الأحبار: صيها، وقال وهب: نقيا. وقصة الإمام مالك في ذلك مشهورة معروفة. وقال فرقة: كان رجلا طباخا لهم، حكاه الطبري. وقال فرقة: كان أحدهم. وكان قد قعد عند باب الغار طليعة لهم فسمي باسم الحيوان الملازم لذلك الموضع من الناس، كما سمي النجم التابع للجوزاء كلبا، لأنه منها كالكلب من الإنسان. وهذا القول يضعفه بسط الذراعين، فإنه في العرف من صفة الكلب. وحكى أبو عمرو المطرزي في كتاب اليواقيت وغيره، أن جعفر بن محمد الصادق قرأ: (وكالبهم) فيحتمل أنه يريد هذا الرجل.

وقال خالد بن معدان: ليس في الجنة من الدواب سوى كلب أهل الكهف، وحمار العزيز، وناقة صالح وقد تقدم في أوائل باب السين المهملة في السبع الكلام على قوله تعالى: سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ

ونزيد هنا أن قوله تعالى: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ

أن المثبت في حق الله تعالى الأعلمية، وفي حق القليل العالمية، فلا تعارض بينهما. قال ابن عطية المفسر: حدثني أبي أنه سمع أبا الفضل بن الجوهري، في سنة تسع وستين وأربعمائة، يقول: إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم. كلب أحب أهل فضل وصحبهم، فذكره الله في القرآن معهم.

وأما الوصيد، فاختلف المفسرون فيه فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الوصيد فناء الكهف، وهو قول مجاهد رضي الله تعالى عنه، وقال سعيد بن جبير: الوصيد التراب. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضا. وقال السدي: الباب. وهو رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأنشد في ذلك:

بأرض فضاء لا يسد وصيدهاعلي ومعروفي بها غير منكر

أي بابها وقال عطاء: الوصيد عتبة الباب. وقال العتبي: هو البناء الذي من فوقه ومن تحته، مأخوذ من قولهم أوصدت الباب وآصدته. أي أغلقته وأطبقته لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ

يا محمد لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً

، أي هربا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً

، لما ألبسهم الله ومن الهيبة، حتى لا يصل إليهم واصل منعهم بالرعب، لئلا يراهم أحد. وقيل: إنما ذلك من وحشة المكان الذي هم فيه.

وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: غزونا مع معاوية غزوة المضيق نحو

الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب أهل الكهف الذين ذكرهم الله في القرآن، فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقلت له: ليس لك ذلك قد منع الله ذلك من هو خير منك، فقال تعالى: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً

فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم. ثم بعث ناسا لينظروا، فقال: اذهبوا فادخلوا الكهف، فذهبوا فلما دخلوا الكهف، بعث الله عليهم ريحا فأخرجتهم.

وذكر الثعلبي وغيره أن النبي ﷺ سأل الله أن يريه إياهم، فقال تعالى: إنك لن تراهم ولكن ابعث إليهم أربعة من كبار أصحابك ليبلغوهم رسالتك ويدعوهم إلى الإيمان بك فقال النبي ﷺ لجبريل: «كيف أبعث إليهم» ؟ فقال له جبريل ﵇: أبسط كساءك واجلس على طرف من أطرافه أبا بكر، وعلى الطرف الثاني عمر، وعلى الطرف الثالث عثمان، وعلى الطرف الرابع عليا، ثم ادع الريح الرخاء المسخرة لسليمان، فإن الله يأمرها أن تطيعك. ففعل ذلك ﷺ، فحملتهم الريح إلى باب الكهف فقلعوا منه حجرا، فحمل عليهم الكلب، فلما رآهم حرك رأسه وبصبص إليهم وأومأ إليهم برأسه، أن ادخلوا فدخلوا الكهف. فقالوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد الله إلى الفتية أرواحهم، فقاموا بأجمعهم فقالوا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقالوا: معشر الفتية، إن النبي محمد بن عبد الله ﷺ يقرأ عليكم السلام، فقالوا: وعلى محمد السلام مادامت السموات والأرض، وعليكم بما أبلغتم، وقبلوا دينه، ثم قالوا:

اقرؤوا على محمد ﷺ منا السلام، وأخذوا مضاجعهم وصاروا إلى رقدتهم إلى آخر الزمان، عند خروج المهدي، فيقال: إن المهدي يسلم عليهم، فيحييهم الله ويردون ﵇، ثم يرجعون إلى رقدتهم فلا يقومون حتى تقوم الساعة.

ثم ردتهم الريح فقال لهم النبي ﷺ: «كيف وجدتموهم» ؟ فأخبروه الخبر فقال النبي ﷺ:

«اللهم لا تفرق بيني وبين أصحابي وأنصاري، واغفر لمن أحبني، وأحب أهل بيتي وخاصتي».

واختلف في سبب مصيرهم إلى الكهف، فقال محمد بن اسحاق: مرح أهل الإنجيل وعظمت فيهم الخطايا، وأطغتهم الجن حتى عبدوا الأصنام، وذبحوا للطواغيت، وكانت فيهم بقايا على دين المسيح، يعبدون الله، وكان ملكهم اسمه دقيانوس، وكان قد عبد الأصنام وذبح للطواغيت، حتى نزل مدينة أصحاب الكهف، وهي أفسوس، فهرب منه أهل الإيمان، وكان حين قدمها، أمر أن يجمع له أهل الإيمان، فمن وقع به خيره بين القتل وعبادة الأصنام، فمنهم من يرغب في الحياة، ومنهم من يأبى فيقتل.

ثم أمر بأجسادهم أن تعلق على سور المدينة وعلى كل باب، فحزن هؤلاء الفتية، وأقبلوا على الصلاة والصيام والتسبيح والدعاء، وكانوا ثمانية من أشراف القوم، فعثر عليهم الملك فقال لهم: اختاروا: إما أن تعبدوا آلهتنا، وإما أن أقتلكم! فقال مكسلمينا، وهو أكبرهم: إن لنا إلها هو ملك السموات والأرض، وهو أعظم وأجل من كل شيء، وهو المعبود، فلن ندعو من دونه إلها. فقال الملك: ما يمنعني أن أعجل لكم العقوبة إلا أنكم شباب، وأحب أن أجعل لكم أجلا

لعلكم تتذكرون فيه، وتراجعون عقولكم.

فأخذوا من بيوتهم نفقة، وخرجوا إلى الكهف يعبدون الله، فأتبعهم كلب كان لهم، وقال كعب: بل مروا بكلب، فنبح بهم فطردوه، فعاد فطردوه مرارا، وهو يعود فقام الكلب على رجليه ورفع يديه إلى السماء، كهيئة الداعي ونطق فقال: لا تخافوا مني فإني أحب أحباء الله، فناموا حتى أحرسكم.

وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هربوا ليلا، وكانوا سبعة، فمروا براع معه كلب فأتبعهم على دينهم فجعلوا يعبدون الله في الكهف، وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم، يقال له تمليخا، فكان يبتاع لهم طعامهم من المدينة، وكان من أجملهم وأجلدهم، وكان إذا دخل المدينة لبس ثياب المساكين، واشترى طعامهم وتجسس لهم الأخبار، فلبثوا كذلك زمانا، ثم أخبرهم تمليخا أن الملك يتطلبهم، ففزعوا لذلك وحزنوا، فبينما هم كذلك عند غروب الشمس، يتحدثون ويتدارسون، إذ ضرب الله على آذانهم في الكهف، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، فأصابه ما أصابهم، فسمع الملك أنهم في جبل فألقى الله في نفسه أن يأمر بالكهف فيسد عليهم، حتى يموتوا جوعا وعطشا وهو يظنهم أيقاظا، أراد الله بذلك أن يكرمهم، وأن يجعلهم آية لخلقه.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حياة الحيوان الكبرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.