من «حياة الحيوان الكبرى» لكمال الدين الدميري (ت ٨٠٨هـ)
الكلب (٢)
وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم، والملائكة تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، ثم عمد رجلان مؤمنان كانا في بيت الملك، فكتبا شأن الفتية وأسماءهم وأنسابهم، في لوح من رصاص، وجعلاه في تابوت من نحاس، وجعلاه في البنيان.
وقال عبيد بن عمير: كان أصحاب الكهف فتية مطوقين مصورين ذوي ذوائب، وكان معهم كلب صيد فخرجوا في عيد لهم وأخرجوا آلهتهم التي كانوا يعبدونها فقذف الله في قلوبهم الإيمان، وكان أحدهم وزير الملك، فآمنوا وأخفى كل واحد منهم إيمانه عن صاحبه، فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة، ثم خرج آخر فرآه فظن أن يكون على مثل أمره، وجاء من غير أن يظهر له ذلك، ثم خرج الآخرون واحدا بعد واحد حتى اجتمعوا تحت الشجرة. فقال بعضهم لبعض: ما جمعكم ههنا؟ ثم قالوا: ليخرج كل فتيين فيخلوا ثم يفش كل واحد منهما أمره إلى صاحبه، فخرج فتيان فذكر كل واحد منهما لصاحبه أمره، فأقبلا مستبشرين قد اتفقا على أمر واحد، ثم فعلوا جميعا كذلك فإذا هم جميعا على الإيمان. فقال بعضهم لبعض: ائووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته، ويهييء لكم من أمركم مرفقا، فدخلوا الكهف ومعهم كلبهم، فناموا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، فلما لم يجدوهم كتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح: فلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم، في شهر كذا في سنة كذا، في مملكة فلان بن فلان. ووضعوا اللوح في خزانة الملك، وقالوا: ليكونن لهذا شأن.
وقال السدي: لما خرجوا، مروا براع معه كلب، فقال الراعي: إني أتبعكم على أن أعبد الله معكم، قالوا: سر فسار معهم، وتبعهم الكلب فقالوا: يا راعي هذا الكلب ينبح علينا، وينبه بنا فما لنا به من حاجة. فطردوه فأبى إلا أن يلحق بهم، فرجموه فرفع يديه كالداعي، وأنطقه الله تعالى فقال: يا قوم لم تطردونني لم تضربونني لم ترجمونني؟ فو الله لقد عرفت الله قبل أن
تعرفوه بأربعين سنة فتعجبوا من ذلك وزادهم الله بذلك هدى.
وقال محمد الباقر: كان أصحاب الكهف صياقلة، واسم الكهف حيوم، والقصة طويلة مشهورة في كتاب التفاسير والقصص مطولا ومختصرا، وقد وقفت على جمل من ذلك. فمن ذلك ما ساقه الإمام أبو اسحاق محمد بن أحمد بن إبراهيم النيسابوري الثعلبي، في كتابه الكشف والبيان في تفسير القرآن، وربما يتكرر شيء مما تقدم، فيما آتي به. قال: قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً
يعني ليسوا من أعجب آياتنا، فإنّ فيم خلقت من السموات والأرض وما فيهن من العجائب أعجب منهم. والكهف هو الغار في الجبل.
واختلفوا في الرقيم، فقال وهب: حدثني النعمان بن بشير الأنصاري أنه سمع رسول الله ﷺ يذكر الرقيم، قال: إن ثلاثة نفر خرجوا مرتادين لأهليهم، فبينما هم يمشون إذ أصابتهم السماء، فأووا إلى كهف، فانحطت صخرة من الجبل، فانطبقت على باب الكهف، فأوصد عليهم، فقال قائل منهم: اذكروا أيكم عمل عملا حسنا، لعل الله برحمته أن يرحمنا، فقال رجل منهم: إني قد عملت حسنة مرة، كان لي أجراء يعملون عملا لي، استأجرت كل رجل منهم في نهاره بأجرة معلومة، فجاءني رجل منهم ذات يوم وسط النهار، فاستأجرته بشطر أجرة أصحابه، فعمل في بقية نهاره كما عمل رجل منهم في نهاره كله، فرأيت علي من الذمام، أن لا أنقصه عما استأجرت من أصحابه، لما رأيت من جهده في عمله.
فقال رجل منهم: أتعطي هذا مثل ما أعطيتني ولم يعمل إلا وسط النهار؟ فقلت: يا عبد الله لم أبخسك شيئا من شرطك، وإنما هو مالي أحكم فيه بما شئت. فغضب وترك أجره فوضعت حقه في جانب من البيت ما شاء الله، ثم مرت بي بعد ذلك بقر فاشتريت له بها فصيلة من البقر، فبلغت ما شاء الله، فمر بي بعد حين رجل شيخ كبير لا أعرفه، فقال لي: إن لي عندك حقا فذكرنيه حتى عرفته، قلت له: إياك أبغي، وهذا حقك وعرضتها عليه جميعا، فقال: يا عبد الله لا تسخر بي إن لم تصدق علي فأعطني حقي! قلت: والله ما أسخر بك إنها لحقك، مالي فيها شيء فدفعتها إليه جميعا. اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا الحجر، فانصدع الحجر ففرج حتى رأوا وأبصروا.
وقال الآخر: قد عملت حسنة مرة، كان لي فضل، وأصابت الناس شدة، فجاءتني امرأة تطلب مني معروفا، فقلت لها: والله ما هو دون نفسك، فأبت علي وذهبت، ثم رجعت فذكرتني بالله ﷿، والله مطلع عليها فأبيت عليها وقلت لها: والله ما هو دون نفسك، فأبت علي وذهبت، وذكرت لزوجها فقال لها: أعطيه نفسك وأغيثي عيالك! فرجعت إلي ونشدتني بالله، فأبيت عليها وقلت لها: والله ما هو دون نفسك! فلما رأت ذلك، أسلمت إلي نفسها، فلما كشفتها وهممت بها ارتعدت من تحتي، فقلت لها: ما شأنك؟ فقالت: إني أخاف الله رب العالمين! فقلت لها: خفته في الشدة ولم أخفه في الرخاء! وتركتها وأعطيتها ما يحق علي بما كشفتها. اللهم إن كنت
فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا الحجر فانصدع حتى عرفوا وتبين لهم.
وقال الآخر: قد عملت حسنة مرة، كان لي أبوان شيخان كبيران، وكان لي غنم فكنت أطعم والدي وأسقيهما، ثم أرجع إلى غنمي، فأصابني يوما غيث، فحبسني حتى أمسيت، فأتيت أهلي وأخذت محلبي، فحلبت غنمي وتركتها قائمة، ومضيت إلى أبوي، فوجدتهما قد ناما، فشق علي أن أوقظهما، وشق علي أن أترك غنمي، فما برحت جالسا ومحلبي على يدي، حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا. قال النعمان بن بشير: لكأني أسمع من رسول الله ﷺ يقول: «قال الجبل طاق طاق ففرج الله عنهم فخرجوا».
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الرقيم واد بين عمان وأيلة دون فلسطين، وهو الوادي الذي فيه أصحاب الكهف.
وقال كعب: هي قريتهم وهو على هذا التأويل من رقمة الوادي، وهو موضع الماء منه، تقول العرب: عليك بالرقمة ودع الضفة. والضفتان جانبا الوادي.
وقال سعيد بن جبير: الرقيم لوح من حجارة. وقيل: من رصاص كتبوا فيه أسماء أهل الكهف، وهو على هذا التأويل بمعنى المرقوم أي الكتاب المرقوم. والرقم الخط والعلامة والرقم الكتابة. ثم ذكر صفتهم فقال تعالى: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ
أي رجعوا وصاروا إليه.
واختلفوا في سبب مصيرهم إلى الكهف، فقال محمد بن اسحاق: مرح أهل الإنجيل وكثرت الخطايا فيهم، وعظمت الذنوب وطغت فيهم الملوك، حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت، وفيهم بقايا على دين المسيح عيسى ابن مريم ﵉، متمسكين بعبادة الله وتوحيده.
فكان ممن فعل ذلك ملك من ملوكهم من الروم، يقال له دقيانوس، كان قد عبد الأصنام وذبح للطواغيت، وقتل من خالفه في ذلك ممن أقام على دين المسيح، وكان ينزل قرى الروم فكان لا يترك فيها أحدا مؤمنا إلا فتنة، حتى يعبد الأصنام ويذبح للطواغيت، حتى نزل مدينة أصحاب الكهف، وهي أفسوس، فلما نزلها كبر ذلك على أهل الإيمان فاستخفوا منه، وهربوا في كل وجه.
وكان دقيانوس قد أمر حين قدمها أن يتتبع أهل الإيمان في أماكنهم، فيجمعوا له واتخذ شرطة من الكفار، من أهلها فجعلوا يتتبعون أهل الإيمان، في أماكنهم فيخرجونهم إلى دقيانوس، فيقدمهم إلى الجامع الذي يذبح فيه للطواغيت، فيخيرهم بين القتل وعبادة الأصنام والذبح للطواغيت، فمنهم من يرغب في الحياة، ومنهم من يأبى أن يعبد غير الله تعالى فيقتل.
فلما رأى أهل ذلك البلد الشدة في الإيمان بالله جعلوا يسلمون أنفسهم للعذاب والقتل، فيقطعون ويعلق ما قطع من أجسادهم على سور المدينة ونواحيها كلها، وعلى كل باب من أبوابها، حتى عظمت الفتنة على أهل الإيمان منهم، من أقر فترك، ومنهم من صلب على دينه فقتل.
فلما رأى ذلك الفتية، حزنوا حزنا شديدا فصلوا وصاموا واشتغلوا بالتسبيح والدعاء لله تعالى، وكانوا من أشراف الروم، وكانوا ثمانية فتفرقوا، وتضرعوا، وجعلوا يقولون: رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً، لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً
، اللهم اكشف عن عبادك المؤمنين، هذه الفتنة وادفع البلاء والغم عن عبادك، الذين آمنوا بك، حتى يعلنوا عبادتهم إياك، فبينما هم على ذلك إذا أدركهم الشرطة، وكانوا قد دخلوا في مصلى لهم، فوجدوهم سجدا على وجوههم يبكون ويتضرعون إلى الله تعالى، ويسألونه أن ينجيهم من دقيانوس وفتنته.
فلما رآهم أولئك الكفرة، قالوا لهم: ما خلفكم عن أمر الملك؟ انطلقوا إليه. ثم خرجوا من عندهم فرفعوا أمرهم إلى دقيانوس، فقالوا: نجمع الجميع وهؤلاء الفتية من أهل بيتك يسخرون بك ويعصون أمرك! فلما سمع ذلك منهم أتى بهم وأعينهم تفيض من الدمع، معفرة وجوههم في التراب، فقال لهم: ما منعكم أن تشهدوا الذبح للآلهة التي تعبد في الأرض، وأن تجعلوا أنفسكم كغيركم؟ فاختاروا إما أن تذبحوا لآلهتنا كما يذبح الناس، وإما أن أقتلكم؟ فقال مكسلمينا، وكان أكبرهم: إن لنا إلها ملأت السموات والأرض عظمته لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً، لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً
ولن نقر بهذا الذي تدعو إليه أبدا، ولكنا نعبد الله ربنا، له الحمد والشكر والتسبيح من أنفسنا خالصا أبدا، إياه نعبد وإياه نسأل النجاة والخير، فأما الطواغيت وعبادتها فلن نعبدها أبدا، اصنع ما بدا لك.
ثم قال أصحاب مكسلمينا لدقيانوس مثل ما قال له، فلما قالوا ذلك أمر فنزع منهم الملبوس الذي كان عليهم من لبوس عظمائهم، وقال: إن فعلتم ما فعلتم فإني سأؤخركم وأفرغ لكم وأنجزكم ما وعدتكم من العقوبة، وما يمنعني أن أعجل ذلك لكم إلا أني أراكم شبابا حديثة أسنانكم، فلا أحب أن أهلككم حتى أجعل لكم أجلا، تتذاكرون فيه وتراجعون عقولكم، ثم أمر بحلية كانت عليهم من ذهب وفضة فنزعت عنهم، ثم أمر بهم فأخرجوا من عنده وانطلق دقيانوس إلى مدينة سوى مدينتهم التي هم بها قريبة منهم، لبعض أموره فلما علم الفتية أن دقيانوس خرج من مدينتهم، بادروا قدومه وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يذكرهم فائتمروا بينهم، أن يأخذ كل رجل منهم نفقة من بيت أبيه فيتصدقوا منها، ثم يتزودوا بما بقي ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة، في جبل يقال له منحلوس، فيمكثون فيه ويعبدون الله تعالى، حتى إذا جاء دقيانوس، أتوه فقاموا بين يديه، فيصنع بهم ما شاء. فلما قال ذلك بعضهم لبعض، عمد كل فتى منهم إلى بيت أبيه، فأخذ نفقة فتصدقوا منها، وانطلقوا بما بقي معهم من نفقتهم، واتبعهم كلب كان لهم. حتى أتوا ذلك الكهف في الجبل فلبثوا فيه.
وقال كعب الأحبار: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه، فعاد ففعلوا ذلك مرارا، فقال لهم الكلب: ما تريدون مني؟ لا تخشوا جانبي فأنا أحب أحباب الله. فناموا حتى أحرسكم.
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هربوا ليلا من دقيانوس بن حلانوس حين دعاهم
إلى عبادة الأصنام، وكانوا سبعة فمروا براع معه كلب، فتبعهم على دينهم، فخرجوا من البلد فآووا إلى الكهف وهو قريب من البلدة، فلبثوا فيه، ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتكبير والتحميد، ابتغاء وجه الله، وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم، يقال له تمليخا، فكان على طعامهم يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سرا، وكان من أجملهم وأجلدهم، فكان تمليخا يصنع ذلك، فإذا دخل المدينة يضع ثيابا كانت عليه حسانا، ويلبس كثياب المساكين، الذين يطعمون فيها، ثم يأخذ ورقة ثم ينطلق إلى المدينة فيشتري لهم طعاما وشرابا، ويسمع ويتجسس لهم الخبر، هل ذكر أصحابه بشيء أم لا ثم يرجع إلى أصحابه.
فلبثوا كذلك ما لبثوا، ثم قدم دقيانوس الجبار المدينة فأمر العظماء، فذبحوا للطواغيت، ففزع لذلك أهل الإيمان، وكان تمليخا بالمدينة يشتري لأصحابه الطعام والشراب، فرجع لأصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل، فأخبرهم أن الجبار دقيانوس قد دخل المدينة، وأنهم قد ذكروا مع عظماء المدينة، ليذبحوا الطواغيت، فلما أخبرهم فزعوا ووقعوا سجدا يدعون الله تعالى، ويتضرعون إليه، ويتعوذون به من الفتنة، ثم إن تمليخا قال لهم: يا اخوتاه ارفعوا رؤوسكم وأطعموا من رزق الله، وتوكلوا عليه، فرفعوا رؤوسهم وأعينهم تفيض من الدمع، حزنا وخوفا على أنفسهم، فطعموا منه وذلك عند غروب الشمس، ثم جلسوا يتحدثون ويتدارسون، ويذكر بعضهم بعضا، فبينما هم على ذلك إذ ضرب الله على آذانهم في الكهف، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، فأصابه ما أصابهم، وهم مؤمنون موقنون ونفقتهم عند رؤوسهم.
فلما كان الغد تفقدهم دقيانوس والتمسهم فلم يجدهم، فقال لبعض أصحابه: قد ساءني هؤلاء الفتية الذين ذهبوا، لقد كانوا ظنوا بي غضبا عليهم لجهلهم ما جهلوا من أمري، وما كنت لأجهل عليهم، ولا على واحد منهم إن تابوا وعبدوا إلهي.
فقال له عظماء المدينة: ما أنت بحقيق أن ترحم قوما فجرة مردة عصاة، مقيمين على ظلمهم ومعصيتهم، قد كنت أجلتهم أجلا، ولو شاؤوا لرجعوا في ذلك الأجل، ولكنهم لم يتوبوا. فلما قالوا له ذلك: غضب غضبا شديدا، ثم أرسل إلى آبائهم فسأل عنهم؛ ثم قال:
أخبروني عن أبنائكم المردة الذين عصوني؟ فقالوا له: أما نحن فلن نعصيك، فلم تقتلنا بقوم مردة ذهبوا بأموالنا فأهلكوها بأسواق المدينة، ثم انطلقوا فارتقوا إلى جبل يقال له منحلوس، فلما قالوا له ذلك، خلى سبيلهم، وجعل ما يدري ما يفعل بالفتية، فألقى الله في نفس دقيانوس أن يأمر بالكهف فيسد عليهم.
وأراد الله أن يذكرهم ويجعلهم آية، ويستخلف من بعدهم، وأن يبين لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، ويدعوهم كما هم في الكهف يموتون عطشا وجوعا، وليكن كهفهم الذي اختاروا قبرا لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم. وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، قد غشيه ما غشيهم ذات اليمين وذات الشمال.
ثم إن رجلين مؤمنين كانا في بيت الملك دقيانوس، يكتمان إيمانهما، كان اسم أحدهما مندروس، والآخر دوماس، ائتمرا أن يكتبا أسماء الفتية وأنسابهم وخبرهم، في لوح رصاص يجعلاه في تابوت من نحاس، ثم يجعلا التابوت في البنيان، وقالا: لعل الله يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين، قبل يوم القيامة، فيعلم من فتح عليهم خبرهم، حين يقرأ هذا الكتاب. ففعلا ثم بنيا عليهم فبقي دقيانوس ما بقي، ثم مات وقومه وقرون بعد ذلك كثيرة، وخلفاء الملوك بعد الملوك.
وقال عبيد بن عمير: كان أصحاب الكهف فتيانا مطوقين مسورين ذوي ذوائب، وكان معهم كلب صيدهم فخرجوا في عيد لهم عظيم، في زي وموكب، وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، وقد قذف الله في قلوب الفتية الإيمان، وكان أحدهم وزير الملك، فآمنوا وأخفى كل واحد منهم الإيمان عن أخيه، فقالوا في أنفسهم، من غير أن يظهر بعضهم على بعض: نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم، لئلا يصيبنا عقاب بجرمهم، فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة، فجلس فيه ثم خرج آخر فرآه جالسا وحده، فرجا أن يكون على مثل أمره، من غير أن يظهر له ذلك، فجلس إليه ثم خرج الآخرون فجاؤوا وجلسوا إليهما.
واجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: ما جمعكم؟ وقال آخر: ما حملكم؟ وكل واحد يكتم عن صاحبه إيمانه، مخافة على نفسه، ثم قالوا: ليخرج كل فتيين منكم فيخلوا ثم ليفش كل واحد منهما لصاحبه أمره، فخرج فتيان منهم، فتوافقا. ثم تكلما، فذكر كل واحد منهما أمره لصاحبه، فأقبلا مستبشرين إلى أصحابهما، فقالا: قد اتفقنا على أمر واحد، فإذا هم جميعا على أمر واحد، وهو الإيمان، وإذا كهف في الجبل قريب منهم، فقال بعضهم لبعض: فأووا إلى الكهف، ينشر لكم ربكم من رحمته، ويهييء لكم من أمركم مرفقا، فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيدهم، فناموا ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا.
وفقدهم الملك وقومهم فطلبوهم فعمى الله عليهم آثارهم وكهفهم، فلما لم يقدروا عليهم، كتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح من رصاص: فلان وفلان أبناء ملوكنا، فقدناهم في شهر كذا من سنة كذا في مملكة فلان، ووضعوا اللوح في خزانة الملك وقالوا: ليكونن لهذا شأن ومات ذلك الملك وجاء قرن من بعد قرن.
وقال وهب بن منبه: جاء حواري عيسى ابن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلها، فقيل له: إن على بابها صنما لا يدخلها إلا سجد له، فكره أن يدخلها وأتى حماما قريبا من تلك المدينة، فكان فيه وكان يؤاجر نفسه من الحمامي في حمامه، ويعمل فيه ورأى الحمامي في حمامه البركة، ودر عليه الرزق، فجعل يقوم عليه وعلقه فتية من أهل المدينة، فجعل يخبرهم خبر السماء والأرض، وخبر الآخرة، حتى آمنوا بالله وصدقوه. وكانوا على مثل حاله من حسن الهيئة، وكان شرط على صاحب الحمام، أن الليل لا يحول بيني وبينه أحد، ولا بين الصلاة، وكان على ذلك، حتى أتى ابن الملك بامرأة، فدخل بها الحمام، فعيره الحمامي، وقال له: أنت ابن الملك
وتدخل مع هذه! فاستحيا وذهب، ثم رجع مرة أخرى، فقال له مثل ذلك فسبه وانتهره، ولم يلتفت إليه حتى دخلاه جميعا فماتا معا في الحمام.
فأتى الملك، فقيل له: صاحب الحمام قتل ابنك، فالتمس فلم يقدر عليه وهرب. فقال:
من كان يصحبه؟ فسموا الفتية فالتمسوا فخرجوا من المدينة، فمروا على صاحب لهم في زرع، وهو على مثل إيمانهم، فذكروا له أنهم التمسوا، فانطلق معهم، وكان معه كلب، حتى آواهم الليل إلى كهف، فقالوا: نبيت ههنا الليلة ثم نصبح، فترون رأيكم فضرب الله على آذانهم، فخرج الملك في أصحابه يطلبهم، فتبعوهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف، فكلما أراد الرجل منهم دخوله، أرعب فلم يطق أحد منهم أن يدخله، فقال قائل من أصحاب الملك: أليس لو كنت تقدر عليهم قتلتهم؟ قال: بلى. قال: فابن عليهم باب الكهف، واتركهم فيه يموتون جوعا وعطشا، ففعل ذلك.
قال وهب: فمكثوا بعد ما سد عليهم باب هذا الكهف، زمانا بعد زمان، ثم إن راعيا أدركه المطر عند باب الكهف، فقال في نفسه: لو فتحت باب هذا الكهف، وأدخلت فيه غنمي من المطر، فلم يزل يعالجه حتى فتحه، ورد الله عليهم أرواحهم من الغد، حين أصبحوا.
قال محمد بن اسحاق: ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح، يقال له تاودوسيوس، فلما ملك بقي في ملكه ثمانيا وثمانين سنة، فتحزب الناس في ملكه، وكانوا أحزابا، فمنهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذب بها، فكبر ذلك على الملك الصالح، وشكا إلى الله وتضرع إليه، وحزن حزنا شديدا، لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق، ويقولون: لا حياة إلا الحياة الدنيا، وإنما تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد، فأما الجسد فتأكله الأرض، ونسوا ما في الكتاب.
فجعل تاودوسيوس يرسل إلى كل من يظن فيه خيرا وأنه معه على الحق، فجعلوا يكذبون بالساعة، حتى كادوا يحولون الناس عن الحق وملة الحواريين، فلما رأى ذلك الملك الصالح تاودوسيوس، دخل بيته وأغلقه عليه ولبس مسحا، وجعل تحته رمادا ثم جلس عليه، فدأب ليلا ونهارا يتضرع إلى الله ويبكي مما يرى فيه الناس، ويقول: أي رب قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث إليهم من يبين لهم.
ثم إن الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العباد، أراد أن يظهر الفتية أصحاب الكهف، ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية تبين لهم، وحجة عليهم، ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يستجيب لعبده الصالح تاودوسيوس، وأن يتم نعمته عليه، وأن لا ينزع عنه ملكه ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يعبد الله ولا يشرك به شيئا، وأن يجمع من كان ببلده من المؤمنين، فألقى الله ﷿ في نفس رجل من أهل ذلك الجبل، الذي به أهل الكهف أن يبني فيه حظيرة لغنمه، فاستأجر عاملين، فجعلا ينزعان تلك الأحجار، ويبنيان بها تلك الحظيرة، حتى فرغ ما على فم الكهف، وفتح عليهم باب الكهف، وحجبهم الله عن الناس بالرعب، فيزعمون أن أشجع من يريد أن ينظر إليهم، من يدخل من باب الكهف، ثم يتقدم حتى يرى كلبهم دونهم،
إلى باب الكهف قائما، فلما نزعت الحجارة، وفتح عليهم باب الكهف، أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان، محيي الموتى، أن يجلسوا بين ظهراني الكهف، فجلسوا فرحين مستبشرة وجوههم، طيبة أنفسهم فسلم بعضهم على بعض، حتى كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون فيها، إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتون فيها، ثم قاموا إلى الصلاة، فصلوا كالذي كانوا يفعلون، لا يرى في وجوههم، ولا في أبشارهم، ولا في ألوانهم شيء يكرهونه، إنما هم كهيئتهم حين رقدوا، وهم يرون أن ملكهم دقيانوس الجبار في طلبهم.
فلما قضوا صلاتهم، قالوا لتمليخا صاحب نفقتهم: ائتنا يا أخي بالذي قال الناس في شأننا، عشية أمس عند الجبار، وهم يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون أمس، وقد خيل إليهم أنهم ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها، حتى تساءلوا بينهم، فقال بعضهم لبعض كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ
وكل ذلك في أنفسهم يسير، فقال لهم تمليخا: افتقدتم والتمستم بالمدينة، وهو يريد أن يأتي بكم اليوم، فتذبحون للطواغيت، أو يقتلكم، فما شاء الله بعد ذلك فعل. فقال لهم مكسلمينا: يا اخوتاه، اعلموا أنكم ملاقو الله، فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم غدا. ثم قال لتمليخا: انطلق إلى المدينة، فتسمع ما يقال لنا بها اليوم، وما الذي نذكر به عند دقيانوس، وتلطف ولا تشعرن بنا أحدا، وابتغ لنا طعاما وائتنا به، فإنه قد نالنا الجوع وزدنا على الطعام الذي تجيئنا به العادة، فإنه كان قليلا وقد أصبحنا جياعا.
ففعل تمليخا كما كان يفعل، وخرج ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها، وأخذ ورقا من نفقتهم، التي كانت معهم، التي ضربت بطابع دقيانوس، وكانت كخفاف الربع، فانطلق تمليخا خارجا، فلما مر بباب الكهف، رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف، فعجب منها، ثم مر فلم يبال بها حتى أتى باب المدينة مستخفيا، يصد عن الطريق تخوفا من أن يراه أحد من أهلها، فيعرفه فيذهب به إلى دقيانوس الجبار، ولم يشعر بالعبد الصالح، وأن دقيانوس وأهله قد هلكوا قبل ذلك بثلاثمائة سنة.
فلما رأى تمليخا باب المدينة، رفع رأسه فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل الإيمان، فلما رآها عجب وجعل ينظر إليها مستخفيا، فنظر يمينا وشمالا فلم ير أحدا ممن يعرفه. ثم ترك ذلك الباب، وتحول إلى باب آخر من أبوابها، فرأى مثل ذلك، فجعل يخيل إليه أن المدينة ليست بالتي كان يعرفها، ورأى ناسا كثيرين محدثين لم يكن يعرفهم قبل ذلك، فجعل يمشي ويتعجب منهم ومن نفسه، ويخيل إليه أنه حيران ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه، فجعل يتعجب منهم ومن نفسه، ويقول: يا ليت شعري أما هذه عشية أمس كان المسلمون يخفون هذه العلامة، ويستخفون بها فأما اليوم فإنها ظاهرة، لعلي حالم! ثم يرى أنه ليس بنائم.
فأخذ كساءه وجعله على رأسه، ثم دخل المدينة فجعل يمشي بين ظهراني سوقها فيسمع ناسا كثيرين يحلفون بالله، ثم بعيسى ابن مريم فزاده عجبا! ورأى كأنه حيران، فقام مسندا ظهره إلى جدار من جدران المدينة، ويقول في نفسه: والله ما أدري ما هذا؟ أما عشية أمس فليس على
وجه الأرض إنسان يذكر عيسى ابن مريم إلا قتل، وأما الغداة فأسمع كل إنسان يذكر أمر عيسى ابن مريم ولا يخاف. ثم قال في نفسه: لعل هذه المدينة ليست التي أعرفها، أسمع كلام أهلها ولا أعرف أحدا منهم. والله ما أعلم مدينة أقرب من مدينتنا، ثم قام كالحيران لا يتوجه وجها، ثم لقي فتى من أهل المدينة، فقال: يا فتى ما اسم هذه المدينة؟ فقال: افسوس. فقال في نفسه: لعل بي مسا أو أمرا أذهب عقلي، والله يحق لي أن أسرع إلى الخروج منها، قبل أن أخرج منها ويصيبني سوء فاهلك.
هذا الذي حدث به تمليخا أصحابه حين تبين له حالهم. ثم إنه أفاق فقال: والله لو عجلت الخروج من المدينة، قبل أن يفطن بي لكان أكيس بي، فدنا من الذين يبيعون الطعام، فأخرج الورق التي كانت معه، فأعطاها رجلا منهم فقال: يا عبد الله بعني بهذه الورق طعاما، فأخذها الرجل، ونظر إلى ضرب الورق ونقشها، وعجب منها ثم طرحها إلى رجل من أصحابه، فنظر إليها، ثم جعلوا يتطارحونها بينهم، من رجل إلى رجل، وهم يعجبون منها، ثم جعلوا يتشاورون من أجله، ويقول بعضهم: إن هذا الرجل قد أصاب كنزا خبيئا في الأرض منذ زمان ودهر طويل، فلما رآهم يتشاورون من أجله فرق فرقا شديدا، وحزن حزنا عظيما، وجعل يرتعد ويظن أنهم فطنوا به وعرفوه، وإنما يريدون أن يحملوه إلى ملكهم دقيانوس، وجعل أناس آخرون يأتونه فيتعرفونه، فقال لهم، وهو شديد الفرق: اقضوني حاجتي، فقد أخذتم ورقي، وإلا فامسكوا طعامك فلا حاجة لي فيه.
فقالوا له: من أنت يا فتى وما شأنك؟ والله لقد وجدت كنزا من كنوز الأولين وأنت تريد أن تخفيه منا، فانطلق معنا وشاركنا فيه، يخف عليك ما وجدت، فإنك إن لم تفعل نأت بك السلطان فنسلمك إليه فيقتلك، فلما سمع قولهم، عجب في نفسه وقال: قد وقعت في كل شيء أحذر منه، ثم قالوا: يا فتى والله أنك لا تستطيع أن تكتم شيئا وجدته، ولا تظن في نفسك أن ستخفى عليك. فجعل تمليخا لا يدري ما يقول، وما يرجع إليهم وفرق حتى ما يحير إليهم جوابا.
فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه فطوقوه في عنقه، ثم جعلوا يقودونه في سكك المدينة مكبلا، حتى سمع به كل من فيها. فقيل: أخذ رجل عنده كنز، واجتمع عليه أهل المدينة صغيرهم وكبيرهم، فجعلوا ينظرون إليه ويقولون: والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة، وما رأيناه فيها قط وما نعرفه، فجعل تمليخا ما يدري ما يقول لهم، مع ما سمع منهم. فلما اجتمع عليه أهل المدينة، فرق وسكت ولم يتكلم، ولو قال إنه من أهل المدينة لم يصدق. وكان مستيقنا أن أباه وأخوته بالمدينة، وأن حسبه في أهل المدينة، من عظماء أهلها، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا، وقد استيقن أنه عشية أمس، كان يعرف كثيرا من أهلها، وأنه لا يعرف اليوم من أهلها أحد.
فبينما هو قائم كالحيران ينتظر من يأتيه من أهله إما أبوه أو بعض إخوته، فيخلصه من أيديهم، إذ اختطفوه فانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ومدبريها اللذين يدبران أمرها، وهما رجلان صالحان، اسم أحدهما أرموس والآخر اصطفوس، فلما انطلق به إليهما، ظن تمليخا إنما ينطلق به إلى دقيانوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه. فجعل يلتفت يمينا وشمالا، وجعل الناس يسخرون
به، كما يسخرون من المجنون والحيران، وجعل تمليخا يبكي ثم رفع رأسه إلى السماء، وقال:
اللهم إله السماء وإله الأرض، أفرغ علي اليوم صبرا، وأولج معي روحا منك، تؤيدني به عند هذا الجبار، وجعل تمليخا يبكي ويقول في نفسه: فرق بيني وبين إخوتي يا ليتهم يعلمون ما لقيت، وأين يذهب به فلو أنهم يعلمون فيأتوني، فنقوم جميعا بين يدي هذا الجبار، فإنا كنا توافقنا لنكونن معا لا نكفر بالله ولا نشرك به شيئا، ولا نعبد الطواغيت من دون الله ﷿، فرق بيني وبينهم فلم أرهم ولم يروني، وقد كنا توافقنا أن لا نفترق في حياة ولا موت أبدا، يا ليت شعري ما هو فاعل بي أقاتلي أم لا؟
هذا ما حدث به تمليخا أصحابه عن نفسه حين رجع إليهم، ثم انتهي به إلى الرجلين الصالحين أرموس واصطفوس، فلما رأى تمليخا أنه لم يذهب به إلى دقيانوس أفاق وسكن عنه البكاء، فأخذ أرموس واصطفوس الورق فنظرا إليها وعجبا منها، ثم قال له أحدهما: أين الكنز الذي وجدته يا فتى؟ فهذا الورق يشهد عليك أنك قد وجدت كنزا! فقال له تمليخا: ما وجدت كنزا، ولكن هذا الورق ورق آبائي، ونقش هذه المدينة وضربها. ولكني والله ما أدري ما شأني وما أدري ما أقول لكم! فقال أحدهما: من أنت؟ فقال له تمليخا: أما ما أرى، فإني كنت أرى أني من أهل هذه المدينة. فقالوا له: من أبوك ومن يعرفك بها؟ فأنبأهم باسم أبيه، فلم يجدوا أحدا يعرفه ولا أباه. فقال له أحدهما: أنت رجل كذاب لا تخبر بالحق، فلم يدر تمليخا ما يقول لهم، غير أنه نكس رأسه إلى الأرض، فقال بعض من حوله: هذا الرجل مجنون، وقال بعضهم: ليس بمجنون ولكنه يحمق نفسه عمدا، لكي يفلت منكم. فقال له أحدهما ونظر إليه نظرا شديدا:
أتظن أنا نرسلك ونصدقك هذا مال أبيك، ونقش هذا الورق وضربها، أكثر من ثلاثمائة سنة؟
وأنت غلام شاب تظن أنك تأفكنا وتسخر بنا، ونحن شمط كما ترى، وحولك سراة أهل المدينة، وولاة أمرها وخزائن هذه البلدة بأيدينا، وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار.
وإني لأظنني سآمر بك فتضرب وتعذب عذابا شديدا، ثم أوثقك حتى تقر بهذا الكنز الذي وجدت.
فلما قال له ذلك، قال له تمليخا: أنبئوني عن شيء أسألكم عنه، فإن فعلتم صدقتكم ما عندي؟ قالوا: سل لا نكتمك شيئا. قال: فما فعل الملك دقيانوس؟ فقالوا له: ليس نعرف اليوم على وجه الأرض ملكا يسمى دقيانوس، ولم يكن إلا ملكا قد هلك منذ زمان ودهر طويل، وقد هلكت بعده قرون كثيرة.
فقال لهم تمليخا: فو الله ما يصدقني أحد من الناس بما أقول: لقد كنا فتية الملك، وأنه أكرهنا على عبادة الأوثان والذبح للطواغيت، فهربنا منه عشية أمس، فنمنا، فلما انتبهنا خرجت لأشتري لأصحابي طعاما وأتجسس لهم الأخبار، فإذا أنا كما ترون، فانطلقوا معي إلى الكهف الذي في جبل منحلوس، أريكم أصحابي، فلما سمع أرموس واصطفوس ما يقول تمليخا، قالا:
يا قوم لعل هذه آية من آيات الله ﷿، جعلها الله لكم على يدي هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه
يرينا أصحابه كما قال. فانطلق معه أرموس واصطفوس، وانطلق معهما أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم.
ولما رأى الفتية أصحاب الكهف، تمليخا قد احتبس عنهم بطعامهم وشرابهم، عن القدر الذي كان يأتيهم فيه، ظنوا أنه قد أخذ وذهب إلى ملكهم دقيانوس، الذي هربوا منه. فبينما هم يظنون ذلك ويتخوفونه إذا سمعوا الأصوات، وجلبة الخيل مصعدة نحوهم، فظنوا أنهم رسل الجبار دقيانوس، بعث إليهم ليؤتى بهم، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاة وسلم بعضهم على بعض، وقالوا: انطلقوا بنا إلى أخينا تمليخا، فإنه الآن بين يدي الجبار دقيانوس، ينتظر متى نأتيه.
فبينما هم يقولون ذلك وهم جلوس بين ظهراني الكهف فلم يروا إلا أرموس وأصحابه، وقوما وقوفا على باب الكهف، وقد سبقهم تمليخا فدخل عليهم وهو يبكي، فلما رأوه يبكي بكوا معه، ثم سألوه عن شأنه فأخبرهم بخبره وقص عليهم المسألة فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا نياما بإذن الله تعالى ذلك الزمان كله، وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس وتصديقا للبعث، وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها.
ثم دخل على أثر تمليخا أرموس، فرأى تابوتا من نحاس مختوما بخاتم من فضة، فقام بباب الكهف ودعا رجالا من عظماء أهل المدينة، ففتح التابوت عندهم فوجدوا فيه لوحين من رصاص، مكتوبا فيهما: إن مكسلمينا وامليخا (أو تمليخا) مرطوكش ونوالس وسانيوس وبطنيوس وكشفوطط كانوا فتية، هربوا من ملكهم دقيانوس الجبار، مخافة أن يفتنهم عن دينهم، فدخلوا في هذا الكهف، فلما أخبر بمكانهم أمر بهذا الكهف فسد عليهم بالحجارة، وأنا كتبنا شأنهم وخبرهم ليعلم من بعدهم إن عثر عليهم.
فلما قرؤوه عجبوا وحمدوا الله ﷿، الذي أراهم آية البعث فيهم. ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه ثم دخلوا على الفتية الكهف فوجدوهم جلوسا بين ظهرانيه ووجوههم مشرقة لم تبل ثيابهم. فخر أرموس وأصحابه سجدا لله تعالى وحمدوا الله الذي أراهم آية من آياته، ثم كلم بعضهم بعضا وأنبأهم الفتية عن الذي لقوا من ملكهم دقيانوس الجبار. ثم إن أرموس وأصحابه بعثوا بريدا إلى ملكهم الصالح تاودوسيوس، أن عجل لعلك تنظر إلى آية من آيات الله تعالى، جعلها الله آية على ملكك وجعلها آية للعالمين ليكون ذلك نورا وضياء وتصديقا بالبعث، فاعجل على فتية بعثهم الله وكان قد توفاهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنة.
فلما أتى الملك الخبر قام من السدة التي كان عليها ورجع إليه عقله، وذهب عنه همه، ورجع إلى الله تعالى، وقال: أحمد الله رب العالمين رب السموات والأرض، وأعبدك وأسبح لك تطولت علي ورحمتني برحمتك، فلم تطفىء النور الذي كنت جعلته لآبائي وللعبد الصالح قسطيطوس الملك، فلما أنبىء به أهل المدينة ركبوا إليه وساروا معه حتى صعدوا نحو الكهف وأتوه، فلما رأوا الفتية تاودوسيوس، فرحوا به وخروا سجدا على وجوههم. وقام تاودوسيوس قدامهم، ثم اعتنقهم وبكى، وهم جلوس بين يديه على الأرض، يسبحون الله تعالى ويحمدونه، ثم قال الفتية لتاودوسيوس: نستودعك الله، ونقرأ عليك السلام، حفظك الله ومد ملكك، ونعيذك بالله من
شر الجن والإنس. فبينما الملك قائم، رجعوا إلى مضاجعهم فناموا، وتوفى الله أرواحهم.
وقام الملك فجعل ثيابه عليهم، وأمر أن يجعل لكل واحد تابوت من ذهب. فلما أمسوا ونام، أتوه في المنام، وقالوا: إنا لم نخلق من ذهب ولا فضة، ولكنا خلقنا من التراب وإلى التراب نصير. فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب، حتى يبعثنا الله، فأمر الملك حينئذ بتابوت من ساج، فجعلوا فيه. وحجبهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب، فلم يقدر أحد أن يطلع عليهم، وأمر الملك فجعل على باب الكهف مسجدا يصلى فيه. وجعل لهم عيدا عظيما، وأمر أن يؤتى كل سنة.
وقيل: إنهم لما أتوا باب الكهف، قال لهم تمليخا: دعوني حتى أدخل على أصحابي فأبشرهم، فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم، فدخل فبشرهم، وقبض الله روحه وأرواحهم، وعمي عليهم فلم يهتدوا إليهم. فهذا حديث أصحاب الكهف.
ويقال إن النبي ﷺ سأل ربه أن يريه إياهم، فقال تعالى: إنك لن تراهم في دار الدنيا، ولكن ابعث إليهم أربعة من خيار أصحابك ليبلغوهم رسالتك ويدعوهم إلى الإيمان بك. فقال رسول الله ﷺ لجبريل: كيف أبعث إليهم؟ فقال: ابسط كساءك، واجلس على طرف من أطرافه أبا بكر، وعلى الثاني عمر، وعلى الثالث عليا، وعلى الرابع أبا ذر، ثم ادع الرخاء المسخرة لسليمان بن داود ﵉، فإن الله تعالى أمرها أن تطعيك. ففعل النبي ﷺ ما أمر به، فحملتهم الريح حتى انطلقت بهم إلى باب الكهف، فلما دنوا من الباب قلعوا منه حجرا، فقام الكلب فنبح عليهم حين أبصر الضوء، وهر وحمل عليهم، فلما رآهم حرك رأسه وبصبص بذنبه، وأومأ برأسه أن ادخلوا الكهف، فدخلوا فقالوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد الله عليهم أرواحهم، فقاموا بأجمعهم، وقالوا: وعليكم السلام وعلى محمد رسول الله ﷺ مادامت السموات والأرض، وعليكم بما بلغتم ثم جلسوا بأجمعهم يتحدثون، فآمنوا بمحمد ﷺ وقبلوا دين الإسلام. وقالوا: اقرؤوا محمدا منا السلام، ثم أخذوا مضاجعهم وصاروا إلى رقدتهم، إلى آخر الزمان، عند خروج المهدي. ويقال إن المهدي يسلم عليهم فيحييهم الله ثم يرجعون إلى رقدتهم فلا يقومون إلى يوم القيامة.
وقد رأيت في كتاب الشفاء، للإمام أبي الربيع سليمان بن سبع، ما نصه: روي أن عيسى ﵇ يعمر بعد الدجال ويأجوج ومأجوج أربعين سنة، ويكون حواريوه أصحاب الكهف والرقيم ويحجون معه، لأنهم لم يحجوا. انتهى ما نقله ابن سبع.
ثم نرجع إلى سياق الثعلبي، قال: ثم جلس كل واحد منهم على مكانه وحملتهم الريح، فهبط جبريل على النبي ﷺ وأخبره بما كان منهم. فلما أتوا النبي ﷺ قال ﷺ: كيف وجدتموهم وما الذي أجابوا؟ فقالوا: يا رسول الله دخلنا عليهم فسلمنا عليهم، فقاموا بأجمعهم فردوا علينا السلام، وبلغناهم رسالتك فأجابوا وأنابوا، وشهدوا أنك رسول الله حقا، وحمدوا الله على ما
أكرمهم بخروجك وتوجيه رسلك إليهم. وهم يقرؤونك السلام. فقال رسول الله ﷺ: اللهم لا تفرق بيني وبين أصهاري وأحبابي، واغفر لمن أحبني، وأحب أهل بيتي وأحب أصحابي. فذلك قوله تعالى إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ
أي صار يضم الفتية. قال الثعلبي: كان أصحاب الكهف صيارفة.
قوله ﷿ إِلَى الْكَهْفِ
هو غار بجبل منحلوس. وقيل: بناحيوس واسم الكهف حرم، وقيل خدم. قوله تعالى: فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً
أي يسر لنا ما نلتمس من رضاك، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: رشدا أي مخرجا من الغار في سلامة، وقيل: صوابا. قوله تعالى: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ
وهذا من فصاحات القرآن، التي أقرت العرب القصور عن الإتيان بمثله. ومعناه أنمناهم وألقينا وسلطنا عليهم النوم.
كما يقال ضرب الله فلانا بالفالج، أي ابتلاه به وأرسله عليه. وقيل: معناه حجبناهم عن السمع، وسددنا نفوذ الصوت إلى مسامعهم. وهذا وصف الأموات والنيام. وقال قطرب: هو كقول العرب ضرب الأمير على يد الرعية، إذا منعهم من العبث والفساد، وضرب السيد على يد عبده المأذون له في التجارة، إذا منعه من التصرف. وقال الأسود بن يعفر، وكان ضريرا، في ذلك:
ومن الحوادث لا أبالي أننيضربت على الأرض بالأسداد
قوله ﷿ سِنِينَ عَدَداً
أي معدودة وهي نعت السنين، والعد المصدر والعدد الاسم المعدود كالنقض والنقض، والقص والقصص، والخبط والخبط.
وقال أبو عبيدة: هو نصب على المصدر. قوله تعالى: ثُمَّ بَعَثْناهُمْ
يعني من بعد موتهم، لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً
وذلك حين تنازع المسلمون الأولون أصحاب الملك، والمسلمون الآخرون الذين أسلموا حين رأوا أصحاب الكهف، في قدر مدة لبثهم في الكهف. فقال المسلمون الأولون: لبثوا في الكهف ثلاثمائة سنين وتسع سنين، وقال المسلمون الآخرون: بل لبثوا كذا وكذا. فقال الأولون: الله أعلم بما لبثوا. فذلك قوله تعالى:
ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ
أي: أي الفريقين أحصى، أي أضبط وأحفظ، لما لبثوا، أي مكثوا في كهفهم نياما أمدا، غاية. وقال مجاهد: عددا. وفي نصبه وجهان: أحدهما على التفسير والثاني مفعول لبثوا.
قوله ﷿: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ
أي نقرأ وننزل عليك نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ
، أي خبر أصحاب الكهف. إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ
أي شباب وأحداث آمَنُوا بِرَبِّهِمْ
، حكم الله لهم بالفتوة، حين آمنوا بلا واسطة. لذلك قال أهل اللسان: رأس الفتوة الإيمان. وقال الجنيد: الفتوة بذل الندى، وكف
الأذى، وترك الشكوى. وقيل: الفتوة شيآن: اجتناب المحارم واستعمال المكارم. وقيل: الفتى من لا يدعي قبل الفعل، ولا يذكي نفسه بعد الفعل. وقيل: ليس الفتى من يصبر على السياط، إنما الفتى من يجوز على الصراط، وليس الفتى من يصبر على المسكين إنما الفتى من يطعم المسكين.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع