من «نزهة الألباء في طبقات الأدباء» لأبي البركات الأنباري (ت ٥٧٧هـ)
أبو بكر السجستاني
وأما أبو بكر محمد بن عزيز السجستاني، فإنه كان أديباً فاضلاً متواضعاً واختلفوا في آخر اسم أبيه عزيز، فمنهم من قال: عزيز (بالزاي المعجمة) ومنهم من قال: بالراء غير المعجمة. وسمعت شيخنا أبا منصور موهوب بن أحمد بن الخضر الجواليقي يحكي عن أبي زكرياء يحيى بن علي التبريزي؛ أنه قال: رأيت خط أبي بكر بن عُزير عليه علامة الراء غير معجمة.
وصنف كتاب غريب القرآن وأجاد فيه، ويقال: إنه صنعه
في خمس عشرة سنة، وكان يقرؤه على أبي بكر بن الأنباري، فكان يصلح له في مواضع.
وكان صالحاً متواضعاً، ورواه عنه أبو أحمد عبد الله بن الحسن بن حسنون وغيره.
أبو علي الفارسي
وأما أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي؛ فإنه كان من أكابر أئمة النحويين؛ أخذ عن أبي بكر بن السراج، وأبي إسحاق الزجاج؛ وعلت منزلته في النحو حتى فضله كثير من النحويين على أبي العباس المبرد.
وقال أبو طالب العبدي: ما كان بين سيبويه وأبي علي أفضل منه.
وأخذ عنه جماعة من حذاق النحويين، كأبي الفتح بن جني وعلي بن عيسى الربعي وأبي طالب العبدي وأبي الحسن الزعفراني، وغيرهم.
وكان عضد الدولة يقول: أنا غلام أبي علي الفارسي في النحو، وغلام أبي الحسين الصوفي في النجوم.
وصنف كتباً كثيرة حسنة لم يسبق إلى مثلها؛ منها كتاب الإيضاح في النحو، وكتاب الحجة في علل القرآن السبع، وكتاب المقصور والممدود، إلى غير ذلك من الكتب.
وتقدم عند الملوك خصوصاً عند عضد الدولة، ويقال: إنه اجتمع مع عضد الدولة في الميدان، فسأله عضد الدولة، بماذا ينتصب الاسم المستثنى، في نحو: قام القوم إلا زيداً؟ فقال له أبو علي: ينتصب بتقدير "استثنى زيداً" فقال له عضد الدولة - وكان فاضلاً - لم قدرت "استثنى زيداً" فنصبت؟ وهلا قدرت امتنع زيد" فرفعت! فقال له أبو علي: هذا الجواب الذي ذكرته لك جواب ميداني وإذا رجعت ذكرت لك الجواب الصحيح.
وذكر في كتاب الإيضاح: أنه انتصب بالفعل المقدم بتقويه إلا.
ويحكى أن أبا علي لما صنف كتاب الإيضاح لعضد الدولة، وأتاه به، قال له عضد الدولة: هذا الذي صنفته يصلح للصبيان، فصنف له التكملة بعد ذلك، ولو صدر هذا الكلام من بعض أئمة النحويين لكان كبيراً، فكيف من بعض الملوك! وحكى ابن جني عن أبي علي الفارسي أنه قال: أخطئ في خمسين مسألة في اللغة. ولا أخطئ في واحدة من القياس.
وتوفي أبو علي الفارسي يوم الأحد، لسبع عشرة ليلة خلت من ربع الأول، سنة سبع وثلاثمائة. وذلك في خلافة الطائع لله تعالى.
النص من طبعة مكتبة المنار بالزرقاء (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع