من «مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار» لابن خميس (ت ٦٤٠هـ)
غانم بن وليد بن عبد الرحمن المخزومي
يكنى أبا محمد. وكان رحمه من الحفاظ الجلة المبرزين, عالما يطرق الرواية, عارفا بها. روى عن جملة شيوخ. كلن جليل المقدار مشهور المعرفة والمكان, مشارا إليه, معظما عند الملوك, مقربا لديهم, مع ما كان عليه ﵀ من الحفظ للآداب واللغة. وغلب عليه الأدب, وبه اشتهر. ووصفه الفقيه أبو العباس أصبغ في كتابه فقال فيه: حبر يعجز عن وصفه اللسان, وبحر يحدث عنه بلا حرج الإنسان, وبدر طلع بين ذوائب النوائب في سماء الإحسان. إن نثر فأسبق في البيان من سحبان, أو نظم فأثبت في الإحسان من حسان, وأعرق فيه من آل جفنة في غسان, وأخلاق ارق من حاشية النسيم, وشمائل أعطر من نفحات الروض الوسيم, ووقار بهزة السماح يسيم, على أنه ما ناط التمائم وخلعها, وأظهر المحاسن وأطلعها, واخترع البدائع ووضعها, إلا والفتنة قد سحبت ذيلها, وصدت على
أنوار الهدنة ليلها. فلا فأل إلا غابر الكواكب, جهام المراكب, ولا علم غلا موطوء المناكب, مفلول المواكب. وقد اثبت من نظمه ونثره ما يستميل الأسماع, ويعمر الجوانح والأضلاع.
من شعره ﵀ يصف روضة قد بلل الندى أغصانها, وتفتحت بالأنوار, فقال في ذلك:
ضحك الزمان بحسنه وبهائهكالصب يضحك بعد طول بكائه
وكأن إقبال الربيع بفضلهوصل الحبيب أتاك بعد جفائه
وكأنما وادي العقاب عشيةمستمطر دمعي لجرية مائه
وكأن رشح الطل في نور الربىرشح الخدود بدا بنار حيائه
وله فيه أيضاً:
ما أحسن الزهر إذا ما ابتسمعن لؤلؤ الروض إذا ما انتظم
نم بسر الروض نوارهكعاشق باح بما قد كتم
لم يك عن قصد ولكنهأعوزه الصبر عليه فنم
ودخل على بعض السلاطين فقام له وقرب مجلسه منه, فقال:
صير فؤادك للمحبوب منزلةسم الخياط مجال للمحبين
ولا تسامح بغيضا في معاشرةفقلما تسع الدنيا بغيضين
وله يراجع الشاعر الحصري: ما أفصح لسانك, وأفسح ميدانك, وأوضح بيانك, وأرجح ميزانك, وأنور صباحك, وأزهر مصباحك, أيها الفارط المتمهل في ميدان النبل, والسابق المتطول بفضائل الذكاء والفضل. أرحتني من صل الهم فازدهتني أريحية, وأرحتني من ظل الغم فلاحت لي شمس الأمنية, مما اطلعت علي, وأهدته مكارمك إلي. فقلت: أعصر الشباب رجع, أم كوكب السعد طلع, أم
بارق الإقبال لمع. كلا والله إنها لمكرمة مهدية, أهدتها نفس سنية, وهمة علية. إن قلت: الوشي الصنعاني فقد نقصتها, أو الديباج الخسرواني فقد بخستها. بل والله أرتني زهر الربيع في غير أوانه, وحسن الصنيع على عدمه في أهل زمانه, ولمحت منه عقد لآلي, يبقى على آخر الليالي, فقلدت ما قلد الأوحد نظما ونثرا, والأمجد علما وفخرا.
وفي فصل منها: وجوزيت أفضل ما جوزي حر شريف المحتد, صحيح المعتقد, كريم المصدر والمورد, عمن تكنفه بك شوائب النسب, ويجمع شمله معك شمائل العصب. وقد اعتقدت ما به أشرت, وإياه اعتمدت, إذ لاح لي في أفق النقلة صباح, واستقل بي في طرق الرحلة جناح. وكم ولت سالمة النوائب بانقباضي, ومداراة الدنيا بتركي لغراضها وإعراضي, فإذا الانقباض حصلني في جملة القبض, والترك للأغراض قد جعلني للنوب كالغرض, ولا سلاح إلا الدعاء على الله تعالى في الصلاح, ولا نجاح إلا التمني لمن يقر ما عليك جناح.
وفي فصل منها أستغفر (الله) فقد حمي صدري حتى على مرجله, وضاق مجال فكري حتى اتسع في الشكوى مقوله. ولو أني سلمت لمواقع الأقدار, وعلمت أنه ليس على القدر اختيار, ورضيت بما يأتي به الليل والنهار, وتيقنت أن خلق الزمان عداوة الأحرار, لأرحت قلبا يتقلب في جمر الأسى, وأذكرت لبا قد نسي الاقتداء بالأسى.
ومن شعره:
صديقك من يرعاك في كل حالةوإن تدعه للخير والشر ساعدك
وليس الذي يوليك ظاهر ودهوإن تدعه كيما يساعد باعدك
فإن ظفرت يمناك في الدهر مرةبعلق من الإخوان فاشدد به يدك
وله في النهد:
حقاق من العاج قد ركبتعلى مثل صحن من المرمر
فلقن فأثبتن من فوقهابمثل مسامير من عنبر
وله أيضاً:
كئيب ببابك مسترحمليشكو غليك جوى شجوه
يقر بذنب ولم يجنهولكن لك الفضل في محوه
وقد ذاق من حبكم مرهفهل من سبيل إلى حلوه
ومن شعره يصف ليلة أنس قد ولت:
وليلة نسخت عندي محاسنهاذنوب دهر يشوب الصفو بالكدر
بتنا وباتت نجوم الليل طالعةفينا فلم تبق من هم ولم تذر
ونحن في روضة للهو يانعةكؤوسنا اللهو فيها موضع الزهر
حتى إذا ليلنا ولت كتائبهوأقبلت غرة الإصباح في الأثر
تشتت الشمل إلا أن يزورهمطيف فهل أحد يعلو على القدر
يا ليلة حسنت عندي مواقعهالا أكذب الله, لولا آفة القصر
وددت لو زاد لي في عمرها عمريوزيد فيها سواد القلب والبصر
يا أعدل الناس إلا في معاملتيوأحسن الناس في بدو وفي حضر
إن كان للنيرين المستضا بهمانسل فإنكه لا شك فافتخر
ومن شعره:
ثلاثة يجهل مقدراهاألأمن والصحة والقوت
فلا تثق بالمال من غيرهالو أنه در وياقوت
وأدبه مشهور. وقد ذكرت له قطعة في باب علي.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع