من «مطلع الأنوار ونزهة البصائر والأبصار» لابن خميس (ت ٦٤٠هـ)
هشام بن فلان الدعي
هو الذي ادعى أنه هشام المؤيد أمير المؤمنين. وتسمى هشام الدعي, المؤيد. وكان سبب ذلك خفاء أمير المؤمنين بقرطبة, فإنه لما قام عليه ابن عمه محمد بن عبد الجبار المتلقب بالمهدي, ورأي أن الأمر قد تم له بقرطبة وأن الخلافة باسمه, وكان المؤيد معه في القصر, أخرجه وأسكنه في دار الحسن بن يحيى, وأظهر للناس ميتا يقال إنه كان نصرانيا, وكان يشبه المؤيد هشاما, ومات النصراني, فمثله للناس وموه عليهم, وأدخل الوزراء وأهل الخدمة عليه فلم يشكو أنه المؤيد. فغسل وكفن, وصلي عليه. ثم إنه أظهره بعد ذلك حين غلب سليمان بن الحكم, ودخل قرطبة وقتل هشاما المؤيد على ما ذكره ابن حيان وصححه.
وقال ابن أبي الفياض وغيره: إنه لم يقتله وإن الفتيان الذين شهدوا لعلي بن حمود بموته, إنما كان ذلك خوفاً منه, حتى إن عبد الرحمن المقرئ, وكان من شيوخ قرطبة, قال: كنت حاضرا, فلما رأيتهم قد صححوا موت المؤيد, خرجت باكيا, فلقيني الفتى الذي شهد بذلك, فقال لي: وما يبكيك؟ فقلت: موت المؤيد. فقال لي: والله إنه لحي, وإني لأعلم الناس بحياته وبحيث هو, وإنما شهدت بما رأيت خوفا على نفسي. هكذا ذكر ابن أبي الفياض وصححه.
فعند ذلك ظهر هشام الذي ادعى انه المؤيد, ونزل بمالقة, ومنها انتقل إلى المرية. وكان نزوله في سنة خمس وعشرين وأربعمائة.
قال المظفري في كتابه: إن خيران العامري بينما هو في المرية, إذ أتاه قوم فقالوا له: هشام المؤيد أقبل من المشرق, وهوب رابطة عمر. وأعلم بصفته وحاله, فأعطاه شيئا, وأخرجه من بلده. ومشى إلى غافق. فلما أجمع ابن عباد على خلع طاعة العلويين, أرسل عنه القاضي وأدخله القصر وبايعه أهل البلد قال ابن حمادة في تاريخه: إنما كانت مخاطبة يحيى المعتلي باديس بن حبوس, والبزالي, لما بلغه أنهم بايعوا الدعي الذي ادعى أنه المؤيد هشام.
قال: وقال ابن أبي الفياض: زهر هشام بألمرية في يوم الاثنين لسبع خلون من
رمضان المعظم سنة خمس وعشرين وأربعمائة, في أيام زهير بن محمد العامري, حين موت خيران. وهو الصحيح. فأخرجه زهير في البحر سنة ست وعشرين. وبويع له بقرطبة خوفا من يحيى بن علي أن لا يرجع إليهم. فبايعوا هشاما الدعي على أن خلعوه بالجامع. هكذا ذكره ابن حمادة في تاريخه, وصححه.
قلت: وهشام هذا اضطربت أقوال المؤرخين فيه, والصحيح عندي أنه الدعي على ما يتبين بعد هذا إن شار الله تعالى. وأما ابن أبي الفياض فإنما صحح أنه المؤيد أمير المؤمنين هشام لأنه قال في ترجمته في كتابه: ذكر خلافة المؤيد بالله هشام بإشبيلية بالدولة الثانية. فهذا يدل على أنه ليس عنده هو الدعي. وقال: بويع بقرطبة بعد أن وصلت كتبه إليها, وأخذت له البيعة فيها, وصحح أنه كان بالمشرق. وقال في كتابه: وبقي هشام بقلعة رباح, وخرج عنها إلى إشبيلية. وأجمع بنو عباد مع القاضي محمد بن إسماعيل على القيام به والإحياء لدولته. فهذا يدل على تصحيحه أنه المؤيد هشام, وليس بالدعي.
وقد صحح ابن حمادة وغيره من المؤرخين أنه هشام الدعي وأنه هو الذي بايعه ابن عباد وقد ذكر ابن حيان أن سليمان ن الحكم قتل المؤيد أمير المؤمنين, فلا يصح أن يكون الذي قام هـ ابن عباد إلا هشام ادعي.
وعلى قول المظفري إن خيران هو الذي أخرجه, لا يصح أيضاً أن يكون المؤيد, لأن خيران كان أحب الناس في المؤيد بالله, وأرغبهم في دولته والقيام بأمره. وعلي ذلك خالف على ابن حمود, وكان بينهما ما ذكره أهل التاريخ, إذ لم يجد خيران المؤيد في القصر, وكان كثيرا ما يسأل عنه, وعقد الولاية لعلي بن حمود على طاعة المؤيد. وكان يدعو بعد فقده في المنابر باسمه على ما ذكر هشام في تاريخه وغيره. فكيف كان يجده ويخرجه عنه, مع طلبه له, وحبه فيه وفي دولته. فإنما صح عنده, أنه الدعي.
وكان الدعي أشبه النسا بالمؤيد بالله. وحدثني بعض من أثق به, أنه رأى في أحد التواريخ, أن هشاما الدعي لما وصل على ألمرية دخل في فندق بها, فرآه الناس فقالوا: هذا أمير المؤمنين المؤيد, للشبه الذي كان بينهما, فسألوه, فقال: إنما أنا هشام مالقي. فتأولوا ذلك وقالوا: إنما أراد: هشام ما لقي, أي ما لقي من قومه وما فعلوا به, فقوي عندهم أنه المؤيد. فلما رأى خيران ذلك أخرجه عن ألمرية, لعلمه أنه ليس بالمؤيد. قلت: ومما يقوي أنه الدعي أن المؤرخين قد ذكروا أن المؤيد بالله بويع سنة ست وخمسين وثلاثمائة, وهو ابن عشرين سنة وثلاثة أشهر, وقيل: عشرة أشهر. وأنه مات وهو ابن ست وأربعين سنة وثلاثة أشهر, وقيل عشرة أيام أو ثلاثة عشر يوما. فهذا يقتضي أن تكون وفاته سنة اثنين وأربعمائة أو نحوها. وهشام الذي بايعه القاضي ابن عباد سنة ست وثلاثين وأربعمائة, فكيف يصح أن يكون المؤيد بالله أمير المؤمنين.
قال بعض المؤرخين: من أشنع ما كان في أيام بني حمود أربعة خلفاء في مسيرة ثلاثة أيام, كلهم يسمى بأمير المؤمنين, ويخطب لهم بها في زمن واحد, وهم: المدعي أنه هشام المؤيد بإشبيلية يخطب له ابن عباد, ومحمد بن القاسم بن حمود بالجزيرة, ومحمد بن إدريس بن علي بمالقة, وإدريس بن يحيى بمبشتر. وكانت وفاة الدعي في نحو عام سبعة وثلاثين وأربعمائة.
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع