من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
إبراهيم بن القاسم الكاتب
: يعرف بالرقيق القيرواني، والرقيق لقب له، رجل فاضل أديب له تصانيف كثيرة في علم الأخبار ومنها كتاب تاريخ أفريقية والمغرب، عدة مجلدات. وكتاب النساء، كبير. وكتاب الراح والارتياح. وكتاب نظم السلوك في مسامرة الملوك أربع مجلدات. وكتاب الاختصار البارع للتاريخ الجامع، عشر مجلدات.
وكان في سنة تسعين وثلاثمائة.
وذكره ابن رشيق فقال: هو شاعر سهل الكلام محكمه، لطيف الطبع قويه، تلوح الكتابة على ألفاظه، قليل صنعة الشعر، غلب عليه اسم الكتابة وعلم التاريخ وتأليف الأخبار، وهو بذلك أحذق الناس. وكاتب الحضرة منذ نيّف وعشرين سنة إلى
الآن. ومن شعره جوابا عن أبيات كتبها إليه عمار بن جميل وقد انقطع عن مجالس الشراب:
قريض كابتسام الرّوض جمّشه نسيم صبا
كعقد من جمان الطلّ منظوم وما ثقباومنثور كنثر الد
رّ من أسلاكه انسربافأهدى نشر زهرته
فتيت المسك منتهباإذا أثماره جنيت
جنيت العلم والأدبابهزل حين ينشده
كأنك منتش طرباحباك به أخ يرعى
من العهد الذي وجباصديق مثل صفو الما
ء بالصهباء قد قطباكنزت مودة منه
كفت أن أكنز الذهباإذا عدّ امرؤ حسبا
فحسبي ذكره نسباألذّ من الحياة لد
يّ لكن قبله قلبافهان عليه ما ألقى
وظنّ تجلدي لعباجفوت الراح عن سبب
وكان لجفوتي سببافصرت لوحدتي كلّا
على الإخوان مجتنباوذاك لتوبة أمّلت أن أقضي بها أربا
فها أنا تائب منهافزرني تبصر العجبا
وكان قدم مصر في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة بهدية من نصير الدولة باديس بن زيري إلى الحاكم، فقال قصيدة يذكر فيها المناهل ثم قال:
إذا ما ابن شهر قد لبسنا شبابهبدا آخر من جانب الأفق يطلع
إلى أن أقرّت جيزة النيل أعيناكما قرّ عينا ظاعن حين يرجع
يقول فيها بعد مدح كثير ووصف جميل:
هدية مأمون السريرة ناصحأمين إذا خان الأمين المضيّع
وما مثل باديس ظهير خلافةإذا اختير يوما للظهيرة موضع
نصير لها من دولة حاتميةإذا ناب خطب أو تفاقم مطمع
حسام أمير المؤمنين وسهمهوسمّ ذعاف في أعاديه منقع
قال: ومن مليح كلامه قوله من قصيدة:
إذا ارجحنّت بما تحوي مآزرهاوخفّ من فوقها خصر ومنتطق
ثنى الصّبا غصنا قد غازلته صباعلى كثيب له من ديمة لثق
للشمس ما سترت عنّا معاجرهاوللغزال احورار العين والعنق
مظلومة أن يقال البدر يشبههاوالبدر يكسف أحيانا وينمحق
يجلل المتن وحف من ذوائبهاجبينها تحت داجي ليله فلق
كأنها روضة زهراء حاليةبنورها، ترتعي في حسنها الحدق
وقال ومن أعجب ما سمعت قوله من قصيدة يمدح محمد بن أبي العرب:
أظالمة العينين لحظهما سحروإن ظلم الخدّان واهتضم الخصر
أعوذ ببرد من ثناياك قد ثنىإليك قلوبا حشو أثنائها جمر
لقد ضمنت [عيناك] أنّ ضمانتيستبري عظامي بالنحول ولا تبرو
وما أمّ ساجي الطرف خفّاقة الحشاأطاع لها الحوذان والسّلم النضر
إذا ما دعاها نصّت الجيد نحوهأغنّ قصير الخطو في لحظه فتر
بأملح منها ناظرا ومقلّداولكن عداني عن تقنّصها الهجر
يقول في مديحها:
تصبّاه أبكار العلا ليس أنهامنعمة هيفاء أو غادة بكر
يخال بأن العرض غير موفّرعن الذمّ إلا أن يدال له الوفر
يقول فيها يصف بلاغته وكتابته:
يوشّح ديباج البلاغة أحرفايكاد يري روضا يوشّحه الزهر
ويفصح لفظا خطّها من فصاحةويشرق من تحبير ألفاظها الحبر
يصيب عيون المشكلات بديههويبدي له أعقاب ما غيّب الفكر
ثم ذكر الممدوح فقال:
وملمومة شهباء يسعى أمامهاشهاب عزيم من طلائعه الذعر
يزجّي بنات الأعوجية شزّباعليها بنو الهيجا دروعهم الصبر
أسود وغى تحت العجاجة غابهاسريجّية بيض وخطّية سمر
صبحت بها دهماء قوم أرتهموجوه الردى حمرا خوافقها الصّفر
قال: ومثل هذه القصيدة في الجودة قصيدة طويلة تشوق فيها إخوانه بمصر، وهي:
هل الريح إن سارت مشرّقة تسريتؤدّي تحياتي إلى ساكني مصر
فما خطرت إلّا بكيت صبابةوحمّلتها ما ضاق عن حمله صدري
تراني إذا هبّت قبولا بنشرهمشممت نسيم المسك في ذلك النشر
وما أنس من شيء خلا العهد دونهفليس بخال من ضميري ولا فكري
ليال أنسناها على غرّة الصّبافطابت لنا إذ وافقت غرّة الدهر
لعمري لئن كانت قصارا أعدّهافلست بمعتدّ سواها من العمر
أخادع دهري أن يعود بفرصةفينقذ روح الوصل من راحة الهجر
وترجع أيام خلت بمعاهدمن اللهو لا تنفكّ مني على ذكر
فكم لي بالأهرام أو دير نهيةمصايد غزلان المكانس والقفر
إلى الجيزة الدنيا وما قد تضمّنتجزيرتها ذات المواخير والجسر
وبالمقس فالبستان للعين منظرأنيق إلى شاطي الخليج إلى القصر
وفي سردوس مستراد وملعبإلى دير مر حنّا إلى ساحل البحر
وكم بين بستان الأمير وقصرهإلى البركة الزهراء من زهر نضر
تراها كمرآة بدت في رفارفمن السندس الموشيّ ينشر للتّجر
وكم بتّ في دير القصير مواصلانهاري بليلي لا أفيق من السكر
تباكرني بالراح بكر غريرةإذا هتف الناقوس في غرة الفجر
مسيحية خوطّية كلما انثنتتشكّت أذى الزنّار من دقة الخصر
وكم ليلة لي بالقرافة خلتهالما نلت من لذاتها ليلة القدر
سقى الله صوب القطر تلك مغانياوإن غنيت بالنيل عن سبل القطر
وله أيضا في الغزل:
ريم إذا ما معاريض المنى خطرتأجلّه المتمنّي عن تمنّيه
يا إخوتي أأقاحي فيه أقبل ليأم خطّ راءين من مسك على فيه
أم حسن ذاك التراخي في تكلّمهأم حسن ذاك التهادي في تثنيه
أم سخطه أم رضاه أم تجنّيهأم عطفه أم نواه أم تدانيه
نفسي فداؤك ما لي عنك مصطبريا قاتلي كلّ معنى من معانيه
وقال يرثي:
وهوّن ما ألقى وليس بهيّنبأن المنايا للنفوس بمرصد
وأني وإن لم ألقك اليوم رائحالصرف رزاياها لقيتك في غد
فلا يبعدنك الله ميتا بقفرةمعفّر خدّ في الثرى لم يوسّد
تردّى نجيعا حين بزّت ثيابهكأنّ على أعطافه فضل مجسد
مضاء سنان في سنان مذلّقوفتك حسام في حسام مهند
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع