من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، الأمير أبو هاشم الأموي
كان من رجالات قريش المتميزين بالفصاحة والسماحة وقوة العارضة، علّامة خبيرا بالطبّ والكيمياء شاعرا.
قال الزبير بن مصعب: كان خالد بن يزيد بن معاوية موصوفا بالعلم حكيما شاعرا؛ وقال ابن أبي حاتم: كان خالد من الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام، وقيل عنه قد علم علم العرب والعجم.
روى خالد الحديث عن أبيه وعن دحية بن خليفة الكلبي ﵁، وروى عنه الزهري وغيره. وأخرج البيهقي والخطيب البغدادي والعسكري والحافظ ابن عساكر عنه عدة أحاديث. وكان إذا لم يجد أحدا يحدثه حدّث جواريه وكان من صالحي القوم، وكان يصوم الجمعة والسبت والأحد.
وكان يقول: كنت معنيّا بالكتب وما أنا من العلماء ولا من الجهال.
وكان خالد جوادا ممدّحا، جاءه رجل فقال له: إني قد قلت فيك بيتين ولست أنشدهما إلا بحكمي، فقال له: قل، فقال:
سألت الندى والجود حرّان أنتمافقالا لي بل عبدان بين عبيد
فقلت ومن مولاكما فتطاولاعليّ وقالا خالد بن يزيد
فقال له: تحكّم، فقال: مائة ألف درهم، فأمر له بها.
وكان خالد شجاعا جريئا، وكان بينه وبين عبد الملك بن مروان مناظرات، تهدده عبد الملك مرّة بالسطوة والحرمان، فقال له: أتتهددني ويد الله فوقك مانعة، وعطاؤه دونك مبذول؟!.
وأجرى أخوه عبد الله بن يزيد الخيل مع الوليد بن عبد الملك فسبقه عبد الله، فدخل الوليد على خيل عبد الله فنفّرها ولعب بها، فجاء عبد الله إلى أخيه خالد فقال: لقد هممت اليوم بقتل الوليد بن عبد الملك، فقال له خالد: بئس ما هممت به في ابن أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين، قال: إنه لقي خيلي فنفّرها وتلاعب بها، فقال له خالد: أنا أكفيكه، فدخل خالد على عبد الملك وعنده الوليد فقال له: يا أمير المؤمنين إن الوليد بن أمير المؤمنين لقي خيل ابن عمه عبد الله فنفرها وتلاعب بها، فشقّ ذلك على عبد الله، فقال عبد الملك إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ
(النمل:) فقال له خالد: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
(الإسراء:) فقال له عبد الملك: أما والله لنعم المرء عبد الله على لحن فيه، فقال له خالد: أفعلى الوليد تعوّل في اللحن؟ فقال عبد الملك. إن يكن الوليد لحانا فأخوه سليمان، قال خالد: وإن يكن عبد الله لحانا فأخوه خالد، فقال عبد الملك: مدحت والله نفسك يا خالد، قال: وقبلي والله مدحت نفسك يا أمير المؤمنين، قال:
ومتى؟ قال: حين قلت أنا قاتل عمرو بن سعيد، [قال] حقّ والله لمن قتل عمرا أن
يفخر بقتله، قال: أما والله لمروان كان أطولها باعا، قال: أما إني أرى ثأري في مروان صباح مساء، ولو شاء أن أديله لأدلته. قال: ما أجرأك عليّ يا خالد، خلّني عنك، قال: لا والله ما قال الشاعر:
ويجرّ اللسان من أسلات الحرب ما لا يجرّ منها البنان
فقال عبد الملك: يا وليد أكرم ابن عمك، فقد رأيت أباه يكرم أباك وجدّه يكرم جدّك.
وقيل لخالد ما أقرب شيء؟ قال الأجل، قيل فما أرجى شيء؟ قال العمل، قيل فما أوحش شيء؟ قال الميت، قيل فما آنس شيء؟ قال الصاحب المؤاتي.
وقيل ما الدنيا؟ قال ميراث، قيل فالأيام؟ قال دول، قيل فالدهر؟ قال أطباق، والموت يكمل سبيله، فليحذر العزيز الذلّ والغنيّ الفقر، فكم عزيز قد ذل وكم من غني قد افتقر.
وقال إذا كان الرجل مماريا لجوجا معجبا برأيه فقد تمت خسارته.
ولما لزم بيته قيل له كيف تركت الناس ولزمت بيتك؟ فقال: هل بقي إلا حاسد نعمة أو شامت بنكبة؟! ومن شعر خالد بن يزيد:
أتعجب أن كنت ذا نعمةوأنك فيها شريف مهيب
فكم ورد الموت من ناعموحبّ الحياة إليه عجيب
أجاب المنية لما دعتوكرها يجيب لها من يجيب
سقته ذنوبا من انفاسهاويذخر للحيّ منها ذنوب
وقال في رملة بنت الزبير بن العوّام:
أليس يزيد السير في كلّ ليلةوفي كلّ يوم من أحبتنا قربا
أحنّ إلى بنت الزبير وقد علتبنا العيس خرقا من تهامة أو نقبا
إذا نزلت أرضا تحبّب أهلهاإلينا وإن كانت منازلها حربا
وإن نزلت ماء وإن كان قبلهامليحا وجدنا ماءه باردا عذبا
تجول خلاخيل النساء ولا أرىلرملة خلخالا يجول ولا قلبا
أقلّوا عليّ اللوم فيها فإننيتخيرتها منهم زبيرية قلبا
أحبّ بني العوّام طرا لحبهاومن حبّها أحببت أخوالها كلبا
وقال:
إن سرّك الشرف العظيم مع الغنىوتكون يوم أشدّ خوف وائلا
يوم الحساب إذا النفوس تفاضلتفي الوزن إذ غبط الأخفّ الثاقلا
فاعمل لما بعد الممات ولا تكنعن حظّ نفسك في حياتك غافلا
ومما نسبوا إليه من التصانيف في الكيمياء: السر البديع في فك الرمز المنيع.
وكتاب الفردوس. ورسائل أخرى.
توفي خالد بن يزيد سنة تسعين وقيل سنة خمس وثمانين، وشهده الوليد بن عبد الملك وقال: لتلق بنو أمية الأردية على خالد فلن يتحسروا على مثله أبدا.
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع