من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)
شمر بن حمدويه أبو عمرو الهروي اللغوي
أحد الأثبات للغات الحفاظ للغريب وعلم العرب، كان عالما فاضلا ثقة نحويا لغويا راوية للأخبار والأشعار، رحل إلى العراق في شبيبته فأخذ عن جماعة من أصحاب أبي عمرو الشيباني وأبي زيد الأنصاري وأبي عبيدة والفراء، منهم: الرياشي وأبو حاتم السجستاني ومات سنة
خمس وخمسين ومائتين في أيام المعتز أو المهتدي لأن في هذه السنة خلع المعتز وولي المهتدي. ثم رجع إلى خراسان وأخذ عن أصحاب النضر بن شميل والليث.
وصنف كتابا كبيرا رتّبه على حروف المعجم ابتدأ فيه بحرف الجيم وطوّله بالشواهد والروايات الجمة وأودعه تفسير القرآن وغريب الحديث شيئا لم يسبقه إلى مثله أحد تقدمه. ولما كمل الكتاب ضنّ به في حياته فلم يبارك الله له فيما فعله ولم ينسخه أحد حتى مضى لسبيله، واختزن بعد وفاته بعض أقاربه ذلك الكتاب وغرق في جملة ما غرق من [مال] ذلك الرجل فلم ينتفع به. قال أبو منصور الأزهري: أدركت من ذلك الكتاب تفاريق أجزاء فتصفحت أبوابها فوجدتها على غاية من الكمال، والله يغفر لنا ولأبي عمرو ويتغمد زلته، فإن الضن بالعلم غير محمود ولا مبارك فيه. وقيل اتصل أبو عمرو بيعقوب بن الليث الأمير فخرج معه إلى نواحي فارس وحمل معه كتاب الجيم، فطغى الماء من النهروان على معسكر يعقوب، فغرق الكتاب في ما غرق من المتاع.
قال أبو العباس ابن حمويه: سمعت شمر بن حمدويه يقول: دخلت على الياس بن أسد الساماني يوم ورد نعي عبد الله بن طاهر فقال لي: خذ يا شمر، الموت فوت الأبدان وموت الأقران.
ولأبي عمرو من التصانيف غير كتاب الجيم، كتاب غريب الحديث كبير جدا.
وكتاب السلاح. وكتاب الجبال والأودية، وغير ذلك.
- شهيد بن الحسين البلخي أبو الحسين الوراق المتكلم: مات سنة خمس عشرة وثلاثمائة. وكان أبو زيد وأبو القاسم وشهيد البلخيون في عصر واحد، كلّ منهم كان إماما في العلوم الحكمية، وكان بينهم مودة وكيدة وعشرة حسنة، وماتوا في مدة قريبة، وكان شهيد هذا أسبقهم موتا، ثم تلاه أبو القاسم، ثم تلاه أبو زيد. وكان صحيح الحفظ مستظهرا فيما يكتبه حتى انه إذا اشتبهت عليه كلمة تتبعها في كثير من
النسخ والكتب، ويعلّم على تلك الكلمة علامات يشهرها بها، وقلما وقع شيء من خطه إلا بولغ في ثمنه وبيع بأوفر الأثمان بطريق ذلك. وكان مع غزارة علمه وجلالة قدره شكس الأخلاق محروما عن سعة الأرزاق. وكان يشكو الدهر ويزجي الأيام بالوراقة ويعاني مضض الفاقة.
وحكى شهيد قال: كنت ببغداد مرة في سنة ست وثلاثمائة، وكان بقرب الموضع الذي أنزله صوفي مليح، فكان يشتري الخرق فيتخذ منها المرقعات ويبيعها على الصوفية. فجاءه يوما صوفي يطلب منه مرقعة فقال له: ليس عندي غير هذه التي علي. قال: فبعنيها. فقال له: يا أحمق إذا باع الصياد شبكته كيف يصطاد.
وكان شهيد قد تغرب في البلاد كثيرا بطريق أنه هجا أحمد بن سهل فطلبه فهرب منه، ولم يعد إلى بلخ إلى أن هلك أحمد بن سهل، فعاد إلى بلخ.
وله أشعار كثيرة منها في أبي نصر أحمد بن أبي ربيعة وزير عمرو بن الليث:
كنا نرى أن التوسل بالأدبمن أكرم الشفعاء عند ذوي الحسب
حتى استبان لنا ببابك أنهسخف وأن الأمر فيه قد انقلب
إن كان جدا فيه ما هو عندكموالعلم هزلا إن ذا لمن العجب
إني لأرجو أن أرى من يشتريما تزدريه من الفوائد بالذهب
وكأنما العز الذي أوتيتهيا أحمد بن أبي ربيعة قد ذهب
إن التي تزهو بها غرّارةفارمق بطرفك نحو سوء المنقلب
-
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع