تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

علي بن الحسن القهستاني، أبو بكر العميد

أحد من أشرقت بنور الآداب شمسه، وتقدم- وإن تأخر زمانه- بالفضل يومه وأمسه، وسما بفضل أدبه كلّ أفاضل جنسه، مشهور في أهل خراسان مذكور معروف بينهم لا يجهل قدره، ولا يطمس بدره. وكان قد اتصل في أيام السلطان محمود بن سبكتكين بولده محمد بن محمود في أيام أبيه لما قلده الخوزستان، وكان يميل إلى علوم الأوائل ويدمن النظر

في الفلسفة، فقدح في دينه ومقت لذلك. وكان كريما جوادا ممدّحا، ولي الولايات الجليلة، وله أشعار فائقة ورسائل رائقة. وكان كثير المزاح راغبا في اللهو والمراح، له في ذلك خاطر وقّاد وحكايات متداولة، وقد دوّنت رسائله وشاعت فضائله، وكان يدمن المزاح حتى في مجلس نظره، وكان يعاتب على ذلك فلا يدعه لغلبة طبعه عليه، وكان قد تولّى العرض، فجرى يوما بين يديه في مجلس العرض ذكر المعمّى فقال: قد كان عندي البارحة جماعة- سماهم- من أهل الأدب فألقيت عليهم مثالا يصعب استخراج مثله فوقفوا فيه وهو:

مليحة القدّ والأعطاف قد جعلتفي الحجر طفلا له رأسان في جسد
قد ضيقت منه أنفاس الخناق بلاجرم وتضربه ضربا بلا حرد
فتسمع الصوت منه حين تضربهكأنه خارج من ماضغ الأسد

ثم قال: لقد ساءني والله فلان- لرجل أسماه- إذ لم يفهم هذا القدر، فقال له غلام أمرد من أولاد الكتاب كان يتعلّم في ديوانه: قد عرفت- أطال الله بقاء الشيخ العميد- هذا المعمّى، وهو الطبل؛ فقال له مبادرا، كأنه كان قد أعدّ له ذلك:

عهدي بك تستدخل الأعور فكيف صرت تستخرج الأعمى؟! فخجل الغلام وضحك الحاضرون.

قال ابن عبد الرحيم: وحدثني أبو الفضل قال: بلغني أن القهستاني أنشد مرة بحضرة السلطان محمد بن محمود بيتا من المعمّى فلم يعرفه هو ولا ندماؤه وهو:

دقيقة الساق لا عروق لهاتدوس رزق الورى بهامتها

فقال له محمد: ما نفهم هذا ولا نعرف شيئا يشبهه ففسّره. قال: هو مغرفة الباقلاني، يغرف بها الماء، ويهشم برأسها الخبز والثريد وهو رزق الورى. فاستبرده وثقل عليه عدم فهمه له، وهو لعمري مستبرد حقيقة.

قال: وحدثني أن هذا الرجل كان يتميز على أهل خراسان بحسن الأخلاق والسخاء، وكثرة المعروف والعطاء، وكان الشعراء يقصدونه دائما لما اشتهر من سماحته وفائض مروءته، فأنشده بعض الشعراء قصيدة باردة غير مرضيّة، فغفل عنه

وأخّر صلته، فكتب بيتين في رقعة وسأل الدواتي أن يتركها في دواته ففعل، وكان البيتان:

أبا بكر هجوتك لا لطبعيفطبعي عن هجاء الناس نابي
ولكنّي بلوت الطبع فيهفإن السيف يبلى في الكلاب

فوقعت بيد العميد بعد أيام، فلما وقف عليها استحسنها، وسأل الدواتي عن الرجل فعرّفه إياه، فأمر بطلبه، فقيل له إنه سافر، فأرسل خلفه من استعاده من عدّة فراسخ، فلما دخل إليه قام له وأكرمه وتلقاه بالاجلال وقال: لو كان مديحك كهجائك لقاسمتك نعمتي، فإني ما سمعت بأحسن من هذين البيتين، ووصله وأحسن جائزته، فاستجرأ الناس عليه وقالوا إنه لا يثيب إلا على الهجاء.

قال: وكان أبو بكر القهستاني لهجا بالغلمان شديد الميل إليهم، وكان لمحمد بن محمود سبعمائة غلام في خيله، فعلق العميد أحدهم وأحبه حبا مفرطا، ولم يستجريء أن يبدي ذلك لما فيه من سوء العاقبة، فاتفق أن عاد الغلمان يوما من بعض المتصيّدات، فلقيهم العميد في صحن الدار فسلّموا عليه، وقرب ذلك الغلام منه، وكان قد عرف ميله إليه، فقرص فخذه، وكان محمد مشرفا عليهم ينظر إلى ذلك، فنزل واستدعى الخدم وأمرهم بضربه فضربوه ضربا مسرفا، ثم أنفذه إلى العميد وقال له: قد وهبناه منك وصفحنا عن ذنبك، فلو لم يساعدك هذا الفاجر على ذلك لما أمكنك فعله، ولكن لا تعد إلى مثل هذا، فاستحيا العميد وقال: هذا أعظم من الضرب والأدب، وتأخر عن داره حياء، فأنفذ محمد واستدعاه وبسطه حتى زال انقباضه، وكان محمد لا رأي له في الغلمان ولا ميل عنده إليهم، وكان لمعرفته بمحبة العميد لهم لا يزال يهب منه واحدا بعد واحد. وشكا الخدم إلى محمد أن بعض الغلمان الدارية يمكّن باقي الغلمان من وطئه ولا يمتنع عليهم من الغشيان، فقال:

أيفعل هذا طبعا أم يستجعل عليه؟ فقالوا: بل يستجعل عليه، فتقدم باخراجه وإنفاذه الى العميد وقال: قولوا له هذا بك أشبه لا بنا فخذه مباركا لك فيه.

وقال أبو بكر العميد في الميمندي وزير محمود:

ولقد سئمت من الوزير ومن ذويه زائدهوغسلت من معروفهم
كلتا يديّ بواحدهوضربتهم عرض الجدا

ر فليس فيهم فائدة

ومن مشهور قوله:

ومعقرب الأصداغ فيخدّيه ورد ينتثر
لا عبته بالكعبتين مسامحا حتى قمر
فازداد حسنا وجههلما رأى حسن الظفر
فنعرت نعرة عاشققمر القمر قمر القمر
للشاعر القاضي أبو أحمد الأزدي الهروي، اقرأ القصيدة

وله:

ومقرطق في صحن غرّة وجههمتصرف صرف الجمال وتحته
عاقرته أسكرته قبلتهجدّلته فقّحته سرّحته

وله من أبيات كان يغنى بها في حضرة الأمير محمد بن محمود:

قم يا خليلي فاسقنيكشعاع خدّك من شراب
فلقد يمرّ العيش منقرضا ولا مرّ السحاب
فانعم بعيشك ما استطعت ولا تضع شرخ الشباب
فلكم أضعت من الشباب وما استفدت سوى اكتئاب

قال ابن عبد الرحيم: ثم ورد العميد إلى بغداد في أوائل سني نيف وعشرين وأربعمائة، ومدح أمير المؤمنين القادر بالله والأجلّ عميد الرؤساء أبا طالب ابن أيوب كاتبه، ثم خرج من بغداد وبلغني الآن في سنة خمس وثلاثين أنه اتصل بالملوك السلجوقية الغزّ المتملكين على خراسان وخوارزم والجبل، وأنهم عرضوا عليه الخدم الجليلة، فاختار منها ما يظنّ معه سلامة العاقبة والخلاص من التبعة.

ومن قصيدته في القادر:

ولم يرني ذو منة غير خالقيوغير أمير المؤمنين ببابه
غنيا بلا دنيا عن الخلق كلهموان الغنى إلا عن الشيء لا به

ومما بلغني من شعره:

رأيت عمّارا ولو لم أرهحاز لتلك الطلعة المنكره
لا أحمد الله على خلقهفلو أراد الحمد ما صوّره

وله يهجو ابن كثير العارض:

فلسنا نرجّي الخير من إبن واحدفكيف نرجّيه من ابن كثير

وله فيه:

وطول بلا طول وعرض بلا عرض

وهجاه بأبيات تصحف:

مالي وهذا العارض ابن كثير الشيخ العميد وما له يشناني

وهو الفؤاد بروحه وأحبّهويتيه أين رأيته ورآني
ويغضّ من قدري ويخمل جاهداذكري ويخفي في الجنان جناني

يريد في الحتان ختاني.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.