تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري

يكنى أبا الحسن ويلقب أقضى القضاه لقب به في سنة تسع وعشرين وأربعمائة، وجرى من الفقهاء كأبي الطيب الطبري والصيمري إنكار لهذه التسمية وقالوا: لا يجوز أن يسمّى به أحد، هذا بعد أن كتبوا خطوطهم بجواز تلقيب جلال الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بملك الملوك الأعظم، فلم يلتفت إليهم واستمر له هذا اللقب إلى أن مات، ثم تلقب به القضاة إلى أيامنا هذه، وشرط الملقب بهذا اللقب أن يكون دون منزلة من تلقب بقاضي القضاة على سبيل الاصطلاح، وإلا فالأولى أن يكون أقضى القضاة أعلى منزلة. ومات الماوردي في سنة خمسين وأربعمائة، وكان عالما بارعا متفننا شافعيّا في الفروع ومعتزليا في الأصول على ما بلغني والله أعلم. وكان ذا منزلة من ملوك بني بويه يرسلونه في التوسطات بينهم وبين من يناوئهم، ويرتضون بوساطته، ويقنعون

بتقريراته. قرأت في «كتاب سرّ السرور» لمحمود النيسابوري هذين البيتين منسوبين إلى الماوردي هذا:

وفي الجهل قبل الموت موت لأهلهفأجسادهم دون القبور قبور
وإنّ امرءا لم يحي بالعلم صدرهفليس له حتى النشور نشور

حدث محمد بن عبد الملك الهمذاني، حدثني أبي قال: سمعت الماوردي يقول: بسطت الفقه في أربعة آلاف ورقة، واختصرته في أربعين، يريد بالمبسوط «كتاب الحاوي» وبالمختصر «كتاب الاقناع» قال: وعلّق عليه، أي الحاوي ودرس مكانه خمس سنين. قال: ولم أر أوقر منه، لم أسمع منه مضحكة قط، ولا رأيت ذراعه منذ صحبته إلى أن فارق الدنيا.

قلت: وله تصانيف حسان في كلّ فن منها: كتاب تفسير القرآن. وكتاب الأحكام السلطانية. وكتاب في النحو رأيته في حجم الايضاح أو أكبر. وكتاب قوانين الوزارة. وكتاب تعجيل النصر وتسهيل الظفر.

قرأت في مجموع لبعض أهل البصرة: تقدم القادر بالله إلى أربعة من أئمة المسلمين في أيامه في المذاهب الأربعة أن يصنّف له كلّ واحد منهم مختصرا على مذهبه فصنف له الماوردي «كتاب الاقناع»، وصنف له أبو الحسين القدوري مختصره المعروف على مذهب أبي حنيفة، وصنف له القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن محمد بن نصر المالكي مختصرا آخر، ولا أدري من صنّف له على مذهب أحمد، وعرضت عليه فخرج الخادم إلى أقضى القضاة الماوردي وقال له: أمير المؤمنين يقول لك حفظ الله عليك دينك كما حفظت علينا ديننا.

ومن هذا المجموع: كان أقضى القضاة ﵀ قد سلك طريقة في ذوي الأرحام يورث القريب والبعيد بالسوية، وهو مذهب بعض المتقدمين، فجاءه يوما

السينيزي في أصحاب القماقم فصعد إليه المسجد وصلّى ركعتين والتفت إليه فقال له: أيها الشيخ اتبع ولا تبتدع، فقال: بل أجتهد ولا أقلد، فلبس نعله وانصرف.

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.