تجاوز إلى المحتوى

من «معجم الأدباء» لياقوت الحموي (ت ٦٢٦هـ)

عمر بن أحمد بن أبي جرادة

يعرف بابن العديم العقيلي يكنى أبا القاسم ويلقب كمال الدين، من أعيان أهل حلب وأفاضلهم، وهو عمر بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبي جرادة صاحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، واسم أبي جرادة عامر بن ربيعة بن خويلد بن عوف بن عامر بن

عقيل، أبي القبيلة، بن كعب بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

وبيت أبي جرادة بيت مشهور من أهل حلب: أدباء شعراء فقهاء عباد زهاد قضاة يتوارثون الفضل كابرا عن كابر وتاليا عن غابر، وأنا أذكر قبل شروعي في ذكره شيئا من مآثر هذا البيت وجماعة من مشاهيرهم، ثم أتبعه بذكره ناقلا ذلك كلّه من كتاب ألفه كمال الدين، أطال الله بقاءه، وسماه «الأخبار المستفادة في ذكر بني أبي جرادة» وقرأته عليه فأقرّ به.

سألته أولا لم سميتم ببني العديم؟ فقال: سألت جماعة من أهلي عن ذلك فلم يعرفوه، وقال: هو اسم محدث لم يكن آبائي القدماء يعرفون بهذا ولا أحسب إلا أن جدّ جدي القاضي أبا الفضل هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن أبي جرادة- مع ثروة واسعة ونعمة شاملة- كان يكثر في شعره من ذكر العدم وشكوى الزمان فسمي بذلك، فإن لم يكن هذا سببه فلا أدري ما سببه.

حدثني كمال الدين أبو القاسم قال حدثني جمال الدين أبو غانم محمد بن هبة الله بن محمد بن أبي جرادة عمي قال: لما ختمت القرآن قبّل والدي ﵀ بين عينيّ وبكى وقال: الحمد لله يا ولدي هذا الذي كنت أرجوه فيك، حدثني جدّك عن أبيه عن سلفه أنه ما منا أحد إلى زمن النبي ﷺ إلّا من ختم القرآن.

قال المؤلف: وهذا منقبة جليلة لا أعرف لأحد من خلق الله شرواها، وسألت عنها قوما من أهل حلب فصدقوها. وقال لي زين الدين محمد بن عبد القاهر بن النصيبي: دع الماضي واستدلّ بالحاضر فإنني أعدّ لك كلّ من هو موجود في وقتنا هذا وهم خلق ليس فيهم أحد إلا وقد ختم القرآن، وجعل يتذكرهم واحدا واحدا فلم يخرم بواحد.

حدثني كمال الدين أطال الله بقاءه قال: وكان عقب بني أبي جرادة من ساكني البصرة في محلّة بني عقيل بها، فكان أول من انتقل منهم عنها موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عامر أبي جرادة إلى حلب بعد المائتين للهجرة وكان وردها تاجرا.

وحدثني قال حدثني عمي أبو غانم محمد بن هبة الله بن محمد بن أبي جرادة قال: سمعت والدي يذكر فيما يأثره عن سلفه أن جدنا قدم من البصرة في تجارة إلى الشام فاستوطن حلب. قال: وسمعت والدي يذكر أنه بلغه أنه وقع طاعون بالبصرة فخرج منها جماعة من بني عقيل وقدموا الشام فاستوطن جدنا حلب. قال: وكان لموسى من الولد محمد وهارون وعبد الله فأما محمد فله ولد اسمه عبد الله ولا أدري أعقب أم لا، وأما العقب الموجود الآن فلهارون وهو جدّنا، ولعبد الله وهم أعمامنا.

فمن ولد عبد الله القاضي أبو طاهر عبد القاهر بن علي بن عبد الباقي بن محمد ابن عبد الله بن موسى بن أبي جرادة، وهو من سادات هذا البيت وأعيانهم، ومات في جمادى الأولى من سنة ثلاث وستين وأربعمائة، فقال القاضي أبو الفضل هبة الله بن أحمد بن أبي جرادة يرثيه، وكانت قد توفيت قبل وفاة والد القاضي أبي الفضل أخته بأيام قلائل فتوجع للماضين:

صبرت لا عن رضى مني وإيثاروهل يردّ بكائي حتم أقدار
أروم كفّ دموعي وهي في صببوأبتغي برد قلبي وهو في نار
ما لليالي تعرّي جانبي أبدامن أسرتي وأخلائي وأوزاري
تلذّ طعم مصيباتي فأحسبهاتظما فيروي صداها ماء أشفاري
محاسن جدت للأرض الفضاء بهاوطالما صنتها عن لحظ أبصار
وواضح كسنا الاصباح أنقلهمن رأي عيني إلى سرّي واضماري
إن الردى اقصدتني غير طائشةسهامها في فتى كالكوكب الواري
رمته صائبة الأقدار من كثبوما رمت عظم أقدار وأخطار

وهي قصيدة غراء طويلة.

ومنهم أبو المجد عبد الله بن محمد بن عبد الباقي بن محمد: شيخ فاضل أديب شاعر، له معرفة باللغة والعربية، سمع بحلب أستاذه أبا عبد الله الحسين بن عبد الواحد بن محمد بن عبد القادر القنسريني المقرىء مؤلف «كتاب التهذيب في اختلاف

القراء السبعة» وسمعه ولده الشيخ أبو الحسن علي بن عبد الله، وله أشعار حسان منها:

توسوس عن علّتيّ الزمانففي كلّ يوم له معضله
فلو جعلوا أمره ليلةإليّ لأصبح في سلسله

ومات الشيخ أبو المجد بحلب في حدود سنة ثمانين وأربعمائة.

ومنهم ولده الشيخ أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن أبي جرادة: صدر زمانه وفرد أوانه، ذو فنون من العلوم، وخطه مليح جدا على غاية من الرطوبة والحلاوة والصحة، وله شعر يكاد يختلط بالقلب ويسلب اللب لطافة ورقة، تصدّر بحلب لافادة العلوم الدينية والأدبية متفردا بذلك كله، ورتب «غريب الحديث» لأبي عبيد على حروف المعجم، رأيته بخطه، وشرع في شرح أبياته شروعا لم يقصر فيه، ظفرت منه بكراريس من مسوداته لأنه لم يتم. سمع بحلب والده أبا المجد وأبا الفتح عبد الله بن إسماعيل الحلي وأبا الفتيان محمد بن سلطان بن حيوس الشاعر وغيرهم، ورحل عن حلب قاصدا للحج في ثالث شعبان سنة ست عشرة وخمسمائة، ووصل إلى بغداد وسمع بها أبا محمد عبد الله بن علي المقرىء وغيره، ولم يتيسر للناس في هذا العام حجّ فعاد من بغداد إلى حلب، ثم سافر إلى الموصل بعد ذلك في سنة إحدى وثلاثين وسمع بها، وأدركه تاج الإسلام أبو سعد عبد الكريم بن محمد السمعاني فسمع منه بحلب هو وجماعة وافرة، وذكره السمعاني في «المذيل لتاريخ بغداد».

قال المؤلف: وقد ذكرته في هذا الكتاب في موضعه بما ذكره السمعاني به.

حدثني كمال الدين قال سمعت والدي ﵀ يقول: كتب الشيخ أبو الحسن ابن أبي جرادة بخطه ثلاث خزائن من الكتب لنفسه، وخزانة لابنه أبي البركات، وخزانة لابنه أبي عبد الله، ومن شعره (أنبأنا به تاج الدين زيد بن الحسن الكندي) من قصيدة يصف فيها طول الليل:

فؤاد بالأحبّة مستطاروقلب لا يقرّ له قرار
وما أنفكّ من هجر وصدّوعتب لا يقوم له اعتذار
وعين دمعها جمّ غزيرولكن نومها نزر غرار
كأن جفونها عند التلاقيتلاقيها الأسنة والشفار
وهذا حالها وهم حلولفكيف بها إذا خلت الديار
أبيت الليل مرتفقا كئيبالهمّ في الضلوع له أوار
كأن كواكب الفلك اعتراهافتور أو تخوّنها المدار

منها:

فيا لك ليلة طالت ودامتفليس لصبحها عنها انسفار
أسائلها لأبلغ منتهاهالعلّ الهم يذهبه النهار

ومات الشيخ أبو الحسن في سنة ثمان وأربعين وخمسمائة عن ثماني وثمانين سنة.

ومنهم ولده أبو علي الحسن بن علي بن عبد الله بن محمد بن أبي جرادة: وكان فاضلا كاتبا شاعرا أديبا، يكتب النسخ طريقة أبي عبد الله ابن مقلة، والرقاع طريقة علي بن هلال، وخطه حلو جيد جدا خال من التكلف والتعسف، سمع أباه بحلب، وكتب عنه السمعاني عند قدومه حلب، وسار في حياة أبيه إلى الديار المصرية واتصل بالعادل أمير الجيوش وزير المصريين وأنس به، ثم نفق بعده على الصالح بن رزيك، وخدمه في ديوان الجيش، ولم يزل بمصر إلى ان مات بها في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، ومن شعره في صدر كتاب كتبه إلى أخيه عبد القاهر في سنة ست وأربعين وخمسمائة:

سرى من أقاصي الشام يسألني عنّيخيال إذا ما زار يسلبني منّي
تركت له قلبي وجسمي كليهماولم يرض إلا أن يعرّس في جفني
وإني ليدنيني اشتياقي إليكمووجدي بكم لو أنّ وجد الفتى يدني
وأبعث آمالي فترجع حسّراوقوفا على ضنّ من الوصل أو ظن
فليت الصبا تسري بمكنون سرنافتخبرني عنكم وتخبركم عني
وليت الليالي الخاليات عوائدعلينا فنعتاض السرور من الحزن

ومن شعره:

ما ضرهم يوم جدّ البين لو وقفواوزودوا كلفا أودى به الكلف
للشاعر ثقة الملك ابن أبي جرادة ، اقرأ القصيدة
تخلفوا عن وداعي ثمّت ارتحلواوأخلفوني وعودا ما لها خلف
للشاعر ثقة الملك ابن أبي جرادة ، اقرأ القصيدة
وأوصلوني بهجر بعد ما وصلواحبلي وما أنصفوني لكن انتصفوا
فليتهم عدلوا في الحكم إذ ملكواوليتهم أسعفوا بالطيف من شعفوا
ما للمحبّ وللعذال ويحهمخانوا ومانوا ولما عنّفوا عنفوا
أستودع الله أحبابا ألفتهملكن على تلفي يوم النوى ائتلفوا
للشاعر ثقة الملك ابن أبي جرادة ، اقرأ القصيدة
عمري لئن نزحت بالبين دارهمعنّي فما نزحوا دمعي وما نزفوا
للشاعر ثقة الملك ابن أبي جرادة ، اقرأ القصيدة
يا حبذا نظرة منهم على عجلتكاد تنكرني طورا وتعترف
للشاعر ثقة الملك ابن أبي جرادة ، اقرأ القصيدة
سقت عهودهم غرّاء واكفةتهمي ولو أنها من أدمعي تكف
أحبابنا ذهلت ألبابنا ومحاعتابنا لكم الاشفاق والأسف
بعدتم فكأنّ الشمس واجبةمن بعدكم وكأنّ البدر منخسف
يا ليت شعري هل يحظى برؤيتكمطرفي وهل يجمعن ما بيننا طرف
ومضمر في حشاه من محاسنكملفظا هو الدرّ لا ما يضمر الصدف
كنا كغصنين حال الدهر بينهماأو لفظتين لمعنى ليس يختلف
فأقصدتنا صروف الدهر نابلةحتى كأنّ فؤادينا لها هدف
فهل تعود ليالي الوصل ثانيةويصبح الشمل منا وهو مؤتلف
ونلتقي بعد يأس من أحبتناكمثل ما يتلاقى اللام والألف
وما كتبت على مقدار ما ضمنتمني الضلوع ولا ما يقتضي اللهف
فان أتيت بمكنوني فمن عجبوإن عجزت فان العذر منصرف

ومنهم أخوه أبو البركات عبد القاهر بن علي بن عبد الله بن أبي جرادة: كان ظريفا لطيفا أديبا شاعرا كاتبا له الخط الرائق والشعر الفائق والتهذيب الذي تبحّر في جودته ويلتحق بالنسبة إلى ابن البواب، والتأنق في الخط المحرر الذي يشهد بالتقدم في الفضل وان تأخر، سمع بحلب أباه أبا الحسن وغيره، وكتب عنه جماعة من

العلماء، وكان أمينا على خزائن الملك العادل نور الدين محمود زنكي وذا منزلة لطيفة منه. ومن شعره (وكتبه بليقة ذهب):

ما اخترت الا أشرف الرتبخطا أخلّد منه في الكتب
والخطّ كالمرآة ننظرهافنرى محاسن صورة الأدب
هو وحده حسب يطال بهإن لم يكن إلاه من حسب
ما زلت أنفق فيه من ذهبحتى جرى فكتبت بالذهب

وقال أيضا وهو بدمشق في سنة تسع وأربعين وخمسمائة:

أمتّ ببذلي خالصا من مودتيإلى من سواء عنده المنع والبذل
وتحسب نفسي والأمانيّ ضلّةبأني من شغل الذي هو لي شغل
ألا إن هذا الحبّ داء موافقوإنّ شفاء الداء ممتنع سهل
عفا الله عمن إن جنى فاحتملتهتجنّى فعاد الذنب لي وله الفضل
ومن كلّما أجمعت عنه تسلياتبينت أن الرأي في غيره جهل
سأعرض إلا عن هواه فانهجميل بمثلي حبّ من ما له مثل
وألقي مقال الناصحين بمسمعضربت عليه بالغواية من قبل
فعندي وان أخفيت ذاك عن العدىعزيمة همّ لا تكلّ ولا تألو
ولي في حواشي كلّ عذل تلفتإلى حبّ من في حبه قبح العذل
وإني لأدنى ما أكون من الهوىإذا أرجف الواشون بي أنني أسلو

هذا لعمري والله الغاية في الحسن والطلاوة والرونق والحلاوة.

وقال أيضا:

عاد قلبي إلى الهوى من قريبما محبّ بمنته عن حبيب
طال يا همتي تماديك في الرشد خذي من غواية بنصيب
وإذا ما رأيت حسنا غريبافاستعدّي له لوجد غريب
يا غزالا مالت به نشوة العجب فهزّت عطفيه هزّ القضيب
بين ألحاظك المراض وبينينسب لو رعيت حقّ النسيب
أنت أجريت أعين الدمع من عيني وأوريت زند قلبي الكئيب
لا تقل ليس لي بذلك علمفعلى مقلتيك سيما مريب
ما تعدّيت في الذي أنت فيهإنّ حظي لديك حظّ أديب

ومات في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.

ومنهم ابن أخيه أبو الفتح عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي جرادة: وكان يجيد الكتابة، وجمع مجاميع حسنة، وجمع شعر والده أبي عبد الله الحسن وشعر عمه أبي البركات عبد القاهر، وله شعر لا بأس به منه:

من ذا مجيري من يدي شادنمهفهف القدّ مليح العذار
قد كتب الشعر على وجههأسطر مسك طرسها جلّنار

فهؤلاء من بني عبد الله بن موسى بن عيسى.

وأما أخوه هارون بن موسى فهو أول من اشترى بحلب ملكا في قرية تعرف بأورم الكبرى، وكان له ولدان زهير وأحمد، والعقب لزهير، وهو الذي اشترى أكثر أملاك بني أبي جرادة مثل أورم الكبرى ويحمول وأقذار ولؤلؤة والسين، وهي قرى، ووقف وقفا على شرى فرس يجاهد به في سبيل الله، وتوفي في حدود سنة أربعين وثلاثمائة. فمن ولد زهير هذا أبو الفضل عبد الصمد بن زهير بن هارون بن موسى ولادته في حدود العشرين والثلاثمائة، سمع بحلب أبا بكر محمد بن الحسين الشيعي وغيره، وروى عنه ابن أخيه القاضي أبو الحسن أحمد ومشرق العابد وجماعة ولعله مات في حدود سنة تسعين وثلاثمائة، وليس له عقب.

ومنهم أبو جعفر يحيى بن زهير بن هارون بن موسى، وهو العديم إليه ينسبون، وقد ذكرنا أنهم لا يعرفون لم سموا ذلك.

ومنهم ولده القاضي أبو الحسن أحمد بن يحيى بن زهير: وهو أول من ولي القضاء بمدينة حلب من هذا البيت، وقد سمع الحديث ورواه، وقرأ الفقه على القاضي أبي جعفر محمد بن أحمد السمعاني، وكان السمعاني إذ ذاك قاضي حلب.

أنشدني كمال الدين أبو القاسم عمر بن أحمد بن أبي جرادة، أنشدني والدي لجدّ أبيه القاضي هبة الله أحمد بن يحيى يذكر أباه ويفتخر به:

أنا ابن مستنبط القضاياوموضح المشكلات حلّا
وابن المحاريب لم تعطّلمن الكتاب العزيز يتلى
وفارس المنبر استكانتعيدانه من حجاه ثقلا

توفي بعد سنة تسع وعشرين وأربعمائة.

ومنهم ابنه القاضي أبو الفضل هبة الله بن أحمد: كان كبير القدر جميل الأمر مبجلا عند آل مرداس، له شعر جزل فصيح ذو معان دقاق يترفع قدره عنه، وإنما يقول ببلاغته وبراعته، سمع الحديث من أبيه ولعله لقي أبا العلاء المعري وقرأ عليه شيئا، وولي القضاء بحلب وأعمالها في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة وبقي على ذلك إلى أن مات، وكانت ولايته للقضاء في أوائل دولة شرف الدولة أبي المكارم مسلم بن قريش بعد وفاة حميه القاضي كسرى بن عبد الكريم بن كسرى، وكتب تقليده من بغداد عن المقتدي بالله.

ومن شعره:

لي بالغوير لبانات ظفرت بهاقد سدّ من دونها لي أوضح الطرق
وبالثنيّة بدر لاح في غصنأصمى فؤادي لها سهم من الملق
سرّاقة لقلوب الناظرين لهاوما يقام عليها واجب السّرق
لا يفلت المرء من أشراك مقلتهاوان تخلّص لم يفلت من العقق
وأبرزت من خلال السجف ذا شعللولا بقا الليل قلنا غرّة الفلق
ولائم ودموع العين واكفةلا يستبين لها جفن من الغرق
يقول أفنيته والشمل مجتمعولم تصنه لتوديع ومفترق

وله:

ربع لهند باللوى مصرومأقوى فها آريّه مرثوم
أخفاه إلحاح البلى فضللت فيإنشاده لولا النسيم نموم
تضياف طرفي فيه دمع ساجموقرى فؤادي في ذراه هموم
هل عاذر في الربع رائي عيسهمتحدى لها وخد بهم ورسيم
وهوى تبعّده الليالي والنوىإن قرّبته خواطر ورسوم
يا صاحبيّ خذا المطايا وحدهابدمي فما سفكته إلا الكوم
أمضين أحكام الهوى وأعنّهومساعد المرء الظلوم ظلوم

وله:

وما عسى يطلب الرجال من رجلكاس من الفضل إن عرّي من المال
كالبارد العذب يوم الورد من ظمأوالصارم العضب في روع وأوجال
همومه في جسيمات الأمور فمايلفى مصاحب أطماح وآمال
ألذّ من ثروة تأتي بإذلالعزّ القناعة مع صون وإقلال
وما يضرّ امرءا أثرت مناقبهإن أكسبته الليالي رقة الحال

وقال أيضا يمدح أبا الفضائل سابق بن محمود بن نصر بن صالح بن مرداس صاحب حلب ويشكره إذ لم يسمع فيه قول حساد وشوا به إليه:

خلّها إن ظمئت تشكو الأوامالا تقلها الأين إن طال وداما
واجعل السرج إذا ما سغبتكلأ والمورد العذب اللجاما
أوتراها كالحنايا بالسرىوباسراع إلى المرمى سهاما
قصرت ظهرا ورسغا وعسيبامثل ما طالت عنانا وحزاما
تنصب الأذنين حتى خيّلتبهما تبصر ما كان أماما
وإذا ما بارت الريح اغتدتخلفها النكباء حسرى والنّعامى
كم مقامي بين أحكام العدىأتبع القائد لا أعصي الزماما
أكلة الطاعم لا يرهب إثماأو أسير المنّ إن كفّ احتشاما
وإلام الحظّ لا ينصفنيمن زمان جار في قصدي إلاما
تعتلي أرؤسه أذنابهفترى الأرجل تعلو فيه هاما
أتمنى راحة تنقذنيمنهم عزّت ولو كانت حماما

منها:

كم رموني عامدا في هوّةنارها تعلو اشتعالا واضطراما
قاصدي حتفي فكانت بك لينار إبراهيم بردا وسلاما

وله في المعنى من قصيدة:

هنّئت يا أرض العواصم دولةروّى ثراك بها أشمّ أروع
قد عاد في الأيام ماء شبابهاوتسالمت حرق الأسى والأضلع
أشكو إليك عصابة نبذوا الحياحسدا وشدّوا في أذاي وأوضعوا
راموا ابتزازي مورثي عن أسرتيوتآزروا في قبضه وتجمعوا
يتطلّبون لي الذنوب كأننيممن عليه بالشنان يقعقع
لم أخش قهرهم ونصرك مصلتدوني ولي من حسن رأيك مرجع

وله:

وما الذلّ إلا أن تبيت مؤمّلاوقد سهرت عيناك وسنان هاجعا
أأخشى امرءا أو أشتكي منه جفوةإذا كنت بالميسور في الدهر قانعا
إذا ما رآني طالبا منه حاجةففي حرج ان لم يكن لي مانعا

وكان المنجمون قد حكموا له أنه يموت في صدور الرجال، فاتفق أنه اعتقل بالقلعة مدة لتهمة اتهم بها بالممالأة لبعض الملوك ثم أطلق بعد مدة، فنزل راكبا وأصحابه حوله، فبينا هو سائر إذ وجد ألما فقال لأصحابه: أمسكوني أمسكوني، فأخذوه في صدورهم من على فرسه، فلما وصل إلى منزله بقي على صدورهم إلى أن مات بحلب في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.

ومنهم ولده القاضي أبو غانم محمد بن القاضي أبي الفضل هبة الله بن القاضي أبي الحسن أحمد: وكان فقيها فاضلا زاهدا عفيفا سمع أباه وغيره، وولي قضاء حلب وأعمالها وخطابتها بعد موت أبيه في أيام تاج الدولة دبيس في سنة ثمان وثمانين

وأربعمائة، ولم يزل قاضيا بها إلى أن عزله رضوان لما خطب للمصريين، وولى القضاء القاضي الزوزني العجمي في شوال من سنة تسعين وأربعمائة، ثم عاود الملك رضوان الخطبة لبني العباس فأعاد القاضي أبا غانم إلى ولايته، وجاءه التقليد من بغداد بالقضاء والحسبة عن القاضي علي بن الدامغاني بأمر المستظهر في صفر سنة ست وتسعين وأربعمائة، وكان مولد القاضي أبي غانم في رجب سنة ست وأربعين وأربعمائة، وهو الذي شرع في عمارة المسجد الذي بحلب يعرف ببني العديم، وأتمه ابنه القاضي أبو الفضل هبة الله، وكان يتولى الخطابة في المسجد الجامع والامامة بحلب، وكان حنفيّ المذهب، وكان يؤمّ بالناس ثلاثين سنة وهو متكتف تحت ثيابه ويسبل أكمامه فارغة خوفا من الولاة في أيامه لأنهم كانوا إسماعيليين يرون رأي المصريين، وكانوا يفطرون قبل العيد بيوم ويجتمع أكابر حلب في يوم عيدهم يهنئونهم، فصعد القاضي أبو غانم للهناء في من صعد، وقدم للناس سكرا ولوزا، وأخذ القاضي أبو غانم لوزة ووضعها في فيه فقال له صاحب حلب: أيها القاضي لم لا تأكل من السكر؟ فقال: لأنه يذوب، وتبسم، فضحك الوالي وأعفاه من ذلك.

حدثني كمال الدين قال: حدثني عمي حدثني أبي قال: نزل جدّك القاضي أبو غانم في بعض الأيام يصلي بالجامع، وخلع نعليه قرب المنبر وكانا جديدين، فلما قضى صلاته قام للبسهما فوجد نعليه العتق مكانهما، فقال لغلامه: ألم أنزل إلى الجامع بالمداس الجديد فأين هو؟ فقال الغلام: بلى ولكن جاءنا الساعة رجل وطرق الباب وقال: القاضي يقول لكم أنفذوا إليه مداسه العتيق إلى الجامع فقد سرق مداسه الجديد، فضحك وقال: هذا والله لص شفيق جزاه الله خيرا وهو في حل منه.

والقاضي أبو غانم هذا هو الذي نهض من حلب في سنة ثمان عشرة وخمسمائة وقد حصرها الفرنج ودبيس بعد قتل بلك على منبج حتى أقدم البرسقي من الموصل فاستنقذها من الحصار، وهربوا لما سمعوا بقدومه، وكان أهل حلب لقوا شدة وأكلوا الميتة ولم يكن عندهم أمير وإنما تولوا حفظ البلد بأنفسهم وأبلوا بلاء حسنا حسنت به العاقبة.

ومنهم ابنه القاضي أبو الفضل هبة الله سمّي باسم جده وكني بكنيته، وكان فقيها مرضيا ورعا زاهدا، سمع الحديث ورواه وولي القضاء بحلب وأعمالها بعد موت أبيه القاضي أبي غانم، وكتب له عهده من أتابك زنكي بن آقسنقر في سنة أربع وثلاثين وخمسمائة ثم جاء له العهد من بغداد من قاضي القضاة الزينبي وأمر المقتفي، وكان مولده في ذي القعدة سنة تسع وتسعين وأربعمائة، فلما قتل أتابك زنكي وولي ابنه نور الدين وولي القضاء كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري قضاء الشام، ورزق البسطة والتحكم في الدولة وقاوم الوزراء بل الملوك، التمس من القاضي أبي الفضل هذا أن يكتب في كتب سجلاته ذكر النيابة عنه، فامتنع القاضي أبو الفضل، ولجّ ابن الشهرزوري، وساعده مجد الدين ابن الداية، وهو والي حلب، لشيء كان في نفسه على القاضي أبي الفضل لأمور كان يخالفه فيها في أقضية يوفّر فيها جانب الحقّ على أغراضه، وتردد المراسلات بين نور الدين وبينه في قبول النيابة وهو يأبى إلى أن قال ابن الداية: هذا تحكّم منه في الدولة وفيك إذ تأمره بشيء ولا يمتثله، فاعزله وولّ محيي الدين بن كمال الدين، فقال نور الدين: [ ...]

يستناب له قاض حنفي، فعزل القاضي أبو الفضل وولي محيي الدين قضاء حلب، واستنيب له الكودري، وذلك في سنة سبع وخمسين وخمسمائة، وحج في تلك السنة.

وكتب أبو الحسين أحمد بن منير الطرابلسي للقاضي أبي الفضل هبة الله يلتمس منه «كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه» للقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني، وكان قد وعده بها ودافعه:

يا حائزا غاي كلّ فضلتضلّ في كنهه الإحاطه
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
ومن ترقّى إلى محلّأحكم فوق السها مناطه
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة
إلى متى أسعط التمنيولا ترى المنّ بالوساطه
للشاعر ابن منير الطرابلسي، اقرأ القصيدة

ومات القاضي أبو الفضل لعشر بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وستين وخمسمائة.

ومنهم ابن أخته أبو المكارم محمد بن عبد الملك بن أحمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن أبي جرادة: سمع بحلب ورحل إلى بغداد وسمع بها محمد بن ناصر السلامي وغيره، وحدثني كمال الدين أيده الله قال، قال لي شيخنا أبو اليمن زيد الكندي: كان أبو المكارم محمد بن عبد الملك بن أبي جرادة فسمع ببغداد الحديث معنا على، مشايخنا فسمعت بقراءته، وورد إلينا إلى دمشق بعد ذلك، وكنا نلقبه «القاضي بسعادتك»، وذلك أن القلانسي دعاه في وليمة وكنت حاضرها فجعل لا يسأله عن شيء فيخبر عنه بما سر أو ساء إلا وقال في عقبه: بسعادتك، فإن قال له:

ما فعل فلان؟ قال: مات بسعادتك، وإن قال له: ما خبر الدار الفلانية؟ يقول:

خربت بسعادتك، فسميناه القاضي بسعادتك، وكان يقولها لاعتياده إياها لا لجهل كان فيه، وكان له أدب وفضل وفقه وشعر جيد، وقد روى الحديث. ولأبي المكارم شعر منه:

لئن تناءيتم عنّي ولم تركمعيني فأنتم بقلبي بعد سكان
لم أخل منكم ولم أسعد بقربكمفهل سمعتم بوصل فيه هجران

وله أشعار كثيرة ومات بحلب في سنة خمس وستين وخمسمائة أو سنة ست وستين.

ومنهم جمال الدين أبو غانم محمد بن القاضي أبي الفضل هبة الله بن القاضي أبي غانم محمد بن القاضي أبي الفضل هبة الله بن القاضي أبي الحسين يحيى: وهو عمّ كمال الدين، أحد الأولياء العباد وأرباب الرياضة والاجتهاد، عالم كثير الصوم والصلاة، وهو حي يرزق إلى وقتنا هذا، وكان قد تولى الخطابة بجامع حلب، وعرض عليه القضاء في أيام الملك الصالح إسماعيل بن محمود بن زنكي بعد القاضي ابن الشهرزوري فامتنع منه، فقلّد القضاء أخوه القاضي أبو الحسن والد كمال الدين أيده الله. وكتب جمال الدين هذا بخطه الكثير، وشغف بتصانيف أبي عبد الله محمد بن علي بن الحكيم الترمذي فجمع معظم تصانيفه عنده وكتب بعضها بخطه، وكتب من كتب الزهد والرقائق والمصاحف كثيرا، وكان خطه في صباه على طريقة ابن البواب القديمة، ووهب لأهله مصاحف كثيرة بخطه، وكان إذا اعتكف في شهر رمضان كتب مصحفا أو مصحفين وجمع براوات الأقلام فيكتب بها تعاويذ للحمى وعسر الولادة فتعرف بركتها. قال: وسألت عمي عن مولده فقال في سنة أربعين

وخمسمائة، وقد سمع أباه وعمه أبا المجد عبد الله وغيرهما، وروى الحديث، وتفقه على العلاء الغزنوي، واجتمع بجماعة من الأولياء، وكوشف بأشياء مشهورة، وهو الآن يحيا في محرم سنة عشرين وستمائة.

ومنهم القاضي أبو الحسن أحمد بن القاضي أبي الفضل هبة الله بن القاضي أبي غانم محمد بن أبي الفضل هبة الله بن القاضي أبي الحسن أحمد بن أبي جرادة: كل هؤلاء ولوا قضاء حلب، وهذا هو والد كمال الدين صاحب أصل هذه الترجمة، كان يخطب بالقلعة بحلب على أيام نور الدين محمود بن زنكي، ثم ولي الخزانة في أيام ولده الملك الصالح إسماعيل إلى أن عرض القضاء على أخيه كما ذكرنا فامتنع منه، فقلده القاضي هذا بحلب وأعمالها في سنة خمس وسبعين وخمسمائة، ولم يزل واليا للقضاء في أيام الملك الصالح ومن بعده في دولة عز الدين ثم عماد الدين بن قطب الدين مودود بن زنكي وصدرا من دولة الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى أن عزل عن منزلتي الخطابة والقضاء ونقل إلى مذهب الشافعي، وكان عزله عن القضاء في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، ووليه القاضي محيي الدين محمد بن علي بن الزكي قاضي دمشق الشافعي، وكان صرف أخوه الأصغر أبو المعالي عبد الصمد عن الخطابة قبله، فعلم أن الأمر يؤول إلى عزله عن القضاء لأن الدولة شافعية، فاستأذن في الحج والإعفاء عن القضاء فصرف عن ذلك بعد مراجعات. وسمع الحديث من أبيه وأبي المظفر سعيد بن سهل الفلكي وغيرهما، ومولده سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة ومات ﵀ ليلة الجمعة السابع والعشرين من شعبان سنة ثلاث عشرة وستمائة.

هذا ما كتبته من الكتاب الذي ذكرته آنفا على سبيل الاختصار والايجاز وهو قليل من كثير من فضائلهم، وأنا الآن أذكر من أنا بصدده، وهو كمال الدين أبو القاسم عمر بن القاضي أبي الحسن أحمد بن القاضي أبي الفضل هبة الله بن القاضي أبي غانم محمد بن القاضي أبي سعيد هبة الله بن القاضي أبي الحسن أحمد بن أبي جرادة، كلّ هؤلاء من آبائه ولي قضاء حلب وأعمالها وهم حنفيون، وهو الذي نحن بصدده، وإلى معرفة حاله ركبنا سنن المقال وجدده، فانه من شروط هذا الكتاب، لكتابته التي فاقت ابن هلال، وبلغت الغاية في الجودة والاتقان، ولتصانيفه في الأدب التي تذكر آنفا إن شاء الله تعالى. فأما أوصافه بالفضل فكثيرة، وسماته بحسن الأثر

أثيرة، وإذ كان هذا الكتاب لا يتسع لأوصافه جميعا، وكان الوقت يذهب بحلاوة ذكر محاسنه سريعا، رأيت من المشقة والاتعاب، التصدي لجميع فضائله والاستيعاب، فاعتمدت على القول مجملا لا مفصّلا، وضربة لا مبوبا فأقول:

إن الله ﷿ عني بخلقته فأحسن خلقه وخلقه وعقله وذهنه وذكاءه، وجعل همته في العلوم ومعالي الأمور، فقرأ الأدب وأتقنه، ثم درس الفقه فأحسنه، ونظم القريض فجوده، وأنشأ النثر فزينه، وقرأ حديث الرسول وعرف علله ورجاله وتأويله وفروعه وأصوله، وهو مع ذلك قلق البنان، جواد بما تحوي اليدان، وهو كاسمه كمال في كلّ فضيلة، لم يعتن بشيء إلا وكان فيه بارزا، ولا تعاطى أمرا إلا وجاء فيه مبرّزا، مشهور ذلك عنه لا يخالف فيه صديق ولا يستطيع دفاعه عدو. وأما قراءته للحديث في سرعته وصحة إيراده وطيب صوته وفصاحته فهو الغاية التي أقرّ له بها كلّ من سمعها، فانه يقرأ الخطّ العقد كأنه يقرأ من حفظه، وأما خطه في التجويد والتحرير والضبط والتقييد فسواد مقلة لأبي عبد الله ابن مقلة، وبدر ذو كمال عند علي بن هلال:

خلال الفضل في الأمجاد فوضىولكنّ الكمال لها كمال

وإذا كان التام من خصائص عالم الغيب، وكان الإنسان لا بد له من عيب، فعيبه لطالب العنت والشين، أنه يخاف عليه من إصابته العين، هذا مع العفاف والزمت، والوقار وحسن السمت، والجلال المشهور، عند الخاص والجمهور:

قاد الجيوش لسبع عشرة حجةولداته عن ذاك في أشغال

سألته أدام الله علوه عن مولده فقال لي: ولدت في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، قال: فلما بلغت سبعة أعوام حصلت إلى المكتب، فأقعدت بين يدي المعلم فأخذ يمثّل لي كما يمثّل للأطفال ويمد خطا ويرتب عليه ثلاث سينات، فأخذت القلم، وكنت قد رأيته وقد كتب «بسم» ومدّ مدته، ففعلت كما فعل، وجاء ما كتبته قريبا من خطه، فتعجب المعلم فقال لمن حوله: لئن عاش هذا الطفل لا يكون في العالم أكتب منه. وصحّت لعمري فراسة المعلم فيه فهو أكتب من كلّ من تقدمه بعد ابن البواب بلا شك.

وقال: وختمت القرآن ولي تسع سنين، وقرأت بالعشر ولي عشر سنين، وحبب إليّ الخط وجعل والدي يحضّني عليه؛ فحدثني الشيخ يوسف بن علي بن زيد الزهري المغربي الأديب معلم ولده بحضرة كمال الدين قال: حدثني والد هذا (وأشار إليه) قال: ولد لي عدة بنات وكبرن، ولم يولد لي غير ولد واحد ذكر، وكان غاية في الحسن والجمال والفطنة والذكاء، وحفظ من القرآن قدرا صالحا وعمره خمس سنين، واتفق أن كنت يوما جالسا في غرفة لنا مشرفة على الطريق، فمرت بنا جنازة فاطّلع ذلك الطفل ببصره نحوها ثم رفع رأسه إليّ وقال: يا أبت إذا أنا متّ بما تغشّي تابوتي؟

فزجرته، وأدركني في الوقت استشعار شديد عليه، فلم يمض إلا أيام حتى مرض ودرج إلى رحمة الله ولحق بربه، فأصابني عليه ما لم يصب والدا على ولد، وامتنعت من الطعام والشراب، وجلست في بيت مظلم، وتصبرت فلم أعط عليه صبرا، فحملني شدة الوله على قصد قبره، وتوليت حفره بنفسي، وأردت استخراجه والتشفي برؤيته، فلمشيئة الله ولطفه بالطفل أو بي لئلا أرى به ما أكره صادفت حجرا ضخما وعالجته فامتنع عليّ قلعه، مع قوة وأيد كنت معروفا بهما، فلما رأيت امتناع الحجر عليّ علمت أنه شفقة من الله على الطفل أو عليّ، فزجرت نفسي، ورجعت ولهان بعد أن أعدت قبره إلى حاله التي كان عليها، فرأيت بعد ذلك في النوم ذلك الطفل وهو يقول: يا أباه عرّف والدتي أني أريد أجيء إليكم، فانتبهت مرعوبا وعرّفت والدته ذلك، فبكينا وترحمنا واسترجعنا. ثم إني رأيت في النوم كأنّ نورا خرج من ذكري حتى أشرف على جميع دورنا ومحلتنا وعلا علوّا كبيرا، فانتبهت وأوّلت ذلك فقيل لي: أبشر بمولود يعلو قدره ويعظم أمره، ويشيع بين الأنام ذكره بمقدار ما رأيت من ذلك النور، فابتهلت إلى الله ﷿ ودعوت وشكرته وقويت نفسي بعد الإياس لأني كنت قد جاوزت الأربعين، فلم تمض إلا هنيهة حتى اشتملت والدة هذا ولدي (وأشار إلى كمال الدين أيده الله) على حمل، وجاءت به في التاريخ المقدم ذكره، فلم يكن بقلبي بحلاوة ذلك الأول لأنه كان نحيفا جدا، فجعل كلما كبر نبل جسما وقدرا، ودعوت له عدة دعوات، وسألت الله له عدة سؤالات، ورأيت فيه والحمد لله أكثرها. ولقد قال له رجل يوما بحضرتي كما يقول الناس: أراكه الله قاضيا كما كان آباؤه، فقال: ما أريد له ذلك، ولكني اشتهيته أن يكون مدرّسا، فبلغه الله ذلك بعد

موته، وسمع الحديث على جماعة من أهل حلب والواردين إليها، وأكثر السماع على الشيخ الشريف افتخار الدين عبد المطلب الهاشمي ورحل به أبوه إلى البيت المقدس مرتين في سنة ثلاث وستمائة وفي سنة ثمان وستمائة، ولقي بها مشايخ وبدمشق أيضا، وقرأ على تاج الدين أبي اليمن في النوبتين كثيرا من مسموعاته.

حدثني كمال الدين أدام الله معاليه قال، قال لي والدي: احفظ «اللمع» حتى أعطيك كذا وكذا، فحفظته وقرأته على شيخ حلب يومئذ وهو الضياء بن دهن الحصى ثم قال لي: احفظ «القدوري» حتى أهب لك كذا وكذا- لدراهم كثيرة أيضا، فحفظته في مدة يسيرة وأنا في خلال ذلك أجوّد، وكان والدي ﵀ يحرّضني على ذلك ويتولّى صقل الكاغد لي بنفسه، فإني لأذكر مرة، وقد خرجنا إلى ضيعة لنا، فأمرني بالتجويد فقلت: ليس هاهنا كاغد جيد، فأخذ بنفسه كاغدا كان معنا رديا وتناول شربة اسفيذر، وكانت معنا، فجعل يصقل بها الكاغد بيده ويقول لي:

اكتب، ولم يكن خطه بالجيد وإنما كان يعرف أصول الخط، فكان يقول لي: هذا جيد وهذا رديء، وكان عنده خط ابن البواب، فكان يريني أصوله إلى أن أتقنت منه ما أردت، ولم أكتب على أحد مشهور، إلا أن تاج الدين محمد بن أحمد بن البرفطي البغدادي، ورد إلينا إلى حلب، فكتبت عليه أياما قلائل لم يحصل منه فيها طائل، ثم إن الوالد ﵀ خطب لي وزوّجني بقوم من أعيان أهل حلب، وساق إليهم ما جرت العادة بتقدمته في مثل ذلك، ثم جرى بيننا وبينهم ما كرهته وضيّق صدري منهم، فوهب لهم الوالد جميع ما كان ساقه إليهم وطلقتهم، ثم إنه وصلني بابنة الشيخ الأجلّ بهاء الدين أبي القاسم عبد المجيد بن الحسن بن عبد الله المعروف بابن العجمي، وهو شيخ أصحاب الشافعي، وأعظم أهل حلب منزلة وقدرا ومالا وحالا وجاها، وساق إليهم المهر وبالغ في الإحسان، وكان والدي ﵀ بارا بي لم يكن يلتذّ بشيء من الدنيا التذاذه بالنظر في مصالحي، وكان يقول: اشتهي أرى لك ولدا ذكرا يمشي، فولد أحمد ولدي ورآه، وبقي إلى أن كبر ومرض مرضة الموت، فيوم مات مشى الطفل حتى وقع في صدره، ثم مات والدي ﵀ في الوقت الذي تقدم ذكره، وكان الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب ﵀ كثير الإكرام لي وما حضرت مجلسه قطّ فما أقبل على أحد إقباله عليّ مع صغر السن،

واتفق أن مرضت في شهور سنة ثماني عشرة وستمائة مرضا أيس مني فيه، فكان يخطر ببالي وأنا مريض أن الله تعالى لا بدّ وأن يمنّ بالعافية لثقتي بصحة رؤيا الوالد، وكنت أقول: ما بلغت بعد مبلغا يكون تفسيرا لتلك الرؤيا إلا إن منّ الله بالعافية وله الحمد والمنة، فذهب عني ذلك الخيال، وليس يخطر منه في هذا الوقت ببالي شيء لأن نعم الله عليّ سابغة وأياديه في حقي شائعة.

قلت: ولما مات والده بقي بعده مدة، ومات مدرس مدرسة شادبخت، وهي من أجل مدارس حلب وأعيانها، ولي التدريس بها في ذي الحجة سنة ست عشرة وستمائة، وعمره يومئذ ثمان عشرون سنة، هذا وحلب أعمر ما كانت بالعلماء والمشايخ والفضلاء الرواسخ إلا أنه رؤي أهلا لذلك دون غيره، وتصدّر وألقى الدرس بجنان قوي ولسان لوذعي فأبهر العالم وأعجب الناس. وصنف مع هذا السنّ كتبا منها: كتاب الدراري في ذكر الذراري جمعه للملك الظاهر وقدّمه إليه يوم ولد ولده الملك العزيز الذي هو اليوم سلطان حلب. كتاب ضوء الصباح في الحثّ على السماح، صنفه للملك الأشرف، وكان قد سيّر من حرّان يطلبه، فانه لما وقف على خطه اشتهى أن يراه، فقدم عليه فأحسن إليه وأكرمه وخلع عليه وشرفه. كتاب الأخبار المستفادة في ذكر بني أبي جرادة، وأنا سألته جمعه فجمعه لي، وكتبه في نحو أسبوع، وهو عشرة كراريس. كتاب في الخط وعلومه ووصف آدابه وأقلامه وطروسه وما جاء فيه من الحديث والحكم وهو إلى وقتي هذا لم يتم. كتاب تاريخ حلب في أخبار ملوكها وابتداء عمارتها ومن كان بها من العلماء ومن دخلها من أهل الحديث والرواية والدراية والملوك والأمراء والكتاب.

وشاع ذكره في البلاد، وعرف خطه بين الحاضر والباد، فتهاداه الملوك، وجعل مع اللآلىء في السلوك، وضربت به في حياته الأمثال، وجعل للناس في زمانه حذوا ومثالا، فمما رغب في خطه أنه اشترى وجهة واحدة بخطّ ابن البواب بأربعين درهما ونقلها إلى ورقة عتيقة ووهبها من حيدر الكتبي، فذهب بها وادّعى أنها بخط ابن البواب وباعها بستين درهما زيادة على الذي بخط ابن البواب بعشرين درهما، ونسخ لي هذه الرقعة بخطه فدفع فيها كتاب الوقت على انها بخطه دينارا مصريا ولم يطب

قلبي ببيعها، وكتب لي أيضا جزءا فيه ثلاث عشرة قائمة نقلها من خط ابن البواب فأعطيت فيها أربعين درهما ناصرية قيمتها أربعة دنانير ذهبا فلم أفعل، وانا أعرف أن ابن البواب لم يكن خطه في أيامه بهذا النفاق، ولا بلغ هذا المقدار من الثمن وقد ذكرت ما يدل على ذلك في ترجمة ابن البواب.

فممن كتب إليه يسترفده شيئا من خطه سعد الدين منوجهر الموصلي، ولقد سمعته مرارا يزعم أنه أكتب من ابن البواب، ويدعي أنه لا يقوم له أحد في الكتابة ويقرّ لهذا كمال الدين بالكمال، فوجه إليه على لسان القاضي أبي علي القيلوي، وهو المشهور بصحبة السلطان الأشرف، يسأله سؤاله في شيء من خطّه ولو قائمة أو وجهة، وكان اعتماده على أن ينقل له الوجهة المقدم ذكرها.

وممن كتب إليه يسترفده خطّه أمين الدين ياقوت المعروف بالعالم، وهو صهر أمين الدين ياقوت الكاتب الذي يضرب به المثل في جودة الخط وتخرّج به ألوف وتتلمذ له من لا يحصى- كتب إلى كمال الدين رقعة، وحموه حيّ يرزق، نسختها:

الذي حضّ الخادم على عمل هذه الأبيات، وإن لم يكن من أرباب الصناعات، أن الصدر الكبير الفاضل عز الدين- حرس الله مجده- لما وصل إلى الموصل- خلّد الله ملك مالكها- نشر من فضائل المجلس العالي العالمي الفاضلي كمال الدين- كمل الله سعادته، كما كمل سيادته، وبلغه في الدارين مناه وإرادته- ما يعجز البليغ عن فهمه فضلا عن أن يورده، لكن فضائل المجلس كانت تملي على لسانه وتشغله، فطرب الخادم من استنشاق رياها، واشتاق إلى رؤية حاويها عند اجتلاء محياها، فسمح عند ذلك الخاطر مع تبلده، بأبيات تخبر المجلس بمحبة الخادم له وتعبده، وهي:

حيا نداك كمال الدين أحياناونشر فضلك عن محياك حيّانا
وحسن أخلاقك اللائي خصصت بهاأهدت إلى البعد لي روحا وريحانا
حويت يا عمر المحمود سيرتهخلقا وخلقا وإفضالا وإحسانا
إن كان نجل هلال في صناعتهونجل مقلة عينا الدهر قد كانا
فأنت مولاي إنسان الزمان وقدغدوت في الخطّ للعينين إنسانا
قد بثّ فضلك عزّ الدين مقتصداونثّ شكرك إسرارا وإعلانا
فضاع نشرك في الحدباء واشتهرتآيات فضلك أرسالا ووحدانا
أثني عليك وآمالي معلقةبحسن عفوك ترجو منك غفرانا
وان تطفلت في صدق الوداد ولميقض التلاقي لنا عفوا ولا حانا
فما ألام على شيء أتيت به«فالاذن تعشق قبل العين أحيانا»
يا أفضل الناس في علم وفي أدبوأرجح الخلق عند الله ميزانا
قد شرّف الله أرضا أنت ساكنهاوشرف الناس إذ سواك انسانا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قد علم البين منا البين أجفانا»

قد هجم الكلام على المجلس العالي بوجه وقاح، ولم يخش مع عفو المولى وصمة الافتضاح، فليلق عليها المولى ستر المعروف، فهو أليق بكرمه المألوف، والسلام.

فكتب إليه كمال الدين بخطه الدّريّ ولفظه السحري، وأنشدنيها لنفسه:

يا من أبحت حمى قلبي مودّتهومن جعلت له أحشاي أوطانا
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
أرسلت نحوي أبياتا طربت بهاوالفضل للمبتدي بالفضل إحسانا
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
فرحت أختال عجبا من محاسنهاكشارب ظلّ بالصهباء نشوانا
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
رقّت وراقت فجاءت وهي لابسةمن البلاغة والترصيع ألوانا
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
حكت بمنثورها والنظم إذ جمعابأحرف حسنت روضا وبستانا
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
جرّت على جرول أثواب زينتهاإذ أصبحت وهي تكسو الحسن حسّانا
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
أضحت تغبّر وجه العنبريّ فمابنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
يمسي لها ابن هلال حين ينظرهايحكي أباه بما عاناه نقصانا
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
كذاك أيضا لها عبد الحميد غداعبدا يجرّ من التقصير أردانا
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
أتت وعبدك مغمور بعلّتهفغادرته صحيحا خير ما كانا
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
وكيف لا تدفع الأسقام عن جسديوهي الصّبا حملت روحا وريحانا
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
فما على طيفها لو عاد يطرقنافربما زار أحيانا وأحيانا
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
فاسلم وأنت أمين الدين أحسن منوشّى الطروس بمنظوم ومن زانا
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
ولا تخطّت إليك الحادثات ولاحلّت بربعك يا أعلى الورى شانا
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة

وأنشدني كمال الدين أدام الله علاءه لنفسه في الغزل فاعتمد فيه معنى غريبا:

وأهيف معسول المراشف خلتهوفي وجنتيه للمدامة عاصر
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
يسيل إلى فيه اللذيذ مدامهرحيقا وقد مرّت عليه الأعاصر
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
فيسكر منه عند ذاك قوامهفيهتزّ تيها والعيون فواتر
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
كأنّ أمير النوم يهوى جفونهإذا همّ رفعا خالفته المحاجر
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
خلوت به من بعد ما نام أهلهوقد غارت الجوزاء والليل ساتر
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
فوسّدته كفّي وبات معانقيإلى أن بدا ضوء من الصبح سافر
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
فقام يجرّ البرد منه على تقىوقمت ولم تحلل لإثم مآزر
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
كذلك أحلى الحبّ ما كان فرجهعفيفا ووصل لم تشنه الجرائر
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة

وأنشدني لنفسه بمنزله بحلب في ذي الحجة سنة تسع عشرة وستمائة وإملائه:

وساحرة الأجفان معسولة اللمىمراشفها تهدي الشفاء من الظما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
حنت لي قوسي حاجبيها وفوّقتإلى كبدي من مقلة العين أسهما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
فوا عجبا من ريقها وهو طاهرحلال وقد أضحى عليّ محرّما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
فإن كان خمرا أين للخمر لونهولذته مع أنني لم أذقهما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
لها منزل في ربع قلبي محلّهمصون به مذ أوطنته لها حمى
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
جرى حبها مجرى حياتي فخالطتمحبتها روحي ولحمي والدما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
تقول إلى كم ترتضي العيش أنكداوتقنع أن تضحي صحيحا مسلّما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
فسر في بلاد الله واطّلب الغنىتفز منجدا إن شئت أو شئت متهما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
فقلت لها إن الذي خلق الورىتكفّل لي بالرزق منّا وأنعما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
وما ضرني أن كنت ربّ فضائلوعلم عزيز النفس حرا معظما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
إذا عدمت كفّاي مالا وثروةوقد صنت نفسي أن أذل وأحرما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
«ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتيلأخدم من لاقيت لكن لأخدما»
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة

لا يظن الناظر في هذه الأبيات أن قائلها فقير وقير، فإن الأمر بعكس ذلك،

لأنه- والله يحوطه- ربّ ضياع واسعة وأملاك جمة ونعمة كثيرة وعبيد كثيرة وإماء وخيل ودواب وملابس فاخرة وثياب، ومن ذلك أنه بعد موت أبيه اشترى دارا كانت لأجداده قديما بثلاثين ألف درهم، ولكن نفسه واسعة وهمته عالية والرغبات في الدنيا بالنسبة إلى الراغبين والشهوة لها على قدر الطالبين.

وأنشدني لنفسه بمنزله في التاريخ:

احذر من ابن العمّ فهو مصحّفومن القريب فإنما هو أحرف
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
القاف من قبر غدا لك حافراوالراء منه ردى لنفسك يخطف
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
والياء ياس دائم من خيرهوالباء بغض منه لا يتكيف
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
فاقبل نصيحتي التي أهديتهاإني بأبناء العمومة أعرف
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة

وأنشدني أيضا لنفسه بمنزله سالكا طريق أهله في الافتخار:

سألزم نفسي الصفح عن كلّ ما جنىعليّ وأعفو حسبة وتكرما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
وأجعل مالي دون عرضي وقايةولو لم يغادر ذاك عندي درهما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
وأسلك آثار الألى اكتسبوا العلاوحازوا خلال الخير ممن تقدما
أولئك قومي المنعمون ذوو النهىبنو عامر فاسأل بهم كي تعلّما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
إذا ما دعوا عند النوائب إن دجتأناروا بكشف الخطب ما كان أظلما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
وإن جلسوا في مجلس الحكم خلتهمبدور ظلام والخلائق أنجما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
وإن هم ترقّوا منبرا لخطابةفأفصح من يوما بوعظ تكلما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
وان أخذوا أقلامهم لكتابةفأحسن من وشّى الطروس ونمنما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
بأقوالهم قد أوضح الدين واغتدىبأحكامهم علم الشريعة محكما
دعاؤهم يجلو الشدائد إن عرتوينزل قطر الماء من أفق السما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
وقائلة يا ابن العديم إلى متىتجود بما تحوي ستصبح معدما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
فقلت لها عني إليك فإننيرأيت خيار الناس من كان منعما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
أبى اللؤم لي أصل كريم وأسرةعقيلية سنّوا الندى والتكرما
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة

وأنشدني لنفسه وقد رأى في عارضه شعرة بيضاء وعمره إحدى وثلاثون سنة:

أليس بياض الأفق في الليل مؤذنابآخر عمر الليل إذ هو أسفرا
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة
كذاك سواد النبت يقرب يبسهإذا ما بدا وسط الرياض منوّرا
للشاعر ابن العديم، اقرأ القصيدة

ودخلت إلى كمال الدين المذكور يوما فقال لي: ألا ترى أنا في السنة الحادية والثلاثين من عمري وقد وجدت في لحيتي شعرات بيضا، فقلت أنا فيه:

هنيئا كمال الدين فضلا حبيتهونعماء لم يخصص بها أحد قبل
للشاعر ياقوت الحموي، اقرأ القصيدة
لداتك في شغل بداعية الصباوأنت بتحصيل المعالي لك الشغل
للشاعر ياقوت الحموي، اقرأ القصيدة
بلغت لعشر من سنينك رتبةمن المجد لا يسطيعها الكامل الكهل
للشاعر ياقوت الحموي، اقرأ القصيدة
ولما أتاك الحلم والفهم ناشئاأشابك طفلا كي يتمّ لك الفضل

النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤١٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجم الأدباء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.